Thursday, 29 October 2026

٧ أكتوبر: فصل من الصلات السودانية الصهيونية

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١٤٣ بتاريخ ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦.

ينطبع كلُّ تاريخٍ، بمعنى جديد، بوقائع الحاضر، ومن ذلك تاريخ العلاقات السودانية الصهيونية، تنسلخ عن طبقاتها الشاش عِبَرٌ جديدةٌ من موقع اليوم؛ موقع بطولة المرحوم يحيى السنوار وعصاه الطويلة. وقد انفلق بهذه العصا التي مات عنها صاحبُها في موقعه ذاك، في عاصمة الحرية غزة يوم 17 أكتوبر 2024، خرقٌ عظيمٌ في هيكل الجبروت الإسرائيلي الأمريكي، تتوالى تبعاته التكتونيّة موجةً بعد موجةٍ، من الخليج الفارسي على عرض الحجاز ثمّ باب المندب، ومن الهضبة الإثيوبية عبر سهول كردفان ودارفور حتى تخوم تشاد. والسودان، في كلّ حسابٍ، حلقةٌ من هذا الهيكل الأمني العسكري لا يفلت منه، بجبر الجغرافيا وبأحكام التاريخ. ولقد راودت أطرافاً من صفوة الحكم والمال في السودان، في أكثر من مناسبة، أضغاثُ أن تحصد من هذه الجغرافيا وهذا التاريخ رمانةً ما تشتري بها حلفَ تل أبيب؛ حلفٌ راهنَتْ فيه مرةً فالأخرى، من باب المُواتاة أو باب التقية، والتفسير متروك للقارئة، على مَنعة الكيان الصهيوني، للفوز بموقع في هذا الهيكل يؤمّن لها الغلبة على خصوم داخليين وخارجيين. 

كان السودان منذ خمسينيات القرن الماضي، ضمن أجندة «عقيدة الهامش» الإسرائيلية، وهي عقيدة أمنية عسكرية مبعثها مجابهة مصر الناصرية والقومية العربية. صاغ قواعد هذه العقيدة أول رئيس لجهاز الموساد الإسرائيلي، رؤوفين زاسلانسكي (شيلواه) (1909-1959)، الذي أنشئ، لتخليد ذكراه، معهدُ شيلواه لدراسات الشرق الأوسط والدراسات الإفريقية في وزارة دفاع الكيان الصهيوني. العرب، بحسب شيلواه، وشيلواه اسمه الحركي، محاصرون بحلقتين من المخاطر: حلقة خارجية تضمّ غير العرب، وحلقة داخلية تضمّ الأقليات الدينية والعرقية في البلدان العربية. يشترك الكيان الصهيوني، بحسب هذا التصوّر، مع هاتين الحلقتين في العداء للعرب والقومية العربية. قدَّر شيلواه، ضمن عناصر الحلقة الثانية، الأولويّةَ للمارونيين في لبنان والدروز في سوريا والأكراد في العراق وشعوب جنوب السودان.

كانت أُولى الصِّلات بين السودان وإسرائيل تجارية في واقع الأمر، وكانت بين الطرفين، السودان الإنقليزي المصري وفلسطين تحت الانتداب البريطاني، تجارةٌ حتى قبل نشأة الكيان الصهيوني في 1948، وإن كانت تجارة محدودة؛ يبيع السودان القطن والفول السوداني والأمباز والماشية. ضغطت الحكومة المصرية الملكية، خلال حرب فلسطين والنكبة (1947-1950)، لتعطيل هذه التجارة، وفرضت في 1950 على الباخرة الإيطالية ديمافو، التي كانت في طريقها من بورتسودان إلى الكيان الصهيوني بحمولة من بذر القطن، أن تعود أدراجها. لكنْ ظلَّ الكيان الصهيوني حريصاً على تعزيز هذه العلاقة التجارية، وناقشت حكومة الكيان في مارس 1952 فكرة إرسال مبعوث تجاري إلى الخرطوم. 

حالت ثورة يوليو 1952 في مصر دون نموّ هذه العلاقات التجارية على الهوى الصهيوني، ولم تطأ قدَمَا المبعوث التجاري الموعود أرضَ الخرطوم، بل وانقطعت منذئذ التجارة بالكلية بين السودان والكيان الصهيوني. لكن، كانت هذه العلاقات التجارية قد مهَّدت سبيلاً للاتصال بين سياسيين سودانيين وأطراف سياسية واستخبارية صهيونية، والاستقلالُ حاميةٌ طبوله. وقد كانت، كما هو معلوم، فترة تنافس سياسي محموم بين حزب الأمة والأحزاب الاتحادية، الأوّل خطّته «السودان للسودانيين»، والأخيرة تناوش بصيغ شتى من الوحدة مع مصر، على الأقل علناً. 

لم تستسِغ الدوائر الاستخبارية الصهيونية، بالذات بعد ثورة يوليو 1952، أيَّ تصوُّر للتضامن المصري السوداني تحت راية ناصرية، وشارك سياسيّو حزب الأمة تلك الدوائر تخوُّفها، كلٌّ من موقعه. استخرج مؤرّخون إسرائيليون من أرشيفهم تصوّراً استخبارياً يقول إنّ تل أبيب ربما وجدَت في سياسيي حزب الأمة شريكاً محتملاً؛ يجمع طرفَي هذه الشراكة القلقُ من حلف سوداني مصري وشيك، ثم زاد هذا القلق وأصبح ذعراً عندما فازت الأحزاب الاتحادية بأغلبية مقاعد البرلمان في انتخابات الحكم الذاتي عام 1953. 

انعقدت على أساسٍ من هذا الذعر المشترك أُولى الصِّلات بين الجانبين في 17 يونيو 1954، يوم التقى سياسيّون من حزب الأمة بدبلوماسيين إسرائيليين في فندق ساڤوي في لندن، بوساطة من جهاز المخابرات البريطاني إم آي 6. نقل العملاء البريطانيون عن أصدقائهم في حزب الأمة إعلانهم أنهم على استعداد للتحالف مع «الشيطان» لمنع التمدّد المصري في السودان. ومُذاك، طالما كَرَّر أكثرُ من طرفٍ مثلَ هذا الإعلان. كان السيد موردخاي غازيت (1922-2016)، الدبلوماسي الإسرائيلي المخضرم والسكرتير الأول لسفارة تل أبيب في لندن وقتها، هو نقطة الاتصال مع سياسيي حزب الأمة. والتقى في ساڤوي كلٌّ من السيد الصديق المهدي ومحرِّر جريدة «النيل» محمد أحمد عمر. نقل غازيت عن محمد أحمد عمر قوله إنّ حزب الأمة مستعدّ للوصول إلى تعاهد بعيد المدى مع الكيان الصهيوني، فمصر عدوّ مشترك. تجدَّد اللقاء أكثر من مرة مع محمد أحمد عمر الذي أفاد الإسرائيليين بتوقّعات حزب الأمة، فقال إن الحزب يريد عوناً مالياً يوازن المال الذي تتدخّل به مصر في السودان، ويريد أيضاً وساطةَ الكيان الصهيوني عند الولايات المتحدة لنصرة حزب الأمة، في مقابل أن يسعى علاقات تجارية وعسكرية مع الكيان الصهيوني متى ما بلغ السُّلطة السياسية في السودان.

تكثّفت هذه الاتصالات في أكثر من عاصمة، وجاء المؤرّخون الإسرائيليون من الأرشيف بما أثبَتَه دبلوماسيون إسرائيليون نقلوا عن سياسي سوداني من طرف حزب الأمة قال لهم في لقاءٍ انعقد في أديس أبابا: «يرى السودان في التمكين العسكري المصري خطراً مباشراً على استقلاله، ويخشى السودان أن تهاجم مصر السودان لا أن تهاجم إسرائيل. ومن مصلحة الحكومة في السودان إضعاف النظام في مصر وتعزيز التعاون مع خصوم عبد الناصر». لكنْ ظَلَّ هذا السياسي، الذي كتَم الأرشيف هويّتَه، متخوّفاً من الاقتراب أكثر من إسرائيل، بحكم ما بيَد مصر من عناصر قوة، خاصة وأن السودان يعتمد على قناة السويس طريقاً لتصدير خام القطن، ويخشى تبعات السلطان المصري على النيل، وتُكبِّله المصاعب المالية. قال المسؤول الإسرائيلي، الذي نقل وجهة النظر هذه، في تقييمه لها، إنَّ قدرة السودان على التخلّص من النفوذ المصري ستعتمد بالدرجة الأولى على العون الاقتصادي والسياسي الذي يمكن أن تتلقّاه الخرطوم، وقال إنّ فرنسا يمكن أن تلعب دَور الوسيط في العلاقة بين السودان وإسرائيل، الأمر الذي صدَّقته الأحداث اللاحقة، وكتب وقتها أن اجتماعاً سرياً سينعقد في باريس بنهاية الأسبوع بين مسؤولين إسرائيليين وفرنسيين وممثل عن حزب الأمة. 

التقى محمد أحمد عمر، عن حزب الأمة، ثانيةً، بجماعة المخابرات الإسرائيلية في قبرص في سبتمبر 1955، لمتابعة المطالب والاقتراحات التي سبق وتقدَّم بها الحزب. وقالت جماعة المخابرات إنّ إسرائيل ليست مستعدة لتقديم مبالغ كبيرة مباشرة لحزب الأمة، لكنها على استعداد لشراء القطن وسلع أخرى بما يخدم مصالح الحزب التجارية. عليه، التقى محمد أحمد عمر في نهاية العام 1955، بوساطة الموساد، ديڤيد هوروفيتس (1899-1979)، أول محافظ للبنك المركزي الإسرائيلي، وذلك في إسطنبول التركية. صاغ الإسرائيليون تصوّراً لتبادل المنافع التجارية المحتمل، يمدّ بموجبه السودان إسرائيل بالقطن وبذرته واللحم والسمك، بينما تمدّ إسرائيل السودان بمنتجات القطن المصنوعة والقمح والحرير وسلع أخرى، منها الراديوهات والأسمنت والأسبستوس والعربات والأحذية والنبيذ. وخرج محمد أحمد عمر من دورة الصِّلات هذه، بحسب المؤرِّخين الإسرائيليين، بمبلغ ستة آلاف جنيه إسترليني استلمها في سويسرا بوساطة الموساد، وذلك بغرض شراء مطبعة، بعد موافقة وزير الخارجية الإسرائيلي الأول موشيه شاريت (1894-1965). 

