Thursday, 18 June 2026

جورنال من البلد: بشوف أولادي في عيونك أو كما قال

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١٢٦ بتاريخ ١١ يونيو ٢٠٢٦. 

انسلّت أم درمان من «أيام الحرب» ببَركة الجماعة، كما في قول أهْلِك: «موت الجماعة عرس»، بل ربما انتقل هذا المجاز إلى الواقع في انقلابٍ بلاغيّ؛ فأعراس البقعة «شُغُل بِختَلف»، إذ تَنْفُضُ «السيرة» تلك، على قطار الحافلات، ليلَ شارع الوادي، نفضاً بالزغاريد والهجيج والأوك أرروك! والدّالّة ربما أنّ شارع الوادي استُنفِر بالحرب، فرَكَّب مكنة نمرة 2، بتدفُّق الأرباح من مَوْردين رئيسَيْن، الطعام للعزّابة وجيهة العرس للعزّابة أيضاً، أو بعبارة أخرى مسيخة «إعادة الإنتاج الاجتماعي»، يتنقّل البصر على طوله بين المطاعم ومحلات التجميل ومحلات الذهب المشغول. وعُهدة المدينة، وأيّ مدينة، هي صيانة هذا الاجتماع وتجديد حياته، للدّايرنا والمابِينا.

يهلك الاجتماع بغير الغذاء والتناسل، لكنْ لا يقوم بهما حصراً سوى، ربما، كاجتماعِ الأنعام في زريبة، فآزِرَة الاجتماع وأمْنُه في الثقافة، وعبيرُها الشفاهيّ ما نرتجل في «الوَنَسة». كذلك استعادَت «وَنَسة» الصفوة نفسَها في موقعٍ مخدومٍ للشاي والزلابية، برَندة وحوش، يعجّ بالزوار وتتراصّ أمامه العربات، أوباما ودبدوب. وربما أفلح الحوار الوطني، أو الحوار الدايرنّو ليك، أو الحوار السوداني السوداني، أو التفاوض بلا زعل، أو ربما أفلحت حتى «العملية» السياسية المُفضية إلى التحوّل المدني الديمقراطي إنْ أخَذَت ببعض دروس هذه الثقافة من صاج الحرب.

تجد زائرةُ هذا الحوش أطرافاً من تقاسيم هذا الاجتماع متجاورةً غير مندغمة: هذا عَلَم من أعلام لجان المقاومة ولجان الطوارئ في حاشيةٍ من الأهل، أطفال ونساء ورجال؛ وأولئك بعضٌ من أعلام «البراء ابن مالك» بين لبسة على الله وجلابية بيضا مكوية، في إخوانية ذكورية؛ وذاك مسؤول في حركة مسلّحة في بدلة أفرنجي وكرفتة خنق، يستقبل سلامَ جمهوره قائماً بابتسامة عريضة؛ وهؤلاء مجدِّدو شِعر البادية، نجوم «طرب الغبش» و«حوشنا»، في جلاليب سكروته بيضاء وسمنيّة، كلٌّ لفَّ رأسَه بشال قصير، موضة، استغنَى به عن العِمّة، تندى خدودهم بالنعمة؛ وذاك اجتماع الصحافيات والصحافيين المنعقد يوماتي بين الصخب والهمس، يسلخون جلد الإشاعات والأقاويل سلخاً، عسى ولعلّ؛ وذا هو المحامي المفتّح، يُبطِن أكثر مما يُظهِر من أسرار المال والأعمال ويتكشَّم؛ وتلك رمّانة المسرح الجوز ديك، من انعقدت بأيديهما مهمة الجيل القادم، وقالا بسم الله، مزدوج البت السمحة والولد الشِّفِت، بعبارة الشاعرة سلمى الحسن، في أقشب الثياب، يقفز الحبّ من أعينهما «كائن حي» ويلهو «أولادي في عيونك» أو كما قال.

لكنّ حوشَ اجتماعِ الصفوة هذا، على جاذبية الموزاييك فيه وفتنتِه، ميدانُ تبادلٍ يَستر أكثر مما يكشف، فشُغل الاجتماع وإعادة إنتاجه لا يجري على خشبة المسرح، وإنما خلف أكثر من ستار، مثله مثل «محلّ الإنتاج المحجوب» بعبارة الدكتور كارل ماركس وهو يَعِدُ قارئتَه بعبور مَلَجة السوق، حيث يشتري السيد «كاشات» مدخلات الإنتاج وأدواته وكلّ ما يلزم، حتى الحنّة والسُّرَّتية، كذلك يشتري مقدَّماً قوة عمل العامل، التي صارت بذلك سلعةً مرهونةً في المستقبل، وصار صاحبُها أجيراً. ثمّ يعبر الاثنان عتبة المصنع التي تعلن عنها لافتة عظيمة «ممنوع الدخول إلا للأغراض الرسمية» ويَلِجَان مخبأ الإنتاج، حيث الفَتِك والمَتِك، وقد انتفَت ندّية التبادل، يستر الله ويفتح الله، وقامت بينهما علاقة شوكة، علاقة سلعية.

«إنّ ميادين التداول، أو تبادل السلع، التي غادرناها، والتي يجري فيها بيع وشراء قوة العمل، هي، في واقع الأمر، جنّة عدن فعلية لحقوق الإنسان الطبيعية، فلا يسود فيها غير الحرية، والمساواة، والملكية، وبنتام [جيرمي بنتام (1748-1832) فيلسوف ومشرّع إنقليزي، مؤسِّس المذهب النفعي]. الحرّية! لأنه ما من قوة تُرغم بائعاً وشاري سلعة من السلع، ولتكن قوة العمل، غير الإرادة الخاصة الحرّة التي يتمتعان بها معاً. فهما يُبرِمان عقداً ثنائياً بوصفهما شخصين حُرّين متكافئين حقوقياً. والعَقد الذي يتوصّلان إليه، ليس سوى الشكل الذي يُسبِغان فيه على إرادتهما الموحَّدة طابعاً قانونياً. المساواة! لأنّ كلاً منهما يُقِيم علاقته مع الآخَر بصفته محضَ مالكٍ لسلعة، ويُبادِل مُعادِلاً لقاء مُعادِل، المِلكيّة! لأنّ كلّ واحد لا يتصرّف إلا بما يملك، وبنتام! لأن كلاً منهما لا يكترث إلا بذاته».

وبعدين يا دكتور بحصل شنو؟

«وبعد أن نغادر ميدان التداول البسيط، أيْ ميدان تبادل السلع، الذي يزوِّد داعية التجارة الحرّة السوقيّ بوجهةِ نظَره ومفاهيمِه ومعيارِ حُكمه على مجتمعٍ يرتكز على رأس المال والعمل المأجور، نلمح، على ما يبدو، تغيّراً في سحنة شخصياتنا الدرامية. فذلك الذي كان مِن قَبلُ مالكَ النّقد، يتبختر الآن في المقدّمة كرأسماليّ، ومالكُ قوّة العمل يسير في أعقابه كعامل تابع. الأوّل يبتسم بتكلّف وتبدو عليه سيماء رجل أعمال خطير الشأن مستغرق في شؤونه، والثاني مذعور متردّد مثل إنسان يأتي بجلده إلى السوق وليس أمامه سوى المدبغة» (كارل ماركس، «رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي»، المجلد الأول، تعريب فالح عبد الجبار، دار الفارابي، بيروت، 2013، ص 228-229).

ما بين البت السمحة والولد الشِّفِت صراعٌ معلومٌ لا ينقطع حتى في حلبة التناسل مع المودة والرحمة، يهيج أحياناً في ستر العربية المظلّلة، وتكشف عنه في أحيان أخرى الصَّرّة تلك، و«لو كنتَ مهتمّ كان عرفت». وورطة المحامي المفتِّح قد ينبئ عنها التكشّم، أحَضَر أمامه فعلاً طرفا العقد؟ أم القانونُ ترجمةٌ للشوكة وإن ارتدَى زي الحقوق؟ وقسْط كبير من وَنسَة الصحافة سواقة بالخلا، وبعلّمني السّواقة، دخان ومرايا الألاعيب السلطانيّة على ذمّة «المصدر». ونَدَى خدود الشعراء من شُغل البلاط، نمرة ونقطة. واعتدالُ بدلة المسؤول من سُخامِ كاكي مراهقين على متن تاتشر يرقب أحدُهم ساعةَ «الجَغِم». وإخوانية ذكور «البراء بن مالك» لحظةٌ من وَسَن الشباب وبتتعلَّم من الأيام، فمن الذي يفوز بزوجة الشهيد تلك؟ ولجنة المقاومة يُهدِّدها «الهسيس» بعبارة المرحوم كمال الجزولي، هسيس الفَنْد والبروبوزال، فمن الذي يسافر إلى كمبالا بتفويضك الخايف عليهو؟ ولا تثريبَ، فالحياةُ ميدانُ الصراع، وكذلك الحوار السوداني السوداني، صراعٌ وليس عملية.

جورنال من البلد: من تفسير حضرة الصول للتاريخ، زي ما بقولك كدا

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١٢٥ بتاريخ ٤ يونيو ٢٠٢٦. 

آثَـر بعضُ أهل بقعة أم درمان طيَّ سِجلِّ الحرب كواقعةٍ انحسَر ظلُّها، فالحربُ عندَهم كانت «أيام الحرب»، أما هذه الأيام فبرزخٌ عسيرُ التعريف، لا هو الحرب الناريّة التي كانت «أيام الحرب» ولا هو العالَم الذي كان قائماً قبل ذلك، ما انجَلَت قسَماته بَعد، إلا أنَّ الرغيفات الأربع فيه بألف جنيه، والدفع بنكك، فالكاش في ندرة الوفاء، و«حقيقة مافي» بعبارة صاحب الركشة الذي مَلَّ الجغم السرديّ المتبادَل، وفِتِر. يقابِلُ الناسُ تحدّيات هذا العالم البرزخيّ بصُوَر من التلاؤم والتعايش والابتكار: محلَّ مُحوِّل الكهرباء الميري حلّت ألواح الطاقة الشمسية والإنڤرتر؛ فرديةً لمن استطاع إليها سبيلاً، وجماعيةً لمن تعاونوا على البرّ والتقوى، ومحلّ عربية «الوساخة» حلَّ الحريق بالجاز في الخور، ومحلّ قوّة البوليس الحارسة حلّ مستنفَرون ومقاومة شعبية؛ ومحلّ الدكتورة ديك، ستّ العيادة، حلّت الدكتورة أونلاين وصوَر الفحص في واتساب.

