Thursday, 29 October 2026

٧ أكتوبر: يا يحيى خذ الكتاب بقوة

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١٤١ بتاريخ ٨ أكتوبر ٢٠٢٦.

لم يُحْسِن نعيَ السيد حسن نصر الله مثلُ طارق علي، الكاتب الشيوعي العلَم صاحب الشارب الستاليني وأحد مؤسِّسي مجلة «عرض اليسار الجديد» (1961)، وهي عمدة دوريّات اليسار على بيّنة في عالم اليوم. نعَى طارق علي السيد حسن كمناضل ثوري مات شهيداً في خطة التحرّر الوطني ومقاومة الإمبريالية، فما استبقى شيئاً، وا حَلَالي، وصدَق الشيوعي أب شنَب وأحسَن.

قضى السيد حسن بعدد 15 قنبلة أميركية الصنع، تزن كلُّ واحدةٍ منها ألفي رطل، وذلك في 27 سبتمبر 2024 ضمن التداعيات الواسعة لعملية حركة المقاومة الإسلامية (حماس) العسكرية فجر 7 أكتوبر 2023 «طوفان الأقصى». هدَمَ جيش الكيان الصهيوني، لبلوغ هدفه الثمين، سلسلةً من المباني في حارَة حريك الباطنة، في الضاحية الجنوبية لبيروت، بتفجيراتٍ متزامنة، ونفّذ هجوماً إرهابيّاً واسعاً على عناصر حزب الله، حزب السيد حسن، عبر أجهزة المراسلة، البيجَر، انفجرت في ساعة واحدة في وجوه أصحابها فقتلت وشوّهت وأرعبت.

لا يحتاج السيد حسن إلى شهادةٍ من طارق علي، فالسيد سيّد وعزُّه معلوم، كما لا يحتاج إلى شهادة من قطب اليسار المعاصر المرحوم نعوم تشومسكي، لكنْ تفضَّل بها تشومسكي على كل حال وأسَرَّ لزميله طارق علي أنه يعدّ كلاً من السيد حسن نصر الله وهوغو تشافيز، زعيم الثورة البوليفارية في ڤنزويلا، أحذق السياسيين الذين يسَّرَت له الظروف لقاءهم. والسيد حسن شُغُل بِختلف، فهو من تربة الطبقة العاملة اللبنانية، تعليمُه دينيّ شيعيّ، وحذقه السياسي من عصامية التثقيف الذاتي، أشعلت في نفسِه الثورةُ الإيرانيةُ عام 1979 ناراً راديكاليةً ظلَّ وفياً لها حتى لقي الله، بقنابل أميركية قذَفت بها المقاتلات الصهيونية، في عمر الرابعة والستين. كتَب طارق علي ضمن نعي السيد حسن: «سيجد حزب الله زعيماً جديداً لا شك، فلا يوجد ما لا يمكن تعويضه».

أعلن السيد حسن يوم 8 أكتوبر أنّ حزب الله لن يترك حماس تقاتل وحدها، فالمعركة واحدة والعدوّ واحد، فِقهُه في هذا المعنى أمميةٌ شعارها «وحدة الساحات»، وهو القرار الذي دفع حياته ثمناً له. سجَّلت شاشات التلفزيونات والتلفونات والآيبادات وما إلى ذلك مجريات حرب الإبادة الانتقامية الجارية التي يشنّها الكيان الصهيوني على أهل غزة، وفلسطين الكبرى، منذ ذلك الصباح الذي التقى فيه مقاتلو حماس الشمسَ تسجيلاً يشهد على أهل الأرض جميعاً أنهم، بخلاف السيد حسن، قواعدُ شغَلَتْهم أموالُهم وأنفسُهم عن شٌغل الحرية، كالأنعام وربما أدمع البعير، لا تهتزّ لهم شعرة. وشاهدنا جميعاً أوصالَ الأطفال تتطاير من ضرب القنابل، وأكوامَ جثث المصلّين الفجر تحت الركام، وآياتٍ لا حصر لها من العذاب؛ تتطاير النفوسُ كلَّ يوم بالمئات إلى عرش الرحمن حتى بلغت فوق السبعين ألف، ولم ينقطع الحساب.

