Saturday, 15 August 2026

بليلة مباشر ولا ضبيحة مكاشر: مسح الفقر متعدد الأبعاد ٢٠٢٣

 نُشرت هذه الكلمة المشتركة مع الدكتورة سارا معاوية في مجلة «أتر»، العدد ١٣٥ بتاريخ ١٣ أغسطس ٢٠٢٦.

نَشَر الجهاز المركزي للإحصاء في يونيو الماضي تقريراً من مائة وأربعٍ وأربعين صفحة بعنوان «تقرير السودان: مسح الفقر متعدد الأبعاد 2023»، ثمرة جهد مشترك بين الجهاز المركزي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية. الجهاز المركزي للإحصاء معلوم، فهو ضلع من البيروقراطية السودانية قام بهيئته المعاصرة في نوفمبر 1995 بقرار من مجلس الوزراء تحت سلطان وزير المالية والاقتصاد الوطني، ثمّ تحوّلت تبعيّته في العام 2000 إلى مجلس الوزراء وما زال؛ ومهمّته في وثيقة إنشائه «جمع البيانات والمعلومات الإحصائية وإعدادها وتجهيزها ونشرها وإعطاء الطبيعة الرسمية للأرقام الإحصائية».

لم يَنشأ مثل هذا الضلع البيروقراطي المكين «كن فيَكون»، إنما هو نتاج تحوُّل وئيد من قِسْم في مصلحة الجمارك تحت الحكم الثنائي الإنقليزي المصري عام 1903 مهمّته جمع إحصاءات التجارة الخارجية، وسبَق بذلك قانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1925 وقوة دفاع السودان في 1925 أيضاً. ثمّ تحوَّل في العام 1932 إلى قسم تحت إدارة اللجنة الاقتصادية تحت سلطان السكرتير المالي، ثمّ في العام 1934 إلى قسم مستقلّ في مصلحة الاقتصاد والتجارة، ثم صار في العام 1953 هيئة مُستقلَّة ضمن وزارة الشؤون الاجتماعية التي تولّى مسؤوليتها بعد انتخابات الحكم الذاتي السيد يحيى الفضلي، وظلَّت كذلك حتى العام 1969، حين قُرِّر تحويلها إلى مسؤولية وزارة التخطيط الاقتصادي.

أما برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فقد انضمّ إلى هذه الشبكة البيروقراطية عام 1965، وهو العام الذي أُسِّس فيه بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة بمهمّةٍ معجزة: الرفاه للجميع وتعزيز الحكم وضمان كوكب سليم الصحة. وترجمة هذه الأهداف العظيمة برامجياً هي ما يُتعارف عليه في رطانة الأمم المتحدة بـ «أهداف التنمية المستدامة»، والدائم الله. الشريك الجديد نسبياً هو «مبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية» التي أُسّست عام 2007 بيد كلٍّ من البروفيسورة سابينا الكير (مواليد 1969 في غوتنغن، ألمانيا)، وهي أكاديمية أمريكية وأستاذة جامعية وقسيسة إنجيلية، وبروفيسور جون هاموك، القائم كذلك على سوفيا أكسفورد، وهي بحسب ديباجتها هيئة غير ربحية موكولة بالتطبيقات التجارية للأبحاث التي تقوم بها المبادرة، نشأت منها شركات فرعية أخرى منها وايز ريسبوندر القابضة الحارسة لابتكارات جامعة أكسفورد.

نفَّذ الجهاز إذن، ما يليه من مهامّ التقرير بدعمٍ ماليٍّ و«فنيّ» من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبدعمٍ «فنيّ» من مبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية، وكتبت مديرتُها سابينا ألكاير إحدى مقدّماتِه. جابَ مئتان وثلاثة من الباحثين ثماني عشرة ولاية من 26 ديسمبر 2022، فطرقوا أبواب 39,318 أسرة في 185 محلية من 189. وقُطبُ الرحى في التقرير هي عبارة «فني»؛ فضِمْن هذه «الفنية» تقع التبعات الأيديولوجية التي يقوم بها كلُّ تكويرٍ للمعلومات والبيانات وكلُّ استنطاقٍ لها وتفسير، فالبيانات الاجتماعية لا تقوم في حرَم مُحايد، مِيس خال من الصراع، إنما هي موضوع الصراع إذا صحّ التعبير. ويبدأ هذا الصراع في تحرير ما يُقبَل كبيِّنة ومعلومة وما يَسقط. على كلّ حال، اندلعت الحرب بعد آخر استمارة بأقلّ من أربعة أشهر، وظلّت البيانات في الخوادم الإلكترونية ثلاث سنوات ونصفاً تخضع للجرح والتعديل «الفني»، أي «الأيديولوجي»، قبل أن تخرج أمّ العروس بعروسها: 82.8% من السودانيين فقراء قبل أن تُطلَق رصاصة واحدة.

وقد تجد القارئةُ في بعض نواحي التقرير ما يُدهِش، من ذلك عدد من المسلّمات التي يَقبلها كأركان الصلاة فلا يخوض في تأهيلها، وهي أيديولوجيته الباطنة، الكرير الذي يمور خلف سطوره وبينَها، معجوناً في الحبر بل في الورق. سنُعدّدها ثم نُفصّل: أُولاها أنّ الفقرَ نقصُ حيازةٍ لا موقعٌ في علاقات الإنتاج؛ وثانيتها أنَّ مَن لا يمكن عدُّ ثروته لا ثروة له؛ وثالثتُها أنّ تشخيص الفقر يصحّ جماعياً، والعلاج لا يكون إلا فردياً مستهدَفاً؛ ورابعتُها أنّ الحرب حدٌّ فاصلٌ يفسِّر ما بعده ويُعفي ما قبله.

المسلّمة الأولى: الفقر نقصُ حيازةٍ لا موقعٌ في الإنتاج

في جدول تعريف الحرمان بندٌ يستحقُّ أن يُقرأ مرّتين. تُعدّ الأسرة محرومةً في الأصول إنْ لم تملك اثنين مِن: هاتف، راديو، تلفاز، حاسوب، ثلاجة، غسّالة، أسطوانة غاز، دش، مكيّف، دولاب، ركشة، دراجة، قارب، حيوان. ويَرِد أولاً في صفحة 7.

«حيوان» بند واحد، بمرتبة الدولاب. أسرة رعوية تملك مائتي رأس تُحسَب مالكة أصل واحد، وينقصها مذياع كي تكتمل.

والأدقّ أنّ اللجنة السودانية قد حاولت، وقائمة المؤشّر العالمي لا تعرف الماشية أصلاً؛ بندُها الوحيد ذو الحيوان هو الكارّو، وسيلة النقل. أضاف السودانيون «حيوان» فسدّوا الثغرة بمسمار: صار القطيعُ أصلاً واحداً بين أربعة عشر. ثمّ في صفحة 13، حيث يشرح التقريرُ المؤشِّرَ نظرياً، تعود القائمة العالمية كما هي، بالكارّو وشرط العربة، مسنودةً إلى مرجع من إنتاج مبادرة أكسفورد. الوثيقة الواحدة تحمل تعريفين: سودانياً في الجدول، ومستورداً في المتن الذي يشرحه.

والاختزال بعُذره: القطيع يتحرّك ويتوزّع ويكبر وينقص بالموسم والوباء، وصاحبُه يعرف أنّ جواب «كم عندك؟» مقدِّمة جباية؛ عَدُّه عملٌ فنيّ شاقّ، والمنطق والواقع يقولان إنه من المستحيل عليه، فالعجز عنه ليس تهمة، لكنّ العجز أنتج نتيجة، والنتيجة موضوع هذا المقال.

المسلّمة الثانية: من تَعَذّر عدُّ ثروته فلا ثروة له

يَخرج الرحّل من المسح أفقرَ فئةٍ في السودان: انتشار الفقر 99.9%، وشِدّته 65.6%، أعلى أرقام التقرير الثلاثة. ثم تأتي في الفصل الثالث جملة حرفية: «لا توجد فروق ذات دلالة بين مؤشّر الرحّل والنازحين واللاجئين».

هذه الجملة نرفضها؛ فتقارب الرقم لا يصنع تقارُباً في الحال. الراعي صاحب القطيع يملك وسيلة إنتاج يعيد بها إنتاج حياة أسرته؛ والأسرة التي خرجت من دارها بثيابها جُرّدت من كلّ وسيلة وتعيش على ما يوزَّع عليها. جمعُ الحالين في خانة واحدة حكمٌ على أداة القياس، لا وصفٌ للناس؛ هو تحويل مالكي ثروة إلى معدَمين في السجلّ. والجهاز وأكسفورد والأمم المتحدة صاحبة مال التقرير «عارْفِين».