لكنْ لا يحلّ محلَّ الونسة شيء، فهذه لا تنقطع. وتزدهر في هذا البرزخ صيَغٌ من «أيديولوجيا» الحياة اليومية التي يَرُوم بها المتونّس ترتيبَ دلاقين «أيام الحرب» وكبح شياطينها في دولاب يقبل الإغلاق، ولملمة ما أصابته البَشْتَنة من عناصر حياته العقلية في كومٍ ما، ينتظر بها ربَّما ساعةَ هيغل تلك، إذ تَفْرِد بومة الحكمة أجنحتَها عند الغسق؛ ساعة تأتي ولا تأتي. تقتطف المستمعةُ من هذه الوَنَسة مثلَ تفسير حضرة الصول للتاريخ.

رتّب حضرة الصول «أيام الحرب» في رأسه بتفسير فعّال وطريف، فهو يُعْلِم ويُسلّي، تشقّ به الضحكاتُ ليلَ العباسية الذي انقطعت عنه الكهرباء وتُدمع العيون:

انت يا دكتور قايل محمد بن زايد دا مشكلته معانا شنو بالزبط؟ الموضوع دا معروف! هو أصلاً في جماعة سودانيين اتشبّكوا مع الحاجّة أمُّه. الجماعة ديل كانوا شغّالين ليها تنزيل، زي ما بقول لك كدا. أصلاً محمد بن زايد ده عنده أخو فيه شوية هبالة كدا، والأم عايزة الأخو دا يورث الحكم، الكلام دا قبل ما يموت شيخ زايد. بعدين طبعاً الشغل دا كلّه سحر وطلاسم. أها، الحاجّة أم محمد بن زايد دي جابت ليك الجماعة ديل اللّمَارات، معروفين هم، جابتهم وقعَّدتهم في اللّمَارات دي، ودَوَّرُوا ليك سفلي عديل، كلّ مرة يجوا ليك للحاجّة دي بي طلب، قروش تقيلة، بقولوا ليك شالوا مليارات عديل كدا على أساس أنه يشتغلوا ليها الشغل دا. وبعدين يا دكتور، زي ما انت عارف، الشغل دا كلّه حرام في حرام.

ويَنْحَتُّ السأم عن النفوس كغبار النهار بضحكٍ مجلجل: لا ياخ؟ ما بصدّق!

والله يا دكتور زي ما بقول ليك كدا، نحنا عندنا قرايبنا شغّالين في اللّمَارات دي بالسنين جابوا القصة دي بالتفاصيل، منهم ناس في القصر ذاته. يا زول! وحاتك يا دكتور، دا موضوع معروف، البلد دي كلها عارفة القصة دي، إنت بس عشان طوّلتَ بره. محمد بن زايد من يوم عرف الحكاية دي، طبعاً جابوا ليه الكلام ناس الاستخبارات، والناس ديل كجَّنُوا ليك حاجة اسمها السودان وأم أهل السودان. والجماعة الملاعين ديك هربوا، قام قبَض ولد واحد فيهم ختّاه في السجن، لحدّي اليوم ما معروف ذاتو حي ولا ميت، أها قُول دي برضو ما سمعت بيها. الراجل أخد الموضوع شخصي، هم ذاتهم بالغوا يا دكتور. تقول شنو بس، يعملوها ديل وتقع فينا نحنا المساكين ديل.

قد تسخر السَّاخرة من تفسير حضرة الصول للتاريخ بحلقة نَصْب من مشعوذين وجدوا دَوراً في بلاط أميري يضجّ بالمؤامرات، لكنه تفسير يصوِّر شيطانَ الحرب علّةً برّانيةً على الاجتماع الذي عَهِده، مهما اشتدّت تناقضاته؛ علة اعترضت مجرى النيل فاضطرب أيّما اضطراب، لكنه يجري. في المقابل، تجدَّدَ، في أفئدةٍ كثيرةٍ عزيزةٍ جرَحتها بَشْتَنة الحرب والانتهاك الجماعي لحرمات البيوت ورُكن المِلكيّة الخاصة الركين، شبحٌ قديمٌ جديدٌ كان المتحدِّث باسمِه في آخر صُوَره، ما قبل عهد الدعاية الجماهيرية أونلاين، تيك توك، لايك، شير، فيسبوك لايڤ، المرحوم الطيب مصطفى.

بثَّ المرحوم الطيب صيغتَه الخاصّة للعقائد العنصرية لأهل السودان النيلي عبر جريدته الناجحة «الانتباهة» وهدفها التبشير بانفصال جنوب السودان كمطلب شماليّ. أجرى المرحوم الطيب حبراً غزيراً لهذا المقصد في بابه المقروء «زفرات حرّى»، وكانت خطته بالأساس خطة «دفاعية» تقوم على أنَّ قومية وسط وشمال السودان العربية المسلمة مُهدَّدة بحصار القوميات غير العربية وغير المسلمة التي اجتمعت عليها تحت راية الحركة الشعبية لتحرير السودان، وأوّل خطوات الخلاص من هذا الحصار هو التحلّل من أغزر هذه القوميات عدداً وأشدّها شوكةً، بانفصال جنوب السودان، بَلا وانْجَلا. وهَزَم المرحوم الطيب مصطفى بهذه الخطة، من حيث لا يحتسب، العقيدةَ في نفاذ الثقافة العربية الإسلامية إلى السودان النيلي وقدرتها على استيعاب التكوينات القوميّة الأخرى أو التعايش معها في دولة واحدة متعدّدة القوميات.

وَقَع حميدتي وجيشه ضمن هذا التفسير العِرْقي للتاريخ موقعاً حسناً؛ وقتما كان سلاحُه موجَّهاً نحو حركات دارفور المسلّحة، واجتمع في حلف الطيب مصطفى محترفو دعاية مثل إبراهيم بقال وعبد المنعم الربيع، من كادر المؤتمر الوطني، اللذين انقلبا لاحقاً سعاةً في «القضية»؛ قضية الدعم السريع الفاشية، و«انْشَغَّ» الأول منهما عائداً إلى حضن الوطن. انفرط هذا التفسير العِرْقي للتاريخ بحرب الدعم السريع على كامل التكوين الاجتماعيّ الذي خاف عليه مثل الطيب مصطفى من خطر القوميات غير العربية وغير المسلمة، وقام في محلّه تفسيرٌ أكثر فانتازيةً من تفسير حضرة الصول على طرافته. لكنَّ الفانتازيا وإنْ سَدَرت هي حقيقةٌ للاجتماع البشري؛ حقيقةٌ يَصْدُق عليها إعلان صاحب الركشة أنْ «حقيقة مافي»، فهي حقيقة لا حقيقة لها، إذا صح التعبير، اختلاس من المخاوف والوساوس المشوَّشة التي تنشأ من وقائع ملموسة.

تفرَّغ للتعبير عن هذه الوساوس والمخاوف حزب عبد الرحمن عمسيب أونلاين، المغترب في «اللّمَارات» التي ساء ذِكْرُ مؤامرات بلاطها عند حضرة الصول. وخطّته اختلاس شذرات من التاريخ والاجتماع، وصياغتها لجمهور «ما بعد الجريدة» كخريطة لصراع ممتدّ منذ الأزل وإلى الأبد بين نهريِّين وغير نهريِّين سقط عنهم الإسلام كوسيلة لجبر الاجتماع، عِبادتهم بيضة العِرْق. إنْ كان المرحوم الطيب مصطفى قد أسقط العقيدة في نفاذ الثقافة العربية الإسلامية وهَزَمها «من الداخل»، فقد أسقط حزب عمسيب، بطفرة في ذات الخطة الدفاعية، ما بين الإسلام والعربية من وشيجة، كَسَر بيضة الدِّين وأقام محلِّها وثن العِرْق لا شريك له. فالعدوّ عند حزب عمسيب جميع أقوام السودان، خلا قومية «النهريّين» من الذين تَحقَّق لهم الوعي بذاتهم الجديدة ورأوا نور النهر والبحر ساطعاً. جندي الدعم السريع وجندي الحلو من غير النهريّين، ومثلهم جندي المشتركة وجندي عقار وجندي القوات المسلحة، وإن استشهد مرابطاً عند مدفعِه صادَتْه الذخيرة «اللّماراتية» وهو يذود عن «حضن الوطن».

لا خلاصَ بهذه الوثنية، ولكنها حتحتة من ابتلاء الاجتماع، انتحالاً لقول المرحوم الدكتور حسن الترابي بابتلاء الحداثة، فالقومية النهرية التي يبشِّر بها حزب عمسيب «بَيْع بالكَسِر» للثقافة العربية في السودان النيلي، ترتدّ بها من خريطة «أنا أم درمان»، التي أبطالُها مثل حضرة الصول في العبّاسية، إلى جُحْر ضبٍّ خرِبٍ لا نفاذ إليه سوى بالفحص الوراثي. شوف يا حبيب! جيناتك دي ما بتأكِّلك عيش، يعني إنت كده يا دوبك 10% نهري، البعْدُو! هذه فانتازيا فاشيّة، وككلّ فانتازيا تنقلب بالضرورة كابوساً متى قامت لها في الواقع شوكة، والشاهد قائم «أيام الحرب»، لذلك، ربما أصاب حضرة الصول من حيث أخطأ.

Wednesday, 29 April 2026

Rule by Militia: Minnesota by way of Nyala

This piece was published in the inaugural edition of the journal Zawaya, April 2026.