واستفاد محمد أحمد في الغالب من هذه «الداخلية» التي قامت في كُترانج للفُقَرا طُلاب العلم. لكن، ماذا وجد محمد علي باشا في كُترانج ليمنحها داخليةً للطلاب؟ قام مسجد كترانج الذي جدَّده محمد علي بالطوب الأحمر بجهد الشيخ عيسى بشارة، الأزهري الذي وفد إلى السودان في أول القرن العاشر الهجري، أي حوالي 1500 للميلاد، وتزوَّج ببنت الملك سليمان النار، آخر ملوك الجموعية، ثم استقرّ في كترانج التي أسَّس فيها المسجد ومدرسةً لعلوم الدين على مذهب مالك. ومسجد الشيخ عيسى، عند بعض المؤرِّخين، أوّل مسجد أُسِّس للصلاة والعلم معاً في السودان. ظَلَّ علماء مسجد الشيخ عيسى على صلة بالأزهر الشريف، وفيه نالوا إجازاتهم في العلوم وعادوا إلى كترانج للتدريس. وصار بذلك مسجد كترانج معهداً مستقراً وموقعاً لإنتاج العلوم فألَّف أساتذتُه في علوم الدين وعلوم اللغة العربية، ومن ذلك شروحٌ بتعليقاتها للمنظومة الشعرية «جوهرة التوحيد»، وهي من متون علم العقيدة ألَّفها إبراهيم اللقاني المالكي (توفى 1631 ميلادية). وفي «الجوهرة» وشروحها، التي لا بدّ أجادها الإمام وأحسنها فهي من منهج جامعة كترانج أصالةً، أكثرُ من مفتاحٍ لقضية الزمان التي واجهَتْه في «سلامة الباشا» كصدام بين خطّتين للزمان؛ خطّة دائرية يعيد فيها الزمانُ نفسَه دورةً بعد أخرى كمواقيت الصلاة، ويحيط به في دائرة كبرى اتصالُ الأزل والأبد في وحدةٍ واحدة، وخطّة خَطّية يتقدّم بها الزمان بضربات شوكات الساعة تكة تكة من ماضي حسرات إلى مستقبل لذّات، وَوشّك منوِّر:

لكن ما هي هذه الحرب؟ هي بحساب الضحايا حربُ الإبادة، وبحساب مقاتلي حماس، في ذاك الصباح الأغرّ قبل ثلاثة أعوام، فصلٌ من فصول حرب التحرّر الوطني الفلسطيني، وبحساب «وحدة الساحات» حربُ التحرّر الوطني اللبناني والتحرّر الوطني اليمني والتحرّر الوطني العراقي والتحرّر الوطني العربي؛ حرب الحرية وعاصمتُها غزة، وإن لم يشارك فيها جيش نظامي عربي واحد في مواجهة جيش الدفاع الإسرائيلي. 

الغالب أنّ فيضَ صور القتل والعذاب والتدمير الهائل سرعان ما يزول عن خاطر المشاهدين بكثرة تكرارها، لكنْ ربما احتفظت الذاكرة الجماعية بصورة واحدة صمَدية للفارس الجالس في حرز الخراب، محجوب الوجه وساعدُه ينزف، يدفع عن نفسه مُسيّرة قاتلة بعصا كأنها عصا موسى تشقّ بحرَ السقم في مقابلةٍ قرآنيةِ الطراز بين الإنسان موضوع الحرية والآلة وسيلة القهر. انتهت حياة هذا الفارس يحيى السنوار في جلسته تلك يوم 16 أكتوبر 2024 في عمر 61 سنة. وراديكالية يحيى السنوار، كما راديالكية السيد حسن نصر الله، فاتحة على الشارع؛ راديكالية الناس العاديين في عبارة حزب الطبقة العاملة السودانية.

