Sunday, 13 October 2019

أخواني الشهداء: العيون السود في البطانة كتار

انهضوا لبوا يا شبابنا هموا 
شهيدنا الطاهر ضحى بدموا 
أخواني الشهداء الزايد شوقهم 
مناى يا الله أسير في طريقهم 
أصبر قلبي وراجي لحوقهم 
هنالك في الجنة أبقى رفيقهم.. 

من أخسر ما خاض فيه المرحوم حسن الترابي بعد انفضاض حلفه والبشير في ١٩٩٩ تبكيته على شباب "الإنقاذ" الذين زهقت أرواحهم في سبيل "المشروع الحضاري"، لم تبق منهم سوى شذرات أسطورية وأحزان في قلوب الأهل والأحباب بجانب أراجيزهم المنشورة في الشبكة العنكبوتية استعادت صوتها الخاص ربما عن ماكينة الدعاية بسقوط الإنقاذ. فمن يذكر اليوم فضل المرجي وعبد الخالق من الذين "قضوا نهارهم صمود وشجاعة"، في عبارة الشاعر، و"ليلهم كله دموع وضراعة"؟ يقول شاعر الأرجوزة أن اخوانه قبل رحيلهم "شافوا بشاير"، وقد كلنا لهم من موقع المعارضة كل الكيل وأطلنا السخرية في مواردهم الروحية دون تقصي كاف لاقتصاد الشهادة السياسي الذي أدار حبله حول ذواتهم الشابة. سقط شباب الإنقاذ في مقتلة سياسية وكانوا وقودا وهاجا لدمار بالغ، طال أول من طال الآلاف المؤلفة من المدنيين في جنوب السودان الذين كانوا هدفا للنار الجهادية، كما طال حركتهم السياسية ورابطة الأخوة التي آلفت بينهم على أساس العقيدة المشتركة فتباغضوا بينهم بغضا شديدا صار قتلا مثل ما أصاب داؤود بولاد وخليل إبراهيم. 
لكن، ما الذي دفع فضل المرجي وعبد الخالق لمثل الصمود الذي تغنى به شاعر الأرجوزة، وماذا كان مطلب هؤلاء وأي دولة كانوا يرتجونها؟ استعد شباب الإنقاذ لدولتهم التي قامت فعلا بطلب الشهادة وكان جهادهم في أعوامها "الثورية" تصديقا لشعارهم إراقة الدماء في سبيل واحدية الدين والدولة فمضى منهم مثل فضل المرجي والمنشد أبو القاسم أحمد العيدروس وابن العشرين مصطفى ميرغني ومئات سواهم، كانوا في أوار الثورة منارات، فمن لا يذكر صور الشهداء على طول شارع الجامعة وكذلك في محيط جامعة السودان وجامعة النيلين وغيرها. ومن لا يذكر تبختر الطلاب المجاهدين بالدولة التي وصفها المرحوم حسن الترابي بأنها أول دولة إسلامية في العالم السني منذ سقوط الخلافة فاستثنوا أنفسهم أول ما استثنوا من اضطهاد الامتحانات والتصحيح، فما الامتحانات والشهادات بإزاء تسامي "الشهادة في سبيل الله". 
نشأ بين أفراد هذه الطبقة من المجاهدين أدب لما يدخل حيز التاريخ بعد، فقد أحالته "في ساحات الفداء" إلى بروباغاندا محضة ثم استعاضت عنه أوان حرب الإنقاذ في دارفور وحروبها اللاحقة ما بعد نيفاشا بشوفينية أولاد البحر القومية. كان المثال الأبرز لهذا الأدب صيغة الرسالة إلى الأم المكلومة، يشرح فيها المجاهد قضيته ويوصي على نسق "أماه لا تجزعي"، أو الرسالة إلى الصديق الذي مضى من قبله يناجيه فيها ويطلب سرعة اللقاء. انتخبت من النوع الأخير فقرات من رسالة الشهيد الفاتح حمزة، رئيس اتحاد طلاب جامعة أم درمان الإسلامية في أول التسعينات، إلى صديقه الشهيد الذي سبقه مصطفى ميرغني وآخرين (التشديد من عندي): 
"الكتابة إليك مرة مرارة القدر في طريق القاعدين والكتابة إليك لا تعفي عن لقاء ورؤية وجلوس والسفر إليك يثني ويرهق والطريق إلى داركم قتال والنزول إلى ساحكم خشن المداس. تركتنا كربات الخدود نعبد القطيفة والحطام والدينار ما رضيت بمقعد خلاف رسول الله وما وضعت عنك هم أمة تسعى إلى المذلة في قعر التاريخ كالهمل والهوام. (...) أتيت ربك بالنصر والجرح والشهادة وجئنا بالحطام والجبن والقمامة جئنا كبائعي الفقر نشكو قرصة الأيام وغيظ الحر وعورة الدار. جئنا عراة تضحك علينا ذيول النساء وسفهاء المجالس من الماجنين والعاجزين بلا ذكر ولا تاريخ. أخي مصطفى تركتنا كتماثيل الكرتون نندب الحظوظ في طول الحياة لتسيمنا خسفها وترينا كل يوم من أمرنا ذلا ونحن كأجساد العبيد لا نزداد منها إلا قربا وإخلاصا وتوددا (...) بربك هل ذكرت بؤسنا والفقر والسذاجة والانحطاط. هل ذكرت تماثيل الطين والخوالف والقاعدين. يا لك من فتى في السابقين قليل. عشرون كهذه أخي يقضونها حربا على المظلومين وعبادة لأرباب الخزائن والأموال وحق الفيتو. عشرون كهذه عندهم نوما في فراش الغانيات والحانات وأندية العراة ومجالس القطيعة. (...) صحيح أن من الحب ما قتل، حب التراب والغابة والمدائن والعرائس. سعدتم أيها الملك من نيران المجاذيب شمالا وحتى بلاد الورش والألواح. وأرى طيبا من أرض دقنة والقاش وبيتاي حتى مراتع النوق والفرس والشعر من بلاد الككر والسيف والدرقة والخيرات حتى ديم الزبير والعاج والحوش والأعاجيب، بلاد في سعة الأمل العريض تمددت في عينيك مثل حلم الليالي البكر من عمر الزمن الوليد. التاريخ يتجذر في عمقك من غير حدود والمستقبل في الأرض بعينيك من غير أمد. (...) من أنت أيها الفتى. الدنيا كلها لا تسوى عندك أوضع الأمل ولا أضعف الإيمان. خبرت الدرب كأنما عمرت القرون وشهدت مصرع الآجال والأجيال. أمثالكم يعدل أمة بمساجدها وتاريخها وبترولها. عشرات الخائنين أدعياء الحرية وحقوق الإنسان والأوطان يتناجون بالإثم والعدوان والغزو يجرجرون الخيبة من كل منتدى ويبيعون الفضيلة بكل دولار ودرهم.  أيها المصطفى حدثهم بأن الرسول حاضر وجبريل والقعقاع وأن البحر ذات البحر يشق الأرض شاهدا وأن الجبل ذاته يمتد في التاريخ ينبه أن الأيام دول وأن الكتاب هو 'هو وأهل البقرة وآل عمران'. يا من جئتم من كل صوب وتناديتم من كل شعب كأنكم على موعد وكأنكم إلى لقاء، ألف تحية والسلام."
في كل واقعة سياسية حقة لمس من اليوتوبيا، ومن ذلك اليوتوبيا الإسلامية التي تراءت لشباب الإنقاذ فغذت جهادهم الذي قال عنه الشهيد أبو القاسم أحمد العيدروس أنه يوجب على وجه التحقيق "أن نقاتل كل الكفر في كل العالم، ولولا أنه من الحكمة أن نقاتل الذين يلونا من الكفار فإننا إن شاء الله سنطير طيرانا إلى القدس فنقاتل اليهود..". عقد الفاتح في رسالته المقارنة بين عالم البطولة الذي انضم إليه مصطفى بفداءه فحاز الفردوس وجوار الأنبياء وعالم الوضيعة حيث الفقر والانحطاط وعبادة المال والبترول، وبين الإثنين جعل مسافة من الأمل العريض تتمدد في عين الشهيد. على خلاف عالم البطولي المتسامي جعل الفاتح للأمل العريض جغرافية وطنية وعدد من ذلك عناصر، كما ألحق الأمل المتجدد بتاريخ المهدية التحرري يصل هذا بذلك. تأفف الفاتح من العالم الماثل وعلاقات القوى فيه التي أعادها ضمن تبكيت على الخصوم إلى أصل مادي مبين مثل له بعبادة أرباب الخزائن وحق النقض في مجلس الأمن من جهة وميسم الفقر الحارق من جهة أخرى. البطولة، بالصيغة التي بشر بها الفاتح، مهرب من يتسامى على وضاعة الدولار والدرهم في طلب اليوتوبيا. 