نشرت هذه الكلمة في العدد الافتتاحي من مجلة زوايا، أبريل ٢٠٢٦، وصيغتها العربية كذلك من ترجمة نجلاء عثمان التوم

The ongoing war in Sudan has earned the epithet of the ‘world’s largest humanitarian crisis’ in the language of United Nations (U.N.) agencies. Quantification of a war with such a superlative might draw sympathetic attention but leaves much to say about its meaning, an absence that is often occupied by the term ‘senseless’, as if observers are simply encouraged to throw their arms up in the air and gasp at the inexplicability of the tragedy at hand. 

Two aspects of the war in Sudan are often singled out as particularly resistant to explanation: the fact that it is a war between the national army and a militia to which it once under presidential orders outsourced its counter-insurgency operations, border management functions and deployments on foreign soil; and the rampant sexual violence directed against women. 

Both aspects have invited considerable introspection into the particularities of Sudan’s human and political geography, social and cultural bents, and political upheavals, some insightful and many circular rotating around essentialist conceptions of ethnicity and gender. Two parallel developments on the global stage might however help reposition Sudan’s war within a global ecosystem of violence where it is not an incidental local misnomer that invites gasps but a peripheral premonitory manifestation of history writ large, the history of the world. While this is an ambitious claim to make it is no more ambitious that the ‘world’s largest humanitarian crisis’. 

The Economist asked its readers in an exasperated tone with reference to the U.S. Office of Immigration and Customs Enforcement (I.C.E.) in its 31st January 2026 issue whether the U.S. President is “building his own paramilitary militia?” and answered in the affirmative of potentiality: “The most disturbing possibility is that the president is creating a militia which answers only to himself.” 

The same U.S. president makes frequent appearances in what is now officially the ‘Epstein library’, a wealth of communications and records between sex offender and trafficker Jeffrey Epstein and a global elite of powerful men and women recently disclosed by the U.S. Justice Department. A cursory conclusion of the Epstein library is that at the heart of the liberal notion of women emancipation paraded by the Western elite as a model for the entire world lies in concrete terms the obscene pleasure of the sexual consumption of teenage female bodies at will in clandestine zones of privilege and power beyond good and evil, more or less as an excess ornamentation of lavish dinner parties, networking events, business deals and political alliance building. 

Now, the U.S. rendition of the militia form and the epidemic peacetime sexual violence against women in the highest circles of power throw into sharp relief the limitations of a purely localised explanation of the wartime tragedies of Sudan in terms of ethnic and cultural particularities. The term ‘senseless’ seems more appropriate when applied to the specific form of militia and sexual violence in the U.S. democracy stripped of the obfuscations of ‘tribal’ rivalries and rabid masculinity in an African periphery. The following is a brief outline of first of these two aspects, the U.S. president’s very own milita. 

Masked agents of I.C.E. shot dead on 24 January 2026 a 37 years’ old man in Minnesota believed to be a U.S. citizen, the second killing by federal agents in the town within three weeks. Thirty two other people died in custody of the I.C.E. in the year 2025. 

The fatal force, known as ‘la migra’, was founded in 2003 at the height of the U.S. “war on terror” with the aim of swiftly detaining and deporting individuals, at the time mostly Muslim Arab and South Asian men, deemed a threat to U.S. national security. The I.C.E. came into being as an operational arm of the Department of Homeland Security (D.H.S.) established in 2002 in the aftermath of the 9/11 attacks as one of 16 agencies including the U.S. Customs and Border Protection (C.B.P.), the U.S. Coast Guard and the U.S. Secret Service.

The lethality of the I.C.E. is partially grounded in law and feeds off a chain of contradictions in U.S. society. President Trump signed on 29 January 2025, weeks into his second term, the Liken Riley Act which stipulates that agents of the D.H.S. “must detain an individual who (1) is unlawfully present in the United States or did not possess the necessary documents when applying for admission; and (2) has been charged with, arrested for, convicted of, or admits to having committed acts that constitute the essential elements of burglary, theft, larceny, or shoplifting.” 

Translated into action the D.H.S. boasted of deporting 675,000 “illegal aliens” in 2025 claiming further another estimated 2.2 million have self-deported. During the first year of President Trump’s rule the I.C.E. reported arresting 43,305 potential national security risks, 1,416 known or suspected terrorists, deporting another 1,392 known or suspected terrorists and arresting another 7,000 alleged gang members. A record number of some 70,000 individuals are being held in partially immigration detention centres, many run by private sub-contractors in what is effectively a service industry of detention and incarceration. 

This empowerment comes about thanks to generous funding from President Trump’s Big Beautiful Bill. Together the C.B.P. and the I.C.E. are today the largest policing agency in the U.S. with 30 billion U.S. dollars in funding for direct operations and another 170 billion U.S. dollars for further expansion over the coming four years. Politically, the I.C.E. onslaught is the attempt to realise a fantasy of right-wing politics in the U.S., constructing a nativist majority through cleansing the nation of aliens and intruders. This, it might be argued, is an electoral necessity of the Make America Great Again (M.A.G.A.) coalition, its means of renewing itself. 

The basic elements of the I.C.E. operation are American in form; the outcome of a steady but firm rightwards reorientation of working  class interests and ideological motifs in a highly industrialised social order from the Keynesian redistribution formulae born out of the post-World War II consensus to individualist non-class based but nevertheless economically determined strategies of racial exclusion and antiimmigration on the background of the long downturn of industrial production since the 1970s (Riley, D., & Brenner, R. (2025). The Long Downturn and its Political Results. New Left Review, (155), 25-70). What is essentially a crisis of the productive base of the social order is ideologically reprojected as a distribution crisis between racial factions of the working class, a crisis of race. The politics of race, in many ways a psychoanalytic category, are hard to map into a constitutional order premised on citizenship, as flawed as it might be. 

Indeed, the violence necessary to enforce a new hierarchy of worth, a strict pecking order under conditions of scarcity, explode the constraints of any constitutional order in the recognisable sense of the term. The consequence is the emergence of creatures like the I.C.E. designed, recruited and equipped to mete out such violence with the objective of enforcing a new rationality of law and order. Particularly so where the established forces of state violence fall short out of established rules of engagement wedded to the constitutional order or the semblance of one, social composition of these forces, deficits in political loyalty to emerging winners of political power and authors of the law, and inertia. 

But what are these elemental features of the I.C.E. and similar formations? In brief, the outsourcing of militarised policing functions by political fiat to formations recruited from the vast pool of an expendable unemployed and effectively unemployable surplus labour force invested with a supremacist ideology of racial difference and grievance popularised through the figure of a princely saviour, a superhuman of sorts who embodies the promise of “clearing the swamp”, overcoming history as it were, and delivering a new era of prosperity for his flock come what may.  

Similar elements can be recognised outside the U.S. metropole in human geographies that overlap with critical nodes of the capitalist world system and where a restructuring of the social order by whatever means is necessary to guarantee the prompt delivery of returns. Evidently, where interests cross national borders so do militia formations, epitomising in spirals of cross border and transcontinental violence the globalisation that underwrites and equally threatens the state-based order as we know it, whereby the balance of stabilisation and threat is unequally distributed fanning out from the stable centres of financial capital to the failed peripheries of extractive resources. Interestingly, the I.C.E. born, raised and operative within the U.S. metropole is the exception that proves the rule. 

Indeed, a generic pattern with a global remit emerges whether in inner town Minnesota, the border regions of Fortress Europe, the coastal zones of the Red Sea, Palestine, the flatland of Gezira between the Niles, the fertile crescent, the Donbas, the plains of Kordofan and Darfur, or even in Alberta, Quebec or Greenland. Where contradictions within national formations fail to deliver the necessary allies, some are manufactured ad hoc or policing operations, their meaning plastically extended as an euphemism for high-tech military onslaughts, pierce as far as presidential chambers tucked in military garrisons to pluck a Maduro and his wife. 

In that sense, Nyala, the capital of the Rapid Support Forces (R.S.F.) proto-state, is not a surprising outlier; and self-incriminating introspection into the failings of the post-colonial state in Sudan might be informative, but does not satisfactorily address what in essence is a local manifestation of a global scramble for the reordering of human geographies to match the requirements of a renewed drive for primitive accumulation  under conditions of an epochal slack in industrial productivity. Rosa Luxemburg would have recognised these patterns under her general law of primitive accumulation as a permanent requisite of capitalist accumulation, a notion she dared even challenge Karl Marx with its salience. Marx, albeit not the natural optimist, generally understood primitive accumulation as an incidental feature of the capitalist mode of production, and its wrenching violence a travesty of the genesis of capitalism. 

The lady contravened: "Capital needs the means of production and the labour power of the whole globe for untrammelled accumulation; it cannot manage without the natural resources and the labour power of all territories. Seeing that the overwhelming majority of resources and labour power is in fact still in the orbit of pre-capitalist production – this being the historical milieu of accumulation – capital must go all out to obtain ascendancy over these territories and social organizations. There is no a priori reason why rubber plantations, say, run on capitalist lines, such as have been laid out in India, might not serve the ends of capitalist production just as well. Yet if the countries of those branches of production are predominantly non-capitalist, capital will endeavour to establish domination over these countries and societies. And in fact, primitive conditions allow of a greater drive and of far more ruthless measures than could be tolerated under purely capitalist social conditions… Whatever the theoretical aspects, the accumulation of capital as an historical process, depends in every respect upon non-capitalist social strata and forms of social organisation" (Luxemburg, R. (2015). The Accumulation of Capital. Routledge, p. 345-346).

As a possible rejoinder to Luxemburg, capital indeed needs the means of production of the whole globe but a fragment of the labour power, the surplus of which is housed in two departments of Homo sacer, the displaced and the militiaman.  

Friday, 17 April 2026

مُزن: فِريع البانة الاشتراكية

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١١٩ بتاريخ ١٦ أبريل ٢٠٢٦. 