وُلد يحيى في مخيم خان يونس للاجئين في 1962 ،لأسرة من عسقلان التي حاق بها التطهير العِرقي الصهيوني في 1948، وشهد حرب النكسة عام 1967 وهو طفل، شبّ في النكسة إذن. درَس يحيى في خان يونس حتى الثانوية ثمّ انتقل إلى الجامعة الإسلامية في غزة التي أصاب فيها بكالوريوس لغة عربية. لكنّ شغله في الحقيقة كان وظيفة الحرية، تفرّغ في حماس منذ حوالي العام 1982 وهو ابن 20 سنة. دخل السجن الإسرائيلي لأول مرة لمدة ستة أشهر في العام 1982، ثم اعتُقل مرة أخرى في 1988 في عمر 26 سنة وحَكم عليه القضاء الصهيوني بالمؤبَّد أربع مرات، قضى منها 23 عاماً متواصلة في السجون، أربع سنوات منها في العزل الانفرادي، فهو إذن صناعة السجن الصهيوني.

خرج يحيى من السجن بالصفقة المشهورة عام 2011 وهو في عمر 49 سنة، وتزوّج في الخمسين الإبراهيمية، وله ولدان، عبد الله وإبراهيم، وابنة واحدة رضا. ويحيى مثقّف حركيّ إذا صحّ التعبير. تعلَّم العِبرية وأحسَنَها، وترجم منها «الشاباك بين الأشلاء» و «الأحزاب الإسرائيلية عام 1992». قصَف جيش العدو الصهيوني ودمَّر منزله عام 1989، ومرة ثانية خلال عدوان 2014، ومرة ثالثة خلال عدوان 2021، ومرة رابعة خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة في ديسمبر 2023، والدار دار الآخرة.

بنحوٍ إسلاميٍّ هي راديكالية كلّ من السيد حسن ويحيى ، فالحرّية هي التحرّر من عبودية القوى العظمى والاستعمار الاستيطاني إلى عبودية الله، والموتُ في هذا الدرب هو باب الحرية؛ مفتاح الخلاص الفردي، لا نهاية العالم. فما موقع هذه الراديكالية بلسان آخر في عالم اليوم، تك توك، تك توك؟.  

جاء الدكتور ماكس عجل إلى هذه القضية بنظر ثاقب في ورقة بعنوان «فلسطين ونهاية النظرية» (مجلة نقد الشرق الأوسط، م 33، ع 4، 2024، ص 611-634). والدكتور ماكس عجل، أستاذ في جامعات بلجيكا وتونس، وغالب شغله عن السيادة الغذائية، «نأكل مما نزرع» يعني، وله كتاب مقروء عن التحرّر الوطني على أساس من مطمورة مليانة إذا صحّ التعبير «صفقة جديدة، خضراء وشعبية» (2021) يتابع فيه خطى كارل بولياني، صاحب «التحوّل العظيم». ومن شُغل بولياني أن السّلعية لا تصحّ، البيع والشراء لا يصحّ، السوق لا يصحّ، على سلع الأرض والعمل والمال، وهي إذن سلع كاذبة،  فالأرض هي الطبيعة، والعمل هو الحياة البشرية نفسها، والمال هو قوة شرائية، ومتى داخَلَ هذه العناصر التسليعُ فسد العالم، وهذا تشخيصُه لخراب الرأسمالية الساحق الماحق. لكنْ هذه قضية أخرى.

طرَح الدكتور ماكس عجل سؤالين من وحي حرب التحرّر الوطني الفلسطيني: ما هي خيارات العمل المتاحة أمام حركة مناهضة للاستعمار مثل الحركة الوطنية الفلسطينية في القرن الحادي والعشرين؟ هل من مكان للعنف؛ للعنف الثوري، في الصراع السياسي المعاصر؟ وكلّ من يقف على 7 أكتوبر 2023؛ تاريخ بداية طوفان الأقصى بعبارة حماس وحليفاتها، لا بدّ يجيب عن هذين السؤالين قبل أن يختار موقعاً بين قطبي الرأي في تصوير هذه الأحداث، فهي أعمال عسكرية مشروعة لحركة تحرّر وطني تقاوم الاستعمار، أو هي قتل أعمى وحشي شهواني موجَّه إلى قوم خارج التاريخ، لا ينطبق عليهم تعيين الفاعل السياسي، فهم أقرب إلى الحيوانات منهم إلى البشر، ومصيرُهم الإبادة، خاصة وقد انجلت الحرب عن صراع غير متكافئ بين مقاتلِين بأسلحة بدائية في حوض بشري من أهلهم، سمك ماو الشهير في ماو الشعب، وبين جيش نظاميّ مدجّج بأحدث أسلحة الكون وأكثرها تدميراً ورصداً، تحرسه بوارجُ الولايات المتحدة الحربية وغطاؤها الجوّي ومالُها الذي لا ينقطع، خطّته الحربية قتل السمك بتجفيف الماء، بالحرب على سكّان قطاع غزة، الفلول من أنصار حماس.  

