Wednesday, 18 March 2026

ليس من شيء يبرر قصف شعبنا

 كتبت السينمائية الإيرانية مريم تفكري (مواليد ١٩٨٧) خطابا حارا إلى معلمها المخرج الإيراني الكبير محسن مخملباف (مواليد ١٩٥٧) تلومه فيها لوما شديد البأس والحذر في آن على تنكبه طريق الرشاد بتوقيعه على خطاب يحفز فيه الملك دونالد على رجم إيران ما استطاع بالآلة الحربية بين يديه. وجاءت تفكري بعبارة سديدة في «العيب»، عيب شاهد الزور الذي شرحه باستفاضة المرحوم محمد إبراهيم نقد في كلمته العظيمة تلك، وهذا تعريب خطابها لمن يتزكى، فهو مما يصح في غير موضعه: 

عزيزي محسن مخملباف، 

مضت عشرة أعوام منذ التقينا آخر مرة. لا أعرف، هل تذكرني؟ لا أكتب إليك كطالبة سابقة، لكن كزميلة في الوطنية. قرأت خطابك السديد إلى ريزا بهلوي وعنت لي ترجمته ونشره في موقع ما. أعطاني خطابك الأمل في وقت كان فيه العديد من الفنانين والمشاهير الإيرانيين يكتمون دعمهم لبهلوي خلف حجاب من «الحزن» وهم يسطون على صوت المعاناة لتبرير الحرب والتدخل الأجنبي. 

لكن اختلط علي الأمر لاحقا وأنا أقرا الخطاب المشترك الذي مهرته بتوقيعك إلى رئيس الولايات المتحدة الأميركية. شق علي أن أفهم كيف لمن كتب الخطاب الأول أن يوقع على الخطاب الثاني. أعرض عليك هذه المسألة من باب الهم المشترك وليس من باب الحكم عليك. فالمسؤولية الأخلاقية عن كل ما نقول وكل ما نوقع عليه أثقل وأعظم في وقت يمكن استغلال كل كلمة وكل توقيع لتبرير التدخل العسكري الأجنبي. 

كتبت في خطابك إلى ريزا بهلوي: "لا تنسى أن مُلك والدك وجدك كان حصيلة انقلابات مدعومة من الخارج، وليس اختيار الشعب." أتساءل كيف يمكن أن تدين التدخل الأميركي في التاريخ الإيراني ثم تستنجد بذات القوة الأميركية لغرض التدخل الأجنبي؟ 

لا أعرف إن كنت حقا تؤمن بما وقعت عليه، بالذات ولست من كتبه. هل يصح أنك وقعت على هذا الخطاب تحت ضغط من هم حواليك؟ وقد جئت على ذكر هذا الضغط في خطابك نمط الضغط الذي نراه في كل مكان الآن، ضغط شديد قوامه الفحش والتهديد. إن كان من شيء تعلمته من تاريخ بلادنا فهو أنه لا يجوز أن نخشى تحدي الفاشية حتى وإن فازت بدعم الأغلبية. وذلك كذلك، لا يمكن القول إن معظم الناس في إيران يرحبون بالتدخل الأجنبي. وحتى إن كان الأمر كذلك، لن أتردد في الصدوع بمعارضة هذا التدخل بمثل ما صدع المعارضون في الماضي قبل الثورة الإيرانية وبعدها بكلمة «لا» للجمهورية الإسلامية رغم الدعم الغالب لها. 

اعتقل جهار الساڤاك والدي وحقق معه، كما اعتقلك وحقق معك. لكن والدي لم يتعرض للتعذيب في سجون الساڤاك كما حدث لك. لقد تعرض للتعذيب في سجون الجمهورية الإسلامية. تم إعدام عمي في سجن مدينة أهواز في ثمانينات القرن الماضي. وأنا تم اعتقالي أكثر من مرة وتمت إساءة معاملتي تحت نير ذات النظام. أقول هذه الأمور تصديقا لقولك إنك لا تنظر إلى بهلوي عبر عدسة الكراهية والجروح القديمة، فكرهي للجمهورية الإسلامية لم يعميني كذلك. 

لا أنكر جرائم النظام السابق كما لا أنكر جرائم النظام القائم. وأقف ضد كل صورة من صور الفاشية، غض النظر عن مصدرها والوعود التي تطلقها، حتى وإن كانت تعد بتدمير المعذبين الذي تولوا تعذيب أهلنا. وفي هذا الخصوص، لا حصانة لأي قوة من النقد والمسؤولية، ويشمل هذا المبدأ الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. 

أنت لا بد عليم بالجرائم والإبادات الجماعية التي ارتكبتها القوى الدولية خلال التاريخ. لكن، لا نحتاج أن نوغل في الماضي. ليس إلا قليل من الناس من لا دراية له بالإبادة الجماعية الدائرة في غزة خلال العامين والنصف الماضيين. لا أخاطب من يتغاضون بقصد عن هذه المأساة المصنوعة من باب اللامبالاة أو العنصرية المعادية للعرب أو المصلحة الذاتية وما إلى ذلك. سؤالي موجه إلى البقية: كيف يتسنى أن نسأل "العون" من مرتكبي هذه الفظائع ومن يمكّن لهم. أوضح التاريخ مرة والأخرى أن حياة البشر بالنسبة للولايات المتحدة ليست موضوعا للتعاطف وإنما تكأة في حسابات الجغرافية السياسية. 

كيف يمكن للمرء أن يدين الانقلاب المدعوم أميركيا في إيران ويطلب في ذات الوقت من ذات القوة أن تتدخل في وطنه مرة أخرى؟ كيف يمكن للمرء أن يوقع على خطاب يدعو إلى إلقاء القنابل على أهالينا وأصدقاءنا وشعبنا، بل ويطلب من ذات القوة العون وكان عونها في يونيو ٢٠٢٥ قتل إزهاق أكثر من ألف نفس. الأسئلة كثيرة هذه الأيام والأجوبة قليلة. لكن الثابت عندي، ليس من شيء يبرر قصف شعبنا. 

 

مع الاحترام، 

مريم

فبراير ٢٠٢٦

الحركة الإسلامية: إرهابيون عند اللزوم

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١١٥ بتاريخ ١٢ مارس ٢٠٢٦. 

تلقى رواد نادي الخريجين في أم درمان عام ١٩٤٥ دعوة «الإخوان المسلمين» التي جاء بها كل من جمال الدين السنهوري وصلاح عبد السيد المحامي ببشر وترحاب. وقامت أول لجنة إخوانية استجابة لهذه الدعوة برئاسة إبراهيم المفتي ينوب عنه بدوي مصطفى وسكرتيرها علي طالب الله وتجمع في عضويتها ضمن من جمعت محمد إسماعيل الأزهري، عم بطل الخريجين إسماعيل الأزهري. لم توفق هذه اللجنة في نشاطها وربما كانت برواية علي طالب الله محاولة من «الأشقاء» لاحتواء نشاط الإخوان كما حاولوا احتواء نشاط الشيوعيين تحت مظلتهم الكبيرة. 