تَستَّر الموتُ قبل أن يقطف زهرة المرحومة مُزن بستر الإغماء العميق، تلطّف بها ربما في ساعاتها الأخيرة، فغابت قبل أن تغيب. ولا تدري المراقِبة كيف استطاع أن ينفذ بظفره الطويل إلى هذا القلب المفعم بحبّ جماعة المساكين. هل سألها، ربما، واستأذن قبل أن يُسكِتَ ذلك الخفقان؟ ربما. هل استرَقَ السمع إلى ضربات قلبها الأخيرة؛ بأيّ لحن كان وَقْعُها، هل بأراجيز ديسمبر السريعة تلك، أم بأوزان الشعر المُقفّى من إرث الثورية السودانية، محفوظات «الموت معلَّق»، أم ربما بالإنترناشيونال، لحن الثورة الذي لا يَبلى، أم بأعجمية لانغستون هيوز يَطرب ببطولة لينين، أم ربما بلحنٍ أم درمانيّ مِن ضَرْب الرقّ وصفقة «الروجال»؟ لا يمكن الجزم، لكنّ الثابت أنّ المرحومة مُزن عبرَت من زمانٍ كرهَت حربَه وصراعَه من جنس «الثورة المضادّة» واشمأزّت منه كلّ الاشمئزاز، إلى زمان الأبدية المهول. وتركت في قلب كلِّ من قرأت لها حرفاً أو سمعت لها كلمة جرساً للتذكير: أنّ «الثورة» الآنَ هذا ميقاتُ صَلاتها، لا تَقبَل التأجيل والتسويف.

يَشُقّ على مثلي نعي المرحومة مُزن الشابة، فلستُ من أقرانها أو زمرة حبّانها؛ بيننا زمالة الكتابة وبعض قاموس مشترك. لكنّها عبَرت بوابة العصر بـ «فولاذ البطولة»، ناضلت بقوّة وعزم، وماتت شابةً قبل أن يفسد الحساب، «وما تدري نفسٌ بأيّ أرضٍ تموت». أجادت المرحومة مزن القاموس الاشتراكي، وتعلّقت بمفاهيمه وصُوَره، ونفخت في بعض مصطلحه من روحها فقام طيراً واعداً، فرزت منه ما ترجمت به الوقائعَ من حولها إلى صيغٍ نضالية، فهي نصيرة الطبقة العاملة في مقابل البرجوازية، وهي مناضلة الثورة في مقابل الثورة المضادّة، والاشتراكيةُ عندها أقرب من «الأفق» الذي قال به المرحوم محمد إبراهيم نقد، هي قاب قوسين أو أدنى، قد تتجلّى قسماتها متى انتظم الكادحون في بناءٍ قاعديّ وصار لهم «حزب» تعريفُه بالألف واللام؛ الحزب الثوري، صافي الأيديولوجية، عزيز القيادة، شديد الشكيمة، متراصّ الصفوف، الحزب الذي يصنّ فيمسك ويقطع، موسى المُرّ الحجازي، دقّ السُّندالة قلبو.

لم يَقُم حزب المرحومة مُزن، وتعنَّتَ الواقع على هذا الحلم، لكن قامت الثورة بتناقضاتها، ليست الثورة التي تبقّ من خلف أبوابها أنوار الاشتراكية، لكن حلقة من حلقات «الثورة الوطنية الديمقراطية»؛ وهي عبارةٌ لم تهضم المرحومة مُزن نحوَها وصَرْفها. ظلّت المرحومة، على عهد الحزب الغائب، والاشتراكية التي تأتي ولا تأتي، تبحث عن بشائر الأوّل وإشارات الثانية في محيطها ومشاغلها العديدة.

وأحسَنُ شُغلِها وأصفاه عندي ما نظَرَت فيه في جوف الوادي الذي يُحلّق في سَماهُ طير المصطلح، وهو وَادٍ ظلت تعود إليه مرة فالأخرى ببوابة الهندسة الصناعية. تجد عندها على سبيل المثال عِلْماً حقلياً ملموساً بالصناعات الصغيرة والإنتاج الأسَري تحت ظروف سلمية وحربية (انظر: مزن النيل، «الطريقة نحو سياسة صناعية تضع الناس أولاً»، و«تقييم متمحور حول الناس للسياسات الصناعية ما بعد الثورة في السودان 2019-2021»، و«من التحديات إلى الاستراتيجيات: دروس مستفادة من الصناعة الصغيرة والمتناهية الصغر في السودان خلال الحرب»). وعلى صفحات هذه المجلة حاجّت من أجل الإنتاج (انظر: مزن النيل، «لماذا يجب أن ننتج؟»، و«عن الصناعة في زمن الحرب: مُطالعات من التجربة»، و«أساليب تنظيم عالمية لحلول محلية: نحو فهم غير نخبوي للمساندة المتبادلة»، و«في خضم الاضطرابات وبعيداً عن «المعونة الأمريكية»: تعزيز الخدمات المُدارة مُجتمعياً في السودان».

انقطعت حياة المرحومة مزن قبل أن تدرّ نظراتُها إلى عالم الإنتاج والمنتجين ما يصل بين الاشتراكية الموعودة، المشروع الاشتراكي بعبارتها، وصناعة الصابون المنزلية في غرب أم درمان، وعلّقت آمالها على أنّ الحزب الغائب متى قام والتزم الصراط المستقيم جاب الرايحة وأقام المؤسسات الأيديولوجية والثقافية التي تُحصِّنُ إيمانَ مثل مُنتجي الصابون بعقيدة مكينة في بناء الاشتراكية (مزن النيل، «بعينين ليْسَتا لك: من يُعرّف الحرب؟»، أتَـر، ع 74، 24 أبريل 2025).

طالت الحرب، وطال خرابُها الاجتماعَ الذي عاشت المرحومة مُزن طرفاً منه؛ اجتماع الخرطوم التي انطبعت بقالب العولمة وجرت فيها جراحُها فلا يصدمك فيها تمشِّي المتمشّية بكلب صغير حسن التصفيف طعامُه معلّبات تعبر سكّة أرملة نازحة تلوك الصبر على ذلّ السؤال أعطوها أم منعوها. وخرجت المرحومة مُزن من غُمَّة الحرب بمعيارٍ فكتبت: «موقفي السياسي أنه الناس ما تتكتل» صَدَّاً للِجَاجٍ غزير وتحصيناً. لكنّها، وقد عافت «أقصى درجات الصراع الاجتماعي»، تعريف الحرب بعبارة ماو، لم تقنط قطّ، وحافظت على مصطلحها وكذلك على حلمٍ باشتراكيةِ جماعةِ المساكين.

Sunday, 5 April 2026

مع نُقد: فاضربْ بِعَزمِك مفردا

 نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١١٧ بتاريخ ٢ أبريل ٢٠٢٦. 

لم يكن المرحوم محمد إبراهيم نقد (1930-2012) كاتباً غزيراً لكنه كان كاتباً كثيفاً إذا صحَّ التعبير، فالذي طرحه للقارئة منشوراً يعزّ في الميزان على الصحف المسوَّدة الطوال. ومثلما كان كثيفَ التأليف كان بطيئَهُ حتى أنّ بعضَ شُغلِه امتدَّ في تكوينه عبر أكثر من عقد من الزمان. كدأبِ الشيوعيّ بحقّ، لم يستعجل المرحوم محمد النتائجَ على الإطلاق، وكان من حصيلة صبره الأسطوريّ أن وجدَت بعضُ أفكاره الأوّلية حول مسألةٍ حادثةٍ تصديقَها في وقائعَ قامت تباعاً في التاريخ اللاحق. ومن ذلك «أطروحةٌ»، بعبارة محرّرة «البيان» الإماراتية، نشأتْ أوّل ما نشأت في تسعينيات القرن الماضي، ولم تجد طريقها إلى النشر لعموم القراء حتى العام 2003، مقالة بعنوان «المجتمع المدني العربي يواجه خطر التحوّل إلى شاهد زور»، جريدة «البيان»، 14 مايو 2003.

استوحى المرحوم محمد من أدب المسرحي الكبير جون باتيست بوكلان ولقبه موليير (1622-1673)، مؤلّف مسرحية «البرجوازي النبيل» (وعُرضت لأول مرة في 1670)، صورةَ «مُستجدّ النعمة» الذي قفز سريعاً في السلّم الاجتماعي ووجد نفسه في صحبة راقية لم يستعد لها؛ صحبة النبل والعلم الأدب إلى جانب المال الغزير. وهي صورة تتجدّد في الأدب مع كلّ انقلاب طبقي. عند موليير، أثرى المسيو جوردان، متواضع الأصل، مُستجدّ النعمة، بمال أبيه في ساعة الانقلاب من سيادة الأرستقراطية إلى سيادة البرجوازية. وفي أدبنا الشفاهيّ، أثرى «أب زَهاَنة»، نؤوم الضّحى، مستجدّ النعمة، بمال أبيه فأفسد فيه في ساعة الانقلاب من سلطان الفرسان الأبطال من سنخ «البِشِيل فوق الدّقر ما بميل» إلى سيادة السماسرة أصحاب «البرادو» الذين استطال عصرُهم حتى دولار على كرتي الجمركي وبنك الخليج لأصحابه آل دقلو.

أحبّ المسيو جوردان، «مستجدّ النعمة» في مسرحية موليير، أن يعيد حياكة نفسه على نمط «النبيل»، فأسرف في اللبس الجديد شديد الزينة واستأجر من يعلّمه فنون النبلاء؛ رياضات الفروسية والرقص والموسيقى وكذلك الأدب والفلسفة. لكنْ تعثَّرَ تعليمُه بعصيان المحتوى على الشكل، فأصبح موضوعاً لسخرية معلّميه، «المثقّفاتية» بأجر، وصار نكتةً جارية. واختار المرحوم محمد من هُزْء موليير بهذه الشخصية سرورَ المسيو جوردان بجهله حينما طرَح عليه معلّمُه أنّ الأدب إما شِعر أو نثر، فاستخلَص المسيو جوردان من هذا التصنيف بكلّ حبور، إذاً، أنه لطالما كان يتحدّث نثراً ولا يدري، وفاتته ماهية الأدب!