لكن، مَن يقرأ نيويورك تايمز، أو يسمع الخبراء الاصطراطيجيين الأميركيين، بما في ذلك المتعاطف مع فلسطين منهم، يخرج بانطباع أنّ هذا الصراع العسكري – المقاومة بوسائل عسكرية، بعد إجهاض كلّ وسيلة سياسية للتحرّر الوطني الفلسطيني؛ اتفاق غزة أريحا وحلّ الدولتين والدولة الفلسطينية الحمدوكية في رام الله – لا قوام له. فهنالك إرهاب فلسطيني في 7 أكتوبر خلو من السياسة وخارج التاريخ، وهنالك الأزمة الإنسانية الفظيعة التي هي من تبعات الحملة العسكرية الإسرائيلية لاستئصال شأفة الإرهاب الفلسطيني وإنْ بلغت مستوى الإبادة الجماعية، أما السياسة فلم تحدث. 

وترى هذا التحلّل من سياسة التحرّر الفلسطينية كما هي، واقعاً؛ التحليل الملموس للواقع الملموس بعبارة المرحوم لينين، في الاكتفاء بالبكاء على ضحايا الإبادة في غزة، وكَيْل اللعنات على نتنياهو البغيض وعلى إدارة بايدن ثمّ الملك ترمب.. إلخ، أو شيوع التضامن مع فلسطين كطقس، تلبسْ كوفية أو تطبعْ إشارة على القميص أو تلِف راسك بدلقان ما، وما إلى ذلك درجات من التأفُّف: أولاً، التأفُّف من إسلامية حماس، فهل يصحّ أن ينعقد لواء التحرّر الوطني لحركة إسلامية؟ أو هل من مكان للسياسة بالإسلام، للإسلام السياسي في المستقبل؟ ثانياً، التأفّف من القضية الوطنية، هل من مكان في فقه اليوم السياسي للدفاع عن أنظمة السيادة السياسية، عن السيادة وتقرير المصير، سوى لهويات صغرى في حيز الفردية، من قَبيل عذابات الرجل الأسود المثلي في ثقافة أبوية على سبيل المثال، وكيف يمكن إنقاذه. والقضية الفلسطينية قضية تحرّر وطني في المقام الأول، ليست قضية متعة ذاتية أو استهلاك فردي، ولا يمكن استيعابها ضمن تحليل الهويات الصغرى، هي في واقع الحال قضية محرجة. 

ولهذين السبيين، التأفّف من آيديولوجيا للتحرّر الوطني غير آيديولوجيا الاستهلاك، والتأفّف من القضية الوطنية، حلَّ فقهُ الضحية محلَّ فقهِ المناضل. وشخَّص الدكتور ماكس عجل تحوُّلَيْن في هذا المعنى: الأول، الخليج الذي يزداد تباعداً بين النظرية في الأكاديميا، غربيّة وغير غربيّة، وبين الوقائع في سُرّة العالم وعاصمته غزة. والثاني، الاندماج بين النظرية والمقاومة في المركز الامبريالي، فالمقاومة تأمُّل أكاديمي، بيرة بدون كحول، ولا أثر سياسياً لها، شُغلها تحقيق مواقع في المجتمع المدني الغربي، سواءٌ أكان ذلك كرسيَّ أستاذيةٍ في جامعة مرموقة أم رئاسة تحرير مجلة قشيبة، وانتصاراتُها هوياتيّة من نوع أول امرأة عربية مسلمة ترأس هذه الجامعة أو تلك. وهذا الصنف من التأمّل الأكاديمي أعمى تجاه القضية الوطنية لا يراها، فمجالُه مواطَنة كونية للناجحين والناجحين جداً، كوزموبوليتان. وقضية الدكتور عجل أنَّ معاداة الصهيونية التي انبثَّت في الحرم الجامعي الغربي أخيراً هي من هذا المورد، خلو من سياسة التحرّر الوطني، ويتتبع عجل نَزْع السياسة عن فلسطين وتحويلها بلسان يسار جزافيّ إلى مأساةٍ إنسانيةٍ عبر محطات تنتهي عند صمت الفكر بإزاء 7 أكتوبر، فهو حدَثٌ لم يحدث في قاموس اليسار الجزافي، حدَثٌ لا يناسب النظرية. 