اتصلت جماعة الموساد، بعد لقاء إسطنبول بين محمد أحمد عمر ومحافظ البنك المركزي الإسرائيلي، برجل الأعمال البريطاني هاري آرون كيسين (1912-1997)؛ البارون كيسين، وهو صهيوني ملتزم، بتكليفٍ مفادُه استكشاف هذه العلاقات التجارية. بعَث كيسين من ناحيته بممثل له إلى الخرطوم، هو الهولندي إي. إل. فيردون، فوصل إليها في 12 فبراير 1956، وأقام ثمانية أيام. التقى فيردون خلال هذه الأيام، بحسب مذكّرة من 31 صفحة بعث بها كيسين إلى الخارجية الإسرائيلية واستخرجها المؤرِّخون من الأرشيف، كلّاً من محمد أحمد عمر والسيد الصديق المهدي والسيد عبد الرحمن المهدي. اقترح فيردون في مذكّرته صفقة تُقدِّم بموجبها شركة كيسين قرضاً مقداره واحد ونصف مليون جنيه إسترليني لدائرة المهدي، بأجَل ثلاثة أعوام. لم يكتمل الاتفاق وتعثَّر لأنّ دائرة المهدي لم تُقدِّم ضمانات كافية للقرض الموعود. 

حقَّق السودان استقلاله السياسي في أول يناير 1956، فأرسل وزير الخارجية الإسرائيلي وقتها موشيه شاريت برقيةَ تهنئةٍ إلى المرحوم الزعيم الأزهري تجاهَلَها الأخير. سأل عضوٌ في الكنيست الإسرائيلي وزيرَ الخارجية عن مبرِّر مثل هذا الترخُّص «لي ناس ما بيجونا»، فردّ شاريت أنّ رسالته لم تكن موجَّهة إلى الأزهري في شخصه وإنما إلى «الأصدقاء السودانيين». ولم ينقطع هؤلاء الأصدقاء عن صلة تل أبيب. جاء المؤرّخون الإسرائيليون بخبر زيارة سياسي بازر في حزب الأمة إلى تل أبيب في 1956 طلب خلالها العونَ السياسي والاقتصادي لمواجهة الخصوم الاتحاديين ومصر من خلفهم. ثمّ بعث السيد عبد الله خليل في مايو 1956 رسالة إلى حكومة الكيان الصهيوني يهدِّد فيها بعبارة لينة بالصدّ عن إسرائيل إذا لم تسرع بتقديم يد العون له جاء فيها: «ألا تعلم إسرائيل أنها قد تدفع ثمناً باهظاً إذا انجبر السودان على الانضمام إلى الجامعة العربية، فحينها قد يضطرّ السودان إلى إرسال فرقة عسكرية إلى حدود إسرائيل».

التقى بعدها عميل الموساد جوشوا بالمون (1913-1994) في سبتمبر 1956 بممثِّلين عن حزب الأمة في إسطنبول، واتفق معهم على لقاء مباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ديڤيد بن غوريون (1886-1973). انضمَّ السودان رسمياً إلى الجامعة العربية في 18 يناير 1956، لكن ظلّت مشروعية هذه الخطوة مشروطة بمصادقة البرلمان، الأمر الذي سمح لحزب الأمة بالمناورة وطرح هذه الرمّانة على الطاولة الإسرائيلية.

كتب موردخاي غازيت من لندن إلى الوزير شاريت أنّ محمد أحمد عمر قال له إن حزب الأمة هو المسؤول عن تأجيل المصادقة على قرار حكومة المرحوم الزعيم الأزهري الانضمام إلى الجامعة العربية، والموضوع برمّته معقودٌ بحوالي عشرة إلى خمسين ألف دولار، فهي كافية لإقناع الشخصيات المفتاحية أن تصرف النظر عن الأمر برمّته. التقى محمد أحمد عمر كذلك بكبير مساعدي مبعوث إسرائيل إلى الأمم المتحدة، موشيه ساسون (1925-2006)، وذلك في 22 يونيو 1956، ونقل عنه ساسون القول إنّ أربعين إلى خمسين ألف دولار كفيلة بتعطيل قرار البرلمان.

حلَّ عبد الله خليل محلَّ الزعيم الأزهري رئيساً للوزراء في 5 يوليو 1956. وأعلن المرحوم جمال عبد الناصر في 26 يوليو 1956 تأميم قناة السويس، القرار الذي جرَّ على مصر العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي. وبعبارة المرحوم جمال: «لقد كانت قنال السويس دولة في داخل الدولة، شركة مساهمة مصرية، ولكنها تعتمد على المؤامرات الأجنبية، وتعتمد على الاستعمار وأعوان الاستعمار. بُنيت قنال السويس من أجل مصر ومن أجل منفعة مصر، ولكن كانت قنال السويس منبعاً للاستغلال واستنزاف المال. وكما قلت لكم منذ قليل ليس عيباً أن أكون فقيراً أو أن أعمل على بناء بلدي، ولكن العيب امتصاص الدماء. كانوا يمتصون الدماء، يمتصون حقوقنا ويسلبونها».

نظَّمت وزارة الخارجية الإسرائيلية، في منتصف أغسطس 1956، زيارة محمد أحمد عمر إلى تل أبيب، فالتقى ضمن من التقى رئيس الوزراء ديڤيد بن غوريون الذي كتب في مذكّراته أنه اقترح أن يزور محمد أحمد عمر معهد فايزمان للعلوم ومصانع في حيفا ومستوطنات (كيبوتس) صهيونية ليتعرّف على إسرائيل حقاً. كانت نتيجة الزيارة أن صادقت قولدا مائير، التي خلَفت موشيه شاريت وزيرةً للخارجية في أكتوبر 1955، على مبلغ خمسين ألف دولار لصالح أصدقاء إسرائيل في حزب الأمة. 

صارت هذه الصِّلات علاقةً حين التقى رئيس وزراء السودان السيد عبد الله خليل في أغسطس 1957 بوزيرة خارجية الكيان الصهيوني قولدا مائير، وذلك في فندق أثينا بلازا في باريس. وأرسل بن غوريون في أعقاب انتخابات فبراير/ مارس 1958 رسالةً إلى السيد عبد الله خليل، يهنئ فيها بفوز حزب الأمة، ويَعِد بالعون في كلّ ما يطلبه. وحقاً، سعى بن غوريون مصلحة السيد عبد الله خليل عند الرئيس الأمريكي آيزنهاور، وتوسَّط لديه لتأمين السند السياسي والمال لحكومة حزب الأمة. اتخذ هذا السند صيغة «المعونة الأمريكية» التي وقف لها الشيوعيون ألِف أحمر، وانهارت بها التجربة البرلمانية الأولى. كان السيد عبد الله خليل قد طلب من الحكومة الأمريكية في فبراير 1957 العون العسكري والاقتصادي، ذلك قُبيل زيارة نائب الرئيس الأمريكي وقتها ريتشارد نيكسون إلى السودان. كتبت جريدة نيويورك تايمز وقتها: «يمكن لهذا البلد المسلم الكبير، ثلاثة أضعاف مساحة تكساس، أن يصبح ممراً للشيوعية إلى أفريقيا أو سدّاً منيعاً ضدّها، واتجاهات حكومة عبد الله خليل لا شكّ مسانِدة للغرب، وهي أقرب في موقفها داخل الجامعة العربية إلى العراق منها إلى مصر». حاجج بن غوريون بأنّ مساعدة السودان وحزب الأمة من المصلحة الأمريكية، لأنّ حزب الأمة يعادي ناصر، وناصر هو رأس حربة سوڤييتي في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي. 

 كان عبد الله خليل وقتها في ورطة. أدى إغلاق قناة السويس، في حرب العدوان الثلاثي على مصر، إلى انهيار مبيعات القطن السوداني، ثمّ فشل محصول القطن في العام 1958، ومعه فرصُ حكومته في البقاء. بالفعل أصاب عبد الله خليل الرعب من احتمال أن تسيطر مصر عبر الشيوعيين والاتحاديين على السودان، واستحسن أن يؤمِّن زملاؤه في الجيش الموقفَ بالانقلاب على الحكومة، وقد كان. استولى الجنرال عبود وعصابة نوفمبر، بعبارة الحزب الشيوعي، على الحكم في نوفمبر 1958. قال عبد الله خليل لمحدِّثه من صحيفة لبنانية في الخرطوم، إنَّ الانقلاب حالَ دون سيطرة ناصر على الحكومة في الخرطوم وإعادة استعمار السودان. كان البرلمان، الذي انكسر بالانقلاب، قد أقرّ في يوليو 1958 قانوناً لمقاطعة إسرائيل؛ القانون الذي ألغاه مجلس السيادة السوداني في ساعة تناغم بين المدنيين والعسكريين، الديمقراطيين والأتوقراطيين، أنصار السلام وأنصار الحرب، بين الجنرالين ورئيس الوزراء وحاضنته، في 6 أبريل 2021. ولكن آه وين يا، ضرب شعبُك الفلسطينيُّ بعصاه البحرَ فانفلق.


مصادر من دراسات الأرشيف الإسرائيلي:

- يسري هازران (2020). «هل يعيش شعب لوحده: إسرائيل وحلف الأقليات». مجلة دراسات الشرق الأوسط. مجلد 56. عدد 3. ص 396-411. 

- يهوديت رونين (2013). «دبلوماسية إسرائيل السرية مع السودان: دورتين من التعاون الاستثنائي» ضمن «دبلوماسيات إسرائيل السرية».

تحرير كلايف جونز وتور بيترسين. دار جامعة أكسفورد للنشر، أكسفورد. 

- جاكوب عبادي: «السودان وإسرائيل: قصة علاقة غامضة». الدراسات الشرق أوسطية. مجلد 35. عدد 3. ص 19-41. 

- إيلي بوده وآندرو فيلزنتال (2023). إسرائيل والسودان: أصول علاقات سرية (1954-1964). دراسات إسرائيل. مجلد 28. عدد 2. ص 1-28.

٧ أكتوبر: يا يحيى خذ الكتاب بقوة

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١٤١ بتاريخ ٨ أكتوبر ٢٠٢٦.

لم يُحْسِن نعيَ السيد حسن نصر الله مثلُ طارق علي، الكاتب الشيوعي العلَم صاحب الشارب الستاليني وأحد مؤسِّسي مجلة «عرض اليسار الجديد» (1961)، وهي عمدة دوريّات اليسار على بيّنة في عالم اليوم. نعَى طارق علي السيد حسن كمناضل ثوري مات شهيداً في خطة التحرّر الوطني ومقاومة الإمبريالية، فما استبقى شيئاً، وا حَلَالي، وصدَق الشيوعي أب شنَب وأحسَن.