جاء المرحوم محمد بهذه الصورة للإحاطة بما طرحته أيديولوجيا نهاية التاريخ أوّل استبدادها، وقد تهاوى الاتحاد السوڤييتي، على شعوب الدنيا، إذ قذَفَت في نفوس «المثقّفاتية» مفهوماً جديداً للعمل الجماعي. روَّجت هذه الأيديولوجيا أنّ نماذج العمل الجماعي التي اخترعها الناس وأحسنوها منذ ثورة 1924؛ الجمعية الأدبية والنقابة والنادي والاتحاد المهني ولجنة التضامن وهلمّجَرّا، جميعها يحتويها مفهوم «المجتمع المدني» وعبارة «المنظمة غير الحكومية». وكتب المرحوم محمد، لله دَرُّه: «لم تَحْوِنا دهشةٌ ولم يشلّ تفكيرنا ارتباك»، وهي صياغة لـ«الاستقلال» لا تتأتَّى إلا لمِثله ممّن أخَذَ كتابَه بقوّة على صراط مستقيم.

تساءل المرحوم محمد، مستعيناً بشكسبير، عن مغزى هذا الاسم؛ «المجتمع المدني»، الذي أرادت به عصا أيديولوجيا نهاية التاريخ أن تُجهض كلَّ صورةٍ للنضال سوى التي تكرّ على مسبحتها، ونفذ مباشرةً إلى جوهر المسألة بغير تردُّد وبغير تعصُّب، إنما بحقّ مُبين، فكتب: نشأت هذه المنظمات «وتكاثرت كحلقاتٍ في شبكة مراكز ومؤسسات عالمية داعمة ومموِّلة». والعِبرة أنه، بينما قام النادي والاتحاد وقامت النقابة والرابطة ولجنة التضامن في تربة اجتماعية وطنية محلية؛ «حاضنة» بعبارة جارية تغذِّيها بالمال والثقافة والعناصر البشرية، وتشكمها بالجَرْح والتعديل والتقويم، وتحاسبها على التقصير والمغامرة فتحيا وتموت بما بينها وهذه التربة من رابطةٍ «ديمقراطية» قام المجتمع المدني الجديد، هذا «الكائن العجيب» بلفظ المرحوم محمد، في حلٍّ من هذه الآزِرَة؛ فالكيبل الذي يمدُّه بالحياة يتغذّى من مواردَ غير؛ موارد شبكة دولية هي في الحقيقة صِناعةٌ بحالها، «مشروع حضاري» بعبارة التسعينيات، أُسُّها وقاعدتُها الهيمنة الإمبريالية وإنْ تستَّرَت. واستخلص المرحوم محمد، لسلامة هذا «الكائن العجيب»، ممّا قرأ شروطاً ثلاثة، فكتب: قد تصحّ منظمات المجتمع المدني وتنجو من فخّ التبعية شرط «ألا تصبح استنساخاً شائهاً من الأصل في مجتمعات المنشأ أو فرعاً تابعاً وخاضعاً أو جهازَ استقبال وإرسال». والحقّ، إنها وقعت، إلا من رحم ربّي، في هذا الفخّ «جُمبُلغ».

لكنْ، لم يَقبل المرحوم محمد أن يترك هذا الفخَّ مفتوحاً كنقيصةٍ ذاتيةٍ وخلاص. ووَصَل هذا الانقلابَ، من نموذجِ «المناضل» الذي عاشه هو نفسه، واجباً مستمرّاً عبر عقود من الزمان، من أوّل شبابه حتى شيخوخته؛ واجب لا يَقبلُ فيه مَسْحَ شنبٍ بغير «المُقوِّي» من حلال الحزب الشيوعي، إلى نموذجِ «الناشط» الذي يفطر على مال السفارة الهولندية، ويتغدَّى بمال الورشة البريطانية، ويتعشّى في لوكاندة «بيت الحرية» الأمريكي، بتحوُّلٍ في الاقتصاد السياسيّ من نموذج الدولة الراعية إلى اقتصاد «الشَّلِب» بعقيدة الليبرالية الجديدة. خلَّف هذا التحوُّل جيشاً من «الخاسرين» لا مكانَ لمهاراتهم في الدعاية والترويج والتنظيم في سوق العمل، أكان قطاعاً عاماً أم خاصاً، وصار لهم «المجتمع المدني» في واقع الأمر سوقاً للعمل وجغرافيا كونيةً لكسب العيش، ونَضِجَ شُغلهم بنَسْخ مهارات التسويق السلعي، «اشتري اثنين واحصل على ثلاثة مجّاناً»، في مجال الدعاية الأيديولوجية والقضايا الفئوية الهوياتيّة، فالخير كلّه في مثليّة أفريقية سوداء، حقوق أطفال، حقوق إنسان، حقوق حيوان، صحافة مُناصَرة، علينا جاي، ورشة، سمنار، مؤتمر!

عاد المرحوم محمد، في آخر كلمته، إلى مفهومٍ تاريخيٍّ للمجتمع المدني من المدرسة الماركسية يقع موقعَ «الأدب» الذي فات على المسيو جوردان إدراك كنهه: «المجتمع المدني مسرحُ كلِّ التاريخ ومصدرُه ومقوِّمٌ وأساسيّ، يستوعب التبادل والتعامل المادّي والتجاري والصناعي بين الأفراد، وفي إطار مرحلة تاريخية معيّنة من تطوّر القوى المنتجة، يعبّر عن ذاته في شكل أمّةٍ في العلاقات الدولية، وينظّم نفسه في شكل دولةٍ في الداخل. تَبلوَر مصطلح المجتمع المدني في القرن الثامن عشر، عندما انسلخت علاقات التملُّك في المجتمع المشترك القديم والوسيط، وبهذه الصفة ينمو المجتمع المدني مع البرجوازية، التنظيم الاجتماعي المنبثق مباشرةً من الإنتاج والتجارة، والذي يشكِّل في كلّ المراحل قاعدةَ الدولة وبقية التركيب الفوقي». فيا هنتغتون، «مجتمع مدني» بتاع فنيلتك. أدرَك الموتُ المرحوم محمد فلم يَعِش ليشهد حَجَّ ساسة الفترة الانتقالية إلى كعبة فولكر بيرتس زُمَراً، كما لم يَشهد تبذُّل منظمات «المجتمع المدني» في حضرة المبعوث الأمريكي كأنه علي عبد اللطيف. وكان أدرَكَ بفطنته النضالية أنها بهذا الكساد تُحيِّد السياسة وتغلق باب الحرية. وللقارئة أن تَنْعَم بنظرة في عقل المرحوم محمد وبراح نفسه عبر هذه «الطاقَة»:


المجتمع المدني العربي يواجه خطر التحوُّل إلى شاهد زور

محمد إبراهيم نقد


لعلَّك قرأتَ ملهاةَ «البرجوازي النبيل» للكاتب الفرنسي الساخر، موليير «1622-1673» ويجوز تعريبها «مُستجدّ النعمة». اغتنى المسيو جوردان، بطل الملهاة، ولامَسَ المجتمع المخمليّ للنبلاء وعِلْيَة القوم والأثرياء، وريحانة مجالسهم من أدباء وشعراء، فانبهَر بأحاديثهم وذَرَابة ألسنتهم وسلاسة مصطلحاتهم العصيّة على قاموسه العامّيّ العاجز عن مجاراتهم. فاستأجر معلّماً؛ معادلَ «مؤدِّب الأمير» في تراث الأرستقراطية العربية الإسلامية، أو «مثقّفاتياً». وكان الدرس الأول: يُصنَّف الأدب إلى نثر وشعر، وما لا ينضوي تحت لواء الشعر فهو نثر! فانفجَر مستجدّ النعمة ضاحكاً في حبور طفوليّ، حتى ألجمت الدهشة لسان الأستاذ، ثم أفاق من دهشته وسأل تلميذه عن دافع الضحك، فأجاب: ما كنتُ أعلم أنني ظللتُ طوال حياتي أتحدّث نثراً، حتى عندما طلبتُ من خادمي أن يُحضِر لي حذائي.

كادَ حالُنا أن يتماهى مع حال المسيو جوردان، إذ ظلَلْنا ولما يزيد على نصف قرن نتداول مصطلحات: الجمعيات الأدبية، الأندية الرياضية الثقافية الاجتماعية، أندية الخرّيجين، أندية العمّال، الأحزاب السياسية، الحركة النقابية، حركات المزارعين والطلبة والنساء والشباب، اتحاد الصحفيين، اللجان الشعبية للدفاع عن الحرّيات، اللجان القومية للتضامن مع شعب مصر، كينيا، العراق، الكنغو، الروابط الأدبية في عطبرة وسنار وكوستي والأبيّض ومدني، التجمّع النقابي، التجمّع الوطني الديمقراطي، مجالس الآباء والأمهات، الروابط القبَلية والإقليمية، تضامُن قوى الريف، اتحاد الكتّاب، الجمعيات الخيرية.

لكنّا تمايَزْنا عن مُستجدّ النعمة، كوننا لم تَحْوِنا دهشةٌ ولم يشلّ تفكيرنا ارتباك، عندما قيل لنا: مصطلحاتكم، على تكاثُرها، يحيطها ويؤطّرها مفهوم أو مصطلح «المجتمع المدني، والمنظمات الطوعية غير الحكومية»!

طفقنا نستحثُّ مخزونَ الذاكرة ونستزيد من الاطِّلاع. بعضُنا التقى مصطلح «المجتمع المدني» في الوافد من مؤلَّفات المفكّر الإيطالي الماركسي، قرامشي «1891-1937» في ترجمة إنجليزية أو عربية خلال ستينيات القرن العشرين، ثمّ اتسعت الدائرة بفضل ترجمةٍ أنجزها مثقّفان سودانيان، لم يشغلهما ضجيج الصراع السياسي عن قضايا الفكر والثقافة: الراحلان هنري رياض والجنيد علي عمر ـ دار الجيل بيروت [جزء من «دفاتر السجن»، صدرت في طبعة حديثة عن دار عزة في 2003 بعنوان «الماركسية والثقافة»]. ثمّ طرق المصطلح سَمْعَنا في النصف الثاني من السبعينيات، في ثنايا ظاهرات التحوّلات السياسية والاجتماعية الجديدة في البلدان الاشتراكية، وحصراً نقابة التضامن في بولندا؛ إرهاصاً ونواةً لنشاط جماهيري قاعدي خارج الأطر التنظيمية القانونية الرسمية، ومن بعدها بيان الكتّاب في تشيكوسلوفاكيا، وأشكال جنينية في بعض جمهوريات الاتحاد السوڤييتي، ودول أخرى. تحسّست تلك التحرّكات خطاها بذكاء وحكمة، مستوعبةً تجارب الإخفاقات السابقة، فلزمت جانبَ القانون، للإفلات من عصفه وعسفه، واستعصمت بأطروحة: ما لا يمنعه القانون مباح! ثمّ أعلنت تمسُّكها بالدستور وحقّها في ممارسة حقوقها الدستورية، واستظلّت بحماية الدستور من القوانين التي تنقصه نصّاً وروحاً. لم تتّصف تلك الحركة بمصطلح «المجتمع المدني»، إنما أضفته عليها مدارس وجماعات اليسار الجديد التي تبلورت خلال ثورة الشباب العاصفة في فرنسا وغرب أوروبا في الستينيات، ثم تسرَّب إلى بعض منابر شرق أوروبا.