أورد الدكتور حسن مكي في كتابه «حركة الإخوان المسلمين في السودان» (معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية، جامعة الخرطوم، ١٩٨٢) خلاف هذه الواقعة أكثر من صافرة بداية للجماعة في السودان أوقعها زيارة عبد الحكيم عابدين، السكرتير العام للجماعة المصرية، يرافقه جمال الدين السنهوري، في العام ١٩٤٦. ووجدا في زيارتهما هذه شعبة للإخوان قائمة في الخرطوم وأمدرمان، وطافا البلاد فأعلنت بجهدهما في الدعوة ٣٥ شعبة جديدة في جهات بورتسودان وعطبرة والدامر وشندي واستقرت لجنة عامة في أم درمان، لكن لم تفلح هذه اللجنة القائدة برواية علي طالب الله وصادق عبد الله عبد الماجد في الحفاظ على هذا الزخم الأول فظلت منه فقط ذكريات المناسبات الخطابية. 

اكتملت هذه المراحل الأولى باعتقال علي طالب الله بتهمة حيازة مسدس، السلاح الذي كان يُؤمل بمؤامرة لمّا تجتمع خيوطها أن يغتال به علي طالب الله السيد حاكم عام السودان الإنجليزي روبرت هاو جريا على سنة الإخوان المصريين وقتها في الاغتيالات، اغتيال القاضي أحمد الخازندار بعد أن أغلظ العقوبات بالسجن المؤبد والأشغال الشاقة على عناصر الإخوان ثم اغتيال رئيس الوزراء محمد فهمي النقراشي في ٢٨ ديسمبر ١٩٤٨ بعد قراره في ٨ ديسمبر من ذات العام حل الجماعة ومصادرة أموالها وممتلكاتها واعتقال أفرادها. تلقى علي طالب الله في سجنه بالسودان رسائل مواساة من المرشد العام للجماعة حسن البنا وكذلك رسالة تعيينه مراقبا عاما للجماعة في السودان وعضوا بهيئة الجماعة التأسيسية في القاهرة، وانتظمت أول أسرة للجماعة تحت هذه الراية في أبريل ١٩٤٩ في دار إبراهيم عمر أحمد، صاحب ورشة نجارة في الثورة أم درمان، ثم قامت في ١٩٥٣ بجهد علي طالب الله دار للجماعة في أم درمان على قرب من المدرسة الأهلية. لكن، انقطع هذا الرافد الواعد لحركة الإخوان المسلمين في السودان بذائقة علي طالب الله في القيادة الذي كان رجل تجمع ولم يكن رجل تنظيم بعبارة الدكتور حسن مكي. كما لم يستطع الرافد الثاني، المكون من الطلاب السودانيين في مصر من الذين وافقتهم دعوة الإخوان المسلمين، وبرز بينهم صادق عبد الله عبد الماجد وكمال مدني، أن يوطن جماعة الإخوان في السودان وظلت حظوظها دالة لمد وجزر جهود الجماعة المصرية. 

لم تستقر حركة «إسلامية» وسط طلاب الثانويات وطلاب الكلية الجامعية حتى نشأة «حركة التحرير الإسلامي» في مارس ١٩٤٩ بيد طالب الكلية بابكر كرار في مقابل أنجح تنظيمات الشيوعية السودانية طُرا، «الحركة السودانية للتحرر الوطني». وهذا الرافد الثالث، رافد «حركة التحرير الإسلامي» هو الذي نشأت منه الحركة الإسلامية الحديثة في السودان، فعبر هذا الرافد جاء حسن عبد الله الترابي وجعفر شيخ إدريس ومدثر عبد الرحيم وعبد الله محمد أحمد وحامد عمر الإمام ويس عمر الإمام و«حركة التحرير الإسلامي» هي مدخل فاطمة طالب وزكية مكي وبثينة الشيخ وثريا أمبابي وسعاد الفاتح. تأففت هذه الحركة الناشئة من الاندماج العضوي في جماعة الإخوان المسلمين المصرية بحجة الخصوصية السودانية، ورفضت بصوت يوسف حسن سعيد في اجتماع مع مبعوث الجماعة المصرية عبد البديع صقر في ١٩٥٢ في دار صادق عبد الله عبد الماجد يؤرخ له الدكتور حسن مكي باسم «اجتماع السبع ساعات» الحضن المصري بحجة أن مثل هذا الاندماج سينفر أبناء الأنصار ولا داعي له فحتى حزب الأشقاء شديد الصلة مع مصر لم يندمج في حزب الوفد وظل وفيا على علله كما «حركة التحرير الإسلامي» لوطنية مؤتمر الخريجين وتناقضاتها التي نبت فيها. 

انشقت «حركة التحرير الإسلامي» بهذه الوطنية شقا عريضا، في مفاصلة باكرة، بين تيار بابكر كرار وبشرى حامد جبر الدار والدرديري إبراهيم وميرغني النصري الذي قال عن نفسه حركة تحرير منحازة للعمال والطلاب والفلاحين وليس إخوان مسلمين سياسته خطة لشيوع ملكية الأرض على هدى «الأرض لمن يفلحها» وخطة لتأميم مرافق الإنتاج، وتيار قاده يوسف حسن سعيد المتهم عند كرار بموالاة الجماعة المصرية لاعتبارات «اتحادية» والذي اتهم بدوره كرارا بموالاة الأنصار في قسمة وظيفية بينه والأمير عبد الله عبد الرحمن نقد الله. عكس هذا الشقاق على كل حال الانقسام في الحياة السياسية السودانية وقتها بين الاتحاديين في حرز الختمية والاستقلاليين في حرز الأنصار. ونشأ أدب «علماني» خاص بالإسلاميين لتحرير هذا الخلاف، لا يدور حول تقوى القلوب وأبوابها وإنما حول الصراع الاجتماعي والسياسي، منه رسالة بابكر كرار «الأرض لمن يفلحها» ومذكرة يوسف حسن سعيد في تفنيد مواقف وآراء بابكر كرار. 

اتفق رواد هذه الأجنحة، جناح بابكر كرار وجناح علي طالب الله الذي قام كامتداد للجماعة المصرية وجناح وسيط حاول المزاوجة بين الموقعين على صقل مواقفهم بالحجة في مؤتمر عام ١٩٥٤، يؤرخ له الدكتور حسن مكي بعنوان «مؤتمر العيد». انعقد المؤتمر وأن قاطعه علي طالب الله بدعوى عدم الشرعية في نادي أم درمان الثقافي يوم ٢١ أغسطس ١٩٥٤، وانتهت مداولاته ضمن قرارات أخرى إلى اعتماد اسم «الإخوان المسلمون» بصيغة محلية تقول: «الإخوان المسلمون حركة إسلامية مقرها السودان» وإقصاء علي طالب الله. فما كان من أقطاب «حركة التحرير الإسلامي» وفي مقدمتهم بابكر كرار إلا أن نفضوا أيديهم عن هذا العهد وقد ضرتهم شبهة «التبعية» لإخوان مصر وإن تحلل منها إخوان السودان، واستقلوا بتنظيمهم الخاص تحت اسم «الجماعة الإسلامية» قال عنه حسن نجيله أنه تنظيم «شيوعيو اسلام»، وتجدد تنظيمهم بعد ثورة أكتوبر عام ١٩٦٤ باسم «الحزب الاشتراكي الإسلامي».  