من السهل، من موقع الحاضر، فضح ما انقلبت إليه يوتوبيا الفاتح حمزة ومصطفى ميرغني والأمل العريض الذي سهموا به لكن تلك حكمة بعدية لا تغني عن فهم الواقعة السياسية في لحظة نهضتها بل تنفي السؤال عنها بالمرة. ميز الفاتح في رسالته بين فئتين من العوازل: تماثيل الطين والخوالف والقاعدين من جهة والخصوم من أدعياء الحرية وحقوق الإنسان الذين يتناجون بالإثم والعدوان من جهة أخرى. الفئة الأولى كما يبدو من السياق هم رفاق الحركة الإسلامية الذين تفرغوا لمصالح عالم الوضيعة وتقاصروا عن نداء الجهاد إلى عالم البطولة. أليست هذه صفات البيروقراطية الحزبية أو النومنكلاتورا، من يعودون بالثورة القهقرى إلى عقلانية توازنات القوى التي تحفظ السلطة وتكرس السياسة باعتبارها فنا للمكن وليس طلبا عنيدا للمستحيل على طريقة "سقطت ما سقطت صابنها". 
وجه التفاضل بين "الواقعة الثورية" وبين "الشغب التحرري" أو قل الثورة والانتفاضة في عبارتنا عند فيلسوف الثورة آلان باديو هو العمل الشاق الذي لا بد من للإخلاص لمعاني الثورة في الصباح التالي بعد أن تنقضي ساعة النشوة. فالانتفاضة تفقد طاقة دفعها متى ما واجهت المسؤوليات غير البطولية والراكدة التي لا غنى عنها لإعادة البناء الاجتماعي، عندها يدخل عليها الخمول وترتد بلولب التاريخ الماكر إلى ما مضى من عادة وتقليد. بهذا التقدير تردى وفق عند باديو حتى البلاشفة ساعة نصر الثورة الروسية في أكتوبر ١٩١٧. قال باديو أن البلاشفة خانوا ثورتهم وقت استولوا على سلطة الدولة في أكتوبر واستغنوا عن تركيزهم الأول على التنظيم الثوري للجماهير بجهاز الدولة. لكن، ما تفسير النشاط المحموم الذي انغمس فيه البلاشفة في العشرينات لاكتشاف الحياة القادمة؟ من يوميات الاتحاد السوفييتي تقرأ مبادرات وأسئلة لتثوير الحياة اليومية بما في ذلك كيف يكون الحب والزواج وتربية الأطفال وطقوس الموت والدفن في ظلال الاشتراكية. 
ضمن هذه النهضة الثورية اجتهاد الكساندرا كولونتاي بعث الحب والمتعة الجنسية والعلاقة بين الجنسين على أساس من المساواة. معلوم مثلا أن لينين كان من مناوئي نظرية "كوب الماء" وعبر عن ذلك في لقاءه المشهور مع كلارا زتكين في ١٩٢٠. مفاد هذه النظرية أن تلبية الغريزة الجنسية والرغبة في الحب في المجتمع الشيوعي ستكون في بداهة شرب الماء. اعترض لينين على هذا التصور وعده ابتذالا. أما كولونتاي فقد أدانت من جهة صيغة الزواج البرجوازي بأحاديته الإجبارية الدائمة ونفاقها كما قاومت التصور البيولوجي المحض للعلاقة بين الجنسين وقالت نشأ في ظروف كانت تخوض فيها الطبقة العاملة نضالا ضاريا في ميادين أخرى استهلكت جل طاقتها الاجتماعية والفيزيولوجية، ولذا طغت وسطها علاقات جنسية عابرة وروتينية. بشرت كولونتاي بعلاقات جديدة بين الجنسين، قالت بزغت وسط الشباب السوفييت غراميات جديدة قاعدتها التضامن الذي ينشأ عن مصالح مشتركة ويعتمد على العلاقات الفكرية والعاطفية بين أعضاء المجموع والروح الرفاقية التي تسري وسطهم. كولونتاي كأبكار البلاشفة مستها يوتوبيا الاشتراكية وكان الأمل العريض لديها تصفية الرأسمالية كسلطة سياسية وكذلك كسلطة اجتماعية وطريقة للحياة. 
ما ورطة الفاتح حمزة إذن، وما العقدة البلشفية التي تعذر على شباب الإسلاميين حلها فكان المخرج الوحيد لإنقاذ اليوتوبيا الإسلامية ألا تغرق في وحل البؤس والفقر والسذاجة والانحطاط تحت ظل تماثيل الطين هو البطولة تحت زخات الرصاص؟ تسعفنا في هذه القضية مسألة من الثورة الثقافية في الصين في الأعوام ١٩٦٦ إلى ١٩٦٩. أعلن ماو تسي تونغ في ١٦ مايو ١٩٦٦ أن البرجوازية قد اخترقت صفوف حزبه الشيوعي وأن الواجب العاجل هو اجتثاثها ودعى من موقعه الشباب الصيني إلى إنقاذ الثورة بالانقلاب على قيادة الحزب الشيوعي واقتلاعها، أي الانقلاب على البيروقراطية الحزبية، على تماثيل الطين في صياغة الفاتح حمزة. دشن ماو بهذا الإعلان عهدا من الفوضى الخلاقة. انطلقت مجموعات الحرس الأحمر من طلاب الجامعات والمدارس في كل أنحاء الصين تهاجم رموز السلطة من كل شاكلة، المعلمين ومدراء المدارس والإداريين المحليين والمسؤولين الحزبيين باعتبارهم جميعا من تركة البرجوازية والإقطاع. أذل الطلاب السلطة وبشعوا بها كما حطموا كلما وقع في أيديهم من التراث المادي من تاريخ الصين الطويل، ما كان في المتاحف والمعابد أو ضمن ما احتفظت به الأسر، باعتبار كل ذلك رجسا إقطاعيا. شل شباب الحرس الأحمر الحياة اليومية وعطلوا التعليم والإدارة وأعمال الدولة. قال عنهم آلان باديو أنهم أعلنوا نهاية دولة الحزب في تخريجها اللينيني كمحصلة للنشاط الثوري. انتهت الثورة الثقافية إلى مهرجان من العنف واجهت فيه فصائل من الحرس الأحمر بعضها البعض، كل يتهم الآخر بخيانة "الثورة الثقافية البروليتارية العظمي" والانحراف عن خط ماو السليم، يمينا ويسارا. استجمعت دولة الحزب قواها وقت التقطت الطبقة العاملة القفاز الثوري في إضرابات عمال شانغهاي وعمال السكة حديد وتأكد ألا بد من ضربة حاسمة للثورة المضادة عندما طال التهديد وحدة جهاز الدولة القسري بعصيان قيادة جيش ووهان في يوليو ١٩٦٦، وقد كان. 