وأُولى هذه المحطات، بحسب الدكتور عجل، سقوط الاتحاد السوڤييتي، حيث دشنّت الولايات المتحدة مرحلةً جديدةً من تراكم كونيّ يقوم على سيادة رأس المال التمويلي والهيمنة العسكرية الأميركية. فالاتحاد السوڤييتي وإنْ كَرِهَ الكافرون، مثَّل طريقاً آخر لتنظيم الاجتماع. وتقع موقعَ القلب من الشوكة الأميركية القدرةُ على تحريك رؤوس الأموال كما تشاء ووقتما تشاء واشنطن وشركاؤها الأواسط، عبر حدود الدول القومية، ما يهدم مبنى الدولة القومية المعرّضة على الدوام للإفلاس. ووسائلُ هذا التشليع للدولة القومية متعدّدة: حروب مباشرة، أو عقوبات متطاولة، أو الخنق بالديون ثمّ فكّ الخنقة ببرامج الصندوق والنقد الدولي والتحوّل الحاسم نحو الليبرالية الجديدة. ومن نتائج هذه الحملة خطواتٌ بعيدةٌ نحو تصفية الدولة في العراق ثمّ ليبيا ثمّ سوريا ثمّ اليمن ثمّ السودان، ومشروعُ تصفيتها في إيران. وغطاءُ هذه الحملة المستمرة الآيديولوجي هو الحرب الشعواء على فكرة مقاومة الامبريالية ضمن الحرب الكونية على الطبقة العاملة وأفكارها، شيوعية، اشتراكية، وطنية وإسلامية… إلخ، تصفية أيّ منبر يمكن أن يقف عليه تنظيمٌ لغمار الناس مستقلّ عن الطبقات المهيمنة.

والخطوة الثانية نهضةُ صوَرٍ جديدة للمقاومة. تطرح فلسطين هذه السلسلةَ ببيان ظاهر، فقد كان لواء التحرّر الوطني والنضال المسلح معقودٌ بيَد حركة فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؛ الأولى قومية عربية، والثانية ماركسية لينينية، وانتقل في أصيل الاتحاد السوڤييتي، وبدفع من الثورة الإيرانية في 1979 إلى حركات الإسلام السياسي. لكنْ، من يقرأ علي شريعتي يقع على أكثر من الشعاراتية الإسلامية للبرجوازية الصغيرة من جنس «القرآن دستورنا» و«الإسلام دين ودنيا»؛ فالثورة الإيرانية، ومفكّرها الأول علي شريعتي، جعلت العبارة الإسلامية هامشاً لمتنٍ فيه نظرية التبعية، ومعاداة الامبريالية، وهوى الجمهورية. انزوَت القضية الاجتماعية، والقضية الوطنية الديمقراطية؛ قضايا «الثورة الوطنية الديمقراطية»، بتدهور الشيوعية كقوة تنظيمية، لتحلّ محلّها تميمة ثابتة عنوانها «الديمقراطية»، خيمة بلا شِعبة تقف عليها، كقولنا الغافل: «الثورة ثورة وعي». 