أما على طالب الله المرتبط بالجماعة المصرية فقد أصدر بيانا هاجم فيه المؤتمر والمؤتمرين فقال «لا أخوان ولا مسلمين» بل «مؤتمر المتآمرين» وأصدر منشورا بفصل الجميع مع صورة لمركز جماعة الإخوان المسلمين الطريد في دمشق بعد أن التهب الصراع بينهم والضباط الأحرار في مصر. تآلفت هذه التيارات فيما بينها رغم الذي بينها من خلاف لنصرة الإخوان المسلمين في مصر في محنتهم الثانية بعد محنة حل الجماعة على يد النقراشي في ١٩٤٨ ثم اغتيال حسن البنا في ١٩٤٩، وذلك في عقابيل محاولة اغتيال المرحوم جمال عبد الناصر في أكتوبر ١٩٥٤ التي جرت عليهم بأس الضباط الأحرار، إذ أقدم النظام على حل الجماعة مجددا ومصادرة ممتلكاتها واعتقال عضويتها ثم إعدام ستة من صفها الأول في ديسمبر ١٩٥٤، ونشأت في السودان لهذه المهمة برئاسة على طالب الله «الجبهة الوطنية ضد الديكتاتورية العسكرية» التي شارك فيها حزب الأمة وكذلك الشيوعيون. 

انتهى هذا الفصل من تاريخ الإسلاميين الباكر إلى تعاهد توسط فيه من قيادة الجماعة المصرية أبو المكارم عبد الحي وسعيد رمضان على أن تتصل الحركة السودانية بالإخوان في مصر فكرا وأدبا وتستقل عنهم تنظيما، فتولت القيادة لجنة جديدة برئاسة الرشيد الطاهر بكر المحامي. توسعت مواعين الحركة التي قامت بمؤتمر العيد تحت عنوان «الإخوان المسلمون» بتعريف «حركة إسلامية مقرها السودان» تحت قيادة لجنة الرشيد الطاهر ودخلت الميدان السياسي مسألتها الأولى «الدستور الإسلامي» بعباءة تنظيمية فضفاضة هي «الجبهة الإسلامية للدستور» (١٩٥٥-١٩٥٨)، وذلك حتى انقلاب نوفمبر ١٩٥٨ ومغامرة الرشيد الطاهر باشتراكه في محاولة الانقلاب على نظام عبود في ٩ نوفمبر ١٩٥٩، انقلاب علي حامد ويعقوب كبيدة. 

قرظ الحزب الشيوعي محاولة الانقلاب وخلد ذكر الضباط الخمسة الذي قضت المحكمة العسكرية بإعدامهم، علي حامد ويعقوب كبيدة وعبد البديع علي كرار والصادق محمد الحسن وعبد الحميد عبد الماجد أبطالا «أثبتوا أن العزة الوطنية ما زالت كامنة في صدور شبابنا الذي يحمل السلاح» وذكر من قضت المحكمة بسجنهم من الضباط عبد الرحمن كبيدة ومحمد محجوب عثمان (شقيق المرحوم عبد الخالق محجوب) وعبد الله الطاهر بكر (شقيق الرشيد الطاهر بكر المحامي) ومحمد جبارة، وكذلك والمدني الوحيد وسطهم مراقب «الإخوان المسلمين» الرشيد الطاهر بكر (بيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني بتاريخ ٣ ديسمبر ١٩٥٩ «لقد حفرت حكومة الخيانة قبرها»، ضمن كتاب الحزب الشيوعي السوداني «ثورة شعب: ست سنوات من النضال ضد الحكم العسكري الرجعي»، الخرطوم، ١٩٦٥، ص ٢١٥-٢١٦). هذا وأم المرحوم محجوب عبيد من «الاتجاه الإسلامي» الطلاب في جامعة الخرطوم للصلاة على الضباط الشهداء صلاة الغائب وشنت صحيفة الاتجاه الإسلامي هجوما شديدا على نظام عبود ورث منه محررها عبد الله حسن أحمد فصلا نهائيا من الجامعة، وانتقلت القيادة في صفوف «الإخوان المسلمين» من الرشيد الطاهر بكر السجين إلى صادق عبد الله عبد الماجد الذي انضم بجماعته إلى «الجبهة الوطنية» المناوئة لنظام عبود إلى جانب اسماعيل الأزهري عن الوطني الاتحادي والسيد الصديق وعبد الله خليل عن حزب الأمة وعبد الخالق محجوب وأحمد سليمان عن الحزب الشيوعي. 

حررت ثورة أكتوبر ١٩٦٤ التي خاض غمارها الدكتور حسن الترابي من موقعه في أروقة جامعة الخرطوم تنظيم «الإخوان المسلمين» من كبت نظام نوفمبر وصعدت به إلى موقع القيادة الفردية أمينا عاما بدلا عن القيادة الجماعية التي كان تبناها مؤتمر شورى الإخوان في ١٩٦٢. تأكد هذا التحول بإقرار بعدي من شورى الإخوان في نوفمبر ١٩٦٤ صادق على ما فرضته وقائع الأحداث وأقر عنوان «جبهة الميثاق الإسلامي» كصيغة جديدة لنشاطهم السياسي قام عليها كذلك الدكتور حسن الترابي أمينا عاما في اجتماع انعقد بتاريخ ٦ ديسمبر ١٩٦٤ الذي صدر عنه في فبراير ١٩٦٥ بيانا يقول: «بما أن "الإخوان المسلمين" قد صهروا نشاطهم السياسي في جبهة الميثاق الإسلامي، فستكون البيانات والمواقف السياسية بعد اليوم صادرة عن الجبهة». حققت الجبهة فتحها الديمقراطي الأول في انتخابات أبريل ١٩٦٥ ففاز مرشحوها في خمسة دوائر إقليمية، الطاهر الطيب بدر في ريفي الخرطوم الجنوبية والرشيد الطاهر بكر في القضارف الوسطى ومحمد محمد صادق الكاروري في مروي الجنوبية وسليمان مصطفى أبكر في كتم الغربية وموسى حسين ضرار في طوكر الجنوبية هذا إلى جانب مرشحين إثنين في دوائر الخريجين، حسن عبد الله الترابي في رأس قائمة الفائزين ومحمد يوسف في ذيلها وبينهما كواكب الشيوعيين. أما في انتخابات اتحاد طلاب جامعة الخرطوم فنال الإخوان ٤٠٪ من الأصوات والشيوعيون والديمقراطيون ٤٥٪ من الأصوات والقوى التقليدية، الأمة والاتحاديين، ١٥٪ من الأصوات. جاءت مكاسب الإخوان الانتخابية ترجمة لمجهود منظم تحولت به فئة الطلاب الذين راموا أن يعيشوا الإسلام واقعة سياسية إلى حركة اجتماعية ذات نفوذ في الحركة النسوية واتحادات المهنيين والحركة العمالية ومنظمات الشباب وبطبيعة الحال في منبعها الأول حركة الطلاب والخريجين ثم في الخدمة المدنية ودولاب التجارة. 