دفتر الصادر

في الربع الأول من 2026 بلغت صادرات السودان 697.9 مليون دولار، بحسب موجز بنك السودان المركزي. جاءت الثروة الحيوانية ثانيةً بمائة وخمسين مليوناً، أي 21.5% من جملة الصادر؛ منها الضأن 126.9 مليون، 719 ألف رأس معظمها إلى السعودية.

لا يُنتج الرحّل وحدهم هذا الصادر؛ الثروة موزَّعة بينهم وبين زراعة مختلطة ومُلّاك يستأجرون رعاة، ولا تفصل الجمارك بينهم. لكنّ الرحّل عمود هذا الاقتصاد وحمَلَته الأشدّ، وهم في المسح 3.8% من السكّان، وأفقرُ أهلِه. أي أنّ خُمس النقد الأجنبي خرج، في ربع واحد، من القطاع الذي تقول الأداة إنّ أصحابه لا يملكون شيئاً. العجز عن عدّ القطيع مسألة فنية تُقبَل؛ أما ألا يَرى دفترُ الصّادرِ الصّادرَ عن بنك الدولة نفسه، فذلك استهبال!

والمشهد يتكرّر. سمسمُ الربع نفسه 82.9 مليون دولار، أوّل منتَج زراعي في القائمة، ونحو ثمانين في المائة من مساحته في القضارف وشمال كردفان والنيل الأزرق مع نصيب مُعتبر لدارفور، بحسب تشاتام هاوس. مؤشّرات هذه الولايات: النيل الأزرق، شمال كردفان، القضارف، كلّها في الحرمان المرتفع أو على حافته.

أما الذهب، 53.1% من الصادرات، فريعٌ استخلاصيّ يُنتِج التعدينُ الأهلي 83% منه بمعدّات بدائية ودَخْلٍ كفاف، لا يمرّ بالسكّان ومعظم العاملين في قطاع التعدين لكنه يمرّ بجغرافيتهم.

الاستمارة: ساعة عمل واحدة

كيف يقيس المسحُ هؤلاء ولا يرى ما ينتجونه؟ الجواب في الاستمارة: تسعة وخمسون سؤالاً، وقسم التشغيل فيها يَسأل واحداً: هل عمل أحدٌ من الأسرة بأجر أو عيناً أو لحسابه ساعةً واحدة في الأسبوع الماضي؟

لا سؤال عن محصول أو موسم، ولا عن ملكية الأرض، ولا عن سعر أو حلقة تسويق أو دَين، ولا عمّن يشتري وبكَم. تُسأل عن حيازة المسكن وعن الحساب المصرفي، ولا يدخل الجوابان في المؤشّر، وتُقاس أطوال أطفالها وأوزانها ومحيط أعضادها بدقة سنتيمترية.

بهذه العدّة يدخل العاملُ الزراعي بالفشقة، ومالك العشرين ألف فدان بالقضارف، الجدولَ في الخانة ذاتها: يَعْمل. والفرق بينهما تحديداً فائض القيمة.

وقد شرَح ماركس هذا الفَرْق قبل مائة وتسعة وخمسين عاماً، في قاعة مطالعة تبعد تسعين كيلومتراً من مقر مبادرة أكسفورد (كارل ماركس، رأس المال، المجلد الأول، 1867. كُتب معظمُه في قاعة المطالعة بالمتحف البريطاني في لندن، لا في مانشستر التي ارتبطت بفريدريك إنجلز). وقد يُقال إن فائض القيمة مثارَ اهتمامٍ شيوعيٍّ وليس مسألةَ إحصاء؛ حسناً لكن السؤال لا يحتاج إلى ماركس: من يأخذ الفَرْق بين ما ينتجه العامل وما يتقاضاه؟ أداة تُسمِّي نفسَها مؤشّرَ فقرٍ أنسَب لها أن تشيل اسم الفقر وتبقى تنمية بس.

الحرب تعيش على هذا الإنتاج

قد يُقال إنَّ الحرب الجارية تُجْهِز على نمط الإنتاج الرعوي وتُزيحه. الأرقام تقول غير ذلك. في 2023، أول سنوات الحرب، بلغت صادرات الثروة الحيوانية إلى السعودية زهاء 715 مليون دولار، بزيادة 77.4% على عام ما قبل الحرب، بحسب الإحصاء السعودي. وقال وزير المالية قبل عامين إنَّ السودان لن يفلس لأن الذهب والماشية يسندانه.

والتنسيق بين الجيشين غير قائم؛ القائمُ اضطرارُ كلٍّ منهما وتجارةُ آلافٍ غيرهما. الجلّابة يخيطون الطريق من نيالا إلى الشمالية وبالعكس بالرشاوى والمعارف، يدفعون لقائد ميداني هنا وحاجز جباية هناك، وبعض القادة صارت لهم تجارتهم. يحتاج الجيش إلى القروش الآن فيصدّر من موانئه ما وصل إليها، ويقصف في الوقت نفسه أسواق الماشية في مناطق الدعم السريع وفي مقدّمتها سوق المويلح، أكبر أسواق البلاد، حتى يجفّف مورد خصمه. تصديرٌ هنا وخنقٌ هناك، والمنطق واحد.

والفرق بين الجيشين في نمط رأس المال. رأسمال الجيش مؤسَّسي داخلي: منظومة الصناعات الدفاعية وشركتها «الاتجاهات المتعددة» للصادر الحيواني، معفاةٌ من ديوان المراجعة بالقانون، وعائدُها لحسابات قيادته، وتشارك الخارجَ حين تحتاج. ورأسمال الدعم السريع عائليّ ممتدّ خارج الحدود: شركات آل دقلو وماليّتها تمرّ بالإمارات، وذهبُ مناطقه يَخرج من غير السجلّ؛ دفتر بنك السودان يقيّد صفراً من صادر الذهب الرسمي إليها. وما يتشكّل بهذين سودانُ جزيرةِ الاستخراج: خام رخيص يُربَّى بلا رأسمال يُذكر، على مرعى مفتوح وعمل أسرة، يتحقّق فائضُه عند غير منتجيه، تسميناً وذبحاً في جدة وإعادة تصدير من مصر إلى أوروبا بوصفه لحوماً عضوية، بينما يَستورد البلد قمحَه بما يفوق عائد سمسمه.

وهنا خبثُ تصنيفِ الرحّل أفقرَ أهل البلاد. حين يجعل المسحُ حَمَلة خُمس الصادر أفقر أهل البلاد، ثم لا يَعرض عليهم غير خدمات متنقّلة تُلحقهم موصولةً بإدماجهم في قواعد البيانات، بلا سطر عن القطيع ولا سعره ولا سوقه، فهو يحفظ نمط إنتاجهم كما هو: قطيع يُدار قبَلياً وفردياً وفائض يتحقّق خارج الحدود. يُدْعَم الاستهلاك وتُترك علاقة الإنتاج، وواحد وعشرون في المائة من الصادر شأنٌ قوميّ لا قبَليّ. وبرجوازية ثورية كانت ستضيّق الخناق على الرعي لمصلحة زراعةٍ تتراكم، بيطرةً وعلفاً وتسميناً وسككَ تسويق تُخضِع القطيع لدورة إنتاج. الذي حدث أنّ شركات منظومة الصناعات الدفاعية أخذَت هامشَ التجارة من فوق؛ وقادة الدعم السريع جبايةَ الطريق من تحت؛ كلاهما يجبي التداول ولا يمسّ الإنتاج، والراعي الذي يفقد قطيعَه يخرج أجيراً موسمياً أو مجنّداً.

التربال مقياساً: من الجزيرة إلى القضارف

لمِنْ نقرأ هذا التقرير؟ في التراتب الماركسي، العامل الصناعي أولى من المُزارع، والمُزارع أولى من الراعي، بحسب موقع كلٍّ من فائض القيمة. لكنها ليست قاعدة نارية. في مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية: المنتجُ هو التربال، والتربال هو المقياس. فلنمرّر التقرير عليه: ماذا يَرى في التربال؟

للتربال جغرافيا. في مشروع الجزيرة كان لعلاقة الإنتاج شكلٌ معلوم: عقد ثلاثيّ، ودَورة زراعية مقرَّرة، وحصّة من عائد القطن معروفة سلفاً. كان الاستغلالُ قائماً، لكنه مرئيٌّ وقابلٌ للتفاوض، وحوله نقابة واتحاد وإضرابات.