انتهت الثورة الثقافية بالتئام علاقة الاعتماد المتبادل بين الحزب والجيش وتصفية قوى الثورة الحية عبر الترحيل الجماعي للملايين من السكان إلى الأرياف البعيدة، خارت قواها دون أن تستطيع اختراع الحياة الجديدة الديمقراطية التي وجهت من أجلها الضربات المتتالية لأصنام الصين القديمة، العلاقات الأسرية والتقاليد الاجتماعية والسلطات الأبوية والعقائد الروحية والأدب والفن وكل ما به درن البرجوازية، فكانت شاهدا على عجز عظيم وبذات القدر على المستحيل الذي اقترب حتى كاد ثم انسحب.  بإعلانه الحرب الشعبية على الحزب الذي أنشأه فتح ماو الباب لعهد نادر من التجريب. ضمن هذه الطاقة السلبية، تدهور جهاز الدولة وانفرطت علاقات السلطة الاجتماعية المرتبطة به وحلت محله في كل موقع كيانات تجريبية قاعدية، لجان ثورية وكومونات شعبية متمردة على قيود جهاز الدولة وقواعده المرعية وتراتبه الهرمي؛ أعلن ماو أن التمرد حق للشباب وواجب، وقال الشعب لا ينتظر التعليمات بل يبادر بالأفعال. شجع ماو الملايين من شباب الحرس الثوري على الانتشار في كل بقعة من البلاد وبث الثورة عبر تحطيم البالي والقديم من الآثار والمعابد والتشهير بممثلي السلطة في أي ثوب أتوا، الأمهات والآباء وكبار القوم الرجعيين ورجالات الدولة وأعضاء الحزب الشيوعي المصاب عنده بداء البرجوازية فأزال بضربة ماهرة الشرعية عن كل أشكال السلطة، الدولة والدين المنظم والتنظيم السياسي والأسرة والمدرسة والجامعة. 
انهارت يوتوبيا الثورة الثقافية تحت ضربات التاريخ الماثل، وذلك مصيرها كواقعة تاريخية لكنه لا ينفي حقيقتها كشاهد على احتمال الحرية الجذرية بما يتجاوز حتى تكنولوجيا الحزب الطليعي وصفوفه المرصوصة، أي صيغة النشاط الثوري الأساس في القرن العشرين. تظل الثورة الثقافية بهذا المعني طيفا يسكن كل نهوض ثوري في انتظار البعث من جديد. دون هذا الاحتمال التحرري تنحدر كل يوتوبيا إلى الانحطاط الذي اشمأز منه الفاتح حمزة ولم يشهد منه سوي القليل. لم يعش الفاتح حمزة ليرى الإسلاميين وقد أذرى بهم الحكم حتى صاروا نشالين لجهاز الدولة لا غير مشروعهم الحضاري مبطوح مهترئ بين عمر البشير وطارق سر الختم يشهد على نفسه، ليس فيه من يوتوبيا مصطفي ميرغني ابن العشرين الذي تعفرت قدماه عند الفاتح "بفوح من غبار مواكب البدرين" شئ.
ما العبرة إذن؟ ربما ما نطق به ماكسميليان روبسبيير، زعيم التيار الراديكالي في عنفوان الثورة الفرنسية وهو يواجه المقصلة. كان لروبسبيير دورا مقدما في الدعوة للإطاحة بالملكية في ١٧٩٢ وقيام الجمعية الوطنية وانتخب نائبا فيها من موقعه كأحد قادة حكومة باريس الثورية. بشر روبسبيير بجيش شعبي من عمال المدن وأصحاب الحرف لحماية الثورة ثم تزعم لجنة السلامة العامة بهذا الاختصاص. صارع روبسبيير من موقعه كل ما اعتبره انحرافا عن خط المساواة الثورية بعنف مشهود حتى تآمر عليه خصومه وأطاحوا به في انقلاب الردة في ٢٧ يوليو ١٧٩٤، بداية عصر الثرمدور أو الثورة المضادة. استقبل روبسبيير مصيره بجلد عظيم قائلا إنه في غياب عذاب القلوب الشهمة وحبورها، في غياب الارتياع العميق من الاستبداد والهمة المرهفة نحو المستضعفين والحب المقدس للوطن وفوق ذلك الحب المتسامي والإلهي للإنسانية تصبح كل ثورة عظيمة محض جريمة صاخبة تستأصل جريمة أخرى. هتف روبسبيير بهذه المعاني وقال ما يزال الطموح المشترك في تأسيس أول جمهورية في العالم حيا. 
شمر الفاتح ومصطفي لنصر الدولة الإسلامية بالفداء، وأدركا ربما أن بين اليوتوبيا الإسلامية التي كانا ينشدان والواقع الماثل صحراء واسعة من الحقائق المادية والمصالح السارية وعلاقات القوى التي تأبى أن تنصاع للمطالب الثورية هكذا ضربة لازب. كما للفداء شهب، كذلك لصحراء الواقع ربان، تماثيل الطين والخوالف والقاعدين الذين وجه إليهم الفاتح سهامه النقدية. لم يخرج هؤلاء من صف الخصوم بل من بيت الحركة الإسلامية لإدارة السلطة وتسكينها حيثما تسري المصلحة. بذلك ترك الفاتح ومصطفى العدو خلفهما واستغنيا عن الجهاد الأكبر ضد الفقر والبؤس ببطولة القتال ضد مساكين مثلوا حاجزا كاذبا ضد يوتوبيا العدل الإسلامي بالمقارنة مع الحواجز القائمة فعلا، مصالح المالكين المتنفذين الذين حذر منهم الصوت القرآني بتشديد كثيف: "مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ." 
ثرمدور الحركة الإسلامية عند المرحوم حسن الترابي هو ما أتاها من صلف العسكر وطموحهم الانفراد بالسلطة وهذا مختصر كتابه "السياسة والحكم: النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع" (٢٠٠٣). لكن أيصح هذا التقدير والحركة ما شقت للمساكين طريق سوى الموت من أجلها أو في الصراع ضدها؟ والت الحركة منذ أن نهضت للحياة السياسية على يد حسن الترابي رأس المال وكان مكسبها في السلطة أن اخترعت للسودان الليبرالية الجديدة بحديد الدولة ونارها وكانت الأمينة على عناصر إجماع واشنطن، أرباب الخزائن في عبارة الفاتح حمزة، أيا كان الثمن الاجتماعي: التقشف في الإنفاق الحكومي على الخدمات العامة؛ خصخصة مؤسسات الدولة؛ تحرير تدفق الاستثمارات الأجنبية؛ تحرير سعر صرف العملة؛ تحرير وإلغاء القوانين التي تعيق عمل السوق وتقيد المنافسة؛ تحرير قطاع التجارة والقضاء على القيود الكمية كمنح التراخيص والامتيازات؛ تحرير الأسعار بحسب قوى السوق. لم يكن في علبة أدوات الفاتح حمزة ومصطفى ميرغني منظارا يكشف ما ببطن حوت الدولة، أكانت بيد أخ إسلامي أم خصم علماني، ونهضا إلى ما نهضا إليه بحمية العقيدة، خنق!
ما البوصلة إذن في صحراء الواقع التي انحطت حتى بالمثال الإسلامي ومطلبه المستحيل ردم ما بين الأرض والسماء؟ قد تسعفنا هنا حكمة كارل ماركس التي لا غنى عنها للثوري في الملجة الرأسمالية. أليس عنف اليعاقبة، جماعة روبسبيير، الطليق وثرمدور ستالين وهستيريا الثورة الثقافية في الصين وحتى قتال الفاتح ومصطفى ضد المساكين من مواطنيهم عرض للحجر على الصراع في ميدان الاقتصاد، حيث منشأ البؤس والفقر والانحطاط، وتزويره كصراع سياسي؟ عند ماركس، ما الصراع السياسي سوى مشهد مسرحي عظيم، شرح حركاته وسكناته في متاهة الاقتصاد.  بصارة ماركس وأذكى ما رفد به التنظير السياسي هي إصراره الأكيد أن مسألة الحرية، وقل السلام والعدالة، منسوجة في العلاقات الاجتماعية التي يصر الطنين الليبرالي على اعتبارها من طبيعة الأشياء وغير ذات صلة بالسياسة: من يملك ومن لا يملك، من يكدح بلا طائل ومن يحصد الأرباح. إن كان للحركة الإسلامية عبد الرحيم حمدي فالعيون السود في البطانة كتار!