لم تسلم جماعة «الإخوان» بطبيعة الحال من ديالكتيك نموها هذا، فتصاعد التناقض بين تيارين في باطنها، تيار التربية والتقوى الذاتية وتيار الحركة والعمل السياسي، وتصالح التياران ظاهرا بأن تولى مالك بدري ثم محمد صالح عمر عبء التربية والدكتور حسن الترابي مسؤولية العمل السياسي. ضمد مؤتمر الإخوان في ١٩٦٩ على هذا الشقاق في الممارسة والأيديولوجيا بأن جمع الأمانتين مرة أخرى، أمانة الإخوان وأمانة الجبهة، عند الدكتور حسن الترابي، ما كان في واقع الأمر انتصارا نهائيا لتيار السياسة على تيار التربية. انسحب على إثر هذه الهزيمة أقطاب التيار المهزوم، جعفر شيخ إدريس ومالك بدري وآخرون، إلى صور من التقوى الفردية غير فقه الدكتور الترابي في خوض «ابتلاء» الحداثة بأدواتها العلمانية، "المناهج العقلية الغربية" بعبارة الأدب الإسلامي، تكنولوجيا الحشد السياسي والتحالف والمكيدة والانقلاب والعنف، خطة استراتيجية وتكتيكات مرحلية. وهي الأدوات التي صرعت بها الحركة الإسلامية خصومها واحدا تلو الآخر حتى بلغت السلطان في ١٩٨٩ وانشق صفها بفتنته في المفاصلة بين «القصر» و«المنشية» في ١٩٩٩ وتنازع عناصرها على السلطة والثروة وقسمتيهما بالنار الحربية في تمرد «العدل والمساواة» في ٢٠٠٣. ثم ثار عليها الناس آخر الأمر جماعة في ٢٠١٨/٢٠١٩، وقد جرت عليها سنة التاريخ وتحولت من «فتية آمنوا بربهم» إلى طبقة اجتماعية بعبارة الدكتور غازي صلاح الدين قوامها زمر من رأس المال التجاري تجتمع عند حوض الدولار الجمركي، الدولار الجمركي الذي قال علي كرتي صرع «الإنقاذ» وجاب آخرها. 

لذلك، حق للقارئة التساؤل من استهدفت وزارة الخزانة الأميركية بإعلانها الأخير تصنيف جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان التي قالت «تتألف من الحركة الإسلامية وجناحها المسلح لواء البراء بن مالك» جماعة إرهابية؟ وعلى أي صيغة من صيغ هذه الحركة الاجتماعية وأي درجة من درجات الصلة والولاء وعلى أي مرحلة من مراحل تطورها ينطبق هذا النعت بالإرهاب؟ أم يجري بتحديد الكل كما في الدعاية الإماراتية المعاصرة ضد «الإخوان المسلمين» بغير زمان ومكان، كل الإخوان في كل عصر وأوان، أو كما جرى "قانون النشاط الهدام" الذي سلخه المستعمرين الانجليز من كتاب تجاربهم القمعية الواسعة لكبت خطر التحرر الوطني بوسيلة شيوعية. وهل كانت «الحركة الإسلامية» على الدوام إرهابية أم جد عليها؟ كل كانت كذلك وقتما تعاونت ما استطاعت مع واشنطن في «الحرب على الإرهاب»، واستقبل أقطاب وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في أبريل ٢٠٠٥ مدير جهاز الأمن صلاح عبد الله قوش لمكافأة السودان على حسن أداءه في القبض على متهمين بالإرهاب والإبلاغ بما عنده من معلومات عن «القاعدة» (نيويورك تايمز، ١٨ يونيو ٢٠٠٥).  هل كان ذلك وجه الحركة الإرهابي؟ إرهاب إلا خط وخطين؟ أم تطرأ هذه الإرهابية عند اللزوم؟ الثابت أن نساء ورجالا عرفوا عنف دولة الحركة الإسلامية وصاغ حيواتهم ومماتهم جابهوا ظلمها وتعسفها عبر سنين حكمها الطويلة بقوة وبحكمة كذلك دون أن ينهد لهم ركن بمساعدة صديق في «الخزانة الأميركية» وصديق آخر في أبي ظبي فظلوا في صف أهلهم، سجن سجن غرامة غرامة، وتعففوا من الصف ذاك، صف «شاهد الزور» بعبارة المرحوم محمد إبراهيم نقد. 

 

 


إيران المقاتلة: إذا هبت أمرا فقع فيه

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١١٤ بتاريخ ٥ مارس ٢٠٢٦.  

تواجه الجمهورية الإسلامية في إيران الساعة وقد بلغت عمر السابعة والأربعين وانقضت عليها الإمبريالية الأميركية في نسخة «٩ طويلة» للملك دونالد وذراع صهيوني ممتد وقواعد عسكرية تحيط بها في جوارها القريب من كل جانب اختبارا بقاء يفوق الحرب العراقية الإيرانية (١٩٨٠- ١٩٨٨)، حرب الأعوام الثمانية التي اشتد فيها عود جهاز الحكم الجديد (١٩٧٩) وعركت كوادره بصراع قاس مرير، قضي فيه حوالي ما لا يقل عن ٢٠٠ ألف مقاتل إيراني وفي تقديرات أخرى ثلاثة أضعاف هذا العدد. واقع الأمر أن الحرب العراقية الإيرانية مثلت التجربة التكوينية الملموسة لإيران الثورة، لا الأدب الشيعي الموروث وحده وفلسفة «ولاية الفقيه» الحديثة، فهي الحرب التي خاضتها الثورة معزولة دبلوماسيا ومتواضعة عسكريا، لكن نجت بمزيج من الحمية الآيديولوجية والتلاؤم غير المتماثل. واستثمرت إيران بوحي هذه التجربة في هياكل غير مركزية للقيادة وصناعة دفاعية قوامها المسيرات والصواريخ وشبكة إقليمية من الحلفاء طال تمرينهم لمثل هذا اليوم، يوم لقاء قوة أعظم منهم جميعا ظاهر الأمر، لحمتهم حكمة الإمام علي لينينية الطابع: «إذا هبتَ أمراً، فَقَعْ فيه؛ فإنّ شدّة توقّيه أعظمُ مما تخافُ منه». 