اليوم، صادر القطن كله 22.1 مليون، أي 3.2% من الصادرات، ومؤشّر الجزيرة رابع أدنى المؤشّرات. يَقرأ المسح الجزيرة بخير نسبيّ لخدماتها، ولا يَرى قاعدة إنتاجية تفكّكت وتربالاً فقَد عقدَه.

وحلّت محلّها القضارف. نصف إنتاج السمسم شبه مُمَيْكَن على مزارع مؤجَّرة لتجّار وضبّاط، ونحو اثني عشر رجل أعمالٍ يملك كلٌّ منهم فوق عشرين ألف فدان بحسب تشاتام هاوس، وشركات المنظومة الدفاعية في القطاع. والعمل موسميّ مأجور، بعضُه عابر من إثيوبيا، بلا عقد ولا حصّة ولا نقابة. هذا الانتقال تحديداً ما لا يستطيع مؤشّرٌ وحدته الحيازةُ أن يسجّله.

المسلّمة الثالثة: تشخيص جماعي ووصفة فردية

في آخر التقرير، بعد مائة وثمانٍ وثلاثين صفحة بالإنقليزية، صفحاتُه العربية الوحيدة: قرارات المدير العام. يفتتح القرار رقم (15) الصادر في 21 أغسطس 2022 بعبارة «تماشياً مع أولويات المرحلة الانتقالية وأولويات العمل الإحصائي للعام 2020م»، بعد عشرة أشهر من انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر.

ويشكّل القرارُ اللجنةَ الفنية المسؤولة عن «كافة الأعمال الفنية المرتبطة بكل مراحل إجراء المسح»، وتضم عشرين عضواً من الوزارات والجهاز والمنظومة الأممية. وزارة العمل غائبة عن التشكيل، وأُلحقت بقرار تالٍ بعد شهر. وطبعاً لا توجد نقابة في القائمة، ولا اتحاد مزارعين، ولا تمثيل للولايات.

و «أولويات المرحلة الانتقالية» لها في لغة المالية معنى مُحدَّد. أقرّت الحكومة ورقة خفض الفقر في مايو 2021 وسلّمتها للبنك الدولي والصندوق استيفاءً لشرط مبادرة الديون، فبلغ السودان نقطة القرار في يونيو، ووقّع نادي باريس في يوليو. ومن شروط نقطة الإنجاز تنفيذُ الورقة عاماً كاملاً وتحسينُ الحماية الاجتماعية، والمسح أداة قياسها. وفي التوصيات جملةٌ تغلق الدائرة: تسريع تفعيل لجنة الإشراف على الورقة ووحدة تنفيذها بوزارة المالية.

وثمة رقم يستحقّ الوقوف عنده. أُطلق برنامج «ثمرات» في فبراير 2021 بخمسة دولارات للفرد شهرياً بتمويل من البنك الدولي، ووظيفتُه امتصاص أثر رفع دعم الوقود، وهدفه الوصول إلى ثمانين في المائة من السكّان، عبر سجلّ مربوط بالسجلّ المدني، وتوقَّف يوم الانقلاب. ثمانون في المائة هدفُ البرنامج، واثنان وثمانون فاصلة ثمانية نتيجةُ مسح الفقر. والتوصيات كلّها من عدّة الاستهداف: سجلات اجتماعية، ووسم للأسر، وخرائط أهلية واستحقاق، وربط صرف التمويل بانخفاض المؤشر. لا ترد كلمة «مجاني» ولا «شامل» مرة واحدة، مع أنّ المؤشر نفسه يقول إن 97.3% من السكّان محرومون من الخدمة الصحية. وحين تُبنى الأداة داخل هذا الترتيب يصير الإحصائي ترزي التنموي: يأخذ المقاس الذي يُعطى له، ويسلّم الثوب في موعده.

ولا لوم على الجهاز؛ جهاز فقير أُلزم شروطَ سياسةٍ لم يضعها، ويقيس لورقةٍ تشهد توصياتُ التقرير نفسُها أنّ لجنتها ووحدة تنفيذها بلا تفعيل.

المسلّمة الرابعة: الحرب حدٌّ فاصل

يفسّر التقرير سنواتِ التأخير بسطر واحد ضمن الدروس المستفادة: إطار عيّنة قديم من تعداد 2008، وضعف تقانة، و«اندلاع الحرب في مرحلة ما بعد العمل الميداني».

والحرب في هذا النصّ تؤدي وظيفةً أوسع من تفسير التأخير. يروي الفصل الأول اقتصاد البلاد بلا فاعل: نفط فانفصال فتضخّم يقفز من 35.58% إلى 359.09%، بلا رفع دعم ولا تعويم ولا تمكين ولا برنامج مراقَب من صندوق النقد. وشرَح تفوّق دارفور وكردفان في الحرمان بالصيغة نفسها: «التهميش المزمن، والنزاع، والنزوح».

وثلاث محليات بجنوب كردفان خرجت لأسباب أمنية قبل الحرب بأربعة أشهر؛ خريطة العمى الإحصائي في هذا البلد أقدَم من الحرب. وهكذا تصير الحرب ضَنَب الكَكُّو: الشيء الذي يُلوَّح به فيسكت السؤال. رقم هائل عمّا قبلها يخرج بعدها بثلاث سنوات، فيُقرأ وصفاً لعالم انتهى، ويتحوّل حجةً لتمويل إعمار بعيداً من حقيقته كلائحةِ اتهام.

باب المزاد

حين يصير الجميعُ فقراء بالتساوي، والرحّل مُصدّرو خُمس العائد في مرتبةِ من لا يملك شيئاً، والتربال وصاحب العشرين ألف فدان سطرين في عمود، تختفي العلاقةُ التي تنتج الفقر ويبقى الفقر وحده.

ولنختم من موقع التربال نفسه، الذي لا يهمّه من هذا كلّه إلا سؤال واحد: الموسم الجاي في شنو؟ ماذا يريد من الإعمار؟ تمويل مدخلات في موعده، وقناة مطهّرة يجري ماؤها في زمنه، وسعر يعرفه قبل أن يبذر، ومحلج يعمل وحلقة تسويق لا تأكله، وعيادة بلا دفع من الجيب ومدرسة لأولاده. فهل يجد شيئاً من هذا في التقرير؟ يجد نفسه بصفة واحدة: مستفيد يُسجَّل. سجلّ اجتماعي يَسِمُه بعلامة المؤشّر، وخريطة أهلية واستحقاق، وبطاقة تحويل مشروط تجيء وتنقطع بحركةِ مؤشِّرِه. أما صفة المنتِج الذي يُموَّل موسمُه، صاحبِ الحقّ في حصة، فلا وجود لها في التوصيات. هذا التقرير لا يخدم محمّد أحمد إنما هو يزيحه من مقعد الشريك إلى طابور الاستحقاق.

تقريرٌ كهذا لا ينتظر مساءلةً لمنطقه. أيْ نعم هو لا يغيّر شيئاً في حسابات تربال أو راعٍ، لكنه يعيد سؤال الإدارة، وباسمه تُكتب بطاقات دعوة المزاد للمستعمِر وللمستثمِر: السلام عليكم! شعبنا يصارع الويل! ونحن ناس عندنا موارد ضخمة تنقصها الكفاءة.

Sudan’s Revolutionary Ghosts

The second of two instalments published in Equator, a deserved word of thanks goes to the journal's team. 

https://www.equator.org/articles/sudan-revolutionary-ghosts-el-gizouli

Khartoum after the Storm

The first of two instalments published in Equator, a deserved word of thanks goes to the journal's team. 

https://www.equator.org/articles/khartoum-after-the-storm-el-gizouli


Sunday, 5 July 2026

عيسى الحلو: الفِيلْ سَـرَخْ في أضَـانُـه، تـرْجَـمْ طَـلَـقْ فـنّـانُـه

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١٢٨ بتاريخ ٢٥ يونيو ٢٠٢٦.

عاش المرحوم عيسى الحلو (1944-2021) حياتَه على مَوجدةٍ، اختارته ربما في واقع الأمر وتعهَّدَها بوفاءٍ في ندرةِ العنقاء حتى فارق الفانية وقد اكتمل بَدْرُه ثمّ انحسَر. وشَكرَه العالم الذي توحَّشَ مِن حوله شكراً ربما استبشَرَ به دلالةً كوميديةً على هذه «الغربة». والكوميديا مزدوجُ التراجيديا الديالكتيكي.