استفدت في هذه الكلمة من كتاب سلافو جيجيك "لينين ٢٠١٧" (٢٠١٧) وكتاب كارل ماركس "برومير الثامن عشر للويس بونابارت" [١٨٥٢] (٢٠٠٧) وكتاب كلارا زتكين "ذكرى لينين" (١٩٣٤) ومقالة الكساندرا كولونتاي "افسحوا الطريق للغرام المجنح" (١٩٢٣) ومقالة مايكل لوي "شاعرية الماضي: ماركس والثورة الفرنسية" (١٩٨٩) وكتاب نيك نايت "إعادة التفكير في ماو" (٢٠٠٧) وكتاب بول كلارك "الثورة الثقافية الصينية" (٢٠٠٨). 

Friday, 30 August 2019

يا جركانة الموية: وجعلنا من الماء كل شئ حي

ابتدر رئيس الوزراء عبد الله حمدوك عهده بتصريح عن فجوة السودان المالية. قال رئيس الوزراء في مقابلة مع وكالة رويترز للأنباء أن البلاد بحاجة إلى ٨ مليارات دولار لتغطية حساب الواردات ووقف تدهور العملة خلال الأعوام الثلاثة القادمة و٢ مليار خلال الثلاثة أشهر المقبلة. كان الأستاذ فيصل محمد صالح قدم رئيس الوزراء الجديد للجمهور في مقابلة تلفزيونية دامت ساعة وبثتها قنوات التلفزة السودانية وبعض العربية يوم ٢٤ أغسطس الجاري. أفصح رئيس الوزراء عن كثير مما عن له من مصاعب الاقتصاد ومعضلاته لكن قليل عن الوسائل المتاحة لديه أو التي ينوي التصدي بها لهذه المعضلات. قال رئيس الوزراء نريد أن يتحول الاقتصاد السوداني من اقتصاد استهلاكي قائم على التوريد إلى اقتصاد إنتاجي، نريد أن يتوقف صادر المواد الأولية من الثروة الحيوانية والمحاصيل الزراعية ونريد استبداله بالسلع المصنعة. تحدث رئيس الوزراء عن الاقتصاد وصمت عن الاقتصاد السياسي المحيط بهذه الحقائق، صمت عن القوى الاجتماعية ذات المصلحة في تصدير المواد الأولية وموقعها من جهاز الدولة والعلاقات التي تربطها بالسلطة التنفيذية الجديدة وعن القوى الاجتماعية التي من مصلحتها التحول عن هذه الصيغة. 
صمت رئيس الوزراء كذلك، أو لم يسأله فيصل محمد صالح بما يكفي من التشديد، عن طبيعة ومقومات وحدود المساومة التي أوصلته إلى مقعد رئاسة الوزراء ومقتضيات التناقض بين الجهاز القسري للدولة، مثلث الجيش والأمن والمليشيا من جهة، وبين السلطة التنفيذية المدنية قيد التكوين من جهة أخرى، وكذلك عن التناقضات داخل كل من هذين الكتلتين. ربما جاز في هذا الخصوص الإحالة إلى النصوص الحاكمة للعلاقة بين اللجنة الأمنية التي تولت السلطة في انقلاب ١١ أبريل وقوى الحرية التغيير، أي الإعلانين السياسي والدستوري. لكن توفرت في تاريخنا الممتد والقريب ما يكفي من الشواهد على ثمالة النص في مقابل نصاح الوقائع حتى ندرك أن أي نص سياسي مهما بلغ حسنه، ودوننا اتفاقية السلام الشامل بتفاصيلها التي تخزي الشيطان، هو انعكاس لتوازن القوى في ساعة انعقاده، وتنفيذه من عدمه رهين بذبذبات أو تقلبات هذا التوازن وما يواتي أطرافه وما تفرضه المساومة المستمرة بينهما. فالتفاوض لا ينتهي بتوقيع الاتفاقيات وإنما يستمر كصيغة من العمل السياسي بين المتعاقدين وجمهورهما، بل قد تنسف تحولات في ميزان القوى أي اتفاق كان. 
تحدث رئيس الوزراء حمدوك بإعجاب عن نموذج "الدولة التنموية"، والعائد في تخريجه القريب إلى المرحوم الرئيس ملس زناوي في أثيوبيا بعد عهد اللجنة (الدرج). ما صمت عنه رئيس الوزراء أن نموذجا كالذي قام في أثيوبيا وتحققت بفضله معدلات نمو مذهلة يشترط بنص وممارسة الرئيس زناوي جهاز دولة مركزي قوي اليد تحت سلطة قوة سياسية مهيمنة على مدى طويل ويستطيع بموجب هذه السلطة وبقوتها السيطرة على الريوع الاقتصادية، أي الفوائض الناجمة عن أصول اقتصادية (أرض، رأس مال، قوة عمل، موارد طبيعية) بما يفوق ما هو ضروري اجتماعيا واقتصاديا، وكف يد المضاربين عن النشاط الريعي، ثم توجيهها لصالح أجندتها التنموية. لم يفصل رئيس الوزراء، ولم يلح عليه فيصل محمد صالح ليفعل، عن كيف سيتسنى لإدارته الانتقالية، بعمرها المحدود بثلاثة أعوام وثلاثة أشهر، والتي لا حول لها حتى الآن على الجهاز القسري للدولة وميزانياته وأصوله ولا ولاية انتخابية لها تحفظ لها الهيمنة، أن تقوم بمهام مثل التي يتطلب النموذج التنموي الأثيوبي. كما لم يذكر رئيس الوزراء على الإطلاق ما حكمه على الجمرة التسلطية في كل عقيدة تنموية، كان ذلك أثيوبيا زناوي أو رواندا كاغامي أو حتى سنغافورة لي كوان يو أو كوريا الجنوبية بارك جونغ-هي بل أم التنمية، كما في عبارة الاعتصام، الصين الشعبية. وهذه جمرة وصفها كاتب متعاطف حصيف العبارة بأنها تمثل "نظام سياسي مقيد لكنه شامل" وما حبذ الكاتب "شمولي". ضرورة هذه القبضة التسلطية عند المرحوم ملس زناوي هي منع انحراف الريوع الاقتصادية إلى تمويل شبكات المحسوبية السياسية. 
اختصر الفريق أول محمد حمدان دقلو المأزق الماثل في المساومة الراهنه بعبارة سهلة ممتنعة صرح بها أمام جمع حاشد بعد أيام قليلة من انقلاب ١١ أبريل. قال الفريق محمد حمدان يحض الجمهور على ولاء الدعم السريع أن "التنمية نوعان، تنمية الدولة وتنمية الدعم السريع". سخر مراقبون من عبارة الفريق محمد حمدان، باعتبارها بعض من عقله الرعوي المزعوم، لكنها تشخيص ليس مثله لازدواج السلطة الراهن. أمام رئيس وزراء معضلة بينة، وهي أن جانب عظيم من الريوع الاقتصادية التي لا بد منها لتمويل "الدولة التنموية" التي زكاها طريقا اليوم بيد خصومه، أو قل شركائه بروح اتفاق كورنثيا، في القصر. اشتعلت في رأس رئيس الوزراء أفكارا ربما لم يفصح عنها جميعا ونال حسن ظن المجتمع الدولي وربما البنك والصندوق الدوليين لكن بيد حميدتي وحلقة الضباط من حوله وشبكة رجال الأعمال التي يتوسطها الجيوب المربحة في الاقتصاد، تجارة العنف بالدرجة الأولى، والتهريب العابر للحدود وتعدين الذهب وصادر الماشية. 
برزت حدود سلطة رئيس الوزراء وهو يتحدث في التلفزيونات بالدولة التنموية في النزاع الدموي الذي وقع في بورتسودان بين فئتين من المساكين علي حدود الإثنية، النوبة والبني عامر، حيث ارتفعت أصوات متهمة القوى الأمنية بمحاباة طرف على حساب الآخر والدماء تسيل. قال البوليس أن ١٦ شخص على الأقل سقطوا في دورة النزاع الأخيرة وقدر تجمع المهنيين العدد بضعف ذلك أو يزيد. أصدر مجلس السيادة برئاسة الفريق أول البرهان قرارا بفرض حالة الطوارئ في المدينة، القرار الذي يجب بحسب الإعلان الدستوري أن يصادق عليه برلمان لما ينعقد بعد، كما أعلن إقالة الوالي ومدير الأمن في الولاية. اتهم متحدث باسم المجلس جهات داخلية وخارجية لم يسمها بالتدخل و"تحميش" النزاع والعمل على توسيع خارطته، لكن صمت عن أسبابه ودوافعه إلا ربما "العين". 
بحسب الأخبار المبتورة من المدينة تعود الأسباب المباشرة للنزاع إلى خصومة مزمنة على أرض سكنية. ثارت هذه الخصومة في يونيو الماضي لتحصد أرواح الثلاثين أو يزيد. وقتها قيل أن قوات الدعم السريع زادت من وتيرة العسكرة بتجنيدها شباب البني عامر. مثل نزاع بورتسودان امتدادا لأحداث مشابهة وقعت في كسلا وخشم القربة وفي القضارف خلال الأشهر القليلة الماضية وتاريخ طويل من النزاع الاجتماعي يعود بعضه إلى ستينات القرن الماضي من ضمن تاريخه القريب مظالم ومظالم مضادة ما كان منها في سياق النزاع بين المهربين (وفيهم من البني عامر) والبوليس (وفيهم من النوبة) في كسلا في سبتمبر ٢٠١١ وفي القضارف في نوفمبر ٢٠١١ وكذلك نزاعات حول حيازات تعدين في ولاية القضارف في يوليو ٢٠١٣، سقط في جميعها قتلى بنار الدولة. 
استعجلت قيادات من الحرية والتغيير تعميد النزاع في بورتسودان كما جرى في القضارف نزاعا قبليا واتهمت عناصر غامضة من دولة البشير بتأجيجه ضمن خطة للثورة المضادة، وربما صح زعمها، ثم جددت الدعوة إلى الوحدة الوطنية عبر وساطة يقوم عليها زعماء من الإدارة الأهلية. لكن خارت الوساطة واستمر النزاع حتى دخلت وحدات من الدعم السريع بورتسودان دخول الفاتحين تبشر بهم أصوات زعماء الإدارة الأهلية من البني عامر. لكن، أليست وقائع بورتسودان والقضارف وكسلا، على الأقل ما بلغ منها الإعلام لدمويتها، بعض أعراض مزيج متفجر من تدهور الاقتصادي الريفي، حيث بز التهريب الإنتاج الزراعي ربحية في أقاليم السودان الحدودية، ومرافقه الإفقار الحضري لقوى عمل عاطلة عن الإنتاج ضاقت بها الأرياف الواسعة وازدحمت بها الحواضر دونما بنية تحتية لموجبات البقاء أو وقاية اجتماعية.  
كانت فاتحة العنف في القضارف في مايو ٢٠١٩ بحسب النقل الصحفي مجابهة يومية بين سيدة من النوبة وبائع مياه من البني عامر حول سعر الجركانة، أي مجابهة في السوق حول هامش الربح. استقرت مجموعات من المواطنين النوبة في حزام الزراعة الآلية وقلبه القضارف كعمالة موسمية التشغيل دائمة الوجود وهو انتقال مركب، مكاني وثقافي واقتصادي، من موقع الفلاحة صاحبة الأرض الأصيلة الساكنة في لغة وثقافة موروثة وعالم فيزيائي وروحي متسق المعاني إلى موقع بائعة العمل في سوق الله أكبر منزوع المعنى سوى ما كان نقدا في غربة عن الأرض وعن وسائل الإنتاج وعن الجغرافية والثقافة. في هذا العالم منزوع البركة يجابه النوبة والبني عامر الاقتصاد النقدي كل على طريقته ووفق شروط لم يختارها أي منهم وفرضتها وقائع سابقة لوجودهم الفردي، أورطة البوليس وفريق التهريب وعصابة السطو والعمل الزراعي الموسمي ومالك الأرض الزراعية وسوى ذلك. تصديق كل ذلك ما صدر قبل أيام عن ممثلين لمزارعين في القضارف وسنار اشتكوا مر الشكوى من عجز البنك الزراعي عن تمويل "الكديب" كثيف العمالة. لا غرو إذن أن فاق سعر جركانة الماء في سوق القضارف قدرة سيدة من النوبة على الشراء، قضت في نزاع على هامش الربح وليس في صراع قبلي.