لطالما حامت شبهة «العبثية» حول حرب الثمانية أعوام هذه في الأدب الغربي فهي عند مؤرخين ذوي شأن صيغة متجددة للصراع الأزلي بين الفرس والعرب للسيطرة على الخليج والهلال الخصيب، وعاد بها بعضهم إلى صراع الحضارتين البابلية والفارسية الأولى، وقال آخرون الجذر في الدمار الذي لحق بدولة فارس الساسانية على يد العرب المسلمين في القرن السابع ثم تحول الفرس إلى الإسلام، وطغى بطبيعة الحال التصور القائل بأنها امتداد للصراع المحتدم على القوة والنفوذ بين الشيعة والسنة. هذا بينما رد المؤرخان العسكريان وليامسون موراي وكيفن وودز الحرب العراقية الإيرانية إلى التكوين الذاتي لكل من صدام حسين وروح الله الخميني وطموحاتهما التي تفوق ما بيدهما من قدرات (و. موراي و ك. وودز، الحرب الإيرانية-العراقية: تاريخ عسكري واستراتيجي، دار جامعة كمبردج، كمبردج، ٢٠١٤). 

لا غرو أن أيا من هذه العوامل واجتماعها قد يفسر الاستعداد التاريخي للصراع بين إيران والعراق، بصيغة أخرى قد تفسر هذه العوامل احتمال الحرب، لكنها لا تفسر نشوب حرب بعينها في الزمان والمكان، كما لا تفسر فترات السلم والتعاون الطويلة بين البلدين الحديثين خلال القرن العشرين. فقد تعاون كل من العراق وإيران في عشرينيات وثلاثينيات القرن على كبت التمردات على حدودهما لا سيما التمرد الكردي الطويل بمطلب حق تقرير المصير ودولة مستقلة. كما توصلا في ١٩٣٧ إلى تعاهد سلمي بخصوص النزاع بينهما حول شط العرب وتعاقدا فوق ذلك بحلف أمني حلف سعدباد يجمعهما وتركيا وأفغانستان، وقام بين الإثنين في ١٩٥٥ وبريطانيا وتركيا وباكستان «حلف بغداد» تحت لواء غربي، واستمر التعاون بينهما حتى أواخر الستينات. 

انتبه إلى هذه المسافة بين وقائع الصراع وبين تفسيره الدكتور افرايم كارش، المؤرخ الصهيوني وأستاذ دراسات الشرق الأوسط والمتوسط في كلية الملك (لندن) في كتابه القصير «الحرب الإيرانية العراقية ١٩٨٠ ١٩٨٨» (أوسبري للنشر، ٢٠٠٢). قد لا تأتمن قارئة حريصة مثل كارش على حقيقة حربية فقد قامت سمعته الأكاديمية على زعمه أن النكبة الفلسطينية عام ١٩٤٨ كانت بالدرجة الأولى من صنع الفلسطينيين أنفسهم، فقد هجروا مساكنهم وقراهم بدفع من زعمائهم المحليين ومن «جيش الإنقاذ العربي» الذي حثهم على اللجوء منعا لتحولهم إلى مواطنين في دولة إسرائيل الجديدة، وجاء في هذا الباب بوثائق منتخبة، مراسلات وتقارير صحفية وشهادات شخصية (افرايم كارش، خيانة فلسطين، دار جامعة ييل، لندن، ٢٠١١). قدم المؤرخ كارش، المحلل البحثي والضابط السابق في جيش الدفاع الإسرائيلي، هذا التصور لتبرير الموقف الصهيوني الرافض لحق «العودة» من موقع «علمي» و«أكاديمي» يمكن التسويق له بعبارة مهذبة. لكن يستحق كتابه عن حرب الثمانية الأعوام الاعتبار بالذات لاهتمامه بالدواعي المباشرة والوقائع التي قامت فيها الحرب العراقية الإيرانية وقال انطلقت طلقتها الأولى في ١٩٦٩ وأصابت الهدف في ١٩٨٠. 

انقطعت سيرة التعاون بين العراق وإيران في أول السبعينيات بعلل مركبة. أعلنت بريطانيا في ١٩٦٨ تفكيك قواعدها العسكرية شرق السويس وتعاظمت طموحات إيران البهلوية بزيادة مداخيلها من البترول، الأمر الذي ورث منه الشاه محمد رضا بهلوي عزما على تعضيد مكانة أيران كضامن للأمن في الخليج الفارسي. قدر الشاه أن إيران مهيأة أن تعلب دور حارس الخليج وضابط شؤونه فتوسع في الإعداد العسكري والتسليح وقرر ضمن هذا البعث الإيراني فض معاهدة ١٩٣٧ مع العراق بخصوص شط العرب من طرف واحد. وكانت المعاهدة رسمت الحدود بين البلدين عند مستوى الماء الأدنى على الشط الشرقي ما أعطى العراق السيطرة على كامل الطريق المائي عدا المنطقة القريبة من مدينتي آبادان وخورامشهر الإيرانيتين. رفضت إيران بهذا التحلل من معاهدة ١٩٣٧ دفع رسوم الملاحة للعراق فعبرت في ٢٤ أبريل ١٩٦٩ سفينة تجارية إيرانية مياه الشط ترافقها قطع من البحرية الإيرانية. واستثمر الشاه فوق ذلك من ماله الوفير ما استثمر في دعم الحركة الانفصالية الكردية في العراق. 

اشتبك الجيشان العراقي والإيراني بهذه الدوافع المباشرة في معارك محدودة في شتاء ١٩٧٣/١٩٧٤ عبر شط العرب بان فيها التفوق الإيراني على النظام العراقي بقيادة أحمد حسن البكر، وصدام حسين وقتها نائب للرئيس. ترنح النظام البعثي في العراق وكاد أن يقضي بتبعات هذه المعارك السياسية والاقتصادية في جبهتين، خارجية ضد إيران وداخلية ضد الحركة الكردية المسلحة، فقدر الانسحاب ليوم آخر. رضي العراق بقسمة ضيزى في معاهدة الجزائر لعام ١٩٧٥ تنازل بموجبها عن هيمنته على شط العرب وكذلك عن كل ادعاء سابق بخصوص إقليم خوزستان ذي الأغلبية العربية. رسمت المعاهدة الجديدة الحدود النهرية في المياه العميقة وسط النهر وعادت بذلك لإيران السيادة على نصفه. والعقدة أن لإيران بخلاف شط العرب ساحل طويل على الخليج يمتد إلى حوالي ٢٠٠٠ كيلومتر أما العراق فمحبوس عن أي مخرج بحري سوى شط العرب الممتد مسافة ٤٠ كيلومتر. بلغ البلدان بمعاهدة الجزائر توازنا للقوة بينهما يميل لصالح إيران الشاه الذي حقق طموحاته في شط العرب بينما تفرغ العراق لكبت تمرد الأكراد وإعادة بناء قدراته العسكرية. 