قضى السيد حسن بعدد 15 قنبلة أميركية الصنع، تزن كلُّ واحدةٍ منها ألفي رطل، وذلك في 27 سبتمبر 2024 ضمن التداعيات الواسعة لعملية حركة المقاومة الإسلامية (حماس) العسكرية فجر 7 أكتوبر 2023 «طوفان الأقصى». هدَمَ جيش الكيان الصهيوني، لبلوغ هدفه الثمين، سلسلةً من المباني في حارَة حريك الباطنة، في الضاحية الجنوبية لبيروت، بتفجيراتٍ متزامنة، ونفّذ هجوماً إرهابيّاً واسعاً على عناصر حزب الله، حزب السيد حسن، عبر أجهزة المراسلة، البيجَر، انفجرت في ساعة واحدة في وجوه أصحابها فقتلت وشوّهت وأرعبت.

لا يحتاج السيد حسن إلى شهادةٍ من طارق علي، فالسيد سيّد وعزُّه معلوم، كما لا يحتاج إلى شهادة من قطب اليسار المعاصر المرحوم نعوم تشومسكي، لكنْ تفضَّل بها تشومسكي على كل حال وأسَرَّ لزميله طارق علي أنه يعدّ كلاً من السيد حسن نصر الله وهوغو تشافيز، زعيم الثورة البوليفارية في ڤنزويلا، أحذق السياسيين الذين يسَّرَت له الظروف لقاءهم. والسيد حسن شُغُل بِختلف، فهو من تربة الطبقة العاملة اللبنانية، تعليمُه دينيّ شيعيّ، وحذقه السياسي من عصامية التثقيف الذاتي، أشعلت في نفسِه الثورةُ الإيرانيةُ عام 1979 ناراً راديكاليةً ظلَّ وفياً لها حتى لقي الله، بقنابل أميركية قذَفت بها المقاتلات الصهيونية، في عمر الرابعة والستين. كتَب طارق علي ضمن نعي السيد حسن: «سيجد حزب الله زعيماً جديداً لا شك، فلا يوجد ما لا يمكن تعويضه».

أعلن السيد حسن يوم 8 أكتوبر أنّ حزب الله لن يترك حماس تقاتل وحدها، فالمعركة واحدة والعدوّ واحد، فِقهُه في هذا المعنى أمميةٌ شعارها «وحدة الساحات»، وهو القرار الذي دفع حياته ثمناً له. سجَّلت شاشات التلفزيونات والتلفونات والآيبادات وما إلى ذلك مجريات حرب الإبادة الانتقامية الجارية التي يشنّها الكيان الصهيوني على أهل غزة، وفلسطين الكبرى، منذ ذلك الصباح الذي التقى فيه مقاتلو حماس الشمسَ تسجيلاً يشهد على أهل الأرض جميعاً أنهم، بخلاف السيد حسن، قواعدُ شغَلَتْهم أموالُهم وأنفسُهم عن شٌغل الحرية، كالأنعام وربما أدمع البعير، لا تهتزّ لهم شعرة. وشاهدنا جميعاً أوصالَ الأطفال تتطاير من ضرب القنابل، وأكوامَ جثث المصلّين الفجر تحت الركام، وآياتٍ لا حصر لها من العذاب؛ تتطاير النفوسُ كلَّ يوم بالمئات إلى عرش الرحمن حتى بلغت فوق السبعين ألف، ولم ينقطع الحساب.

واستفاد محمد أحمد في الغالب من هذه «الداخلية» التي قامت في كُترانج للفُقَرا طُلاب العلم. لكن، ماذا وجد محمد علي باشا في كُترانج ليمنحها داخليةً للطلاب؟ قام مسجد كترانج الذي جدَّده محمد علي بالطوب الأحمر بجهد الشيخ عيسى بشارة، الأزهري الذي وفد إلى السودان في أول القرن العاشر الهجري، أي حوالي 1500 للميلاد، وتزوَّج ببنت الملك سليمان النار، آخر ملوك الجموعية، ثم استقرّ في كترانج التي أسَّس فيها المسجد ومدرسةً لعلوم الدين على مذهب مالك. ومسجد الشيخ عيسى، عند بعض المؤرِّخين، أوّل مسجد أُسِّس للصلاة والعلم معاً في السودان. ظَلَّ علماء مسجد الشيخ عيسى على صلة بالأزهر الشريف، وفيه نالوا إجازاتهم في العلوم وعادوا إلى كترانج للتدريس. وصار بذلك مسجد كترانج معهداً مستقراً وموقعاً لإنتاج العلوم فألَّف أساتذتُه في علوم الدين وعلوم اللغة العربية، ومن ذلك شروحٌ بتعليقاتها للمنظومة الشعرية «جوهرة التوحيد»، وهي من متون علم العقيدة ألَّفها إبراهيم اللقاني المالكي (توفى 1631 ميلادية). وفي «الجوهرة» وشروحها، التي لا بدّ أجادها الإمام وأحسنها فهي من منهج جامعة كترانج أصالةً، أكثرُ من مفتاحٍ لقضية الزمان التي واجهَتْه في «سلامة الباشا» كصدام بين خطّتين للزمان؛ خطّة دائرية يعيد فيها الزمانُ نفسَه دورةً بعد أخرى كمواقيت الصلاة، ويحيط به في دائرة كبرى اتصالُ الأزل والأبد في وحدةٍ واحدة، وخطّة خَطّية يتقدّم بها الزمان بضربات شوكات الساعة تكة تكة من ماضي حسرات إلى مستقبل لذّات، وَوشّك منوِّر:

لكن ما هي هذه الحرب؟ هي بحساب الضحايا حربُ الإبادة، وبحساب مقاتلي حماس، في ذاك الصباح الأغرّ قبل ثلاثة أعوام، فصلٌ من فصول حرب التحرّر الوطني الفلسطيني، وبحساب «وحدة الساحات» حربُ التحرّر الوطني اللبناني والتحرّر الوطني اليمني والتحرّر الوطني العراقي والتحرّر الوطني العربي؛ حرب الحرية وعاصمتُها غزة، وإن لم يشارك فيها جيش نظامي عربي واحد في مواجهة جيش الدفاع الإسرائيلي. 

الغالب أنّ فيضَ صور القتل والعذاب والتدمير الهائل سرعان ما يزول عن خاطر المشاهدين بكثرة تكرارها، لكنْ ربما احتفظت الذاكرة الجماعية بصورة واحدة صمَدية للفارس الجالس في حرز الخراب، محجوب الوجه وساعدُه ينزف، يدفع عن نفسه مُسيّرة قاتلة بعصا كأنها عصا موسى تشقّ بحرَ السقم في مقابلةٍ قرآنيةِ الطراز بين الإنسان موضوع الحرية والآلة وسيلة القهر. انتهت حياة هذا الفارس يحيى السنوار في جلسته تلك يوم 16 أكتوبر 2024 في عمر 61 سنة. وراديكالية يحيى السنوار، كما راديالكية السيد حسن نصر الله، فاتحة على الشارع؛ راديكالية الناس العاديين في عبارة حزب الطبقة العاملة السودانية.

وُلد يحيى في مخيم خان يونس للاجئين في 1962 ،لأسرة من عسقلان التي حاق بها التطهير العِرقي الصهيوني في 1948، وشهد حرب النكسة عام 1967 وهو طفل، شبّ في النكسة إذن. درَس يحيى في خان يونس حتى الثانوية ثمّ انتقل إلى الجامعة الإسلامية في غزة التي أصاب فيها بكالوريوس لغة عربية. لكنّ شغله في الحقيقة كان وظيفة الحرية، تفرّغ في حماس منذ حوالي العام 1982 وهو ابن 20 سنة. دخل السجن الإسرائيلي لأول مرة لمدة ستة أشهر في العام 1982، ثم اعتُقل مرة أخرى في 1988 في عمر 26 سنة وحَكم عليه القضاء الصهيوني بالمؤبَّد أربع مرات، قضى منها 23 عاماً متواصلة في السجون، أربع سنوات منها في العزل الانفرادي، فهو إذن صناعة السجن الصهيوني.

خرج يحيى من السجن بالصفقة المشهورة عام 2011 وهو في عمر 49 سنة، وتزوّج في الخمسين الإبراهيمية، وله ولدان، عبد الله وإبراهيم، وابنة واحدة رضا. ويحيى مثقّف حركيّ إذا صحّ التعبير. تعلَّم العِبرية وأحسَنَها، وترجم منها «الشاباك بين الأشلاء» و «الأحزاب الإسرائيلية عام 1992». قصَف جيش العدو الصهيوني ودمَّر منزله عام 1989، ومرة ثانية خلال عدوان 2014، ومرة ثالثة خلال عدوان 2021، ومرة رابعة خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة في ديسمبر 2023، والدار دار الآخرة.

بنحوٍ إسلاميٍّ هي راديكالية كلّ من السيد حسن ويحيى ، فالحرّية هي التحرّر من عبودية القوى العظمى والاستعمار الاستيطاني إلى عبودية الله، والموتُ في هذا الدرب هو باب الحرية؛ مفتاح الخلاص الفردي، لا نهاية العالم. فما موقع هذه الراديكالية بلسان آخر في عالم اليوم، تك توك، تك توك؟.  

جاء الدكتور ماكس عجل إلى هذه القضية بنظر ثاقب في ورقة بعنوان «فلسطين ونهاية النظرية» (مجلة نقد الشرق الأوسط، م 33، ع 4، 2024، ص 611-634). والدكتور ماكس عجل، أستاذ في جامعات بلجيكا وتونس، وغالب شغله عن السيادة الغذائية، «نأكل مما نزرع» يعني، وله كتاب مقروء عن التحرّر الوطني على أساس من مطمورة مليانة إذا صحّ التعبير «صفقة جديدة، خضراء وشعبية» (2021) يتابع فيه خطى كارل بولياني، صاحب «التحوّل العظيم». ومن شُغل بولياني أن السّلعية لا تصحّ، البيع والشراء لا يصحّ، السوق لا يصحّ، على سلع الأرض والعمل والمال، وهي إذن سلع كاذبة،  فالأرض هي الطبيعة، والعمل هو الحياة البشرية نفسها، والمال هو قوة شرائية، ومتى داخَلَ هذه العناصر التسليعُ فسد العالم، وهذا تشخيصُه لخراب الرأسمالية الساحق الماحق. لكنْ هذه قضية أخرى.