نقلَت ابنتُه «نون» للإعلام في أغسطس 2025 خبر تخريب مكتبته العظيمة، 5 آلاف كتاب ونيف، في داره بحي الجامعة في أم درمان. وكانت عناصر من الدعم السريع اتخذت الدارَ مركزاً لها، واتّخذت من الكتب وأرشيف الصحف والمجلات التي اجتمعت عنده، عبر أكثر من نصف قرن في خدمة الثقافة من موقع الكاتب والمحرّر، وقوداً للطهي، تحرق ما يقع في يدها، بالزاك، الطيب صالح، باسترناك، أدونيس، وصفيّه ذاكَ سارتر سِيد الشِّيْ. كما أحرق جنود الدعم السريع صوراً كانت تزيّن جدران الدار جمعت عيسى وأصدقاءَه وأبطالَه الشّعراء والأدباء والكتّاب، ممّن كانوا سكّان حوشه الذهني.

وقالت نون، أطلق دعّامي مسلّط الرصاصَ على صورةٍ اختار لها صاحبُها أعلى رفٍّ صغير في صالة الدّار، لكنْ ظلَّ البرواز في محلّه لم يتهشّم كلياً، شاهداً من سيرة الحلو على عُقدة الشكل والمضمون التي طالما ألهمَت شُغله الغزير. قالت نون: «هذه الطلقة كأنها اخترقت صدري». وثالثة الأثافي، قالت نون، بَشْتَن الدعّامة ما تبقى من الكتب في حوش عيسى واتخذوها مسقطاً للبراز، وللقارئة أن تتصوّر فصاحة محمود درويش تلك، أو خطابات كافكا الكئيبة، أو سطور رواية سارتر «الغثيان»، وقد أمطرها الإسهال من الإفراط في «القَدُو قَدُو».

لن تفلت هذه الفكاهة التراجيدية من عقل عيسى، وقد تحرَّر في أفق الأبدية نثاراً من زُمرّدٍ منيرٍ وكأسٍ سطّالٍ من شراب عقلنا العمومي، أحَّيْ عليه. لم يبلغ المرحوم عيسى هذا الموقعَ الجليلَ بفلتةٍ أو فلتات أدبية عبقرية على حُسن رواياته ومجموعاته القصصية العديدة، «ريش الببغاء»، «الوهم»، «وردة حمراء من أجل مريم»، «قيامة الجسد»، «عجوز فوق الأرجوحة»، «حمى الفوضى والتماسك»، «صباح الخير أيها الوجه اللامرئي الجميل»، «مداخل العصافير إلى الحدائق»، «الجنة بأعلى التل»، «البرتقالة»، «عنوان الورد وكوابيس الليل»، «أختبئ لأبحث عنك»، «رحلة الملاك اليومية»، «نسيان ما لم يحدث».

كما لم يكن المرحوم عيسى صاحبَ بصمةٍ كثيفةٍ بالكاريزما، تلك التي تُعَمِّد الناسَ والأشياءَ من حولها بوَسْم ورَسْم، من هنا مَرَّ عيسى الحلو! فضلُه ومأثرتُه في اتصال «الدأب»؛ ناضَلَ على مسألته في خدمة الثقافة يدأب عليها حتى استقبل الفناء، وبشارَتُه في هذا النمط من «الانتباه»، انتباهٌ طويلٌ لم ينقطع مُذ كان مُعلّماً، وهو ابن بخت الرضا التي تخرَّج فيها عام 1971، واكتشف نفسَه أديباً بمجموعته القصصية الأولى «ريش الببغاء» (دار الحياة، بيروت، 1963)، ومترجماً للثقافة العليا في سجلِّ الصحافة السيّارة منذ أن قامَ على القسم الثقافي في جريدة «الأيام» عام 1976. وقد أحسَنَ المرحوم عيسى هذه الترجمةَ المُمتدَّة للجمهور مُذ ألزَمَ بها نفسَه إحساناً شاهدُهُ هذا الأرشيف العظيم الذي احترق تحت حِلَل الدعّامة تجقجق.

تُفصح عناوين المرحوم عيسى الحلو، بغير كثير تعليق، عن هذه «النديهة» التي لم تنقطع في رأسه قطّ، وقد تلتقط حتى قارئةُ عصر الإنستغرام، مَن يغزو التّشتُّتُ حوشها ويبَشْتِنه بَشْتَنَة الدعّامة حوش عيسى، ثراءَ محاولةِ القبض على طرفَيْ كلِّ تناقض والصّبر على صراعهما، فالقيامة قيامة الجسد وليست قيامة الروح، والعجوز هي التي تتأرجح وليس الطفل، والوجه الجميل لا يَبلُغه البَصَر لكنه جميل، والمَلاك في رحلة، والنسيان واقعٌ على ما لم يحدث لا على ما حَدَث، وحتى العصافير تحتاج مدخلاً لسكنى الحدائق، ويا أيّتها الحقيقة، كيف أبحث عنك؟ أبحث عنك بالاختباء.

والعِبرة، لعصرنا هذا: كيف يمكن تجديد هذا «الانتباه» الطويل، سعيه ورعايته، في عالمٍ غير الذي عاش فيه المرحوم عيسى؟ وكيف يمكن صيانة هذه «العُهدة» التي تولَّى لخمسين عاماً ويزيد بغير أُفٍّ أو شحتفة. لم أعرف المرحوم عيسى معرفةً شخصيةً بأيّ درجة من الدرجات، لكنْ قطعتُ طريقَه لمرّة واحدة، وفزتُ منه بإجازة هي التي أكتب بها حتى اليوم، وإن لم يطلبها أحد. تصدَّى المرحوم عيسى لمَهمَّة تجديد الملف الثقافي لأهله أوّل ما انفتح البابُ لإصدار الصحف؛ بحرفِ قانون «التوالي» لصاحبه المرحوم حسن الترابي عام 1998، بعد صيام طويل من الصحافة. وقد كانت حكومة الإنقاذ الوطني استغنت عن كلّ الصحافة عدا ثلاث صحف حكومية، «الإنقاذ الوطني» و«السودان الحديث» و«القوات المسلحة»، وإصدارات أخرى لصفّ نظام الحكم. تولّى المرحوم عيسى الحلو هذه المَهمَّة قائماً على الملف الثقافي لجريدة «الحرّية» قصيرة العمر لرئيسة تحريرها آمال عباس؛ الجريدة التي اندمجت لاحقاً وجريدتَي «الصحافة» و«الصحافي الدولي»، لتنشأ «الصحافة»؛ الشراكة الذكية. كانت هذه الجريدة بملفّها الثقافي عام 1998، العام الذي بدأ بقانون «التوالي» وانتهى بإرهاصات المُفاصَلة بين صفّ البشير وصفّ الترابي التي وقعت في آخر العام 1999، وهي سنين الطِرَح والقمصان الهزّاز لمن يذّكّر، بادئ اختراق التلفون الموبايل الحاسم لكلّ خِدْر، وقد سبقت شركتُه، الشركة السودانية للهاتف السيار (موبيتل، 1996) حرّية الصحافة على عهد التوالي بعامين.

على كلّ حال، قصدتُ المرحوم عيسى الحلو، القيِّم على الملف الثقافي لجريدة «الحرية» أول صدورها في العام 1998، وكنتُ أترصّدها في مكتبةٍ جوار الكومندانية في بيت المال، إذ لم يعبأ بها صاحب الكشك القريب في ود أرُو، ولا أصحاب الأكشاك في الهجرة، ولا أصحاب الأكشاك في سوق الشجرة، سوء ظنّ منهم ربما بفُرَص توزيعها، وقد كانت صغيرة القِطْع رخيصة الورق مضطربة الطباعة، «على قدر الشوق» إذا صحّ التعبير. قصدتُ المرحوم عيسى، المحرِّر، بما يكتب المبتدئ المغرور، عسر الصياغة ورعونة الرأي والخجل المُبطَّن من الكساد، في هيئة كلمة قصيرة عن شُغل فيلسوف لا أذكر اسمه اليوم ولا الكتاب الذي أفدْتُ منه. ولم يكن في الصحافة الحبيسة حتى ذلك العهد من مكانٍ لمثل هذه المشاغل سوى في ملفّ المرحوم عيسى الحلو الذي يصدر الجمعة. استقبلَني، بمهارة المُعلّم، استقبالَ القرين، هاشّاً باشّاً مُستبشراً، ودخلنا في نقاش مُستفيض عمَّا بين «الماركسية» و«الوجودية» من وشيجةٍ، وعن مغزى الأدب، هل «ملتزم» أم «مطلوق»؟ قرأ المرحوم الكلمة في مجلسنا ذاك، واحتفظ أغلب الظنّ بمآخذها الظاهرة في سرِّه، لكنه قرّظ المَهمّة المُنتظرة من كلّ شاغل بالفلسفة كفرض كفاية، وقال موعد نشرها الجمعة، وقد كان. خرجتُ من مجلس المرحوم عيسى يومَها بالإجازة واستلمتُ الشهادةَ الجمعة من المكتبة جوار الكومندانية وما احتجتُ في هذا الباب إلى سواها.