بصرف النظر عن المصطلح أو الاسم «What is in a name?»، شكسبير، «روميو وجولييت»، كانت الحركة موجاتٍ متصاعدةً من قاع المحيط الاجتماعي، متدافعةً نحو إصلاح سياسيّ اجتماعيّ شامل للتجربة الاشتراكية، وتحريرها من آثار الشمولية وانفراد حزب واحد بالسلطة، وهيمنة الدولة ومؤسّساتها على المجتمع. كان المجتمع قد عقَد عزمه أن يستعيد تمايُزَه واستقلاله عن الدولة: ما للدولة للدولة، وما للمجتمع للمجتمع! وبذات المعادلة: ما للمجتمع الاشتراكي للمجتمع الاشتراكي؛ مستقلاً عن هيمنة مؤّسسات الدولة الاشتراكية، وما للدولة الاشتراكية للدولة الاشتراكية. اشتراكية المستقبل لن تكون جديرة بالصفة، ودَعْ عنك الاسم، إنْ لم تتقيد بهذه المعادلة!

استقبَلْنا عقد التسعينيات تحت القبضة الخانقة المتخلّفة لانقلاب الجبهة القومية الإسلامية، وفَرْض الشمولية الأصولية الإسلامية، ومن يومها بدأ مصطلح «المجتمع المدني» يتمدّد حتى طبَّق الآفاق، ظاهرة أحسن تفسيرَها حسن عبد العاطي الناشط في هذا المجال في ورقة تقدَّم بها لورشة عمل جمعية بابكر بدري العلمية، ونقلَتها صحيفة «الصحافة»: «ضرورة سد الفراغ الناجم عن غياب الديمقراطية، والصحافة الحرة التي تحمي الحقوق العامة، والنقابات التي تحمي حقوق المجموعات، وغياب القوانين والمؤسسات التي تحمي حقوق الحرية الفردية، ولهذا ارتفع بشدة عدد وصوت وتأثير المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان والمرأة والطفل والمجتمعات المحلية»، ثمّ تناوَل المنظمات الطوعية أو غير الحكومية، وأشار إلى أنها نشأت لسدّ الفراغ الذي نشأ نتيجة عجز الدولة والأفراد والجماعات عن تلبية احتياجاتٍ أغفلها النظام السياسي والاجتماعي في السودان. ما لم يذكره حسن، أنّ تلك المنظمات نشأت وتكاثرت كحلقات في شبكة مراكز ومؤسسات عالمية داعمة وممولة.

دلَفْنا إلى الألفية الثالثة وقد تحصَّنَّا بمصل المعرفة ضد دعوى دهشة المسيو جوردان؛ إذ لا يندهش إلا غافل! كنّا نتعامل بمصطلحات بسيطة وعفوية، ولكنها دالّة، أشبه بتعاملنا مع داء «ابْعِديلات» وظلّ الداء داءً، بعد أن سَمَّاه الطبيب «التهاب الغدة النكافية».

عُدنا للأصول والمراجع، وتابعنا كلاسيكيات أوروبا منذ القرن الثامن عشر، وأبهاء عصر التنوير الآسرة، المفعمة إنسانيةً وتفاؤلاً، وتابعنا ما تلاه من عصور، نقرأ ونقارن ونستزيد ولا نزال، حتى ندوة: «الديمقراطية في السودان» 4-6 يونيو 1993، مركز الدراسات السودانية، ومركز الأهرام، القاهرة. ثم ورشة بابكر بدري العلمية، أم درمان، 2002، ثمّ منتدى المجتمع المدني، مركز الدراسات السودانية، وصحيفة الصحافة، نوفمبر 2002، الخرطوم. ثَمَّ مَلفّ لا يزال ينفتح بقصاصات ما نُشِر وما ظلّ وما سوف يُنشَر في الصحف السودانية، عن هذا الكائن العجيب وهو بين ظهرانينا لأكثر من نصف قرن! ظلّ دفق وعطاء الدوريات ودُور النشر العربية غزيراً طوال التسعينيات: ندوة مركز الوحدة العربية «المجتمع المدني في الوطن العربي» بيروت، 1992، مجلة المستقبل، عدد 4، 1992، «نشأة وتطور مفهوم المجتمع المدني».

بضعة كتب من بين المراجع التي أمكن الحصول عليها، جديرة بالإشارة: الأول باللغة الإنجليزية: Civil Society: Theory, History, Comparison Polity Press. والثاني: دراسة نقدية، أقرب إلى رسالة الدكتوراة، وفق التقاليد الكلاسيكية الصارمة للجامعات الألمانية منذ أن كان هيغل أستاذاً وتلميذه ماركس طالباً، للمؤلف عزمي بشارة «المجتمع المدني: دراسة نقدية ـ مع إشارة للمجتمع العربي»، مركز دراسات الوحدة العربية، 1998، بيروت. يحوي الكتاب مقدمة وخمسة فصول: في حدود المفهوم وتاريخيته، من «اللفيتان» إلى يد السوق الخفية، انفصال المجتمع المدني عن الدولة لكي يعود إليها، الأمة والقومية والمجتمع المدني، واقع المجتمع المدني وفكره: حوار عربي. احتفظ د. بشارة بنظرته الناقدة، وهو يطوف بنا من توماس هوبس، إلى جون لوك، ثم ديفيد هيوم ومونتسكيو وروسو وآدم سميث وجون ستيوارت ميل ودو توكفيل، ثمّ يتوقف عند هيغل الذي لخَّصَت فلسفتُه واستوعبت ما قبله، ثم عرج على ماركس وإنجلز. وما كان له، وهو يعالج قضايا ومعضلات المجتمع المدني في القرن العشرين أن يتفادى قرامشي.

في ظهر الغلاف، لم ينشر المؤلف أو الناشر سيرة ذاتية أو صورة، إنما فقرات موحية من مدخل الكتاب، ص7: «يهدف هذا الكتاب إلى تحويل مقولة المجتمع المدني الساكنة، والتي تثير الرضى والاسترخاء عند بعضهم، والنقمة والسخط عند البعض الآخر إلى مقولة تاريخية متحركة تظهر الطاقة الكامنة فيها من خلال بحث طريق تطوّرها التاريخي وهي مفيدة في المعركة العربية من أجل الديمقراطية إذا ما تم فهمها فهماً تاريخياً، أي نقدياً، يكشف حدودها التاريخية، وبالتالي الطاقة الكامنة فيها، وضارّة بقضية الديمقراطية وتحرّر الإنسان العربي إذا ما تحوّلت إلى أداة لتحييدها سياسياً. فالمجتمع المدني دون سياسة، وخارج سياق المعركة من أجل الديمقراطية، هو عملية إجهاض.. إن الديمقراطية العربية المتعثرة في مرحلتها الراهنة في أمسِّ الحاجة إلى مفهوم المجتمع السياسي الديمقراطي، وإلا تحول المجتمع المدني العربي إلى شاهد زور يبرر الغياب عن ساحة المجتمع السياسي!».

و[الكتاب] الثالث: د. كريم أبو حلاوة، «إشكالية مفهوم المجتمع المدني ـ النشأة، التطور، التجليات»، دار الأهالي، 1998 دمشق. حدّد الكتاب منهج تعامله ودراسته لمفهوم المجتمع المدني في فقرة مفصحة: «إعادة صياغة المفهوم وتحديد مدلولاته النظرية والعملية، مما يستدعي رصد مكوناته المعرفية، والعودة إلى الفضاء الزماني الذي شهد ولادته، ورسم الملامح العامة للتطوّرات والتمايزات التي طرأت عليه في سياق صعود أوروبا البرجوازية الصناعية باقتصادها وفلسفتها والحركات والثورات الاجتماعية التي ساهمت في تكريس قطيعة متعددة الوجوه مع عالم العصور الوسطى.. التقاط الجوهري والدال في مسيرة تمتد ثلاثة قرون.. حيث تكوّن المفهوم في إطار الفلسفة الليبرالية ومفرداتها: الميثاق أو العقد الاجتماعي، مقابل نظرية الحق الإلهي للملوك التعددية السياسية مقابل الحكم المطلق الحريات العامة في الحياة والملكية والعمل والرأي والمعتقد، مقابل حرية الأقلية الارستقراطية.. حق المواطنة تجاوزاً للانتماء الضيق: ديني، مذهبي، إثني، عرقي السيادة للشعب فصل السلطات.. إلخ».

أوغل د. كريم بعيداً في تاريخ المجتمع الأوروبي وإرهاصات تحوّلاته بدءاً بالإصلاح الديني، لوثر ثمّ كالفن، ومن بعدهما إسهامات العلماء: نيوتن وهارفي وديكارت وباسكال وكيبلر وغاليليو، والثورة التي أحدثتها إسهاماتهم في دحض التصوّر المتوارث عن الكون من بطليموس والكتاب المقدس ثم إسهام ديكارت وبيكون في تأسيس الفلسفة الحديثة، وإسهام ميكافيلي وهوبس في بلورة العلوم السياسية الاجتماعية، وتابع إسهام مفكري عصر التنوير ثم توقف ملياً لدى هيغل وماركس. وما كان له أن يتخطّى قرامشي: وظلّ كريم أميناً لمنهجه والتقط الجوهري والدال في مسيرة المفهوم.