طرَح الدكتور ماكس عجل سؤالين من وحي حرب التحرّر الوطني الفلسطيني: ما هي خيارات العمل المتاحة أمام حركة مناهضة للاستعمار مثل الحركة الوطنية الفلسطينية في القرن الحادي والعشرين؟ هل من مكان للعنف؛ للعنف الثوري، في الصراع السياسي المعاصر؟ وكلّ من يقف على 7 أكتوبر 2023؛ تاريخ بداية طوفان الأقصى بعبارة حماس وحليفاتها، لا بدّ يجيب عن هذين السؤالين قبل أن يختار موقعاً بين قطبي الرأي في تصوير هذه الأحداث، فهي أعمال عسكرية مشروعة لحركة تحرّر وطني تقاوم الاستعمار، أو هي قتل أعمى وحشي شهواني موجَّه إلى قوم خارج التاريخ، لا ينطبق عليهم تعيين الفاعل السياسي، فهم أقرب إلى الحيوانات منهم إلى البشر، ومصيرُهم الإبادة، خاصة وقد انجلت الحرب عن صراع غير متكافئ بين مقاتلِين بأسلحة بدائية في حوض بشري من أهلهم، سمك ماو الشهير في ماو الشعب، وبين جيش نظاميّ مدجّج بأحدث أسلحة الكون وأكثرها تدميراً ورصداً، تحرسه بوارجُ الولايات المتحدة الحربية وغطاؤها الجوّي ومالُها الذي لا ينقطع، خطّته الحربية قتل السمك بتجفيف الماء، بالحرب على سكّان قطاع غزة، الفلول من أنصار حماس.  

لكن، مَن يقرأ نيويورك تايمز، أو يسمع الخبراء الاصطراطيجيين الأميركيين، بما في ذلك المتعاطف مع فلسطين منهم، يخرج بانطباع أنّ هذا الصراع العسكري – المقاومة بوسائل عسكرية، بعد إجهاض كلّ وسيلة سياسية للتحرّر الوطني الفلسطيني؛ اتفاق غزة أريحا وحلّ الدولتين والدولة الفلسطينية الحمدوكية في رام الله – لا قوام له. فهنالك إرهاب فلسطيني في 7 أكتوبر خلو من السياسة وخارج التاريخ، وهنالك الأزمة الإنسانية الفظيعة التي هي من تبعات الحملة العسكرية الإسرائيلية لاستئصال شأفة الإرهاب الفلسطيني وإنْ بلغت مستوى الإبادة الجماعية، أما السياسة فلم تحدث. 

وترى هذا التحلّل من سياسة التحرّر الفلسطينية كما هي، واقعاً؛ التحليل الملموس للواقع الملموس بعبارة المرحوم لينين، في الاكتفاء بالبكاء على ضحايا الإبادة في غزة، وكَيْل اللعنات على نتنياهو البغيض وعلى إدارة بايدن ثمّ الملك ترمب.. إلخ، أو شيوع التضامن مع فلسطين كطقس، تلبسْ كوفية أو تطبعْ إشارة على القميص أو تلِف راسك بدلقان ما، وما إلى ذلك درجات من التأفُّف: أولاً، التأفُّف من إسلامية حماس، فهل يصحّ أن ينعقد لواء التحرّر الوطني لحركة إسلامية؟ أو هل من مكان للسياسة بالإسلام، للإسلام السياسي في المستقبل؟ ثانياً، التأفّف من القضية الوطنية، هل من مكان في فقه اليوم السياسي للدفاع عن أنظمة السيادة السياسية، عن السيادة وتقرير المصير، سوى لهويات صغرى في حيز الفردية، من قَبيل عذابات الرجل الأسود المثلي في ثقافة أبوية على سبيل المثال، وكيف يمكن إنقاذه. والقضية الفلسطينية قضية تحرّر وطني في المقام الأول، ليست قضية متعة ذاتية أو استهلاك فردي، ولا يمكن استيعابها ضمن تحليل الهويات الصغرى، هي في واقع الحال قضية محرجة. 

ولهذين السبيين، التأفّف من آيديولوجيا للتحرّر الوطني غير آيديولوجيا الاستهلاك، والتأفّف من القضية الوطنية، حلَّ فقهُ الضحية محلَّ فقهِ المناضل. وشخَّص الدكتور ماكس عجل تحوُّلَيْن في هذا المعنى: الأول، الخليج الذي يزداد تباعداً بين النظرية في الأكاديميا، غربيّة وغير غربيّة، وبين الوقائع في سُرّة العالم وعاصمته غزة. والثاني، الاندماج بين النظرية والمقاومة في المركز الامبريالي، فالمقاومة تأمُّل أكاديمي، بيرة بدون كحول، ولا أثر سياسياً لها، شُغلها تحقيق مواقع في المجتمع المدني الغربي، سواءٌ أكان ذلك كرسيَّ أستاذيةٍ في جامعة مرموقة أم رئاسة تحرير مجلة قشيبة، وانتصاراتُها هوياتيّة من نوع أول امرأة عربية مسلمة ترأس هذه الجامعة أو تلك. وهذا الصنف من التأمّل الأكاديمي أعمى تجاه القضية الوطنية لا يراها، فمجالُه مواطَنة كونية للناجحين والناجحين جداً، كوزموبوليتان. وقضية الدكتور عجل أنَّ معاداة الصهيونية التي انبثَّت في الحرم الجامعي الغربي أخيراً هي من هذا المورد، خلو من سياسة التحرّر الوطني، ويتتبع عجل نَزْع السياسة عن فلسطين وتحويلها بلسان يسار جزافيّ إلى مأساةٍ إنسانيةٍ عبر محطات تنتهي عند صمت الفكر بإزاء 7 أكتوبر، فهو حدَثٌ لم يحدث في قاموس اليسار الجزافي، حدَثٌ لا يناسب النظرية. 

وأُولى هذه المحطات، بحسب الدكتور عجل، سقوط الاتحاد السوڤييتي، حيث دشنّت الولايات المتحدة مرحلةً جديدةً من تراكم كونيّ يقوم على سيادة رأس المال التمويلي والهيمنة العسكرية الأميركية. فالاتحاد السوڤييتي وإنْ كَرِهَ الكافرون، مثَّل طريقاً آخر لتنظيم الاجتماع. وتقع موقعَ القلب من الشوكة الأميركية القدرةُ على تحريك رؤوس الأموال كما تشاء ووقتما تشاء واشنطن وشركاؤها الأواسط، عبر حدود الدول القومية، ما يهدم مبنى الدولة القومية المعرّضة على الدوام للإفلاس. ووسائلُ هذا التشليع للدولة القومية متعدّدة: حروب مباشرة، أو عقوبات متطاولة، أو الخنق بالديون ثمّ فكّ الخنقة ببرامج الصندوق والنقد الدولي والتحوّل الحاسم نحو الليبرالية الجديدة. ومن نتائج هذه الحملة خطواتٌ بعيدةٌ نحو تصفية الدولة في العراق ثمّ ليبيا ثمّ سوريا ثمّ اليمن ثمّ السودان، ومشروعُ تصفيتها في إيران. وغطاءُ هذه الحملة المستمرة الآيديولوجي هو الحرب الشعواء على فكرة مقاومة الامبريالية ضمن الحرب الكونية على الطبقة العاملة وأفكارها، شيوعية، اشتراكية، وطنية وإسلامية… إلخ، تصفية أيّ منبر يمكن أن يقف عليه تنظيمٌ لغمار الناس مستقلّ عن الطبقات المهيمنة.

والخطوة الثانية نهضةُ صوَرٍ جديدة للمقاومة. تطرح فلسطين هذه السلسلةَ ببيان ظاهر، فقد كان لواء التحرّر الوطني والنضال المسلح معقودٌ بيَد حركة فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؛ الأولى قومية عربية، والثانية ماركسية لينينية، وانتقل في أصيل الاتحاد السوڤييتي، وبدفع من الثورة الإيرانية في 1979 إلى حركات الإسلام السياسي. لكنْ، من يقرأ علي شريعتي يقع على أكثر من الشعاراتية الإسلامية للبرجوازية الصغيرة من جنس «القرآن دستورنا» و«الإسلام دين ودنيا»؛ فالثورة الإيرانية، ومفكّرها الأول علي شريعتي، جعلت العبارة الإسلامية هامشاً لمتنٍ فيه نظرية التبعية، ومعاداة الامبريالية، وهوى الجمهورية. انزوَت القضية الاجتماعية، والقضية الوطنية الديمقراطية؛ قضايا «الثورة الوطنية الديمقراطية»، بتدهور الشيوعية كقوة تنظيمية، لتحلّ محلّها تميمة ثابتة عنوانها «الديمقراطية»، خيمة بلا شِعبة تقف عليها، كقولنا الغافل: «الثورة ثورة وعي». 

وحصيلة كلّ ذلك، أجوبة محرجة على سؤال: ما القوى التي تعادي الإمبريالية الأميركية الصهيونية في المنطقة اليوم، عملاً وقولاً، تناضل ضدّها؟ أهي الجمهورية الإسلامية في إيران، حزب الله، حماس والجهاد الإسلامي، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، أنصار الله في اليمن؟ وجميعها خيارات صعبة للبرجوازي الصغير الحمدوكي وهو يتأمّل العالم من حوله، فالإسلاميون كَكَّا، والشيوعيون كَكَّا أيضاً، وإيران؟ ولاية الفقيه؟ معقولة بس؟ ولأنها جميعاً خيارات صعبة فالفكر صامت، قاطِعْ موية وكهربا. فوق ذلك، تتصل الصعوبة التي تعركس لليسار الجزافي مع حماس، بخلاف الإسلامية، بفزَعه من مسألة الدولة، وحماس قبضت الدولة في غزة، وقامت بوظائف جهاز الدولة قبل ذلك. وجاء اليسار الجزافي بنقدٍ سهلٍ لحماس من هذا الباب، فهي بحسب كراس التصحيح هذا تواطأت مع نظام الدولة ولم تقتلعه، بل وتواطأت مع نظام نتنياهو وكانت العلاقة بين الطرفين اعتمادية يتبادلان الخدمات، فقامت بذلك بدَور الوكيل للكيان الصهيوني في القطاع، بينما سمح نتنياهو للمال القطري أن يصب في خزائنها. وفي هذا النقد صدىً قديمٌ لتطهر اليسار الجزافي من ابتلاء الدولة واليوم العاقب للغبطة الثورية منذ المفاصلة بين لينين أب صلعة وحلفائه من الاشتراكيين الثوريية وغيرهم عشية ثورة أكتوبر 1917 عابوا عليه أوّل ما عابوا أنْ عطَّل الصحافة المعادية، فكان ردُّه الحرية لمن؟ ولفعل ماذا؟.