انهار هذا التوازن يوم قامت الثورة الإيرانية في ١٩٧٩ وتحقق للمرحوم الإمام الخميني (الطريد من إيران بقرار من الشاه منذ ١٩٦٤) قيادتها. خشي العراق من إيران الثورة ما يخشى كل نظام قائم من مثال جماهيري، وجمعت هذه الخشية نظام البعث العراقي وأنظمة الخليج العربي الأميرية ومن خلفهم الولايات المتحدة الأميركية في جبهة واحدة معادية لإيران، جبهة لا يشقها الخلاف بين «تقدمي» و«رجعي» أو «اشتراكي» و«رأسمالي». بخاصة أن النظام الجديد في إيران لم يحبس دعوته، جاهر برفض النظام القائم في الشرق الأوسط وأعلن «ثورة دائمة» للأمة الإسلامية عاصمتها طهران. التقط أنصار للنظام الجديد خارج حدود إيران هذه الدعوة واستعدوا لخدمتها فقامت في نوفمبر ١٩٧٩ ثم في فبراير ١٩٨٠ مظاهرات عارمة في المدن ذات الأغلبية الشيعية في الإحساء السعودية وقامت مثلها في ١٩٧٩-١٩٨٠ في البحرين والكويت، لكن كان أكبرها جمهورا وأشدها خطرا في العراق. 

حث النظام الإيراني الجديدة شيعة العراق (وهم ٦٠٪ من السكان) على الثورة على نظام البعث ومد يد العون لمنظمات شيعية سرية كما جدد الدعم للأكراد العراقيين الذي كان انقطع في ١٩٧٥. صار خطر التمرد الشيعي على نظام البعث كابوسا شخصيا للمسؤولين العراقيين بواقعتين في ١٩٨٠، محاولة اغتيال نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز عند بوابة جامعة المستنصرية في بغداد ومحاولة اغتيال وزير الإعلام لطيف نسيم جاسم الدليمي. قال صدام حسين يوم المستنصرية: «نحن نرقص على أكتاف الموت»، ومات فعلا أكثر من ٢٠ مسؤول عراقي بقنابل المنظمات السياسية الشيعية. أعلنت إيران في ٨ مارس سحب سفيرها في العراق وبدأت المناوشات الحدودية بين الطرفين في مايو ١٩٨٠. تطورت هذه إلى تبادل للقصف المدفعي ومعارك مدرعات في أغسطس ١٩٨٠ واستمر الكر والفر على الحدود ثم أعلن الإيرانيون في سبتمبر ١٩٨٠ الانسحاب من معاهدة الجزائر وتبع ذلك إعلان عراقي مماثل. 

قامت المقاتلات العراقية في ٢٢ سبتمبر ١٩٨٠ بمحاولة جريئة لتحطيم سلاح الجو الإيراني وهو رابض على الأرض، على مثال الهجمات الإسرائيلية على الطيران المصري في حرب الأيام الستة ١٩٦٧، لكن لم تنجح المحاولة كما خطط لها. عبرت القوات العراقية المدرعة الحدود في اليوم التالي عبر جبهة ممتدة على طول ٦٥٠ كيلومتر بهدف احتلال خوزستان، فصل شط العرب عن بقية إيران، وتأمين منطقة أمنية على طول الحدود الجنوبية. لم يكن الجيش الإيراني على استعداد لمثل هذه المواجهة واقتصر وجوده في خوزستان ساعة الحرب على فرقة واحدة مدرعة في مقابل ست فرق عسكرية عراقية عبرت الحدود. لكن واجه الجيش العراقي حربا شعبيا يقودها «الباسداران»، الحرس الثوري الإيراني الوليد، بأسلحة مشاة خفيفة وزجاجات الملتوف الحارقة ومعرفة دقيقة بالناس والتضاريس. كانت هذه المعرفة سببا في إفشال الخطة العراقية إثارة عرب خوزستان للتمرد على طهران الثورة فلم تقم حركة جماهيرية مساندة للغزو العراقي وسطهم وظل ماؤهم محيط بسمك «الباسداران». 

كسب النظام الإيراني المباشر من الغزو العراقي كان مشروعية عسكرية لتأمين نفسه، كبت الصراع الداخلي بين أجنحته وضرب خصومه بغير تورع، ومن ضمن هؤلاء حزب الشعب (تودة)، الحزب الشيوعي الإيراني. شارك تودة في الثورة الإيرانية كفصيل متقدم من فصائلها، جاء إليها من مواقع العداء للاستعمار والامبريالية وفي صحنه صراعه مع حكومة الجبهة الوطنية بقيادة مصدق ثم الدفاع عنها أمام انقلاب الشاه والمخابرات الأميركية والبريطانية في ١٩٥٣ وإقامات طويلة في سجون الشاه مذ ذلك. انخرط تودة في الثورة الإيرانية على هذا الأساس كحليف للقوى الإسلامية ما دام الخط الجماهيري والمعادي للإمبريالية في محله. وكانت هذه العلاقة في بعض منها رحم فسكرتير اللجنة المركزية نور الدين كيانوري الذي تولى قيادة الحزب منذ استعادة حرية العمل السياسي بالثورة في ١٩٧٩ حفيد الشيخ فضل الله نوري (١٨٤٣-١٩٠٩)، المنافح الشرس عن الشريعة الإسلامية في مقابل التحولات الدستورية العلمانية والرائد البطل الإسلامي عند أنصار الخميني، رحم أورث نور الدين عند خصومه والشامتين لقب «آية الله كيانوري». 

كان خط كيانوري منذ حوالي ١٩٧٦ دعوة إلى تحالف عريض للإطاحة بالشاه ما دامت الثورة في المراحل الأولى، وطنية ديمقراطية معادية للإمبريالية. أثبت تقدير كيانوري سلامته فقد سقط نظام الشاه بتحالف عريض جمع قوى متباينة من حيث مواقعها الاجتماعية والسياسية بما في ذلك حزبه الشيوعي وأنصار الإمام الخميني. وجد هذا التحالف التعبير عنه في حكومة رئيس الوزراء بازرقان ورئاسة بني صدر، أطاح حزب الخميني بالإثنين كما أطاح بقوى إسلامية عارضت «ولاية الفقيه» مثل حزب الشعب الجمهوري، حزب آية الله العظمى محمد كاظم شريعتمداري، وحال شريعتمداري هذا في ١٩٦٣ بين الخميني والإعدام عل يد الشاه بأن ميزه بالدرجة الفقهية آية الله العظمى، ومجاهدي خلق الذين أنهكوا نظام الشاه عسكريا وأمنيا حتي جاءت ساعته لكن عارضوا كذلك «ولاية الفقيه». 