أما المرحوم عيسى، فظلّ على ثغره حارساً لأكثر من عشرين عاماً بعدها لا يبرحه، وإن كان كلّ يومٍ في وادٍ ووادٍ، مثله مثل الحجيج الذين شبَّه بهم مكسيم غوركي بطلَه ليو تولستوي ممّا تجده القارئة في الكتاب اللؤلؤة «ذكريات تولستوي» (1919). التقى الاثنان، غوركي وتولستوي، لأوّل مرة بوساطة تشيخوف في العام 1900، وكان غوركي وقتها في الحادية والثلاثين وتولستوي في الحادية والسبعين، صداقة تشهد عليها الصورة العجيبة من ذلك العام في دار تولستوي، ياسنايا بوليانا، بكاميرا زوجة تولستوي الشابّة سوفيا آندرييفنا تولستايا، ويشهد عليها هذا الكتاب الفريد الذي يقترب، في حساسيته لرسم الشخصية وتشكيلها، من مثل أدب الجاحظ والمقريزي ولا يدركه.

«يذكّرني بأولئك الحجّاج الذي يجوبون الأرض طول حياتهم بعَصَا في يدهم، يُسافرون لآلاف الأميال من دير إلى دير، من أثر قدّيس إلى آخر، بلا وطنٍ يُعتدّ به، حصيلتُهم غربة عن الناس والأشياء من حولهم. لا العالَم لهم ولا الله حتى. يتعبّدون بدافع العادة، لكنْ يكرهون الله في سرِّهم؛ فِيمَ يدفعهم حول الأرض من طرفٍ إلى آخر؟ ولأيّ غرض؟ والناسُ لديهم علاماتٌ على الطريق، جذوع أو جذور أو صخور في طريقهم، تزلّ بهم خطوتهم أو يلحقهم منهم الأذى. يمكن الاستغناء عن مثل هؤلاء الغرباء، لكن قد يُسَرّ المرء أحياناً بشدّة اختلافه عن هذا الغريب، بإظهار ما يفرّق بينهما» (مكسيم غوركي، «ذكريات تولستوي وتشيخوف وآندرييف»، دار نشر هوغراث، لندن، 1948، ص 17-18).

لا أدري إنْ كان المرحوم عيسى سيَقبل مثل هذه المقارنة، لكنه ربّما قَبِلَ، كرجل من كوستي تعرَّف على مصيره في عمر العشرين في صورة الشيخ المَكَّاوي يصف مثل هذا «الانتباه» الذي شَغَله العمرَ كلَّه: «السَّاريْ قَامْ مِن دارُه، وضَرَب الخَلا وصَفّارُه، خِتا واتعَقَب طيّارُه، الكرَّ وزامْ بِقَى جارُه. السَّاريْ جافَى أوطانُه، ضرَب الخلا وصَنّانُه، الفِيلْ سَرَخ في أضَانُه، ترْجَم طَلَقْ فنّانُه»، وصَدَق، كلّ ذلك بين بقعة المهدي وخرطوم الأرباب.

Saturday, 27 June 2026

جورنال من البلد: يا عمّو ما عندكم دقيق بالكيلو؟

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١٢٧ بتاريخ ١٨ يونيو ٢٠٢٦.

«شوف يا ولدي، السّوق ده كلّه، القيامة القايمة دي، ما فيهو زول ببيع ليك مكيالك. الشوّال مقفول، مكتوب عليه خمسين كيلو، توزنه تلقاه خمسة وأربعين، ستة وأربعين. أكياس الكيلو المَرَصْرَصة دي، كان وَزَنْتَها تلقاها ناقصة. كيلو تام كدا دا ما في. والربح الفي جيوب الناس، دا يدِّي دا، ودا يشيل من ده، يا هو مِن التطفيف دا. وربنا قال شنو: «ويلٌ للمطفِّفين. الذين إذا اكتالوا على الناس يَستوفون. وإذا كالوهم أو وَزَنوهم يُخسِرون». والبِقَت علينا دي ما ياها الويل. تصبر بس».

امتدّت تجارة «الحاج يوسف» عبر الزمان والمكان لستة عقود أو نحو ذلك، خَبُر فيها ضروباً من التجارة والخدمات؛ دكّان الجملة والقطاعي والعصّارة والطاحونة، بصَبْر وجَلَد أجرَى على يده الرزقَ حلالاً طيباً بغير ذُلّ الماهية، رزق قامت به «الأسرة» التي أوصى بها المصطفى تكاثراً بين الأمم، الأسرة التي تحشد القوى للسُّترة، وتكابد العالم المتغيّر من حولها دون أن تتمزّق لها قماشة، تزفّ عرسانها وتُنشئ أطفالها وتدفن أمواتها وتَجري دموعها فرحاً وحزناً، ولا تتأخّر. 

عاش الحاج عبر هذه السنين تاريخ السودان الحديث من موقعه تاجراً تقيّاً، الاستقلال وآباءه، الحكم الوطني وصراعاته وسياساته، فازدهر المال في يده وكسد بمدّ وجزر التضخّم وقيود التسعيرة وكوابح التصدير والاستيراد وزقاقات الدولار الجمركي وانقلابات تغيير العُملة. كما شهد ترجمة ذلك كلّه في محيطه، عمران عالم الماهية بمدارسه ومستشفياته ومشاريعه وموظّفيه، وتجارة العُملة وهول أرباحها، والمضاربة في السلع الضرورية، حتى بيع الكسر، والجوكية، والشيكات الطايرة، ورأس المال الذي تجري به العربات البوكو، وهو مُلازمٌ مسبحتَه التي بها معيارُه، ودفترَ الحسابات الأزرق ذاك بضَلفَتيه. لفَحَت تجارتُه من كلِّ غائلةٍ لفحةً حيثما هو، حتى بلغت الغوائلُ مبلغَ مدفعية الدعم السريع ومُسيّراتها تحاصر مدينتَه بعد أن فتكت بِرِيفها. 

وتشخيص الحاج، كما شرح بعبارته، من كرّاس المادية التاريخية، «من واقعنا ما من أكتر»، أنَّ مَرابضَ مدفعية الدعم السريع قائمةٌ في السوق وتطفيفه. وبلَغ بتفسيرِه للتاريخ موقعاً جوّانياً في الاجتماع لم يجد له تسجيلاً في شرح «حضرة الصول»، بطل العباسية، الذي فضَّل أن يَزْقُل الكبّة برّة وبعيد، والعياذ بالله، أو في تفسير حزب عمسيب، رَمَتني بِدائها وانسلَّت بجيناتها، بت ملوك النيل. فما خريطةُ هذا التفسير الذي انتهى منه إلى شعار: «تصبر بس»؟

افتتح وزير الداخلية الأسبق، على عهد الحكومة الانتقالية، عز الدين الشيخ، في 17 يونيو 2021 سجناً عظيماً في جهة سوبا جنوب الخرطوم، بسعة 3600 نزيل ذكوراً وإناثاً، وكان الثالث في الحساب المعاصر، إذ سبقت الداخلية بإنشاء سجنَيْن عظيمَيْن أيضاً في القضارف والنيل الأبيض. وقتها قال ضابط في البوليس إنّ هذه السجون الجديدة برحة التصميم حتى أنها تستقبل زوجات النزلاء في ساعات خاصة، فالسجن لا يجب أن يَقطع النسل. 

كان تقدير الداخلية وقتها أنّ سكّان سجون السودان بلغوا في عددهم 36 ألف نفس، بما ذلك الرئيس المخلوع عمر البشير وصحبه، عدد تضاعف أضعافاً من 7 آلاف نزيل عام 1990، ثم حوالي 20 ألف نزيل عام 2011. وقد أطلقت السلطات في مارس 2020، ضمن عفو واسع، سراحَ 4 آلاف سجين من المحبوسين في الحقّ العام، بالدرجة الأولى شيكات طائرة ومخدّرات، فكان ردُّ فعل زملائهم مِن الذين ظلّوا في الحبس أن تمرّدوا خلف الأسوار، تمرُّدات شملت سجوناً في الخرطوم وبورتسودان ونيالا. 