ويتسع هذا النقد من جهة اليسار الجزافي، ليشمل حجّةَ كلّ منافق في ساعة حارة، واختصارُها أنّ المقاومة المسلّحة التي تقودها حماس فشلت أو ستفشل لا محالة ومضمونة الفشل، فمن يَقوى على العدو الصهيوني والغلبة الأميركية، هل بأسياف العُشَر؟ وهذا نقد مَسِيخ بطبيعة الحال. فكلّ مقاومة مسلّحة للاستعمار فاشلة حتى تبدأ في النجاح، وتكرَّرت مثل هذه الحجّة بلسان أسلاف حمدوكيين في الجزائر وفي ڤيتنام وفي غينيا بيساو وفي كلّ وضع شبيه. بل يخالف مثلُ هذا الزعم حقائقَ موضوعية، فالمقاومة المسلحة التي يقودها حزب الله هي التي دفعت الكيان الصهيوني في جولة سابقة من الصراع لإخلاء جنوب لبنان عام 2000، وصدّت الهجوم الصهيوني عام 2006، وتقف بينه وبين النصر اليوم. 

والاشمئزاز اليساري الجزافي من مثل حماس لا يعني سوى الاشمئزاز من حقائق التحرّر الوطني الفلسطيني ومادية تاريخه. ولا تجد مثل هذا الاشمئزاز في كراس اليسار الذي يستحقّ اسمه. تجد القارئةُ عند المرحوم غسان كنفاني (1936-1972)، بطل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الشهيد، تمييزاً للكفاح الوطني الفلسطيني المسلّح بعنوان «ثورة 36-39 في فلسطين: خلفيات وتفاصيل وتحليل» يعود به إلى ثورة 1936-1939، ثورة الشهيد عز الدين القسام، الذي قضى محاصراً في جِنين يترصّده الجنود البريطانيون حتى بلغوا موقعه فهاجموه، ورفض الاستسلام وعشرة من أنصاره حتى قضى برصاصة في جبينه في 19 نوفمبر 1935. عيّن كنفاني معضلة التحّرر الوطني الفلسطيني في تراكُب ثلاث نقاط ضعف: قال القيادات المرجعية المحلية، الأنظمة العربية المحيطة بفلسطين والحلف الإمبريالي الصهيوني، فكأنك تقرأ من كراس حماس «هذه روايتنا، لماذا طوفان الأقصى» لكن بلسان آخر: «كانت عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023م، خطوة ضرورية واستجابة طبيعية، لمواجهة ما يُحاك من مخططات إسرائيلية تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، والسيطرة على الأرض وتهويدها، وحسم السيادة على المسجد الأقصى والمقدسات، وإنهاء الحصار الجائر على قطاع غزة، وخطوة طبيعية في إطار التخلّص من الاحتلال، واستعادة الحقوق الوطنية، وإنجاز الاستقلال والحرية كباقي شعوب العالم، وحق تقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس».

Monday, 5 October 2026

المرحوم جعفر خضر: لم أكن أرتعد تحت سماء غريبة

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١٣٨ بتاريخ ١٣ أغسطس ٢٠٢٦.

سكت قلب المرحوم جعفر خضر (1970-2026) السكتةَ التي اكتمل بها صاحبُ القلب بدراً، يوم 23 أغسطس الماضي وذلك في مدينته القضارف، لا تحت سماءٍ غريبة. ضمَّ ترابُ القضارف، وفيها نشأ وعاش، جثمانَ هذا الرجل الجبل الذي لم تقطعه المعيشة أو تفصله الديكتاتورية أو تقتلعه الحرب من هذا السكون إلى القضارف وأهلها، فهي مدينته أو بعبارة «دهَباية» الشعر الروسي المرحومة آنا أخماتوفا (1889-1966):

لم أكن أرتعد تحت سماء غريبة، مذعورة، 

تحفّني أجنحة غريبة،

وإنما بين أهلي، حيث

احتشدوا، وللأسف محتسِبين.

سكونُ المرحوم جعفر للقضارف وأهلِها وفاءٌ مُمتدّ، ومِن مِثْل هذا الوفاء تقوم الروحية التي ينعقد عليها كلُّ نضالٍ حَقّ. وجاء المرحوم من هذا السّكون المطمئنّ إلى بيئةِ نضاله واجتماعه بقضاياه التي انكبّ عليها من منبر «شروق». وهو المنبر الذي نضج فيه هذا النضال واستوى بعد مسرح الصبا؛ جامعة الخرطوم، حيث تمرَّن على لغة السياسة، وسط الجيل الأول من «حركة الطلاب المحايدين». لم يَفسد ذوق المرحوم جعفر بهذا التمرين، وجُلُّه كما هو معلومٌ ينتهي باكتساب اللياقة، والتميُّز في بهلوانيات الكيد البلاغي وأصناف من «الرَّدِم» بعبارة اليوم. لكنّه نَقَل من هذا المسرح طرازاً من التنظيم الديمقراطي؛ وحاسَّةً للعمل الجماعيّ هي من تراث الحركة الديمقراطية الممتدّة منذ ثورة 1924. ولا تجد لقضايا المرحوم جعفر صدىً يُعتدّ به في أطلس السياسة العليا التي استعدّ لها «الحركيون» من كلّ فئة في مسرح الجامعة وبها تدور كؤوسهم ويئنّ النديم: الدنيا ليل، غربة ومطر. فقضايا جعفر، على خلاف كرير علمانيَّتي وعلمانيَّتِكَ، قضايا حيّة، ممَّا تَعَارَف اللغو السياسي على تبويبها تحت عنوان «محلية»؛ حُكم القضارف وإدارة مال أهلها ومعاشهم وزراعتهم وماء شُربهم وصحّتهم وتعليمهم، ومناهج التعليم التي نفذ إليها بقوةٍ نادرةٍ مُدرِّساً، وفرَزَها فرزاً دقيقاً تحت عنوان «التعليم السوداني: لا وحدةً بلَغ ولا ديناً أبقى». وممرّ جعفر إلى هذه القضايا العلم الدقيق بها، «التحليل الملموس للواقع الملموس» في العبارة اللينينية، ذلك على خلاف الانطباعات التي يقوم بها شغل «الرَّدِم»، ولذلك تجد خلاصاتِهِ من هذا العلم محدّدةً بيّنة الحدود لا تشرئبّ بعنق طويل عُوقَة إلى «مجلس الأمن» ترطن عند سلاطينه، ولا تتقافز بين عواصم الطغيان الدولي بقَرْعَة ممدودة، لكنها تُمسِكُ بمسألة وتردُّها إلى أهلها، القائمين على أنفسهم أصالةً، ببسالة الحياة اليومية، «الضَّكْرَنة» تلك المشكورة في النساء والرجال حين ينعقد عزمُهم على النصرة في غائلة أو التعاون على بِرّ.

لا يتبلّى المرحوم جعفر على النظام القضائي في مدينته القضارف، إنما يَعْرض للجمهور، الجماهير في البلاغ الشيوعي، ما ثبت عنده بالخبر من الدرجة الأولى والوثيقة، لا القُوَالة، من دقائق وتفاصيل نزاع حول قطعة أرض سكنية، المحكّ فيه وثيقة تنازُل مزوَّرة تورَّط في تدبيجها المحامي والآخر، وتاه محضر البلاغ عن التزوير في شبكة مصالح وعلاقات اجتماعية وسياسية. كما لا يتبلَّى على إدارة السجون، أو حتى «المنظمة السودانية لرعاية النزيل» التي تعبُّ من مال المنظمات الدولية، وهو يعرض أحوال نزلاء سجن القدمبليّة بتفصيل المُشاهد، فالسجن وشهرته «الزّريبة»، يتحلّل فيه المحكومون بعقوبة السُّكر بشراء السوط، فيدفع أحدهم للجلّاد عشرين جنيهاً لقاء جَلْد مخفّف، نومُهم على الأرض «البادُوبَة» بغير وسيطٍ وأحسَنُهم من يجد خيشاً للنوم عليه، وطعامُهم «جِرَاية»، خبز الذرة مع القرع أو الفول، أما الغسيل والحمّام فمفردات من «حلم الأماسي»، والمريض منهم يُربط في دنقل العربيّة مكلبشاً إلا أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. ومثل هذه المعرفة الباطنية نادرة في لغو السياسيين والناشطين -تكفيهم القُوَالات- لكنَّ جعفر غير، جعفر جبل، ومثله يَحقّ له أن يَسأل «المنظمة السودانية لرعاية النزيل» أين المال الذي حصدَته من منظمة العون البريطاني الإسلامي والهيئة الخيرية العالمية الإسلامية ومنظمة قطر الخيرية والهلال الأحمر السعودي ومنظمة السلام العالمية وديوان الزكاة ومنظمة البر والتواصل وصندوق الدعم الكويتي الخيري ومنظمة الرعاية والإصلاح وهيئة الإغاثة العالمية وجمعية مسلمي افريقيا ومنظمة سبيل الرشاد ومنظمة ذو النورين وشركة النيل للبترول وشركة الكهرباء والمفوضية السامية للاجئين وفندق السلام روتانا ومنظمة اليونيسف ومنظمّتين أعجميتي اللسان اختصارهما CHF وRSS؟ ولماذا لم يَبلغ بعضُه سجناء القدَمبليّة؟.