وحصيلة كلّ ذلك، أجوبة محرجة على سؤال: ما القوى التي تعادي الإمبريالية الأميركية الصهيونية في المنطقة اليوم، عملاً وقولاً، تناضل ضدّها؟ أهي الجمهورية الإسلامية في إيران، حزب الله، حماس والجهاد الإسلامي، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، أنصار الله في اليمن؟ وجميعها خيارات صعبة للبرجوازي الصغير الحمدوكي وهو يتأمّل العالم من حوله، فالإسلاميون كَكَّا، والشيوعيون كَكَّا أيضاً، وإيران؟ ولاية الفقيه؟ معقولة بس؟ ولأنها جميعاً خيارات صعبة فالفكر صامت، قاطِعْ موية وكهربا. فوق ذلك، تتصل الصعوبة التي تعركس لليسار الجزافي مع حماس، بخلاف الإسلامية، بفزَعه من مسألة الدولة، وحماس قبضت الدولة في غزة، وقامت بوظائف جهاز الدولة قبل ذلك. وجاء اليسار الجزافي بنقدٍ سهلٍ لحماس من هذا الباب، فهي بحسب كراس التصحيح هذا تواطأت مع نظام الدولة ولم تقتلعه، بل وتواطأت مع نظام نتنياهو وكانت العلاقة بين الطرفين اعتمادية يتبادلان الخدمات، فقامت بذلك بدَور الوكيل للكيان الصهيوني في القطاع، بينما سمح نتنياهو للمال القطري أن يصب في خزائنها. وفي هذا النقد صدىً قديمٌ لتطهر اليسار الجزافي من ابتلاء الدولة واليوم العاقب للغبطة الثورية منذ المفاصلة بين لينين أب صلعة وحلفائه من الاشتراكيين الثوريية وغيرهم عشية ثورة أكتوبر 1917 عابوا عليه أوّل ما عابوا أنْ عطَّل الصحافة المعادية، فكان ردُّه الحرية لمن؟ ولفعل ماذا؟.

ويتسع هذا النقد من جهة اليسار الجزافي، ليشمل حجّةَ كلّ منافق في ساعة حارة، واختصارُها أنّ المقاومة المسلّحة التي تقودها حماس فشلت أو ستفشل لا محالة ومضمونة الفشل، فمن يَقوى على العدو الصهيوني والغلبة الأميركية، هل بأسياف العُشَر؟ وهذا نقد مَسِيخ بطبيعة الحال. فكلّ مقاومة مسلّحة للاستعمار فاشلة حتى تبدأ في النجاح، وتكرَّرت مثل هذه الحجّة بلسان أسلاف حمدوكيين في الجزائر وفي ڤيتنام وفي غينيا بيساو وفي كلّ وضع شبيه. بل يخالف مثلُ هذا الزعم حقائقَ موضوعية، فالمقاومة المسلحة التي يقودها حزب الله هي التي دفعت الكيان الصهيوني في جولة سابقة من الصراع لإخلاء جنوب لبنان عام 2000، وصدّت الهجوم الصهيوني عام 2006، وتقف بينه وبين النصر اليوم. 

والاشمئزاز اليساري الجزافي من مثل حماس لا يعني سوى الاشمئزاز من حقائق التحرّر الوطني الفلسطيني ومادية تاريخه. ولا تجد مثل هذا الاشمئزاز في كراس اليسار الذي يستحقّ اسمه. تجد القارئةُ عند المرحوم غسان كنفاني (1936-1972)، بطل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الشهيد، تمييزاً للكفاح الوطني الفلسطيني المسلّح بعنوان «ثورة 36-39 في فلسطين: خلفيات وتفاصيل وتحليل» يعود به إلى ثورة 1936-1939، ثورة الشهيد عز الدين القسام، الذي قضى محاصراً في جِنين يترصّده الجنود البريطانيون حتى بلغوا موقعه فهاجموه، ورفض الاستسلام وعشرة من أنصاره حتى قضى برصاصة في جبينه في 19 نوفمبر 1935. عيّن كنفاني معضلة التحّرر الوطني الفلسطيني في تراكُب ثلاث نقاط ضعف: قال القيادات المرجعية المحلية، الأنظمة العربية المحيطة بفلسطين والحلف الإمبريالي الصهيوني، فكأنك تقرأ من كراس حماس «هذه روايتنا، لماذا طوفان الأقصى» لكن بلسان آخر: «كانت عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023م، خطوة ضرورية واستجابة طبيعية، لمواجهة ما يُحاك من مخططات إسرائيلية تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، والسيطرة على الأرض وتهويدها، وحسم السيادة على المسجد الأقصى والمقدسات، وإنهاء الحصار الجائر على قطاع غزة، وخطوة طبيعية في إطار التخلّص من الاحتلال، واستعادة الحقوق الوطنية، وإنجاز الاستقلال والحرية كباقي شعوب العالم، وحق تقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس».

No comments:

Post a Comment