حدّد القانون الجنائي لعام 1991 عقوبةَ الإعسار بالغرامة أو الحبس أمداً قد يصل إلى خمس سنوات ثم سبع سنوات لمن تكرّرت جنايته. لكنْ جابَهَ القانونُ بحَرْفِهِ ظاهرةً اقتصاديةً من تبعات التحوّل الحاسم نحو اقتصاد السوق وتعاظم غول التضخّم الذي يكسر المال في خزائنه. لذلك، بلغ عدد المحبوسين تحت عنوان «السّجن حتى السّداد» في سجن الهدى غرب أم درمان وحده حوالي 4 آلاف مُعسَر غريم، تُقابِلهم في النظام المصرفي نسبة إعسار بلغت في العام 2007 حوالي 26%

وليس إعسار القروض المصرفية سوى طرف محدود من أرخبيل الديون هذا، الذي تحوَّلت به الشيكات في واقع الأمر إلى «كمبيالات» المسلسل المصري ذاك؛ وَعْد بالسّداد في حلقات متّصلة من الاستدانة تبتلع الذين لَفَظَهم تدهور الاقتصاد الإنتاجي في الريف، وخَشُّوا السوق برأس مال محدود: حصيلة بيع البقرة وبقرتين، والفدّانين تلاتة، وتقريشة بضع سنين في السعودية بإقامة راعي، وكلّ ذلك قدِّر ظروفك وشِيل من الأخوان. يشتري هذا المستجدّ من تاجر الإجمالي بضاعةً بقليلِ مالِه ودَيْنٍ عظيمٍ من فوقه طاقيّة، نسبة ربويّة تَخْلع، حصانة لصاحب المال من مُركّب التضخم والركود، ويُعْجِزه توزيعها، فيعود ليبيعها بأقلّ من سعر السوق، بالكَسِر، حتى يتحاشى الإعسار في كثير من الأحيان لصاحب المال الأوّل نفسه المُمسك بالشيكات سلاحاً في يده، أو متآمراً معه. 

ونشأت بذلك تجارة باطنية في الديون، يتناقل بها سماسرة الدَّيْن، الجوكيّة، الشيكات الطائرة بينهم. يشتري الجوكي الديون في صورة شيكات طايرة، بأقلّ من المبلغ المرسوم عليها من المَدِين الذي تلفت أعصابه يلهث وراء «الكاش» كي يحفظ نفسه خارج الحبس. ويدخل الجوكي بهذه الشيكات حلقة ثانية من الشراء، إما بضاعة حارّة، أو ديون أخرى أعظم، أو أرض عقارية تمسك المال في التراب. توسَّع هذا الأرخبيل بخاصّةٍ في تجارة العربات، إذ يشتري الجوكي عربيّة اشتراها صاحبُها بقرض بنكي عجز عن سداد أقساطه، أو بشيكات مؤجَّلة لا يملك لها غطاءً، بكَسْرٍ من سعرها، ويبيعها من جهته في مقابل شيكات مؤجَّلة بربح واسع، وتتحوَّل هذه الشيكات في يده إلى سلاح في وجه المَدِين يَقبَل الكسر من جديد. والجوكي، بهذا المعنى، طفرةٌ في السَّمْسَرة أمْسَكَت بضَرْع الديون، حتى أنَّ المراجع العام قدَّر الثقلَ الماليّ للشيكات الطائرة في العام 2019 بحوالي 45 مليار جنيه، ما كان يساوي وقتها 100 مليون دولار، بما في ذلك حوالي 7 مليارات جنيه (8 ملايين دولار)، بيَد مصلحة الضرائب لا تعرف لها صرفاً ولا عدلاً، حبس حتى السّداد. 

انبَشَق سوق الديون هذا في الفاشر عام 2010 داخل حوش الحكومة، إذ واجهت السُّلطات 3700 غريم باعوا مالاً سائلاً وبضاعةً قائمةً أو عقاراً، تلقاءَ وعودٍ بالسّداد في صورة شيكات طائرة. تظاهَرَ روَّاد سوق التطفيف وتَصدَّى لهم البوليس بما يُعْرَف، فأطلق الرصاص. قضى أربعةٌ بديونهم، وعاد خمسون آخرون بحلوقٍ جافّةٍ وجروحٍ وشيكاتِهم تلك. تحوّلت عملية تجفيف هذا المستنقع المالي إلى عَورة سياسية، فبعض كبار الجوكيّة كانوا حلفاء لوالي شمال دارفور وقتها، محمد عثمان كِبر، وأعضاء في البرلمان الولائي بجلابية «المؤتمر الوطني».

توسَّع أرخبيل الدّيون بأكثر من ذلك منذ حوالي العام 2015 بسلعتين سامَّتين: المخدّرات، والعربات البوكو حرام المهرَّبة من حريق ليبيا وما وراءها ببوابة تشاد. وغذَّت هاتان السلعتان دَوراتٍ أخرى متعاظمة من تجارة الديون، حتى أنّ السلطات قدَّرت عدد هذه العربات الطايرة في فبراير 2021 بحوالي 300 ألف عربية، فماذا كانت حمولتها؟ سلاح، مخدرات، دهب، النجمة، وبنلِفّ على كيفنا.

راقَبَ الحاج يوسف ذلك كلَّه من كرسيّ خشبيّ على مسطبة الطاحونة. ذَكَر الله كثيراً واستغفَرَ ما استطاع، جدَّد وضوءَه، تُبحلِق الزّنّانة فوق رأسه بقرون استشعار لا يدركها، لكنْ يَطرُق مسمعَه برقّة النسيم: «يا عمو ما عندكم دقيق بالكيلو؟»، «بالحيل، بالحيل، عايزة كم؟»، فمكياله حيٌّ بين يدي المشتري لا يدسُّه كيس.

Thursday, 18 June 2026

جورنال من البلد: بشوف أولادي في عيونك أو كما قال

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١٢٦ بتاريخ ١١ يونيو ٢٠٢٦. 

انسلّت أم درمان من «أيام الحرب» ببَركة الجماعة، كما في قول أهْلِك: «موت الجماعة عرس»، بل ربما انتقل هذا المجاز إلى الواقع في انقلابٍ بلاغيّ؛ فأعراس البقعة «شُغُل بِختَلف»، إذ تَنْفُضُ «السيرة» تلك، على قطار الحافلات، ليلَ شارع الوادي، نفضاً بالزغاريد والهجيج والأوك أرروك! والدّالّة ربما أنّ شارع الوادي استُنفِر بالحرب، فرَكَّب مكنة نمرة 2، بتدفُّق الأرباح من مَوْردين رئيسَيْن، الطعام للعزّابة وجيهة العرس للعزّابة أيضاً، أو بعبارة أخرى مسيخة «إعادة الإنتاج الاجتماعي»، يتنقّل البصر على طوله بين المطاعم ومحلات التجميل ومحلات الذهب المشغول. وعُهدة المدينة، وأيّ مدينة، هي صيانة هذا الاجتماع وتجديد حياته، للدّايرنا والمابِينا.

يهلك الاجتماع بغير الغذاء والتناسل، لكنْ لا يقوم بهما حصراً سوى، ربما، كاجتماعِ الأنعام في زريبة، فآزِرَة الاجتماع وأمْنُه في الثقافة، وعبيرُها الشفاهيّ ما نرتجل في «الوَنَسة». كذلك استعادَت «وَنَسة» الصفوة نفسَها في موقعٍ مخدومٍ للشاي والزلابية، برَندة وحوش، يعجّ بالزوار وتتراصّ أمامه العربات، أوباما ودبدوب. وربما أفلح الحوار الوطني، أو الحوار الدايرنّو ليك، أو الحوار السوداني السوداني، أو التفاوض بلا زعل، أو ربما أفلحت حتى «العملية» السياسية المُفضية إلى التحوّل المدني الديمقراطي إنْ أخَذَت ببعض دروس هذه الثقافة من صاج الحرب.