ومن هذا الموقع، استفاد المرحوم جعفر حكمةً واسعةً سمحت له أن يكتب بمثل هذه الخلاصة التي تصحُّ يوم جاء بها وتصحُّ اليوم أكثر: «مشكلة أغلب المنظومات المعارِضة ومنسوبيها هي تقديس التكتيكات. لذلك عندما تنتقل من تكتيك إلى تكتيك آخر يصيبها الحرج. ولأنّ القرارات في الأغلب فوقية غير متصلة بالقواعد فهي تصيب منسوبي الأحزاب بالارتباك والطُّمام أو تُحيلهم إلى أتْباع يهلِّلون للاتجاه الجديد، ولو لم يكن مفهوماً على طريقة «هو عاد كلام سيدي بتفهم؟». لقد أسرَفَ الذاهبون للحوار في لعن من التحق به في بداياته لذلك تلاحقهم اللعنات الآن. وفي رأيي كلّها تقديرات سياسية ينبغي أن تستند على الترجيح وليس القطع اليقيني. الذاهبون إلى الحوار والتسوية السياسية رؤيتهم صحيحة إذا توفرت شروط منها: (1) أن يكون لهم تصوّر لكيفية توظيف التكتيك لمصلحة تغيير النظام وبناء الدولة الديمقراطية والمواطنة والتنمية المتوازنة؛ (2) أن تكون القواعد مشاركة في اتخاذ القرار وبناء التصور؛ (3) أن يتضمّن تصوّرهم كيفية مناهضة حيل المؤتمر الوطني وحيل الانتهازيين داخلهم (ديل حيكنكشوا في السلطة)؛ (4) أن يكون لهم الرغبة والقدرة على الاعتراف بخطأ تقديرهم جزئياً وكلياً متى اتّضح لهم ذلك. والمتمترسون في خيار الانتفاضة رؤيتهم سليمة لو توفرت لهم: (1) خطة لكيفية تحريك الشارع وليس فقط خطة بلا عمل؛ (2) إشراك قواعدهم في صياغة الخطة وتنفيذها؛ (3) تتضمن الخطة كيفية مناهضة قمع جهاز الأمن؛ (4) أن يكون لهم الرغبة والقدرة على الاعتراف بخطأ تقديرهم جزئياً وكلياً متى اتضح لهم ذلك. النقد الموضوعي مطلوب أما المهاترات الفارغة فهي تخدم النظام بل وجهاز الأمن مجتهد في صنع هذه المهاترات».

لا عِلْمَ لي إن كان لحركة الطلاب المحايدين أو وريثتها «حركة بلدنا» كرّاس تمرين للاستراتيجية والتكتيك، لكنّ المرحوم جعفر استخلص من التجربة عقدةَ الاستراتيجية والتكتيك كما يُحسنها كلّ مدّبر لينينيّ الطراز. ولا غرابة إذن أن صعدت به «حركة بلدنا» أوان تأسيسها في أكتوبر 2019 إلى موقع القيادة، وجدَّد هذا الجبل العالي من هذا الموقع مهنة «المتفرّغ السياسي» كنُبل في العمل العام، وشَهِد المرحوم جعفر على نفسه شهادةً فأعلن للرأي العام أنه يتقاضى في مقابل هذا التفرّغ 70 ألف جنيه، تحصيله من اشتراكات الأعضاء، هذا بجانب سكن خاص في مقرّ الحركة تتوفر فيه مقوّمات الحياة المريحة. كتب المرحوم جعفر شارحاً: «ولكنّ حركة بلدنا تشدَّدت على نفسها، مقارنةً بمنظمات المجتمع المدني، برَفْضِها عرضاً بتمويل من إحدى المنظمات في مشروع يخدم توجه الحركة! كان رأيي الشخصي في بادئ الأمر أن نقبل التمويل بشرط أن نحسن الصرف وأن نمارس شفافية كاملة أمام الشعب السوداني ونخبره بكلّ مليم صرفناه، و[أن] نشدّد على أننا كحركة لن ندّخر جنيهاً واحداً لمصلحة الحركة من هذا التمويل. ولكن هياكل الحركة ممثلة في مجلسها المركزي رأت رفض التمويل، فرفضناه عن رضا وطيب خاطر. إنّ آفة الكثير من منظمات المجتمع المدني في السودان، التي تتلقّى تمويلات ضخمة، أنها تطبق على نفسها سرية محكمة، وتنعدم فيها الشفافية، إذ إنها تخرج رزمة الدولارات من سترة البدلة الداخلية وتعطي ظهرها للشعب، وتعدّ أنصبة المتنفذين، وترسل الفواتير الحقيقية أو الملفّقة للمنظمة الدولية، وهم يظنون أنهم بهذا يحسنون صنعاً! عندما تكون السرية ثقافة سائدة فإن ملايين الدولارات تضيع في دهاليز الفساد، وتتمظهر ضنكاً للشعب وأوجاعاً، ثم أننا لن نكون مؤهلين لبناء دولة المؤسسات التي تكون السلطة فيها للشعب. كيف تكون السلطة للشعب ونحن نحرمه من معرفة الأموال التي نجلبها باسمه!! عادةً لا أحمل همّ الرزق، أتقاضى الآن 70 ألفاً، مستقطعة من لحم الأعضاء، ستتوقّف عند نهاية التفرغ، عندها ربما أواصل في امتهان الكتابة الصحفية، ولو لم تسدّ الرمق، سأعود إلى التدريس، مهنتي الأولى».

ولأنَّ كلَّ جوهر يُعَرَّف بضدِّه، والجبل شاهق والحفرة عميقة، فبيانُ آيةِ المرحوم جعفر ومَضاءُ سهمِه في كلمة قديمة جاءت على لسان الدكتور النور حمد الذي كان ضيفاً، قبل أكثر من عشرة أعوام، على الأستاذ الطاهر حسن التوم في برنامجه «مراجعات»، وراجع وقتها الدكتور النور على الجميع.

“الطاهر حسن التوم: أنا قلت ليك قبل الفاصل، البعض رأى حتى في الاستعانة بالأجنبي، يعني النخب السياسية أكاد لا أستثني أحداً، الجميع كانوا في طرابلس ضد النميري، في أسمرا ضد الإنقاذ، كل القوى السياسية يعني، كلها كانت لا ترى في الاستعانة بالأجنبي، لا ترى في الاستعانة بالقاهرة أو بأسمرا أو بكمبالا أو بأي من هذه العواصم أي ضير وتلقّي السلاح منها. كيف بتعاين للقصة دي برضو في إطار حديثنا عن غياب الثوابت الوطنية، ضعف الإحساس بالانتماء للوطن. ودي نخبنا الحاكمانا ودي أحزابنا التي تسيطر على مقاليد الأمور في بلادنا. 

النور حمد: أنا بعتقد إنو ده خلل هيكلي يعني في بناء الدولة الوطنية يعني. يعني التعامل مع الأجنبي وقبول الدعم والسلاح والمال أنا بعتبره خيانة عظمى على اعتبار إنه، طبعاً التبريرات ساهلة، عشان تبرّر أنا مقموع وأنا جاي عشان أحرّر الشعب. والشعب قاعد جوة. انت ناضل مع الشعب من جوة لمن تغير. يعني. لأنه البدعمك بره ما بدعمك زي ما بقولوا لسواد عيونك. بدعمك لأنه عنده أجندة وفي فاتورة انت بتدفعها بصورة أو بأخرى، يعني ما في دعم لوجه الله. في دعم لإنه، يا إنه هو عنده شي في الحركة اللي إنت بتقوم بيها دي بتخدم مصالحه أو إنك انت حتخضع لبعض الشروط أو لبعض الإملاءات أو لبعض أي شي”.

و «أي شيء»، كما قال الدكتور النور حمد صادقاً، واسعة. على كلّ حال، كان المرحوم جعفر فينا جبلاً، عرف نفسَه، ووقَف على مسألته، وحفظ بياض جلابيته حتى بلغ بها كفنه. وهو بعبارة بشرى الفاضل من جنس بلح السبيطة: «كانت كلّ بلحة وجدت نفسها ضمن أخريات في سبيطة بِهامة نخلة، كانت البلحاية أجمل صويحباتها وهي تعرف، منسّقة وهي تعرف، ولونها زاهٍ وهي تعرف، وطعمها حلو…»، وكذلك جعفر، لم يرتعد تحت سماءٍ غريبة.

Saturday, 15 August 2026

بليلة مباشر ولا ضبيحة مكاشر: مسح الفقر متعدد الأبعاد ٢٠٢٣

 نُشرت هذه الكلمة المشتركة مع الدكتورة سارا معاوية في مجلة «أتر»، العدد ١٣٥ بتاريخ ١٣ أغسطس ٢٠٢٦.

نَشَر الجهاز المركزي للإحصاء في يونيو الماضي تقريراً من مائة وأربعٍ وأربعين صفحة بعنوان «تقرير السودان: مسح الفقر متعدد الأبعاد 2023»، ثمرة جهد مشترك بين الجهاز المركزي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية. الجهاز المركزي للإحصاء معلوم، فهو ضلع من البيروقراطية السودانية قام بهيئته المعاصرة في نوفمبر 1995 بقرار من مجلس الوزراء تحت سلطان وزير المالية والاقتصاد الوطني، ثمّ تحوّلت تبعيّته في العام 2000 إلى مجلس الوزراء وما زال؛ ومهمّته في وثيقة إنشائه «جمع البيانات والمعلومات الإحصائية وإعدادها وتجهيزها ونشرها وإعطاء الطبيعة الرسمية للأرقام الإحصائية».

لم يَنشأ مثل هذا الضلع البيروقراطي المكين «كن فيَكون»، إنما هو نتاج تحوُّل وئيد من قِسْم في مصلحة الجمارك تحت الحكم الثنائي الإنقليزي المصري عام 1903 مهمّته جمع إحصاءات التجارة الخارجية، وسبَق بذلك قانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1925 وقوة دفاع السودان في 1925 أيضاً. ثمّ تحوَّل في العام 1932 إلى قسم تحت إدارة اللجنة الاقتصادية تحت سلطان السكرتير المالي، ثمّ في العام 1934 إلى قسم مستقلّ في مصلحة الاقتصاد والتجارة، ثم صار في العام 1953 هيئة مُستقلَّة ضمن وزارة الشؤون الاجتماعية التي تولّى مسؤوليتها بعد انتخابات الحكم الذاتي السيد يحيى الفضلي، وظلَّت كذلك حتى العام 1969، حين قُرِّر تحويلها إلى مسؤولية وزارة التخطيط الاقتصادي.

أما برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فقد انضمّ إلى هذه الشبكة البيروقراطية عام 1965، وهو العام الذي أُسِّس فيه بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة بمهمّةٍ معجزة: الرفاه للجميع وتعزيز الحكم وضمان كوكب سليم الصحة. وترجمة هذه الأهداف العظيمة برامجياً هي ما يُتعارف عليه في رطانة الأمم المتحدة بـ «أهداف التنمية المستدامة»، والدائم الله. الشريك الجديد نسبياً هو «مبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية» التي أُسّست عام 2007 بيد كلٍّ من البروفيسورة سابينا الكير (مواليد 1969 في غوتنغن، ألمانيا)، وهي أكاديمية أمريكية وأستاذة جامعية وقسيسة إنجيلية، وبروفيسور جون هاموك، القائم كذلك على سوفيا أكسفورد، وهي بحسب ديباجتها هيئة غير ربحية موكولة بالتطبيقات التجارية للأبحاث التي تقوم بها المبادرة، نشأت منها شركات فرعية أخرى منها وايز ريسبوندر القابضة الحارسة لابتكارات جامعة أكسفورد.