Thursday, 1 August 2019

يا جيش: أرفع يدك فوق التفتيش بالذوق

أثار انتكاس انقلاب الفريق هاشم عبد المطلب، رئيس الأركان المشتركة وهو القيم على القوات المسلحة بحكم منصبه، ردود أفعال شتى وافقت في أغلبها الرواية الرسمية للمجلس العسكري، أن الانقلاب من تدبير طرف من الحركة الإسلامية يهدف إلى استعادة توازن القوى السابق لانقلاب اللجنة الأمنية في ١١ أبريل على عمر البشير تحت ضغط القوى الجماهيرية. لذا استقبل قسط من الرأي العام خبر الانقلاب الفاشل باشمئزاز مبرر، فقدر البعض أن الانقلاب يدخل في باب سياسة "أبو القدح بيعرف محل يعضي أخو" والخير الذي ساقه الله ما دامت تداعياته الاعتقالات التي طالت قيادات عسكرية وأخرى من راية الحركة الإسلامية. طغت في كل حال المغصة المزمنة مع "الكيزان" وسارع المجلس العسكري إلى التسويق لهذه الرواية لأمر في نفسه وهو المتهم كذلك بمهادنة الإسلاميين، فبطش المجلس بالإسلاميين بالقوة العارية صار له شهادة تزكية ومدخل للقبول الشعبي وهو الوالغ في دم الثوار حتى قال بعضهم أن نصرة قائد المليشيا حميدتي في هذه الواقعة فطنة سياسية ما دام العدو مشترك. جاء آخرون بعقيدة المراحل فحلف اليوم مع حميدتي تبرره المصلحة المشتركة في كسر شوكة الإسلاميين ومتى جاء الغد الخالي منهم تيسر هزيمة الأخير بضربة أخرى للثورة وماشين في السكة نمد. اختصرت هذا الاشمئزاز الدكتورة مروة بابكر بجمع مدردم الجيش والأمن والمليشيا والإسلاميين في ليمون واحد عمدته "الجنجكوز" وكفى. 
في هذا السياق لم يفز الفريق هاشم بأذن تسمع مقاله وأحرجته ستارة الماركازيت شبه الشفافة المعلقة على الشباك خلف مقعده وضوء عمود النور الأصفر الذي تسرب عبرها أكثر. خاب معاونو هاشم في صناعة الصورة في عصر المشهدية هذا وقد صارت مقياسا للفضل لا العبارة. برر هاشم انقلابه بتلكؤ المجلس العسكري برئاسة زميله عبد الفتاح البرهان في تحقيق أجندة ثورة ديسمبر التي انحازت إليها القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وفق ما جاء في بيانه. ووعد بتصحيح هذا المسار الذي كاد يعصف بالسلم الاجتماعي في عبارته بخطوات تبدأ بتولي القوات المسلحة مقاليد الحكم وحل المجلس العسكري الانتقالي برئاسة البرهان وتكوين عسكري انتقالي جديد يحل مكانه ومجلس تشريعي يضم حكماء البلاد وشباب الثورة يشاركه الحكم عدا "مكون النظام البائد". وعد هاشم بحل المؤتمر الوطني وأيلولة دوره وماله لجهاز الدولة وأعلن في فقرة منفصلة "لا إقصاء أو عزل سياسي أو فكري أو عقائدي أو إثني لأحد إلا ما تقتضيه إجراءات العدالة والمصلحة العليا للوطن" كما وعد ضمن قائمة طويلة مأخوذة من الخير والإيمان السياسي بإعادة هيكلة جهاز الأمن الوطني والمخابرات ومراجعة كافة القوانين المقيدة للحريات بما في ذلك قانون الجهاز وتحقيق السلام مع الحركات المسلحة وإرساء دعائم الدولة المدنية وتحقيق التنمية المتوازنة إلى آخر القائمة التي طابقت أدب معارضة الإنقاذ من لدن مواثيق أسمره. غابت عن القائمة الورعة مقاصد الشريعة والذي منه، مفاهيم أطاحت بها ممارسة الحركة الإسلامية مبنى ومعنى وصارت في الوعي العام صنو الفساد والاستبداد الذي يقع وزره على "الكوز" في أي عباءة جاء. 
سربت قوى الحكم للرأي العام مشهدا من مساءلة دارت بين الفريق هاشم ومحقق محجوب الصورة، عرف الناس من صوته أنا غالبا قائد المليشيا حميدتي، في مكتب الأول كما يبدو. حلل الفريق هاشم بالقسم الغليظ قيادات في الحركة الإسلامية من مسؤولية الانقلاب وذكر منهم علي كرتي والزبير محمد الحسن ونافع علي نافع. قال بلغهم خبر الانقلاب و"ضربوا لي" يصرفونني عنه لخطره والدم الذي قد يسيل من جراءه. قال هاشم عن نفسه في التسريب أنه "حالف" حركة إسلامية منذ أن كان ملازما، وانتهى ما لزم الجمهور هنا من المقابلة. لم يشرح المجلس العسكري للرأي العام كيف أتيح لمن هم في حبس كوبر الإلمام ببواطن الصراع في الثكنات ثم الاتصال برموزه لإثنائهم عن سكة المغامرة الخطرة. تصب كل هذه الدلائل المنتقاة في التفسير الكيزاني للتاريخ فالصراعات داخل الجيش والأجهزة الأمنية بهذا التقدير استمرار لديالكتيك الرئيس والحبيس و"مفاصلة" تلو الأخرى في تراكيب أميبية مبهمة لا طائل من فضها والأحسن أن تعصف بأطرافها جميعا داهية واحدة والسلام. الوجه الآخر لهذا التفسير الأحادي هو أسطورة المدفعية عطبرة، وجوهرها الأمل في كتلة من الضباط الأفذاذ لا بد من وجودها، ينهضون في ساعة الحارة كما الأولياء لمهام الفداء. لكن المدفعية عطبرة كما حملة إنقاذ الجنرال غردون تأتي ولا تأتي، وإن أتت، متأخرة، وترتد على عقبيها. أراد الفريق هاشم ربما أن تتحقق تحت قيادته الأسطورة وتعيش بعدها البلاد في ثبات ونبات. أليس هذا هو وعد كل انقلاب بما في ذلك انقلاب البشير نفسه ثم انقلاب اللجنة الأمنية التي أطاحت به وبينهما انقلاب ود إبراهيم في ٢٠١٢؟ 
على سلامة كثير من حيثيات التفسير الكيزاني التاريخ قد لا تكفينا بمفردها في فهم المسارات التي اتخذتها "بولتيكا الثكنات" بعبارة الدكتور عبد الله علي إبراهيم وقد أفرخت فينا المليشيا كحقيقة اجتماعية وسياسية وعسكرية. صح استنكار هذه الحقيقة وقد حاصرت المليشيا المدينة الثائرة وقابلتها بالرصاص لكن ليست مما يزول بالأماني على طريقة انقلاب جنجكوز على آخر كما قالت الشاعرة والحصيلة المرجوة صفر السلامة. ليست مليشيا حميدتي هي الأولى لكنها الأعظم والأكثر نجاحا والتي استطاعت اختراق الدولة المركزية حيث فشلت قوى متمردة على سلطة الخرطوم. أوكل ضباط عظام مثل هاشم منذ ثمانينات القرن الماضي القتال ضد القوى المسلحة التي خرجت على الدولة لمجندين جاءت بهم ضرورات البقاء وتناقضات الاقتصاد السياسي للريف الحربي إلى الجندية بالمشاهرة. من ذلك القوات الصديقة من النوير التي جندها ضباط نميري لقتال الحركة الشعبية لتحرير السودان في أعالي النيل والتكوينات القتالية التي نشأت بين المسيرية في منتصف الثمانينات ردا على هجوم الحركة الشعبية على القردود في جنوب كردفان وكذلك بين الرزيقات في جنوب دارفور ثم توسعت بتمويل وتسليح من حكومة الصادق المهدي وضمها الدفاع الشعبي تحت السلطة الجديدة بعد انقلاب ١٩٨٩والجيوش المضادة للحركة الشعبية لتحرير السودان، مليشيا الفراتيت بقيادة التوم نور دلدوم التي تولت تأمين واو ومدن شمال بحر الغزال على أساس ميثاق مع القوات المسلحة أجازته الجمعية التأسيسية في ١٩٨٧  والمنداري الذي حرسوا شريط النيل لضمان سلامة البوارج بين بور وجوبا. 
سلف حميدتي الأقرب بهذا التقدير هو جنرال الخلا باولينو ماتيب، قائد قوة دفاع جنوب السودان، التي تولت عن القوات المسلحة حربها ضد الجيش الشعبي لتحرير السودان و"إخلاء" مناطق أعالي النيل الغنية بالبترول من السكان بعمليات "الأرض المحروقة" الممنهجة. بينما كان ماتيب طرفا أساسيا في الحرب لم يجد مكانا في طاولة المفاوضات التي وسعت فقط حكومة السودان والحركة الشعبية لكن اندرج لاحقا في رابط خصمه الجيش الشعبي عبر إعلان جوبا عام ٢٠٠٦. مثل إعلان جوبا المقتضب في واقع الأمر قاعدة السلام الموؤد في جنوب السودان حتى انفجر الحلف بين طرفيه مرة أخرى في الحرب الأهلية الجنوب-سودانية في ديسمبر ٢٠١٣، حرب الثكنات بعبارة الدكتور محمود مامداني. تمكنت الخرطوم بفضل استقلال جنوب السودان من التخلص من عبء المليشيات الجنوبية التي ترعرت تحت إمرتها لتنافس ما استطاعت على السلطة في الدولة الجديدة.
في مقابل ذلك، انتصرت مليشيا حميدتي في حربها ضد الحركات المسلحة في دارفور وكالة عن ضباط الخرطوم وقد استوعبت الدرس الماثل في مصير سابقاتها وأطاح حميدتي بمنافسه موسى هلال لتستقر لديه والحاشية الأسرية المحيطة به القيادة. فوق ذلك، استطاعت مليشيا حميدتي بفضل حرب اليمن اكتساب زبائن اقليميين جدد وانفتحت لها خزائن المال الخليجي بعدما شح ريع البترول في الخرطوم بانفصال جنوب السودان. فوق ذلك، وضعت المليشيا يدها على الجيوب الربحية في الاقتصاد الريفي البالي الذي تهاوت قطاعاته الإنتاجية جراء الإهمال المتطاول ثم الصراع المسلح، ما تعارفنا عليه باختصار التهميش، وحل محلها النشاط الريعي، بالدرجة الأولى تعدين الذهب. كما صار لها احتكار الابتزاز المسلح بمد سيطرتها على خطوط التجارة العابرة للحدود ومسارات تصدير الماشية من كردفان ودارفور إلى الجوار الإقليمي. مثلت هذه التحولات في الاقتصاد الريفي، ربما، الأساس المادي لعلاقات الاعتماد التي نشأت بين المليشيا وفئات من التجار خلف الستار السياسي للزعامة الأهلية ومن دخل حلفهم من المثقفين والمحترفين السياسيين. تقف هذه الكتلة اليوم في مقابل طبقة الحكم القديمة في الخرطوم، من ورثوا الدولة الاستعمارية بفضل رأس مالهم الرمزي والحلف السابق مع الرأسمالية الزراعية على عهد الحزبين الكبيرين ثم الرأسمالية التجارية في دولة البشير. 