الرابع: «المجتمع المدني والصراع الاجتماعي»، ترجمة لمجموعة أوراق بحث لمفكّرين وأكاديميين من مجلات ودوريات، الناشر: مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان، القاهرة، 1997. في ص 14، قال مسكننر، أستاذ علوم سياسية، جامعة يورك، كندا: أصبح مفهوم المجتمع المدني شعاراً متعدّد الأغراض ليسار ما بعد الماركسية، أصبح طائفة من التبريرات للتراجع السياسي، وهناك خطورة أن يصبح ذريعة لتبرير الرأسمالية. [ومنها ورقة] إليزابيث جيلين، من حركة «الذاكرة» في الأرجنتين، وهي الحركة الواسعة التي تواصل الضغط على الحكومة للكشف عن المناضلين الذين اغتالتهم الدكتاتورية ودفنتهم في قبور مجهولة أو ألقتهم من الطائرات في عرض المحيط، والإصرار على محاكمة الجناة. وتتصدّى الحركة لدعاة «عفا الله عما سلف» كي لا يلجأ كبار قادة الجيش لتدبير انقلاب جديد حتى لا يتعرّضوا للمحاكمة. تقول جيلين [في ص 119]: الخوف من ردود فعل الجناة في الجيش، محاولة لتضميد جراح المجتمع بالنسيان والتراضي وعدم تذكّر الماضي، سفّاحو الذاكرة هم مزيِّفو المستندات والموسوعات، أمراء الصمت، إنّ ما تحتفظ به الذاكرة الجماعية هو ذلك الجزء من التاريخ الذي يمْكِنه الاندماج في نظام القيم السائد، لقد أصبحت حركة حقوق الإنسان أساساً لبناء ثقافة ديمقراطية جديدة يسود فيها التسامح وقبول التعددية وإقرار القيم الإنسانية.

تعاملت المراجع المنتقاة أعلاه تعاملاً جاداً وناقداً لظاهرة المجتمع المدني كمفهوم ومصطلح نظري مجرّد، وفي تجلياته المتعينة، في بيئة ومجتمع المنشأ، وواصلت تعاملها الناقد تجاه تجارب استنباته في بيئة مجتمعاتنا المتخلفة ونمائها المعاق. وفي الحالتين، تتجلى المصداقية في منطلقاتها ومواقفها الداعمة لمنظمات المجتمع المدني، شريطة أن لا تصبح استنساخاً شائهاً من الأصل في مجتمعات المنشأ، أو فرعاً تابعاً خاضعاً، أو جهاز استقبال وإرسال.

في ذات السياق تعامَل د. حيدر إبراهيم، مدير مركز الدراسات السودانية، مع سلبيات منظمات المجتمع المدني حديثة النشأة في السودان وفق ما جاء في مداخلته في منتدى إعلام المجتمع المدني، الصحافة، 6/11/2002: «انحرفت كثير من المنظمات عن أهدافها وأصبحت ميداناً لصراعات داخلية قائمة على أسس ذاتية وشخصية، وهي خصومات لا ديمقراطية في الأسباب ووسائل إدارة الصراع. تميزت هذه المنظمات بصراع المكانة والوجاهة والامتيازات المادية والمعنوية. وغالباً ما تتحول ديمقراطية هذه المنظمات إلى تحكم شلّة نافذة تستولي على فائض القيمة المتمثلة في المال والسفر والعلاقات العامة، إنها حضرية أو نخبوية، وهذا يعني أن العضوية محصورة وقليلة التأثير، أولويات المموِّلين قد تؤثر في تحديد الأولويات الوطنية والمحلية، بالإضافة إلى أن أساليب العمل التي يتوقّعها المموِّل حرمت المنظمات من ابتداع طرائق جديدة، الوضع الحالي لمنظمات المجتمع المدني لا يبشّر بمستقبل واعد». لم يترك د. حيدر زيادةً لمستزيد، لولا ظاهرة الغموض التي اكتنفت العديد من منظمات المجتمع المدني.

وأسطع مثال ما نشرته صحيفة «أخبار اليوم» السودانية 7/12/2002، وثيقة تحمل عنوان: إعلان كمبالا لمنبر المجتمع المدني لجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق 21- 24 نوفمبر 2002، فندق قراند إمبيريال، كمبالا، أوغندا، بدعوة واستضافة كريمة من منظمة عموم أفريقيا، وبتنظيم من منظمات العدالة الأفريقية لحقوق الإنسان، ووكالة التنمية الدولية البريطانية للتمويل، ويُعبّر المنبر عن أسفه لعدم مشاركة الحركة الشعبية ومنعها لمنظمات المجتمع المدني العاملة في مناطق سيطرتها من الحضور! شمل الإعلان 44 بنداً تحت العناوين التالية: المشاركة في السلطة، قسمة الثروة والتنمية، معالم ومبادئ الدستور، الدين والدولة، حق تقرير المصير وخيار الوحدة، حدود منطقة جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، دَور مؤسسات المجتمع المدني في تحقيق السلام.

سؤال واحد ظلّ يتبادر لذهن القارئ: من هم مندوبو المنبر وما هي المنظمات التي انتدبتهم؟ غياب الإجابة يُفسد مشاعر الابتهاج بأنّ مناطق جبال النوبة قد استعادت أمنها وعاودت منظمات المدني نشاطها خلال الفترة الثانية من اتفاقية السلام الموقَّعة بين الحركة الشعبية قطاع جبال النوبة وحكومة السودان برعاية وإشراف مراقبين دوليين، وأن منطقة جنوب النيل الأزرق على مشارف اتفاقية مماثلة!

في اقترابنا من التعرّف على المنظمات الطوعية «غير الحكومية»، أعانَتنا مجلة الإكونومست، البريطانية، عدد الأسبوع الأول من فبراير 2002 عرّبته ونشرته صحيفة «الأيام» السودانية. كادت المجلة المحافِظة الوقورة أن تنفي عن هذه المنظمات صفة «غير الحكومية»، مؤكّدة أنها تعتمد في تمويلها على الحكومات. وساقت بعض النماذج والأمثلة: منظمة الإغاثة أوكسفام، ميزانيتها لعام 1999 كانت 98 مليون جنيه إسترليني، حصلت على 24 مليون إسترليني من الحكومة البريطانية والاتحاد الأوروبي، أي ربع ميزانيتها. منظمة ورلد فشن، أكبر منظمة مسيحية غير حكومية، تسلّمت من الحكومة الأمريكية عوناً غذائياً قيمته 55 مليون دولار. منظمة أطباء بلا حدود، حائزة على جائزة نوبل، 46% من دخلها من الحكومات. من مجموع 120 منظمة غير حكومية تعتمد 111 منها كلياً على الحكومات، ثمّ تؤكد المجلة أن الدعم الحكومي يزداد، ويتناقص أو ينحسر الدعم الشعبي.

وتفسّر المجلة دوافع الدعم الحكومي بصعود أفكار وبرامج وسياسات الليبرالية الجديدة وتراجُع الدولة عن واجباتها والتزاماتها تجاه المجتمع وسياساتها في تخفيض تكاليف الإدارة، فألقت بأعبائها على المنظمات غير الحكومية. مثال ذلك، أن الحكومات أصبحت توجّه معوناتها للدول الأفريقية عبر تلك المنظمات، وأصبحت قيمة ما توزّعه من إغاثة ومعونات يفوق ما ينفقه البنك الدولي في السنة، وتتولى المنظمات الإشراف على صرف النسبة الأعلى من المعونة الأمريكية السنوية، وحجمها 117 مليون دولار. ووصفت المجلة تلك المنظمات بأنها المتعهّد أو المقاول نيابة عن الحكومات.

ووصفت المجلة بعض مناشط ومهام المنظمات غير الحكومية بما يمكن أن يوصف بالجاسوسية، مثل جمع المعلومات وكتابة التقارير التي ترفعها لحكوماتها حول أوضاع البلدان التي تعمل فيها. وبعضها يتلقّى أموالاً من الوزارات الأوروبية مقابل جمع المعلومات من بلدان بؤر التوتر والحروب. مثال ذلك، تابعت منظمة قلوبال وِتنس، الصراع في أنقولا وأعدّت تقارير مفصّلة بتمويل من وزارة الخارجية البريطانية. وتنشر منظمة «إدارة الأزمات» تقارير مفصلة ذات طبيعة تحليلية وسياسية عن البلدان التي تعمل فيها وتستفيد منها الحكومات والدبلوماسيون والصحف. تؤدّي منظمة إدارة الأزمات، مع ثلاث منظمات أخرى، وظيفة المستشار لوسطاء محادثات ماشاكوس.

المبادئ التي تحكم نشاط المنظمات غير الحكومية:

  • تزاول نشاطها في حيز محدود، وليس لها دَور سياسي مباشر.
  • لا تُعنى بتغيير الحكومات، إنما تضغط كيما تَحترم الحكومات حقوق الإنسان.
  • ممنوعة بحكم تكوينها وقانون تسجيلها من الفعل السياسي أو التغيير السياسي.
  • يلتزم العاملون فيها الحياد والابتعاد عن النشاط الحزبي أو الحزبي الصارخ.
  • يلتزم مركز المنظمة بالتمويل وكورسات التدريب، ورواتب المتفرغين.

تعريف مفهوم المجتمع المدني:

كلّ تعريف، وإن قارَبَ الإحاطة والكمال، يبقى ناقصاً، ومن ثمّ منفتحاً على المتغيّرات والمستجدات، والتي قد تتراكم في بطء كسول، أو تسارع نشط، حسب وتائر عطاء العلوم والممارسة. وقد استقر التقليد المنهجي على العودة للتعريف الأم، الكلاسيكي، ومساءلته قبل استكماله وربطه بما استجد، أو تجاوزه.

تتعامل غالبية المؤلفات والمقالات حول المجتمع المدني مع تعريف هيغل: تحتلّ مؤسسات المجتمع المدني الفضاء بين العائلة والدولة، وهي مؤسسات تلبي حاجيات الناس الاقتصادية وتؤدي مهام ضبط مساعي الناس لقضاياهم ومسائلهم الخاصة.. إلخ و«تتحفظ المؤلفات المعاصرة على انحياز هيغل للدولة باعتبارها الفكرة الإلهية كما تتجسّد على الأرض».