نفَّذ الجهاز إذن، ما يليه من مهامّ التقرير بدعمٍ ماليٍّ و«فنيّ» من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبدعمٍ «فنيّ» من مبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية، وكتبت مديرتُها سابينا ألكاير إحدى مقدّماتِه. جابَ مئتان وثلاثة من الباحثين ثماني عشرة ولاية من 26 ديسمبر 2022، فطرقوا أبواب 39,318 أسرة في 185 محلية من 189. وقُطبُ الرحى في التقرير هي عبارة «فني»؛ فضِمْن هذه «الفنية» تقع التبعات الأيديولوجية التي يقوم بها كلُّ تكويرٍ للمعلومات والبيانات وكلُّ استنطاقٍ لها وتفسير، فالبيانات الاجتماعية لا تقوم في حرَم مُحايد، مِيس خال من الصراع، إنما هي موضوع الصراع إذا صحّ التعبير. ويبدأ هذا الصراع في تحرير ما يُقبَل كبيِّنة ومعلومة وما يَسقط. على كلّ حال، اندلعت الحرب بعد آخر استمارة بأقلّ من أربعة أشهر، وظلّت البيانات في الخوادم الإلكترونية ثلاث سنوات ونصفاً تخضع للجرح والتعديل «الفني»، أي «الأيديولوجي»، قبل أن تخرج أمّ العروس بعروسها: 82.8% من السودانيين فقراء قبل أن تُطلَق رصاصة واحدة.

وقد تجد القارئةُ في بعض نواحي التقرير ما يُدهِش، من ذلك عدد من المسلّمات التي يَقبلها كأركان الصلاة فلا يخوض في تأهيلها، وهي أيديولوجيته الباطنة، الكرير الذي يمور خلف سطوره وبينَها، معجوناً في الحبر بل في الورق. سنُعدّدها ثم نُفصّل: أُولاها أنّ الفقرَ نقصُ حيازةٍ لا موقعٌ في علاقات الإنتاج؛ وثانيتها أنَّ مَن لا يمكن عدُّ ثروته لا ثروة له؛ وثالثتُها أنّ تشخيص الفقر يصحّ جماعياً، والعلاج لا يكون إلا فردياً مستهدَفاً؛ ورابعتُها أنّ الحرب حدٌّ فاصلٌ يفسِّر ما بعده ويُعفي ما قبله.

المسلّمة الأولى: الفقر نقصُ حيازةٍ لا موقعٌ في الإنتاج

في جدول تعريف الحرمان بندٌ يستحقُّ أن يُقرأ مرّتين. تُعدّ الأسرة محرومةً في الأصول إنْ لم تملك اثنين مِن: هاتف، راديو، تلفاز، حاسوب، ثلاجة، غسّالة، أسطوانة غاز، دش، مكيّف، دولاب، ركشة، دراجة، قارب، حيوان. ويَرِد أولاً في صفحة 7.

«حيوان» بند واحد، بمرتبة الدولاب. أسرة رعوية تملك مائتي رأس تُحسَب مالكة أصل واحد، وينقصها مذياع كي تكتمل.

والأدقّ أنّ اللجنة السودانية قد حاولت، وقائمة المؤشّر العالمي لا تعرف الماشية أصلاً؛ بندُها الوحيد ذو الحيوان هو الكارّو، وسيلة النقل. أضاف السودانيون «حيوان» فسدّوا الثغرة بمسمار: صار القطيعُ أصلاً واحداً بين أربعة عشر. ثمّ في صفحة 13، حيث يشرح التقريرُ المؤشِّرَ نظرياً، تعود القائمة العالمية كما هي، بالكارّو وشرط العربة، مسنودةً إلى مرجع من إنتاج مبادرة أكسفورد. الوثيقة الواحدة تحمل تعريفين: سودانياً في الجدول، ومستورداً في المتن الذي يشرحه.

والاختزال بعُذره: القطيع يتحرّك ويتوزّع ويكبر وينقص بالموسم والوباء، وصاحبُه يعرف أنّ جواب «كم عندك؟» مقدِّمة جباية؛ عَدُّه عملٌ فنيّ شاقّ، والمنطق والواقع يقولان إنه من المستحيل عليه، فالعجز عنه ليس تهمة، لكنّ العجز أنتج نتيجة، والنتيجة موضوع هذا المقال.

المسلّمة الثانية: من تَعَذّر عدُّ ثروته فلا ثروة له

يَخرج الرحّل من المسح أفقرَ فئةٍ في السودان: انتشار الفقر 99.9%، وشِدّته 65.6%، أعلى أرقام التقرير الثلاثة. ثم تأتي في الفصل الثالث جملة حرفية: «لا توجد فروق ذات دلالة بين مؤشّر الرحّل والنازحين واللاجئين».

هذه الجملة نرفضها؛ فتقارب الرقم لا يصنع تقارُباً في الحال. الراعي صاحب القطيع يملك وسيلة إنتاج يعيد بها إنتاج حياة أسرته؛ والأسرة التي خرجت من دارها بثيابها جُرّدت من كلّ وسيلة وتعيش على ما يوزَّع عليها. جمعُ الحالين في خانة واحدة حكمٌ على أداة القياس، لا وصفٌ للناس؛ هو تحويل مالكي ثروة إلى معدَمين في السجلّ. والجهاز وأكسفورد والأمم المتحدة صاحبة مال التقرير «عارْفِين».

دفتر الصادر

في الربع الأول من 2026 بلغت صادرات السودان 697.9 مليون دولار، بحسب موجز بنك السودان المركزي. جاءت الثروة الحيوانية ثانيةً بمائة وخمسين مليوناً، أي 21.5% من جملة الصادر؛ منها الضأن 126.9 مليون، 719 ألف رأس معظمها إلى السعودية.

لا يُنتج الرحّل وحدهم هذا الصادر؛ الثروة موزَّعة بينهم وبين زراعة مختلطة ومُلّاك يستأجرون رعاة، ولا تفصل الجمارك بينهم. لكنّ الرحّل عمود هذا الاقتصاد وحمَلَته الأشدّ، وهم في المسح 3.8% من السكّان، وأفقرُ أهلِه. أي أنّ خُمس النقد الأجنبي خرج، في ربع واحد، من القطاع الذي تقول الأداة إنّ أصحابه لا يملكون شيئاً. العجز عن عدّ القطيع مسألة فنية تُقبَل؛ أما ألا يَرى دفترُ الصّادرِ الصّادرَ عن بنك الدولة نفسه، فذلك استهبال!

والمشهد يتكرّر. سمسمُ الربع نفسه 82.9 مليون دولار، أوّل منتَج زراعي في القائمة، ونحو ثمانين في المائة من مساحته في القضارف وشمال كردفان والنيل الأزرق مع نصيب مُعتبر لدارفور، بحسب تشاتام هاوس. مؤشّرات هذه الولايات: النيل الأزرق، شمال كردفان، القضارف، كلّها في الحرمان المرتفع أو على حافته.

أما الذهب، 53.1% من الصادرات، فريعٌ استخلاصيّ يُنتِج التعدينُ الأهلي 83% منه بمعدّات بدائية ودَخْلٍ كفاف، لا يمرّ بالسكّان ومعظم العاملين في قطاع التعدين لكنه يمرّ بجغرافيتهم.

الاستمارة: ساعة عمل واحدة

كيف يقيس المسحُ هؤلاء ولا يرى ما ينتجونه؟ الجواب في الاستمارة: تسعة وخمسون سؤالاً، وقسم التشغيل فيها يَسأل واحداً: هل عمل أحدٌ من الأسرة بأجر أو عيناً أو لحسابه ساعةً واحدة في الأسبوع الماضي؟

لا سؤال عن محصول أو موسم، ولا عن ملكية الأرض، ولا عن سعر أو حلقة تسويق أو دَين، ولا عمّن يشتري وبكَم. تُسأل عن حيازة المسكن وعن الحساب المصرفي، ولا يدخل الجوابان في المؤشّر، وتُقاس أطوال أطفالها وأوزانها ومحيط أعضادها بدقة سنتيمترية.

بهذه العدّة يدخل العاملُ الزراعي بالفشقة، ومالك العشرين ألف فدان بالقضارف، الجدولَ في الخانة ذاتها: يَعْمل. والفرق بينهما تحديداً فائض القيمة.

وقد شرَح ماركس هذا الفَرْق قبل مائة وتسعة وخمسين عاماً، في قاعة مطالعة تبعد تسعين كيلومتراً من مقر مبادرة أكسفورد (كارل ماركس، رأس المال، المجلد الأول، 1867. كُتب معظمُه في قاعة المطالعة بالمتحف البريطاني في لندن، لا في مانشستر التي ارتبطت بفريدريك إنجلز). وقد يُقال إن فائض القيمة مثارَ اهتمامٍ شيوعيٍّ وليس مسألةَ إحصاء؛ حسناً لكن السؤال لا يحتاج إلى ماركس: من يأخذ الفَرْق بين ما ينتجه العامل وما يتقاضاه؟ أداة تُسمِّي نفسَها مؤشّرَ فقرٍ أنسَب لها أن تشيل اسم الفقر وتبقى تنمية بس.

الحرب تعيش على هذا الإنتاج

قد يُقال إنَّ الحرب الجارية تُجْهِز على نمط الإنتاج الرعوي وتُزيحه. الأرقام تقول غير ذلك. في 2023، أول سنوات الحرب، بلغت صادرات الثروة الحيوانية إلى السعودية زهاء 715 مليون دولار، بزيادة 77.4% على عام ما قبل الحرب، بحسب الإحصاء السعودي. وقال وزير المالية قبل عامين إنَّ السودان لن يفلس لأن الذهب والماشية يسندانه.

والتنسيق بين الجيشين غير قائم؛ القائمُ اضطرارُ كلٍّ منهما وتجارةُ آلافٍ غيرهما. الجلّابة يخيطون الطريق من نيالا إلى الشمالية وبالعكس بالرشاوى والمعارف، يدفعون لقائد ميداني هنا وحاجز جباية هناك، وبعض القادة صارت لهم تجارتهم. يحتاج الجيش إلى القروش الآن فيصدّر من موانئه ما وصل إليها، ويقصف في الوقت نفسه أسواق الماشية في مناطق الدعم السريع وفي مقدّمتها سوق المويلح، أكبر أسواق البلاد، حتى يجفّف مورد خصمه. تصديرٌ هنا وخنقٌ هناك، والمنطق واحد.