ليس حميدتي بهذا فريق خلا والسلام بل علم لتحولات في الاقتصاد والاجتماع فاقت قدرة ضباط الجيش على الهندسة الاجتماعية وقد كان اعتمادهم الأساس في ذلك على عقيدة صمدية في مبدأ "فرق تسد".  تفوق الضباط على أنفسهم في هذا السبيل حتى تفرقوا هم وزالت سطوتهم سوى النشيد السمج بقومية القوات المسلحة ولم يرعوها حتى بلغت أزمة التجنيد مبلغا جعلت وزير الدفاع الأسبق، عبد الرحيم محمد حسين، يشكو إلى البرلمان تسرب الجنود إلى مناطق التعدين. قال الوزير في مايو ٢٠١٤ أن القوات المسلحة اضطرت لسد النقص في صفوف الضباط والأفراد في القوات المسلحة من قوات الدفاع الشعبي مقرا بعجز في التجنيد بسبب ضعف أجور الجنود وجذب التعدين. ما لم يقله الوزير وقتها أن لأزمة التجنيد جذر سياسي واجتماعي في الحروب الأهلية المتطاولة فالجندي مطالب على الدوام بالبطش بأهله في مناطق النزاع المسلح. كما لم يذكر أن المليشيا، وكيلا عن الحكومة كانت أو في معارضتها، تطرح على المقاتل علاقات عمل تبز القوات المسلحة درجات، أول ذلك ربما المشاهرة المرنة والموسمية التي تسمح بالجمع بين سبل شتى لكسب العيش والمساومة المستمرة على ثمن كل مهمة وشروطها. امتنع الوزير وقتها عن تقديم نسخة من بيانه لنواب المجلس وبرر ذلك بحساسية الشؤون الدفاعية وتخوفه من تسرب معلومات أمنية وعسكرية. 
يسهل بطبيعة الحال تسفيه المليشيا كملوث دموي للحياة الحضرية وردها إلى ريف فقد رشده وسكن العنف عقله الجمعي. لكن هذا التقدير الرائج يحجب الحقيقة الاجتماعية للمليشيا ونشأتها في التحول السكاني العنيف من الريف إلى الحضر. مثال ذلك سيرة محمد حمدان حميدتي نفسه. انتقل محمد الصغير في معية أسرته من بادية أهله المهارية ناحية كتم إلى نيالا بدفع انهيار الاقتصاد المعيشي في شمال دارفور جراء المجاعة التي ضربت كردفان ودارفور وشرق السودان منتصف الثمانينات ضمن موجة الجفاف التي أصابت الساحل الافريقي والتمدد الجارح للاقتصاد السلعي. تحولت فئات واسعة من المهارية من الرعي المعيشي إلى زراعة الدخن في نواحي مليط كما انتشرت فئات أخرى في دول الجوار، بخاصة ليبيا وتشاد، تسعى الوسائل للاندماج في الاقتصاد السلعي من خلال التجارة والعمل المأجور والإنتاج الصغير، ومنهم حميدتي نفسه. تقول تقديرات أولية أن ٤ من كل ١٠ بيوت في مليط صدرت أحد أفرادها الذكور للعمل في ليبيا. اخترق التسليع الاقتصاد المعيشي للمهارية وعالمهم الاجتماعي وأصبح رواد هذا الاقتصاد الجديد بينهم تجار ماشية عابرين للحدود الدولية، ومن هؤلاء أيضا حميدتي الشاب. بذلك ليس من الدقة رد حميدتي إلى بادية المهارية وكفى، والأقرب أنه من شحم نيالا المدينة والسوق الدولي التي صارت بحسب الإحصاء السكاني الأخير ثاني أكبر مركز حضري في البلاد بعد العاصمة الخرطوم. لا غرو إذن أن صعد نجم حميدتي السياسي أول ما صعد في مدينته نيالا وفيها جند عام ٢٠٠٣ طلائع المليشيا الخاصة به. 
لم يكتشف حميدتي المليشيا كصيغة ربحية لتنظيم العمالة المسلحة في جغرافية دارفور الحربية فقد سبقه إلى ذلك غريمه موسى هلال وبطبيعة الحال الحركات المسلحة المناوئة للسلطة المركزية في الخرطوم. لكنه استطاع بمهارة المساومة في السوق السياسي، مفهوم اجترحه آلكس دو فال لتمييز الزبائنية الحربية، وبحاسة المستثمر أن يستخلص من محاولات سابقيه، الصيغة الأصفى للمليشيا المدرة للدخل متعددة الأغراض والزبائن في بيئة جيوسياسية أصبحت فيها القوات المسلحة شريكة للمليشيا وليس قوة مهيمنة عليها. لم تكن مواجهة حميدتي مع الفريق هاشم في القيادة العامة بدعة في سيرته، ميزتها أن تناقلتها الشاشات، فقد وقف ندا لضباط عظام من قبل وعركهم. واجه ابن عوف وقت كان قائدا للاستخبارات يطلب رتب القوات المسلحة وهيكلها الراتبي لجنوده، وواجه عمر البشير يطلب قسطا من السلطة يوازي ما نالت حركة مناوي في ٢٠٠٦. ثم كاد أن يتمرد عندما تلكأ القصر وعسكر بجنده في محيط نيالا معتزلا القتال حتى عاد بشروطه في حصار حركة العدل والمساواة للفاشر عام ٢٠٠٨ وكان وقتها عماد الدين عدوي قائدا لحاميتها. 
انعكست هذه الندية في تركيب اللجنة الأمنية، اختراع حكومة عمر البشير لتنسيق عمل الأجهزة القسرية، وهي هيكل هرمي من قيادات القوات النظامية من مركز السلطة حتى أدنى مستوياتها المحلية، وعبرها تجري عمليات اتخاذ القرار بخصوص الأمن الداخلي، كان يرأسها في قمة الهرم البشير وفي كل ولاية الوالي وفي المحلية المعتمد. بدخول قادة الدعم السريع اللجان الأمنية نفذت المليشيا إلى هيكل الدولة القسري وانكشف لها المستور الذي فضل الوزير عبد الرحيم أن يحجبه عن برلمان "الملكية". جيرت اللجنة الأمنية منذ عهد البشير الحزب الحاكم فصار لها فرعا للتوجيه المعنوي في أفضل الأحوال ومخزنا للسياسيين ثم لفظته وتنكرت في انقلاب ١١ أبريل ترمي عليه كل رذائل الإنقاذ إلا اللمم القليل من شاكلة "حدس ما حدس". على كل، يبدو من تصريحات رجال اللجنة الأمنية الذين اهتبلوا السلطة أن خطتهم تطويع قوى الحرية والتغيير لتلعب ذات الدور الذي كان يلعبه المؤتمر الوطني تحت قبة السيادة الأمنية. في هذا الخصوص أبدى الفريق البرهان على سنة سلفه الضباط الحكام من لدن الحاكم العام تأففا من الحكم البرلماني الذي اعتبره ردة إلى ماض من الصراعات الحزبية غير ذات الطائل. 
لكن أليست لجنة البرهان الأمنية أو مجلسه العسكري الانتقالي ذات صيغة الحكم التي أفرخت انقلابا تلو الآخر بما في ذلك انقلاب الفريق هاشم وأليست هي ذاتها الصيغة التي أنجبت المحاصصات الإثنية والقبلية تحت حكم البشير وأليست هي التي أفرخت المليشيا كتكنولوجيا لإدارة قوى العمل الفائضة في الاقتصاد الريفي المتهاوي؟ وأليست هي المسؤولة عن تزكية الحلول الأمنية لكل أوجه الصراع الاجتماعي في البلاد بما في ذلك مظاهرات تلاميذ المدارس في الأبيض هذا الأسبوع وأليست هي التي أحلت دم مواطنيها في الريف والحضر متى خالفوا لها أمرا، فالرباط الذين بين الدولة والمواطن عندها ينعقد وينحل بالرصاص. اتخذ الفريق هاشم في واقع الأمر ذات طريق البرهان ومن قبله البشير فوعده الذي لم يحسن التعبير عنه هو التحرير من المليشيا التي لم يأت على ذكرها حين عرف سلطته المأمولة. قال الفريق هاشم في بيانه أن القوات المسلحة، دون غيرها من أطراف اللجنة الأمنية، هي التي استلمت السلطة بالانقلاب الرقمي الذي قاده واندحر. لكن، أيمكن هيكليا التحرر من سلطة اللجنة الأمنية، أو قل جهاز الدولة القسري، بموالاة طرف على آخر أو بنصرة ضباط الكلية على ضباط الخلا أو ضباط الحركة الإسلامية على ضباط "المدفعية عطبرة" الأسطوريين؟ إذا كان القياس رابطة النطفة والعلقة ربما جاز تفضيل ياسر العطا على عبد الرحيم دقلو باعتبار الأول من رحم هاشم سيد الاسم والثاني من فصيل "العقل الرعوي" بعبارة النور حمد. لكن أليس هذا قياس مؤتمر الخريجين الذي أورثنا طريق الآلام من لدن "السودنة" وما اكتفى فعاد اليوم والحال ثورة على البالي والقديم ينادي بالكفاءة لا السياسة؟  
إن عبرة التجربة مع سلطة الجهاز القسري للدولة في تخريجاته المختلفة أنه معاد للحرية ولو كان بابها ضيقا مثل الذي نفذن منه تلميذات الأبيض؛ وأنه معاد للوطنية التي صدح بها الآلاف في الشوارع فقابلهم بالمدافع الرشاشة؛ وأن قراره رهين بالقوى الدولية التي تمد له وتصون كيانه بالتمويل والتسليح، أكانت الولايات المتحدة ومصر على عهد النميري، أو كشكول تحالفات البشير أو السعودية والإمارات في عصر البرهان/حميدتي الراهن؛ وأنه مكمن للفساد المالي ومعمل لشراء الذمم كما تشهد عليه تقارير المراجع العام لسنوات مضت متى حضر فيها ومتى غاب بتمنعه على التدقيق وكما تشهد عليه قوائم الشركات المنتفخة بالعقود الحكومية التي كلما طردها من الباب قرار سياسي عادت بالشباك أكثر عددا تناسل منشطرة ومنقسمة الواحدة عن الأخرى؛ وأنه غير مؤتمن على حفظ حياة الناس ومعاشهم يواجه كل خلجة، ولو نملة احتجاج في شارع طرفي في حي قصي، بفأس العنف المميت ليس لديه سواه؛ وأن مكوناته ولو تنافرت تتماسك الحزز متى طال التهديد احتكارها السلطة ووسمها اليوم "السيادة". 
لربما أدرك الفريق هاشم ورفاقه وقد دارت عليهم الأيام فقام عليهم فريق خلا يأمر وينهى ويقيل ويعين ويعتقل وثار عليهم الجند مفضلين المليشيا الخصوصي وحوافزها على الميري العمومي وقواعده أن الضباط قد أفسدوا مهنتهم. تسرب من بين أيديهم احتكار العنف والسلاح وزال عنهم "شرف الكاكي" بل تدهورت حتى رتبهم وازبليطاتهم وما إلى ذلك، فالفريق منهم اليوم في مرآة الرأي العام شاويش الأمس يزيد أو ينقص، كبرت المكاتب وتواضعت المراتب. إن أراد ضباط الجيش الانتصار لأنفسهم فالطريق لا يمر بالقصر وكبرى الانقلاب وإنما بالشعب وشارع الحرية، عليهم الاستماع إلى النشيد المدوي الذي يتردد في كل شارع أمس واليوم وفي غد، "مدنياااااو" ونصرته؛ عليهم شفاء ما بهم بانتشال مهنتهم من سخام السياسة السلطوية والوصاية على شعب حر صاحب قرار فحريتهم من حرية شعبهم؛ عليهم الانقياد للإرادة الديمقراطية التي تتجلى بالمدافعة في ميدان السياسة وتحت رقابة الرأي العام وليس في حجاب الثكنات. صلاح القوات المسلحة، إن كان من عبرة تستقى من ورطة ضباطها، في فتح الثكنات وملفاتها ودفاتر حساباتها إن وجدت واتفاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية لضوء التداول الديمقراطي الكاشف وليس في "ممنوع الاقتراب والتصوير". لقد انكشفت البخرة وانتهى الامتحان فيا جيش: أرفع يدك فوق التفتيش بالذوق! 

