Friday, 17 April 2026

مُزن: فِريع البانة الاشتراكية

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١١٩ بتاريخ ١٦ أبريل ٢٠٢٦. 

تَستَّر الموتُ قبل أن يقطف زهرة المرحومة مُزن بستر الإغماء العميق، تلطّف بها ربما في ساعاتها الأخيرة، فغابت قبل أن تغيب. ولا تدري المراقِبة كيف استطاع أن ينفذ بظفره الطويل إلى هذا القلب المفعم بحبّ جماعة المساكين. هل سألها، ربما، واستأذن قبل أن يُسكِتَ ذلك الخفقان؟ ربما. هل استرَقَ السمع إلى ضربات قلبها الأخيرة؛ بأيّ لحن كان وَقْعُها، هل بأراجيز ديسمبر السريعة تلك، أم بأوزان الشعر المُقفّى من إرث الثورية السودانية، محفوظات «الموت معلَّق»، أم ربما بالإنترناشيونال، لحن الثورة الذي لا يَبلى، أم بأعجمية لانغستون هيوز يَطرب ببطولة لينين، أم ربما بلحنٍ أم درمانيّ مِن ضَرْب الرقّ وصفقة «الروجال»؟ لا يمكن الجزم، لكنّ الثابت أنّ المرحومة مُزن عبرَت من زمانٍ كرهَت حربَه وصراعَه من جنس «الثورة المضادّة» واشمأزّت منه كلّ الاشمئزاز، إلى زمان الأبدية المهول. وتركت في قلب كلِّ من قرأت لها حرفاً أو سمعت لها كلمة جرساً للتذكير: أنّ «الثورة» الآنَ هذا ميقاتُ صَلاتها، لا تَقبَل التأجيل والتسويف.

يَشُقّ على مثلي نعي المرحومة مُزن الشابة، فلستُ من أقرانها أو زمرة حبّانها؛ بيننا زمالة الكتابة وبعض قاموس مشترك. لكنّها عبَرت بوابة العصر بـ «فولاذ البطولة»، ناضلت بقوّة وعزم، وماتت شابةً قبل أن يفسد الحساب، «وما تدري نفسٌ بأيّ أرضٍ تموت». أجادت المرحومة مزن القاموس الاشتراكي، وتعلّقت بمفاهيمه وصُوَره، ونفخت في بعض مصطلحه من روحها فقام طيراً واعداً، فرزت منه ما ترجمت به الوقائعَ من حولها إلى صيغٍ نضالية، فهي نصيرة الطبقة العاملة في مقابل البرجوازية، وهي مناضلة الثورة في مقابل الثورة المضادّة، والاشتراكيةُ عندها أقرب من «الأفق» الذي قال به المرحوم محمد إبراهيم نقد، هي قاب قوسين أو أدنى، قد تتجلّى قسماتها متى انتظم الكادحون في بناءٍ قاعديّ وصار لهم «حزب» تعريفُه بالألف واللام؛ الحزب الثوري، صافي الأيديولوجية، عزيز القيادة، شديد الشكيمة، متراصّ الصفوف، الحزب الذي يصنّ فيمسك ويقطع، موسى المُرّ الحجازي، دقّ السُّندالة قلبو.

لم يَقُم حزب المرحومة مُزن، وتعنَّتَ الواقع على هذا الحلم، لكن قامت الثورة بتناقضاتها، ليست الثورة التي تبقّ من خلف أبوابها أنوار الاشتراكية، لكن حلقة من حلقات «الثورة الوطنية الديمقراطية»؛ وهي عبارةٌ لم تهضم المرحومة مُزن نحوَها وصَرْفها. ظلّت المرحومة، على عهد الحزب الغائب، والاشتراكية التي تأتي ولا تأتي، تبحث عن بشائر الأوّل وإشارات الثانية في محيطها ومشاغلها العديدة.

وأحسَنُ شُغلِها وأصفاه عندي ما نظَرَت فيه في جوف الوادي الذي يُحلّق في سَماهُ طير المصطلح، وهو وَادٍ ظلت تعود إليه مرة فالأخرى ببوابة الهندسة الصناعية. تجد عندها على سبيل المثال عِلْماً حقلياً ملموساً بالصناعات الصغيرة والإنتاج الأسَري تحت ظروف سلمية وحربية (انظر: مزن النيل، «الطريقة نحو سياسة صناعية تضع الناس أولاً»، و«تقييم متمحور حول الناس للسياسات الصناعية ما بعد الثورة في السودان 2019-2021»، و«من التحديات إلى الاستراتيجيات: دروس مستفادة من الصناعة الصغيرة والمتناهية الصغر في السودان خلال الحرب»). وعلى صفحات هذه المجلة حاجّت من أجل الإنتاج (انظر: مزن النيل، «لماذا يجب أن ننتج؟»، و«عن الصناعة في زمن الحرب: مُطالعات من التجربة»، و«أساليب تنظيم عالمية لحلول محلية: نحو فهم غير نخبوي للمساندة المتبادلة»، و«في خضم الاضطرابات وبعيداً عن «المعونة الأمريكية»: تعزيز الخدمات المُدارة مُجتمعياً في السودان».

انقطعت حياة المرحومة مزن قبل أن تدرّ نظراتُها إلى عالم الإنتاج والمنتجين ما يصل بين الاشتراكية الموعودة، المشروع الاشتراكي بعبارتها، وصناعة الصابون المنزلية في غرب أم درمان، وعلّقت آمالها على أنّ الحزب الغائب متى قام والتزم الصراط المستقيم جاب الرايحة وأقام المؤسسات الأيديولوجية والثقافية التي تُحصِّنُ إيمانَ مثل مُنتجي الصابون بعقيدة مكينة في بناء الاشتراكية (مزن النيل، «بعينين ليْسَتا لك: من يُعرّف الحرب؟»، أتَـر، ع 74، 24 أبريل 2025).

طالت الحرب، وطال خرابُها الاجتماعَ الذي عاشت المرحومة مُزن طرفاً منه؛ اجتماع الخرطوم التي انطبعت بقالب العولمة وجرت فيها جراحُها فلا يصدمك فيها تمشِّي المتمشّية بكلب صغير حسن التصفيف طعامُه معلّبات تعبر سكّة أرملة نازحة تلوك الصبر على ذلّ السؤال أعطوها أم منعوها. وخرجت المرحومة مُزن من غُمَّة الحرب بمعيارٍ فكتبت: «موقفي السياسي أنه الناس ما تتكتل» صَدَّاً للِجَاجٍ غزير وتحصيناً. لكنّها، وقد عافت «أقصى درجات الصراع الاجتماعي»، تعريف الحرب بعبارة ماو، لم تقنط قطّ، وحافظت على مصطلحها وكذلك على حلمٍ باشتراكيةِ جماعةِ المساكين.

No comments:

Post a Comment

 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.