والفرق بين الجيشين في نمط رأس المال. رأسمال الجيش مؤسَّسي داخلي: منظومة الصناعات الدفاعية وشركتها «الاتجاهات المتعددة» للصادر الحيواني، معفاةٌ من ديوان المراجعة بالقانون، وعائدُها لحسابات قيادته، وتشارك الخارجَ حين تحتاج. ورأسمال الدعم السريع عائليّ ممتدّ خارج الحدود: شركات آل دقلو وماليّتها تمرّ بالإمارات، وذهبُ مناطقه يَخرج من غير السجلّ؛ دفتر بنك السودان يقيّد صفراً من صادر الذهب الرسمي إليها. وما يتشكّل بهذين سودانُ جزيرةِ الاستخراج: خام رخيص يُربَّى بلا رأسمال يُذكر، على مرعى مفتوح وعمل أسرة، يتحقّق فائضُه عند غير منتجيه، تسميناً وذبحاً في جدة وإعادة تصدير من مصر إلى أوروبا بوصفه لحوماً عضوية، بينما يَستورد البلد قمحَه بما يفوق عائد سمسمه.

وهنا خبثُ تصنيفِ الرحّل أفقرَ أهل البلاد. حين يجعل المسحُ حَمَلة خُمس الصادر أفقر أهل البلاد، ثم لا يَعرض عليهم غير خدمات متنقّلة تُلحقهم موصولةً بإدماجهم في قواعد البيانات، بلا سطر عن القطيع ولا سعره ولا سوقه، فهو يحفظ نمط إنتاجهم كما هو: قطيع يُدار قبَلياً وفردياً وفائض يتحقّق خارج الحدود. يُدْعَم الاستهلاك وتُترك علاقة الإنتاج، وواحد وعشرون في المائة من الصادر شأنٌ قوميّ لا قبَليّ. وبرجوازية ثورية كانت ستضيّق الخناق على الرعي لمصلحة زراعةٍ تتراكم، بيطرةً وعلفاً وتسميناً وسككَ تسويق تُخضِع القطيع لدورة إنتاج. الذي حدث أنّ شركات منظومة الصناعات الدفاعية أخذَت هامشَ التجارة من فوق؛ وقادة الدعم السريع جبايةَ الطريق من تحت؛ كلاهما يجبي التداول ولا يمسّ الإنتاج، والراعي الذي يفقد قطيعَه يخرج أجيراً موسمياً أو مجنّداً.

التربال مقياساً: من الجزيرة إلى القضارف

لمِنْ نقرأ هذا التقرير؟ في التراتب الماركسي، العامل الصناعي أولى من المُزارع، والمُزارع أولى من الراعي، بحسب موقع كلٍّ من فائض القيمة. لكنها ليست قاعدة نارية. في مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية: المنتجُ هو التربال، والتربال هو المقياس. فلنمرّر التقرير عليه: ماذا يَرى في التربال؟

للتربال جغرافيا. في مشروع الجزيرة كان لعلاقة الإنتاج شكلٌ معلوم: عقد ثلاثيّ، ودَورة زراعية مقرَّرة، وحصّة من عائد القطن معروفة سلفاً. كان الاستغلالُ قائماً، لكنه مرئيٌّ وقابلٌ للتفاوض، وحوله نقابة واتحاد وإضرابات.

اليوم، صادر القطن كله 22.1 مليون، أي 3.2% من الصادرات، ومؤشّر الجزيرة رابع أدنى المؤشّرات. يَقرأ المسح الجزيرة بخير نسبيّ لخدماتها، ولا يَرى قاعدة إنتاجية تفكّكت وتربالاً فقَد عقدَه.

وحلّت محلّها القضارف. نصف إنتاج السمسم شبه مُمَيْكَن على مزارع مؤجَّرة لتجّار وضبّاط، ونحو اثني عشر رجل أعمالٍ يملك كلٌّ منهم فوق عشرين ألف فدان بحسب تشاتام هاوس، وشركات المنظومة الدفاعية في القطاع. والعمل موسميّ مأجور، بعضُه عابر من إثيوبيا، بلا عقد ولا حصّة ولا نقابة. هذا الانتقال تحديداً ما لا يستطيع مؤشّرٌ وحدته الحيازةُ أن يسجّله.

المسلّمة الثالثة: تشخيص جماعي ووصفة فردية

في آخر التقرير، بعد مائة وثمانٍ وثلاثين صفحة بالإنقليزية، صفحاتُه العربية الوحيدة: قرارات المدير العام. يفتتح القرار رقم (15) الصادر في 21 أغسطس 2022 بعبارة «تماشياً مع أولويات المرحلة الانتقالية وأولويات العمل الإحصائي للعام 2020م»، بعد عشرة أشهر من انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر.

ويشكّل القرارُ اللجنةَ الفنية المسؤولة عن «كافة الأعمال الفنية المرتبطة بكل مراحل إجراء المسح»، وتضم عشرين عضواً من الوزارات والجهاز والمنظومة الأممية. وزارة العمل غائبة عن التشكيل، وأُلحقت بقرار تالٍ بعد شهر. وطبعاً لا توجد نقابة في القائمة، ولا اتحاد مزارعين، ولا تمثيل للولايات.

و «أولويات المرحلة الانتقالية» لها في لغة المالية معنى مُحدَّد. أقرّت الحكومة ورقة خفض الفقر في مايو 2021 وسلّمتها للبنك الدولي والصندوق استيفاءً لشرط مبادرة الديون، فبلغ السودان نقطة القرار في يونيو، ووقّع نادي باريس في يوليو. ومن شروط نقطة الإنجاز تنفيذُ الورقة عاماً كاملاً وتحسينُ الحماية الاجتماعية، والمسح أداة قياسها. وفي التوصيات جملةٌ تغلق الدائرة: تسريع تفعيل لجنة الإشراف على الورقة ووحدة تنفيذها بوزارة المالية.

وثمة رقم يستحقّ الوقوف عنده. أُطلق برنامج «ثمرات» في فبراير 2021 بخمسة دولارات للفرد شهرياً بتمويل من البنك الدولي، ووظيفتُه امتصاص أثر رفع دعم الوقود، وهدفه الوصول إلى ثمانين في المائة من السكّان، عبر سجلّ مربوط بالسجلّ المدني، وتوقَّف يوم الانقلاب. ثمانون في المائة هدفُ البرنامج، واثنان وثمانون فاصلة ثمانية نتيجةُ مسح الفقر. والتوصيات كلّها من عدّة الاستهداف: سجلات اجتماعية، ووسم للأسر، وخرائط أهلية واستحقاق، وربط صرف التمويل بانخفاض المؤشر. لا ترد كلمة «مجاني» ولا «شامل» مرة واحدة، مع أنّ المؤشر نفسه يقول إن 97.3% من السكّان محرومون من الخدمة الصحية. وحين تُبنى الأداة داخل هذا الترتيب يصير الإحصائي ترزي التنموي: يأخذ المقاس الذي يُعطى له، ويسلّم الثوب في موعده.

ولا لوم على الجهاز؛ جهاز فقير أُلزم شروطَ سياسةٍ لم يضعها، ويقيس لورقةٍ تشهد توصياتُ التقرير نفسُها أنّ لجنتها ووحدة تنفيذها بلا تفعيل.

المسلّمة الرابعة: الحرب حدٌّ فاصل

يفسّر التقرير سنواتِ التأخير بسطر واحد ضمن الدروس المستفادة: إطار عيّنة قديم من تعداد 2008، وضعف تقانة، و«اندلاع الحرب في مرحلة ما بعد العمل الميداني».

والحرب في هذا النصّ تؤدي وظيفةً أوسع من تفسير التأخير. يروي الفصل الأول اقتصاد البلاد بلا فاعل: نفط فانفصال فتضخّم يقفز من 35.58% إلى 359.09%، بلا رفع دعم ولا تعويم ولا تمكين ولا برنامج مراقَب من صندوق النقد. وشرَح تفوّق دارفور وكردفان في الحرمان بالصيغة نفسها: «التهميش المزمن، والنزاع، والنزوح».

وثلاث محليات بجنوب كردفان خرجت لأسباب أمنية قبل الحرب بأربعة أشهر؛ خريطة العمى الإحصائي في هذا البلد أقدَم من الحرب. وهكذا تصير الحرب ضَنَب الكَكُّو: الشيء الذي يُلوَّح به فيسكت السؤال. رقم هائل عمّا قبلها يخرج بعدها بثلاث سنوات، فيُقرأ وصفاً لعالم انتهى، ويتحوّل حجةً لتمويل إعمار بعيداً من حقيقته كلائحةِ اتهام.

باب المزاد

حين يصير الجميعُ فقراء بالتساوي، والرحّل مُصدّرو خُمس العائد في مرتبةِ من لا يملك شيئاً، والتربال وصاحب العشرين ألف فدان سطرين في عمود، تختفي العلاقةُ التي تنتج الفقر ويبقى الفقر وحده.

ولنختم من موقع التربال نفسه، الذي لا يهمّه من هذا كلّه إلا سؤال واحد: الموسم الجاي في شنو؟ ماذا يريد من الإعمار؟ تمويل مدخلات في موعده، وقناة مطهّرة يجري ماؤها في زمنه، وسعر يعرفه قبل أن يبذر، ومحلج يعمل وحلقة تسويق لا تأكله، وعيادة بلا دفع من الجيب ومدرسة لأولاده. فهل يجد شيئاً من هذا في التقرير؟ يجد نفسه بصفة واحدة: مستفيد يُسجَّل. سجلّ اجتماعي يَسِمُه بعلامة المؤشّر، وخريطة أهلية واستحقاق، وبطاقة تحويل مشروط تجيء وتنقطع بحركةِ مؤشِّرِه. أما صفة المنتِج الذي يُموَّل موسمُه، صاحبِ الحقّ في حصة، فلا وجود لها في التوصيات. هذا التقرير لا يخدم محمّد أحمد إنما هو يزيحه من مقعد الشريك إلى طابور الاستحقاق.

تقريرٌ كهذا لا ينتظر مساءلةً لمنطقه. أيْ نعم هو لا يغيّر شيئاً في حسابات تربال أو راعٍ، لكنه يعيد سؤال الإدارة، وباسمه تُكتب بطاقات دعوة المزاد للمستعمِر وللمستثمِر: السلام عليكم! شعبنا يصارع الويل! ونحن ناس عندنا موارد ضخمة تنقصها الكفاءة.

 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.