يليه في التداول تعريف قرامشي: تتمايز منظمات وكيانات المجتمع المدني عن الدولة [بكونها تضمّ] الاتحادات والكيانات والتنظيمات الاجتماعية الطوعية، والمؤسسات المدنية من نقابات وأحزاب والمؤسسات الثقافية والتعليمية المدنية والنوادي وغير ذلك. وينفي قرامشي صفة الحياد عن المجتمع المدني، ويعتبره ميداناً للصراع من أجل الهيمنة الفكرية والثقافية والسياسية.

لم يُفرد ماركس معالجةً خاصةً مكتملةً لمفهوم المجتمع المدني، عدا إشارات أو تصوّرات ضمن معالجة قضايا أخرى. وتنتقده بعض المؤلفات بأنه لم يخرج من عباءة تعريف أستاذه هيغل، أو أنه طابق بين المجتمع المدني والمجتمع البرجوازي، أو بينه ومفهومه لقاعدة المجتمع، وما يعلوها وينبثق عنها من هياكل التركيب العلوي أو الفوقي. وحتى لو صحّ ذلك، افتراضاً، فليس صحيحاً ولا دقيقاً الادّعاء أنّ ماركس بقي حبيس تعريف أستاذه هيغل. لكن يبدو أن منتقدي ماركس ظلّوا حبيسي الفقرة التي وردت في مؤلفه الأول المشترك مع إنجلز «الأيديولوجيا الألمانية» عام 1844، وكلاهما يتحسّس طريقه نحو منهج التفسير المادي للتاريخ. وقد أشارا في ما بعد إلى أوجه القصور في بعض استنتاجاتهما، أو عدم الدقة في صوغ بعض المفاهيم والمصطلحات، ولم يتيسّر لهما استكمال أو تصحيح مَواطن القصور، لأنّ الناشر الذي تعهّد بطباعته في أمريكا لم ينجز وعده بسبب إفلاسه أو شيء من ذلك. ما علينا! ما يُهمّنا هنا أن الفقرة الواردة في هذا الكتاب تقول:

«المجتمع المدني مسرحُ كلِّ التاريخ ومصدرُه ومقوِّمٌ وأساسيّ، يستوعب التبادل والتعامل المادّي والتجاري والصناعي بين الأفراد، وفي إطار مرحلة تاريخية معيّنة من تطوّر القوى المنتجة، يعبّر عن ذاته في شكل أمّةٍ في العلاقات الدولية، وينظّم نفسه في شكل دولةٍ في الداخل. تَبلوَر مصطلح المجتمع المدني في القرن الثامن عشر، عندما انسلخت علاقات التملُّك في المجتمع المشترك القديم والوسيط، وبهذه الصفة ينمو المجتمع المدني مع البرجوازية، التنظيم الاجتماعي المنبثق مباشرةً من الإنتاج والتجارة، والذي يشكِّل في كلّ المراحل قاعدةَ الدولة وبقية التركيب الفوقي».

في الفقرة الواردة أعلاه، يلحظ القارئ الذي اطّلع على مؤلفات ماركس وإنجلز، غموض بعض المفاهيم والمصطلحات، التي اكتمل وضوحها ومدلولها في مؤلفاتهما اللاحقة خلال نضج تفكيرهما، مثال ذلك: علاقات التملّك التي تحولت لاحقاً إلى علاقات الإنتاج. والتعامل والتبادل تحوَّلا إلى علاقات السوق، والصيغة المبهمة عن التنظيم الاجتماعي اكتمل مدلولها في مقولة التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية، كواحدة من المقولات الأساسية في منهج التفسير المادي للتاريخ.

رغم ذلك يصعب الاتفاق مع الادّعاء أنّ ماركس ظلّ حبيس تصوّر أو تعريف أستاذه هيغل، حيث بدأ التمايز أكثر وضوحاً في وقت مبكر في طروحات ماركس حول فويرباخ، 1845. فويرباخ، مثل هيغل، يتبنّى مفهوم المجتمع المدني التقليدي. ماركس يتبنّى المجتمع الإنساني، أو الإنسانية التي تتّسم بطابع اجتماعي. أما التصور الأكثر وضوحاً فقد ورَد في كتاب ماركس «انقلاب لويس بونابارت»، 1852، الفصل رقم 4، الفقرة الخامسة، حيث أسهب في ما آلت إليه الديمقراطية تحت ظلّ الانقلاب وسطوة جهاز الدولة: «تصطاد الدولة المجتمع المدني في شباكها، تكبح حركته، تضبط إيقاعه، ترشد خطاه وسلوكه وحتى واجفة الأعين، وتتحكّم في حياة الفرد بمركزية متسلّطة». ثم تَقدَّم ماركس بحزمة إصلاحات برامجية لإصلاح آثار البونابارتية، أو الشمولية، تطرح: «تبسيط إدارة الدولة، وخفض وتقليص جيش البيروقراطية للحد الأدنى، وأن يُترَك للمجتمع المدني والرأي العام خلق مَنابره الخاصة به، مستقلة عن سلطة الحكومة». هكذا، بين عام 1844 وعام 1852، استكمل ماركس استيعابه وتصوّره للمُجتمع المدني، وعبَّر عنه في الفقرة المقتطفة، بعد أن كاد يتجاهله تماماً، وهي فقرة عابرة عام 1842 في كتابه الذي انتقد فيه فلسفة هيغل الحقوقية، وفي جملة اعتراضية: ما يُسمّى بالمجتمع المدني. هذا ما كان من بقاء أو خروج ماركس من عباءة تعريف أستاذه هيغل لمفهوم المجتمع المدني. صحيح أنّ ماركس، مثله مثل مفكّري عصره، وسابقيه من مفكري عصر التنوير، اعتبَر المجتمع المدني وليد المجتمع البرجوازي، أي الرأسمالي، لأنّ المجتمعات السابقة للرأسمالية لم تعرف ظاهرة المجتمع المدني ومؤسّساته.

وما زال الصراع واختلاف وجهات النظر بين المنشغلين بأمر المجتمع المدني في زماننا هذا محتدماً حول مفهوم منظمات المجتمع المدني والمنظمات الأهلية والمتوارثة في مجتمعاتنا قبل سيطرة الاستعمار وغرس العلاقات الرأسمالية وأجهزة الدولة الحديثة في مجتمعاتنا. هذه معضلات لا تُحلّ أو تُحسَم بالقطعيات الوثوقية، إنما بالدراسة المتأنّية لكل مجتمع، وما كان عليه، وما آل إليه، ثم المقارنة والمضاهاة مع مجتمعات مماثلة قبل استخلاص ما هو عام ومشترك ـ مع مراعاة أنّ كيانات سابقة للرأسمالية تُواصِل تماسكها الباطني ونسيجها الخاص، وتتعامل وتتعايش وتتأقلم مع الرأسمالية في أخذ وعطاء، مثل ذلك التكوينات القبَلية والطائفية والطرق الصوفية، أو محافظة الخلاوي على طابعها الخاص رغم استيعابها في هياكل التعليم النظامي، أو الإدارة الأهلية في السلك الإداري للدولة، أو بقاء التاج والعائلة المالكة في بلدان رأسمالية متطوّرة مثل إنجلترا، هولندا، السويد.. إلخ، وترعى العائلة المالكة العديد من منظمات المجتمع المدني!

نظل نسعى للمعرفة والاستنارة من الفكر الإنساني، الطارف والتليد، ونستزيد معرفة بما يُتاح من تجارب شعوب العالم في معاناتها الذهنية لحلّ معضلات الدولة والمجتمع المدني. لكنّ منهجنا أن ننطلق من واقع المجتمع السوداني وتجلّيات تطوّره عبر العصور، وخصائص تشكُّل دولته ومجتمعه المدني. وما قاله مونتسكيو أو توكفيل، ابن خلدون أو المقريزي، ستيورات ميل أو هيغل، ماركس أو قرامشي، ليس فصل الخطاب.

ولا نغفل أو نزّاور عن استخدام منهج التفسير المادي للتاريخ نستخدمه، ولا يستخدمنا. ولا نعوِّم مفاهيمه ومقولاته في بحر من الكلمات أو إغفال متعمَّد للمصدر، [إنما] نسعى ونجتهد علّنا نتوصّل إلى استنتاجات سليمة، وننتج معرفةً تليق بمَضاء هذا المنهج، وتسهم في تطوير أدواته وآلياته، وتلقيحها بأساليب وطرائق البحث العلمي المعاصرة والمتجدّدة، علّنا نضيء مسافةً ما من إظلام مسرح المجتمع السوداني! لا بدّ من التفاتة وفاء لمن أشعلوا ثقاب المعرفة، فأناروا الطريق أمام الإنسانية نحو الاستنارة:

آدم فيرجسون، المفكر الإسكتلندي «1717 ـ 1802»:

أوّل من سَكّ مصطلح «المجتمع المدني»، قبل 22 عاماً من الثورة الفرنسية، في كتابه: «مقالة في تاريخ المجتمع المدني» [1767]، حيث استشعر تمركز السلطات السياسية في قبضة الدولة، وخطورة الاستبداد السياسي، وكيف يحمي المجتمع نفسه من التسلّط السياسي والاستبداد.

إيمانويل كانط «1724 ـ 1802»:

«كن جريئاً في استخدام عقلك، الكسل والجبن سبب بقاء البشر في حالة اللارشد طوال حياتهم».

«يأمره الضابط: لا تفكر، بل تدرَّب على القتال!».

«يأمره المموِّل: لا تفكر، بل ادفع!».

«يأمره الكاهن: لا تفكِّر، بل قل آمين!».

«يأمره السيد: فكّر كما تشاء، لكن أطِع!».

الكواكبي «1854 ـ 1902»:

«المستبدّ لا يخاف من العلوم الصناعية. ترتعد فرائض المستبدّ من علوم الحياة، مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم، وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية والتاريخ والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تكبّر النفوس وتوسّع العقول، وتعرِّف الإنسان ما هي حقوقه، وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النوال».

 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.