تهيأت الظروف للانقلاب على تودة في ١٩٨٢ حين استأنف الاتحاد السوفييتي الإمدادات العسكرية للعراق وكانت توقفت باندلاع الحرب العراقية الإيرانية في ١٩٨٠. ثم خيانة نائب القنصل في السفارة السوفييتية في طهران والمسؤول الأول عن العلاقات مع تودة، فلاديمير كوزيجكين. والذي نقل للسلطات الأمنية في إيران ماستر شيت حزب تودة كما توفرت له، قبل أن يغادر إيران إلى الغرب السعيد. انكشفت بهذه الخيانة العناصر التي تمكن تودة من توطينها في جهاز الدولة، في الحكومة وفي القوات المسلحة وفي الحرس الثوري وفي وسائل الإعلام. 

لم يتأخر النظام بطبيعة الحال وقت نضجت ظروف الانقلاب وانطلقت حملة أمنية واسعة لتصفية حزب تودة، بدأت في ٦ فبراير ١٩٨٣ باعتقال الصف القيادي بما في ذلك السكرتير كيانوري، ثم توسعت لتشمل عضوية الحزب وأصدقاءه ومن حوله وجمهوره وكل من اتصل بهم ثم إعلان النائب العام للجمهورية الإسلامية في ٤ مايو ١٩٨٣ حل الحزب. كتبت «الصوت الوطني»، جريدة حزب تودة يومها، وقد كانت حتى اليوم الذي تنصر خط الخميني: "نعم، العدو جد خطير، دموي، جبان، ولا عهد له ولا ميثاق. ولو كان غير ذلك لما اعتقل قادة وأعضاء حزب تشهد عليه وثائقه ويشهد عليه التاريخ أنه طالما دافع عن وجود الجمهورية الإسلامية، ولما اتهم أفضل أبناء هذا البلد بالخيانة والتخابر" (فارهان جاهانبور، إيران: صعود حزب تودة وسقوطه، العالم اليوم، م ٤٠، ع ٤، ١٩٨٤، ١٥٢-١٥٩). 

قبل تودة من الخميني تهما كثيرة لكن لم يقبل منه تهمة الخيانة والتخابر. وصدع يوم ٢٨ فبراير ساعة بداية الهجوم الأميركي الصهيوني على إيران بكلمة وموقف لا تتأتى سوى لمن اجتمعت عنده مثل خبرة تودة، مثل خبرة شعب إيران: "إن العدوان العسكري للإمبريالية الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، التي تحاكمها المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، لا يبشر بتحرير إيران من نير الاستبداد والحكومة الديكتاتورية الحالية، بل هو أيضا محاولة لتدمير إيران كدولة إقليمية قوية واستبدال نظام ولاية الفقيه بحكومة تابعة واستبدادية أعلنت بالفعل عن برنامج قمع دموي لمعارضيها."

لذلك أساء الملك دونالد التقدير، وجره الغرور إلى ميدان عسير التضاريس، فالجمهورية الإسلامية بسبب الصراعات التي تمور بداخلها وبسبب التساؤل المستمر عن مشروعيتها من عدمها ليست ديكتاتورية فردية، عراق صدام أو ليبيا القذافي. ويصعب أن يقبل أشد الخصوم لنظام الملالي المقاتلات الأجنبية في سماء إيران، تسرح وتمرح، كما لا يقبل الإعلان الإمبراطوري بتدميرها. لا يمحو الغزو الخارجي بطبيعة الحال الصراع الداخلي لكن يرتب حيثياته واتجاهاته، فما كان يبدو تحت ظروف السلم فتقا لا يقبل الرتق يمكن أن يتحول تحت القصف إلى تضامن مؤقت، تضامن من أجل البقاء. 


Monday, 8 December 2025

أتَـر: عندي معهد وطني العزيز

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١٠١ بتاريخ ١٣ نوفمبر ٢٠٢٥.  

أمَر خليفة المهدي في العام 1887 بجَرْد مطبعة «الحجر»، وكانت ملحقةً بالترسانة الحكومية في الخرطوم حتى قيام المهدية، بعد أن شاع التصرُّف الهَبَتَلِّي في مهامّها. جاء أمين المطبعة مختار محمود من أم درمان العاصمة إلى الخرطوم لاستجواب كاتب المطبعة إبراهيم المطبعجي بشأن هذه الفوضى، وصدر تقرير بمحتوياتها التي شملت «1750 جلداً من جلد الحور الأصفر الحجازي و671 جلداً من جلود الحور الأحمر الحجازي و12 جلداً من جلود البلموط المصري وخمسة قطع جلود بيضاء و22 قطعة جوخ» إلى جانب «ورق أبيض ودفاتر وما أشبه، فلكسرته [فلِكثرته] وعدم إمكان جرده جرى تستيفه بالمخازن كما هو مرغوب، بحيث إذا لا سمح الباري وحصَل أدنى خلل بها يكون متّضح». من ثمّ صدَر الأمر بإعادة تشغيلها. وضَمّ فريقُها نفراً غزيراً، عشرة أسطوات ومساعديهم وأحد عشر من الدوارين والأوادم وأربعة من المجلِّدين وستة من مساعديهم، وطَبعت خلال الحكم الوطني راتب الإمام المهدي وشرحه والمنشورات ورسالة العبادي ورسالة ود الزهرا ومطبوعات أخرى حكومية ودينية توعوية. كانت مطبعة «الحجر» بهذه الممارسة وسيلة للإعلام الحكومي، والتوجيه المعنوي، وحثِّ خيالٍ للوطن، وهو في ظلّ المهدية، وطن انقطَعَ عن الزمان الدنيوي بخطوةٍ في شان الله.

قامت الصحافة، منذ عهدها الأول في السودان، بهذه الوظائف الثلاث: الإعلام الحكومي، والتوجيه المعنوي، واختبار خيالٍ للوطن. وتقاسَمَت الصحافة الدارجة، من لدنّ «الغازيتة» التي صدرت لأول مرة عن حكومة السودان في 7 مارس 1899 حتى «أتَـر» بين يدي القارئة، هذه الوظائف الثلاث بدرجات متفاوتة تقلّ وتكثُر من صفر حتى الفورة المليونية. كانت «الغازيتة»، وعلى نهجها الصحيفة الحكومية، منبر جهاز الدولة وميكروفونه، تُعْلِم من خلاله الدولةُ جمهورَ «الأهالي» بقوانينها وفرماناتها وإرادتها، بما في ذلك ما تراه الفطرة السليمة والدِّين الصحيح. ويَدخُل في هذا الغرض كذلك التوجيه المعنوي الذي تقاسَمَت نشيدَه جريدة الحكم وجريدة المعارضة، حزبية وفئوية، فمِن كلٍّ تستقبل القارئةُ التوجيهاتِ والتعليماتِ والإرشاداتِ من باب بثّ «الوعي» الذي يأتي ولا يأتي.