تجد زائرةُ هذا الحوش أطرافاً من تقاسيم هذا الاجتماع متجاورةً غير مندغمة: هذا عَلَم من أعلام لجان المقاومة ولجان الطوارئ في حاشيةٍ من الأهل، أطفال ونساء ورجال؛ وأولئك بعضٌ من أعلام «البراء ابن مالك» بين لبسة على الله وجلابية بيضا مكوية، في إخوانية ذكورية؛ وذاك مسؤول في حركة مسلّحة في بدلة أفرنجي وكرفتة خنق، يستقبل سلامَ جمهوره قائماً بابتسامة عريضة؛ وهؤلاء مجدِّدو شِعر البادية، نجوم «طرب الغبش» و«حوشنا»، في جلاليب سكروته بيضاء وسمنيّة، كلٌّ لفَّ رأسَه بشال قصير، موضة، استغنَى به عن العِمّة، تندى خدودهم بالنعمة؛ وذاك اجتماع الصحافيات والصحافيين المنعقد يوماتي بين الصخب والهمس، يسلخون جلد الإشاعات والأقاويل سلخاً، عسى ولعلّ؛ وذا هو المحامي المفتّح، يُبطِن أكثر مما يُظهِر من أسرار المال والأعمال ويتكشَّم؛ وتلك رمّانة المسرح الجوز ديك، من انعقدت بأيديهما مهمة الجيل القادم، وقالا بسم الله، مزدوج البت السمحة والولد الشِّفِت، بعبارة الشاعرة سلمى الحسن، في أقشب الثياب، يقفز الحبّ من أعينهما «كائن حي» ويلهو «أولادي في عيونك» أو كما قال.

لكنّ حوشَ اجتماعِ الصفوة هذا، على جاذبية الموزاييك فيه وفتنتِه، ميدانُ تبادلٍ يَستر أكثر مما يكشف، فشُغل الاجتماع وإعادة إنتاجه لا يجري على خشبة المسرح، وإنما خلف أكثر من ستار، مثله مثل «محلّ الإنتاج المحجوب» بعبارة الدكتور كارل ماركس وهو يَعِدُ قارئتَه بعبور مَلَجة السوق، حيث يشتري السيد «كاشات» مدخلات الإنتاج وأدواته وكلّ ما يلزم، حتى الحنّة والسُّرَّتية، كذلك يشتري مقدَّماً قوة عمل العامل، التي صارت بذلك سلعةً مرهونةً في المستقبل، وصار صاحبُها أجيراً. ثمّ يعبر الاثنان عتبة المصنع التي تعلن عنها لافتة عظيمة «ممنوع الدخول إلا للأغراض الرسمية» ويَلِجَان مخبأ الإنتاج، حيث الفَتِك والمَتِك، وقد انتفَت ندّية التبادل، يستر الله ويفتح الله، وقامت بينهما علاقة شوكة، علاقة سلعية.

«إنّ ميادين التداول، أو تبادل السلع، التي غادرناها، والتي يجري فيها بيع وشراء قوة العمل، هي، في واقع الأمر، جنّة عدن فعلية لحقوق الإنسان الطبيعية، فلا يسود فيها غير الحرية، والمساواة، والملكية، وبنتام [جيرمي بنتام (1748-1832) فيلسوف ومشرّع إنقليزي، مؤسِّس المذهب النفعي]. الحرّية! لأنه ما من قوة تُرغم بائعاً وشاري سلعة من السلع، ولتكن قوة العمل، غير الإرادة الخاصة الحرّة التي يتمتعان بها معاً. فهما يُبرِمان عقداً ثنائياً بوصفهما شخصين حُرّين متكافئين حقوقياً. والعَقد الذي يتوصّلان إليه، ليس سوى الشكل الذي يُسبِغان فيه على إرادتهما الموحَّدة طابعاً قانونياً. المساواة! لأنّ كلاً منهما يُقِيم علاقته مع الآخَر بصفته محضَ مالكٍ لسلعة، ويُبادِل مُعادِلاً لقاء مُعادِل، المِلكيّة! لأنّ كلّ واحد لا يتصرّف إلا بما يملك، وبنتام! لأن كلاً منهما لا يكترث إلا بذاته».

وبعدين يا دكتور بحصل شنو؟

«وبعد أن نغادر ميدان التداول البسيط، أيْ ميدان تبادل السلع، الذي يزوِّد داعية التجارة الحرّة السوقيّ بوجهةِ نظَره ومفاهيمِه ومعيارِ حُكمه على مجتمعٍ يرتكز على رأس المال والعمل المأجور، نلمح، على ما يبدو، تغيّراً في سحنة شخصياتنا الدرامية. فذلك الذي كان مِن قَبلُ مالكَ النّقد، يتبختر الآن في المقدّمة كرأسماليّ، ومالكُ قوّة العمل يسير في أعقابه كعامل تابع. الأوّل يبتسم بتكلّف وتبدو عليه سيماء رجل أعمال خطير الشأن مستغرق في شؤونه، والثاني مذعور متردّد مثل إنسان يأتي بجلده إلى السوق وليس أمامه سوى المدبغة» (كارل ماركس، «رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي»، المجلد الأول، تعريب فالح عبد الجبار، دار الفارابي، بيروت، 2013، ص 228-229).

ما بين البت السمحة والولد الشِّفِت صراعٌ معلومٌ لا ينقطع حتى في حلبة التناسل مع المودة والرحمة، يهيج أحياناً في ستر العربية المظلّلة، وتكشف عنه في أحيان أخرى الصَّرّة تلك، و«لو كنتَ مهتمّ كان عرفت». وورطة المحامي المفتِّح قد ينبئ عنها التكشّم، أحَضَر أمامه فعلاً طرفا العقد؟ أم القانونُ ترجمةٌ للشوكة وإن ارتدَى زي الحقوق؟ وقسْط كبير من وَنسَة الصحافة سواقة بالخلا، وبعلّمني السّواقة، دخان ومرايا الألاعيب السلطانيّة على ذمّة «المصدر». ونَدَى خدود الشعراء من شُغل البلاط، نمرة ونقطة. واعتدالُ بدلة المسؤول من سُخامِ كاكي مراهقين على متن تاتشر يرقب أحدُهم ساعةَ «الجَغِم». وإخوانية ذكور «البراء بن مالك» لحظةٌ من وَسَن الشباب وبتتعلَّم من الأيام، فمن الذي يفوز بزوجة الشهيد تلك؟ ولجنة المقاومة يُهدِّدها «الهسيس» بعبارة المرحوم كمال الجزولي، هسيس الفَنْد والبروبوزال، فمن الذي يسافر إلى كمبالا بتفويضك الخايف عليهو؟ ولا تثريبَ، فالحياةُ ميدانُ الصراع، وكذلك الحوار السوداني السوداني، صراعٌ وليس عملية.

جورنال من البلد: من تفسير حضرة الصول للتاريخ، زي ما بقولك كدا

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١٢٥ بتاريخ ٤ يونيو ٢٠٢٦. 

آثَـر بعضُ أهل بقعة أم درمان طيَّ سِجلِّ الحرب كواقعةٍ انحسَر ظلُّها، فالحربُ عندَهم كانت «أيام الحرب»، أما هذه الأيام فبرزخٌ عسيرُ التعريف، لا هو الحرب الناريّة التي كانت «أيام الحرب» ولا هو العالَم الذي كان قائماً قبل ذلك، ما انجَلَت قسَماته بَعد، إلا أنَّ الرغيفات الأربع فيه بألف جنيه، والدفع بنكك، فالكاش في ندرة الوفاء، و«حقيقة مافي» بعبارة صاحب الركشة الذي مَلَّ الجغم السرديّ المتبادَل، وفِتِر. يقابِلُ الناسُ تحدّيات هذا العالم البرزخيّ بصُوَر من التلاؤم والتعايش والابتكار: محلَّ مُحوِّل الكهرباء الميري حلّت ألواح الطاقة الشمسية والإنڤرتر؛ فرديةً لمن استطاع إليها سبيلاً، وجماعيةً لمن تعاونوا على البرّ والتقوى، ومحلّ عربية «الوساخة» حلَّ الحريق بالجاز في الخور، ومحلّ قوّة البوليس الحارسة حلّ مستنفَرون ومقاومة شعبية؛ ومحلّ الدكتورة ديك، ستّ العيادة، حلّت الدكتورة أونلاين وصوَر الفحص في واتساب.

لكنْ لا يحلّ محلَّ الونسة شيء، فهذه لا تنقطع. وتزدهر في هذا البرزخ صيَغٌ من «أيديولوجيا» الحياة اليومية التي يَرُوم بها المتونّس ترتيبَ دلاقين «أيام الحرب» وكبح شياطينها في دولاب يقبل الإغلاق، ولملمة ما أصابته البَشْتَنة من عناصر حياته العقلية في كومٍ ما، ينتظر بها ربَّما ساعةَ هيغل تلك، إذ تَفْرِد بومة الحكمة أجنحتَها عند الغسق؛ ساعة تأتي ولا تأتي. تقتطف المستمعةُ من هذه الوَنَسة مثلَ تفسير حضرة الصول للتاريخ.