Friday, 19 July 2019

Sudan’s Power-Sharing Agreement: Towards Transition or a Game of Tajility?

A short piece on the Corinthia deal between the ruling junta and the Forces of Freedom and Change published by the Arab Reform Initiative.

Sunday, 14 July 2019

الثورة مستمرة: هل تجاوز المحتوى حدود العبارة؟

تنعقد وتنفض جلسات التفاوض بين المجلس العسكري وقوى الحرية التغيير وبينهما وسيط عن الحكومة الإثيوبية وآخر عن الاتحاد الافريقي. تناقلت الأخبار أكثر من عقدة تحول دون الوصول إلى اتفاق بين الطرفين، الاتفاق الذي ظل محل اختبار في الرأي العام كلما رشحت عنه تفاصيل. بالموازاة مع مفاوضات المجلس العسكري ولجنة الحرية والتغيير في فندق كورنثيا بالخرطوم ابتدرت أطراف من الحرية التغيير في أديس أبابا حوارا مع الحركات المسلحة التي ظلت على عداء حربي مع نظام البشير بغرض الوصول إلى صيغة ما تعيد هذه القوى إلى مظلة الحرية والتغيير. ذلك بعد أن عبرت الجبهة الثورية صراحة عن تحفظها على معادلة كورنثيا بيد الصفوة الخرطومية وبح صوتها بنداء إعادة هيكلة قيادة الحرية والتغيير لمقابلة المهام السياسية التي استجدت بعد إطاحة اللجنة الأمنية بالبشير تحت ضربات الجماهير الثائرة. 
في غضون ذلك خرج الحزب الشيوعي على الناس ببيان فصيح في نداء المقاومة فقير في استراتيجيتها. قال الحزب أن الاتفاق المرتجى، ولم يكتمل بعد، لا يلبي تطلعات الثورة ويرتد عنها صراحة وأعلن تبرؤه من المشاركة في سلطة المرحلة الانتقالية إن كان أساسها هو الاتفاق غير المعلن. لم يعلق الحزب على واقع أن ممثله صديق يوسف بين المفاوضين على الاتفاق ولم يجهر بانسحاب ممثله من التفاوض أو انسحاب الحزب من حلف الحرية والتغيير رغم التبكيت عليها. بذلك، يداخل بيان الحزب المزايدة أكثر منه نصر الثورة بالخط السياسي السديد. 
تستغرب أستاذية الحزب هذه في مضمار سياسة البرجوازية الصغيرة الهتافية وهو الأمين، على الأقل بنسبته إلى الشيوعية السودانية الغراء، على مصالح الطبقة العاملة ومهمته فتح الطريق لنشاطها الثوري من موقع مستقل في سكة الثورة الوطنية الديمقراطية والاشتراكية "من واقعنا ما من أكتر". تبرؤ الحزب من كورنثيا إذن، وإن وافق المزاج الجماهيري المخالف للتسريبات من الفندق، يحمل شبهة التربص بالحلفاء لا الراديكالية بقوة المساكين. شغل الحزب بالدرجة الأولى هو تزكية خط سياسي للطبقة العاملة ومن دخل حلفها من المنتجين الزراعيين وابتكار صيغ تنظيمية لنشاطها، المنظمة الجماهيرية في تجربة الحزب، فإن أفلح في ذلك كان ملء "هدومه" وإن تعذر عليه كان فصيلا مهرجلا للبرجوازية الصغيرة لا فضل له على فصائلها الأخرى سوى تراثه. 
ما معنى كورنثيا إذن؟ كأي اتفاق بين متنافسين في خصومة على السلطة يعبر ما رشح حتى الآن عن اتفاق كورنثيا (والنسبة للفندق الفخم على شاطئ النيل السعيد في موقع حديقة الحيوان القديمة حيث تجري المفاوضات من اختراع أحمد محمود) عن توازن القوى بين الطرفين، المجلس العسكري وتحالف قوى الحرية والتغيير. وجه الصعوبة الأساس أن ميزان المعادلة بين الإثنين لما يستقر بعد ولذا يسعى كل منهما ما يزال لكسب نقاط ضد الخصم في دورة من التكتيكات قصيرة المدى. لكن ما القوى الاجتماعية التي يتوسل الطرفان التعبير عن مصالحها وأي موقع في الصراع الاجتماعي يشغلان، وهل من تفسير لسلوكهما السياسي؟ 
أغنانا فيلسوف الثورة المضادة صديق متولي عن المطال في تشخيص القوى التي تولت الحكم في انقلاب ١١ أبريل وهو القائل "حبيناك يا برهان واخترناك يا حميدتي"، فاللجنة الأمنية التي أزاحت عمر البشير هي قيادة القوى القسرية لجهاز الدولة عارية من كل غطاء، هي حزب الجندية. لا غرو إذن أن قابلت الجماهير هذه التشكيلة بنداء "مدنيااااااو" في مقابل العسكرية فالتناقض بين المدنية والعسكرية في هذا التقدير هو الصيغة الراهنة لمتقابلات أخرى، الحرية والجبر، الديمقراطية والديكتاتورية وكذلك العدالة الاجتماعية والاستغلال. ميز ماركس في الثامن عشر من برومير لويس بونابارت، كتابه الفاتح عن الثورة والثورة المضادة في فرنسا الثورية، السلطة التي تهيأت للويس نابليون بالانقلاب العسكري على الجمهورية الثانية في ١٨٥١ باعتبارها نتيجة موضوعية لتوازن الضعف بين الطبقات الاجتماعية المتصارعة. قال ماركس أن الطبقات الاجتماعية التي تهيأ لها وعيا سياسيا بذاتها في خضم الأزمة الثورية عام ١٨٤٨ عجزت عن فرض إرادتها السياسية منفردة ما سمح لجهاز الدولة القسري بالاستقلال النسبي عنها تحت شعار "دولة القانون". 
كتب ماركس أن انتصار الانقلاب كان انتصار للديكتاتور الفرد على البرلمان، انتصار السلطة التنفيذية عل السلطة التشريعية، وقد كان "البرلمان مكانا تترجم فيه الأمة إرادتها قانونا، أي تترجم فيه الطبقة الحاكمة إرادتها قانونا." في المقابل، اعتزل البرلمان السلطة وكل إرادة خاصة به وخضع لأمر إرادة غريبة، للسلطة. زاد ماركس، "يبدو أن فرنسا قد فرت من استبداد طبقة حاكمة لتقع تحت استبداد فرد، استبداد فرد لا سلطة له. انتهى الصراع بتسوية تخر بموجبها جميع الطبقات المتساوية في عجزها وشللها على ركبها أمام كعب البندقية." لم يوفر ماركس نقدا لقيادات القوى الاجتماعية التي خارت إرادتها المستقلة أمام كعب البندقية بما في ذلك البروليتاريا التي قادتها اشتراكية طوباوية في حلة قومية إلى الانتحار السياسي بما في ذلك الاصطفاف خلف الامبراطور. 
عند ماركس لا قوام للاشتراكية الطوباوية التي شغلت أحلام البروليتاريا الفرنسية ساعة الأزمة، رغم فعالية الإلهام الذي بثته، لأنها من مادة الفانتازيا ولا جذر لها في وقائع الصراع الاجتماعي. عن كتابات رواد هذه المدرسة الاشتراكية قال ماركس أن قيمتها كانت دعائية في الأساس مثل الروايات الشعبية، ومثل كل تصور طوباوي زائلة وعابرة. احتفظ ماركس ببغض خاص للمتهمين عنده بالترويج للتصورات الطوباوية في عكر الأزمة وقال إن العبارات والتصورات الطوباوية، على إلهامها، تتستر على نقص في المحتوى التحرري في عالم الوقائع. لكن ميزة ١٨٤٨ على خلاف ثورات القرنين السابع والثامن عشر أن محتواها كان واقعيا لدرجة لا تستطيع العبارة الطوباوية الإحاطة به، فالمحتوى، في حرف ماركس، تجاوز العبارة. لذلك، كان ماركس قاسيا تجاه الثوريين الذين اتهمهم بالاحتطاب في صيغ الماضي وبعثها بدلا عن الاستثمار في المستقبل وبالتالي تفادوا التسوية الجذرية للأزمة القائمة بين يديهم. 
فوق ذلك، بين ماركس ألا أهمية لعدم القدرة على صياغة المستقبل في عبارة الحاضر لأن محتوى الثورة، وقد فجر المعهود والموروث وأحال كل ذلك إلى ركام، قادر على جذب النصرة دون عون من اللحن الطوباوي، سنبلة وجراد. بذلك تجاوز محتوى ثورة القرن التاسع عشر العبارة بمعنيين: المعنى الأول أن معرفة هذا المحتوى كان مما لا يقدر عليه أيا كان، والثاني أن بهاء المحتوى القادم نفسه كان مما لا يمكن الإحاطة به بقاموس الحاضر، ويتطلب نقلة نوعية في التعبير غير متاحة حتى لطائر الشعر. على هذا الأساس، خلص ماركس إلى أن محتوى الثورة الاجتماعية في القرن التاسع عشر حكم بنهاية الاشتراكية الطوباوية، إذ لم تعد البروليتاريا في حاجة فانتازيا المستقبل المزدهر التي يبثها أنبياء طوباويون للانخراط في ثورتهم التي تعد بمحتوى يذهل كل محاولة لتأطيره في عبارات حالمة. 
كتب ماركس في هذ الشأن: "بدلا عن الإيمان بحتمية النصر من موقع النشوة، تنخرط الثورات البروليتارية، مثل ثورات القرن التاسع عشر، في نقد ذاتي دائب، تقف عند كل خطوة وترتد لكل ما بدا أنه اكتمل لتعيد تشكيله من جديد وتهزأ بقسوة بربرية من نواقص محاولاتها الأولى ونقاط ضعفها وجوانبها المثيرة للشفقة، تطيح بخصومها فيستقي هؤلاء قوة جديدة للمواجهة كأنهم عمالقة، لتعيد الكرة مرة وأخرى وهي تستقي من السعة المذهلة لأهدافها حتى ينشأ وضع يستحيل معه التراجع". منشأ قوة الثورة البروليتارية عند ماركس هي رفض البحث عن ملجأ في الاعتقاد في معجزات، ورفض التعوذ من العدو براتب الفانتازيا الثورية ورفض التضحية بإدراك الحاضر وفهم تعقيداته بتبجيل المستقبل.
تجذر الثورة في محل التصورات الطوباوية التي تضفي على الوقائع بريقا كأنها جواهر فهما للحاضر يعيد البروليتاريا مرة وأخرى من إذهال مهامها الكبرى. وفي محل العبارات التي تتستر على فقر ما هو مطروح يتجاوز المحتوى الواقعي للثورة ويتحدى كل محاولة للإحاطة به. الثورة، في تقدير ماركس، لا تتستر ولا تخادع نفسها بالفانتازيا ولا تتجنب الحلول الحقيقية، وما محاولة التوسل للبروليتاريا بالصور الفانتازية سوى سخف وابتذال ورجعية! يا كارل ماركس، ولسانك، كأنك مناضل في لجان المقاومة. 