رتّب حضرة الصول «أيام الحرب» في رأسه بتفسير فعّال وطريف، فهو يُعْلِم ويُسلّي، تشقّ به الضحكاتُ ليلَ العباسية الذي انقطعت عنه الكهرباء وتُدمع العيون:

انت يا دكتور قايل محمد بن زايد دا مشكلته معانا شنو بالزبط؟ الموضوع دا معروف! هو أصلاً في جماعة سودانيين اتشبّكوا مع الحاجّة أمُّه. الجماعة ديل كانوا شغّالين ليها تنزيل، زي ما بقول لك كدا. أصلاً محمد بن زايد ده عنده أخو فيه شوية هبالة كدا، والأم عايزة الأخو دا يورث الحكم، الكلام دا قبل ما يموت شيخ زايد. بعدين طبعاً الشغل دا كلّه سحر وطلاسم. أها، الحاجّة أم محمد بن زايد دي جابت ليك الجماعة ديل اللّمَارات، معروفين هم، جابتهم وقعَّدتهم في اللّمَارات دي، ودَوَّرُوا ليك سفلي عديل، كلّ مرة يجوا ليك للحاجّة دي بي طلب، قروش تقيلة، بقولوا ليك شالوا مليارات عديل كدا على أساس أنه يشتغلوا ليها الشغل دا. وبعدين يا دكتور، زي ما انت عارف، الشغل دا كلّه حرام في حرام.

ويَنْحَتُّ السأم عن النفوس كغبار النهار بضحكٍ مجلجل: لا ياخ؟ ما بصدّق!

والله يا دكتور زي ما بقول ليك كدا، نحنا عندنا قرايبنا شغّالين في اللّمَارات دي بالسنين جابوا القصة دي بالتفاصيل، منهم ناس في القصر ذاته. يا زول! وحاتك يا دكتور، دا موضوع معروف، البلد دي كلها عارفة القصة دي، إنت بس عشان طوّلتَ بره. محمد بن زايد من يوم عرف الحكاية دي، طبعاً جابوا ليه الكلام ناس الاستخبارات، والناس ديل كجَّنُوا ليك حاجة اسمها السودان وأم أهل السودان. والجماعة الملاعين ديك هربوا، قام قبَض ولد واحد فيهم ختّاه في السجن، لحدّي اليوم ما معروف ذاتو حي ولا ميت، أها قُول دي برضو ما سمعت بيها. الراجل أخد الموضوع شخصي، هم ذاتهم بالغوا يا دكتور. تقول شنو بس، يعملوها ديل وتقع فينا نحنا المساكين ديل.

قد تسخر السَّاخرة من تفسير حضرة الصول للتاريخ بحلقة نَصْب من مشعوذين وجدوا دَوراً في بلاط أميري يضجّ بالمؤامرات، لكنه تفسير يصوِّر شيطانَ الحرب علّةً برّانيةً على الاجتماع الذي عَهِده، مهما اشتدّت تناقضاته؛ علة اعترضت مجرى النيل فاضطرب أيّما اضطراب، لكنه يجري. في المقابل، تجدَّدَ، في أفئدةٍ كثيرةٍ عزيزةٍ جرَحتها بَشْتَنة الحرب والانتهاك الجماعي لحرمات البيوت ورُكن المِلكيّة الخاصة الركين، شبحٌ قديمٌ جديدٌ كان المتحدِّث باسمِه في آخر صُوَره، ما قبل عهد الدعاية الجماهيرية أونلاين، تيك توك، لايك، شير، فيسبوك لايڤ، المرحوم الطيب مصطفى.

بثَّ المرحوم الطيب صيغتَه الخاصّة للعقائد العنصرية لأهل السودان النيلي عبر جريدته الناجحة «الانتباهة» وهدفها التبشير بانفصال جنوب السودان كمطلب شماليّ. أجرى المرحوم الطيب حبراً غزيراً لهذا المقصد في بابه المقروء «زفرات حرّى»، وكانت خطته بالأساس خطة «دفاعية» تقوم على أنَّ قومية وسط وشمال السودان العربية المسلمة مُهدَّدة بحصار القوميات غير العربية وغير المسلمة التي اجتمعت عليها تحت راية الحركة الشعبية لتحرير السودان، وأوّل خطوات الخلاص من هذا الحصار هو التحلّل من أغزر هذه القوميات عدداً وأشدّها شوكةً، بانفصال جنوب السودان، بَلا وانْجَلا. وهَزَم المرحوم الطيب مصطفى بهذه الخطة، من حيث لا يحتسب، العقيدةَ في نفاذ الثقافة العربية الإسلامية إلى السودان النيلي وقدرتها على استيعاب التكوينات القوميّة الأخرى أو التعايش معها في دولة واحدة متعدّدة القوميات.

وَقَع حميدتي وجيشه ضمن هذا التفسير العِرْقي للتاريخ موقعاً حسناً؛ وقتما كان سلاحُه موجَّهاً نحو حركات دارفور المسلّحة، واجتمع في حلف الطيب مصطفى محترفو دعاية مثل إبراهيم بقال وعبد المنعم الربيع، من كادر المؤتمر الوطني، اللذين انقلبا لاحقاً سعاةً في «القضية»؛ قضية الدعم السريع الفاشية، و«انْشَغَّ» الأول منهما عائداً إلى حضن الوطن. انفرط هذا التفسير العِرْقي للتاريخ بحرب الدعم السريع على كامل التكوين الاجتماعيّ الذي خاف عليه مثل الطيب مصطفى من خطر القوميات غير العربية وغير المسلمة، وقام في محلّه تفسيرٌ أكثر فانتازيةً من تفسير حضرة الصول على طرافته. لكنَّ الفانتازيا وإنْ سَدَرت هي حقيقةٌ للاجتماع البشري؛ حقيقةٌ يَصْدُق عليها إعلان صاحب الركشة أنْ «حقيقة مافي»، فهي حقيقة لا حقيقة لها، إذا صح التعبير، اختلاس من المخاوف والوساوس المشوَّشة التي تنشأ من وقائع ملموسة.

تفرَّغ للتعبير عن هذه الوساوس والمخاوف حزب عبد الرحمن عمسيب أونلاين، المغترب في «اللّمَارات» التي ساء ذِكْرُ مؤامرات بلاطها عند حضرة الصول. وخطّته اختلاس شذرات من التاريخ والاجتماع، وصياغتها لجمهور «ما بعد الجريدة» كخريطة لصراع ممتدّ منذ الأزل وإلى الأبد بين نهريِّين وغير نهريِّين سقط عنهم الإسلام كوسيلة لجبر الاجتماع، عِبادتهم بيضة العِرْق. إنْ كان المرحوم الطيب مصطفى قد أسقط العقيدة في نفاذ الثقافة العربية الإسلامية وهَزَمها «من الداخل»، فقد أسقط حزب عمسيب، بطفرة في ذات الخطة الدفاعية، ما بين الإسلام والعربية من وشيجة، كَسَر بيضة الدِّين وأقام محلِّها وثن العِرْق لا شريك له. فالعدوّ عند حزب عمسيب جميع أقوام السودان، خلا قومية «النهريّين» من الذين تَحقَّق لهم الوعي بذاتهم الجديدة ورأوا نور النهر والبحر ساطعاً. جندي الدعم السريع وجندي الحلو من غير النهريّين، ومثلهم جندي المشتركة وجندي عقار وجندي القوات المسلحة، وإن استشهد مرابطاً عند مدفعِه صادَتْه الذخيرة «اللّماراتية» وهو يذود عن «حضن الوطن».

لا خلاصَ بهذه الوثنية، ولكنها حتحتة من ابتلاء الاجتماع، انتحالاً لقول المرحوم الدكتور حسن الترابي بابتلاء الحداثة، فالقومية النهرية التي يبشِّر بها حزب عمسيب «بَيْع بالكَسِر» للثقافة العربية في السودان النيلي، ترتدّ بها من خريطة «أنا أم درمان»، التي أبطالُها مثل حضرة الصول في العبّاسية، إلى جُحْر ضبٍّ خرِبٍ لا نفاذ إليه سوى بالفحص الوراثي. شوف يا حبيب! جيناتك دي ما بتأكِّلك عيش، يعني إنت كده يا دوبك 10% نهري، البعْدُو! هذه فانتازيا فاشيّة، وككلّ فانتازيا تنقلب بالضرورة كابوساً متى قامت لها في الواقع شوكة، والشاهد قائم «أيام الحرب»، لذلك، ربما أصاب حضرة الصول من حيث أخطأ.

 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.