Friday, 5 July 2019

Sudan's season of revolution

A article for ROAPE here.
"Whatever the outcome of the negotiations between the TMC and the FFC, now mediated by the African Union (AU) and the Ethiopian government as well as a cohort of Western diplomats including newly reappointed US envoy to Sudan, Donald Booth, the course of the Sudanese revolution is for the now in the hands of the ‘resistance committees’. Some have claimed local authority in their neighbourhoods toppling the petty autocrats of the Bashir-era ‘popular committees’ and are refashioning micro-authority to fit an emancipatory zeal. The question remains, will they be able to translate this zeal into mass political action that can take on the brutal machinations of the Sudanese state?"


Sunday, 23 June 2019

محمد مرسي شهيد الانتخاب

فارق الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي الحياة في قاعة محكمة السيسي السفاح يوم الإثنين الماضي ١٧ يونيو، غادر هذا العالم بعد ستة أعوام قضاها في تعذيب الحبس الانفرادي، منذ عزله بالانقلاب العسكري في ٣ يوليو ٢٠١٣. أوردت جريدة الأهرام، لسان حال الدولة المصرية، خبر وفاة الرئيس المنتخب باقتضاب شديد في صفحة الحوادث والإجرام، فهو في حساب الدولة متمرد عدو استحق الإعدام بتطفله الانتخابي على مقعدها الأول، وشرعيته لا يعتد بها بل ليست إلا وجها من تهافت الديمقراطية المصرية الموءودة ودليلا على عدم استعداد الجموع التي انتخبته لحقوقها، فقد وقع رأيهم في تقدير الدولة على الاختيار الخطأ. 
لم يشف سقوط مرسي ميتا في قاعة المحكمة غليل الدولة المصرية فمدت يدها إلى الجثة. أوصى مرسي بدفنه في مقابر أسرته بمسقط رأسه في قرية العدوة بمحافظة الشرقية. لكن الدولة رأت غير ذلك وقامت السلطات بدفنه في مقابر "الوفاء والأمل" في مدينة نصر التي تضم كبار زعماء الإخوان المسلمين في طرف منها اشتهر باسم مقبرة "المرشدين" تحت حراسة القوى الأمنية. عند الدولة المصرية مرسي الميت أخ مسلم حي، ومكانه بين مرشدي الإخوان المسلمين، فجواره المرشد الرابع محمد حامد أبو النصر والخامس مصطفى مشهور والسابع محمد مهدي عاكف، الذي قضى هو أيضا في سجن السيسي عام ٢٠١٧. ظل مرسي الجثة في حبس الدولة لم تفرط فيه لكن أجازت لأفراد أسرته إلقاء نظرة أخيرة على الجثمان والوقوف على غسله والصلاة عليه خلف حائط السجن. 
لم أجد من أهم أعف في الخصومة مع مرسي من الاشتراكيين الثوريين، الفصيل اليساري المصري عالي الهمة، وقد سبقوا سواهم إلى تشخيص انقلاب السيسي في ٢٠١٣ بأنه عين الثورة المضادة وأن كان ستاره الدعائي مقارعة حكم الإخوان. نعى الاشتراكيون الثوريون مرسي باعتباره رئيس مصر المنتخب وليس خصم سياسي وكفى مع تأكيدهم على خلافهم مع جماعة الإخوان وفكرها. وصنفوا إعدامه الذي استمر لست سنوات ضمن الحملة الدموية التي يشنها السيسي منذ انقلابه على كل صوت مصري لا يسبح بحمده، إخوان وسواهم، منذ فض اعتصام رابعة في ١٤ أغسطس ٢٠١٣، يوم حصد سلاح الدولة أرواحا تزيد على ٦٠٠ من المعتصمين وأصاب الآلاف منهم. 
قارن الاشتراكيون الثوريون بين محاكمات مرسي المميتة والدلال الذي أحاطت به الدولة مبارك وحبيب العادلي وآخرين من كارها، برأتهم جميعا بينما حمل مرسي ذنب الانتخاب كصليب حتى مات به، ودعوا إلى تشكيل جبهة عريضة لإنقاذ آلاف المعتقلين في السجون المصرية مهددين جميعا بمصير مرسي أكان ذلك بالحبس الانفرادي أو الإهمال الطبي، بلغ عددهم بحسب تقديرات حقوقية الستين ألفا. يواجه الإخوان في مصر بذلك تهديد التصفية، المصير الذي أعده النميري للشيوعيين السودانيين بعون مصري في أعقاب انقلاب ١٩٧١ وقبلهم المصير الذي حكم به سوكارنو على الحزب الشيوعي الاندونيسي بعون أميركي في ١٩٦٥-١٩٦٦. اتهم جنرالات الجيش الاندونيسي وعلى رأسهم سوكارنو الشيوعيين بعد أن انفض الحلف بين الإثنين بالإعداد لانقلاب عسكري وأجهزوا عليهم في حملة دموية منهجية حصيلتها أرواح ما لا يقل عن ٥٠٠ ألف لم ينهض منها الشيوعي الإندونيسي بعدها وقد كان في ١٩٦٥ حزبا جماهيريا عضويته تفوق الثلاثة ملايين. 
في الخرطوم، أم زعيم المؤتمر الشعبي إبراهيم السنوسي ومن خلفه الطيب مصطفى ومحمد علي الجزولي الصلاة على مرسي في جامع السيدة سنهوري. قال السنوسي في كلمة بعد الصلاة أن مرسي مات شهيدا وجريمته أنه جاء للحكم بالديمقراطية. لم تنعقد في عقل السنوسي، دع عنك حديثه، المقارنة بين شهادة مرسي المنتخب وبين شهادة مواطني بلاده الذين سقطوا برصاص جهاز الدولة في الأشهر القليلة الماضية في طلب الحرية، ولم يجد في هذه ولا في تلك العبرة. ومن أولى بالعبرة من الإسلاميين الذين زينت حركتهم لنفسها الطريق إلى الحكم بلانقلاب العسكري واختارت قمع الخصوم والسياسة الحربية سننا حتى تبضعت شيعا ورفضها الناس بالكلية لسان حالهم شعار الثورة "أي كوز ندوسو دوس". أما الطيب مصطفي، فهو مثله وأبواق الدعاية المصرية، لم تمنعه حرمة الموت عن التبكيت على الخصوم السياسيين، بل نادى جهارا المجلس العسكري لفض اعتصام القيادة وسفك الدم لا ديمقراطية ولا ما تدعون. 
يعيد موت مرسي في محكمة السيسي السؤال عن الديمقراطية وجدواها عند صفوة سياسية لا ترى منها سوى نتائج الانتخابات ولا تعطي كثير قيمة لوعدها الجذري في تمكين الناس من حكم أنفسهم، الوعد الذي كان مدخل الشيوعيين السودانيين إلى تزكية الديمقراطية البرلمانية على عثراتها كطريق لنصرة الكادحين في طلب الاشتراكية. خالف حزب عبد الخالق بهذا الموقف صراحة عقيدة الرفاق السوفييت في الديمقراطية الموجهة التي يديرها حزب طليعي وديكتاتور مرشد كما يتفق ودفع ثمن ذلك من عزيز الحياة كما الرفاق في غابات الملايو. 


 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.