فرضيّة التوجيه المعنوي المبطنة والظاهرة، بحسب قوّة عين الداعية وغضبه، أنّ القارئة صحنٌ خالٍ من المعنى سوى ما يجب إزالته، كما السكن العشوائي، ليحلّ في فؤادها «الوعي» الناظم للحياة الجديدة، كقولهم مبادئ فوق دستورية، دياراً أيديولوجية مهذّبة البنيان وشوارع معبّدة مرصوفة تخلو من «الخرافة» و«الكَرُور» المعنوي، سواءٌ أكان ذلك «يا المكاشفي» التي يُطلب بها الفرج أم «خطاب الكراهية» المبثوث في مثل «سيفك في غضاريف الرجال أرْوِيه»، معيار المرأة الفأس التي لا تشقّ الرأس، أو مثل «العقل الرعوي» الذميم إلّا إذا قام مُسلَّحا ضد «الكيزان» إياهم، و«العلف» الذي لا شفاء من إدمانه والفشل. يقع سوء الظنّ بالقارئة إذَن في موقع القلب من هَمّ التوجيه المعنوي الطاغي في جنس «المقال»، وهو الجنس الكتابي الذي تتعلّمه كلُّ تلميذةٍ في المدارس على طريقة موضوع «الإنشاء»؛ انتقل بغير عافية التصويب اللغوي والتحرير سوى النّزْر اليسير إلى صفحات الجرائد، تقوم حول فنّه في الإفحام مبارياتٌ كتابيةٌ على سُنّة «في الردّ على…». والقارئةُ بهذا التصّور مِثْلها وجمهور الدوري، درجة ثالثة أو ممتاز، مَهمّتها التشجيع والتصفيق بقوّة، والاقتراح ربما متى تيسّر استبدال هذا اللاعب بذلك أو إدانة الحَكم، تتمسّك بفريقها في لَقَى أو عَدَم، لا أحيد.

يُداخِل شُغلُ التوجيه المعنوي وظيفةً ثالثةً للصحافة كما عرفناها، فعبرها تبشّر فئة كاتبة بخيالها عن الوطن، يضيق ويتّسع بحسب مواقعها الاجتماعية من لدنّ جريدة «السودان» وتعريفها «جريدة سياسية تجارية أدبية إخبارية زراعية» التي صدرت لأول مرة في أكتوبر 1903 بيد فارس نمر ويعقوب صروف وشاهين مكريوس، أصحاب دارَي نشر «المقطم» و«المقتطف» القاهريّتين. والسودان الذي بشّرت به «السودان» مستعمرة بريطانية توسّلت الجريدةُ رسمَ خريطته المعنوية في أذهان قرّائها السوريين والمصريين العاملين في الحكومة والتجارة. وأصدَرت الجريدة لهذا الغرض أيضاً صفحةً في الإنقليزية في ديسمبر 1904، بعِلّة مستمرّة متجدّدة هي بعض تبعات اندراج السودان في عالم أكبر مكين: «اقترَح علينا كثيرٌ من كبار الموظّفين الإنقليز أن ننشر خلاصةَ أخبارٍ بالإنقليزية حتى يطّلع عليها الذين يجهلون العربية من سكّان السودان والذين تهمّهم أخباره من سكان البلدان الأجنبية، فرأينا أن نُجيب الطلب، وخصّصنا الصفحة الرابعة من الجريدة لهذا الغرض. وقد أقدمنا على هذا العمل ونحن لا نجهل الصعوبات الكثيرة التي تعترض سبيلنا، فإذا صادفنا النجاح المطلوب من نشر أخبار السودان بين الذين يهمّهم الأمر جَرَيْنا على هذه الخطة إلى ما شاء الله». تبدّلت حدود هذه الخريطة المعنوية بطبيعة الحال وتنوّعت، فهي حلقة أدبية وإذاعة لتنقّلات الموظّفين كما «رائد السودان» التي صدرت لأول مرة في يناير 1913 ملحقاً عربياً لجريدة «سودان هيرالد» يحرّرها الأديب السوري عبد الرحيم مصطفى قليلات، الموظّف بسكك حديد السودان.

فزّ سهم «رائد السودان» بالتوجيه المعنوي أيضاً، إذ لم يَرْضَ المتعلّمون بالثقافة كما قامت من حولهم، وهَمّوا بتبديلها بأخرى في حملةٍ لَمّا تنقطع: «لقد ركب السودانيون متن الشطط في أفراحهم وجروا شوطاً بعيداً في أتراحهم، وإنْ كان القِسْم الأول أكثر أهمية فلنبدأ به ونقول إنّ حفلات الزواج في السودان أصبحت من الأمور المستهجَنة التي يأباها العقل ويمجّها الذوق السليم، ولسوء الحظّ صارت من المحافظة عليها بمكان لا يستهان به وقد انبرَى لها أناس من أرباب البطالة فوضعوا لها برنامجاً غريباً جاءوا فيه من ضروب الحيل لابتزاز مال المتزوّجين ما أوصلهم إلى كياسة الأسفنج في أخذ الماء مع مزيد من الرفق والسهولة». وهذا التركيب نمطٌ مستقرٌّ في «رَدَحِي» المتعلّمين بوجعةٍ تخصّهم، في هذه الحال مال الزواج، ويمكن للقارئة أن تضع مسائل أخرى في محل «حفلات الزواج» ويصحّ «الرَّدَحِي» كما هو، من زيّ البنات حتى الاستماع إلى يوميات «الانصرافي»، فكل ما يخالف إرادة المتعلّمين مخالف بطبيعة الحال للعقل والذوق السليم.

انشرحت الجريدة عندنا إذَن بخرائط معنوية للوطن، فوطن «حضارة السودان» التي صدرت في فبراير 1919، كأوّل جريدة سودانية التأسيس والتحرير، مرآةٌ لصراع الخرّيجين الذاتي حول «لماذا نطلب حلّ الشراكة وتوحيد الحكومة؟ لماذا نختار الإنجليز على المصريين؟». خرج هذا الصراع إلى الشارع وسال دماً في ثورة 1924 التي نشأت بها خرائط مضادّة شغَلتها على مراحل طلائع حركة التحرّر الوطني، ولكلٍّ هاتفٌ ومنبر، «النهضة السودانية» في 1931، ثمّ «الفجر» في 1934، و«النيل» في 1935، و«صوت السودان» في 1940، و«السودان الجديد» في 1943، و«الرأي العام» في 1944، و«كردفان» في 1945، و«الصراحة» في 1950، و«الأيام» في 1953، و«الميدان» في 1954، و«صوت المرأة» في 1955 و«التقدم» الإنجليزية بشيوعية في 1964، و«اليقظة» الإنجليزية، لسان حال «الجبهة الجنوبية»، في 1965. فماذا قدّمت «أتَـر» في أثر هذا الإرث الحي؟

تراءت للقارئة بين صفحات الجرايد على الدوام جريدةٌ أخرى، تحتجب وتسفر، في كلمة العدد هذه، وفي هذا التقرير وذلك، في هذا الحوار، وفي هذا المقال وذاك، وفي هذه المذكرات المسلسلة أو في الصفحة الأخيرة «أقبض!»، تراءت جريدةٌ تقوم بخلاف الوظائف الثلاث المذكورة ومعها، في أغراض متقاطعة ومتداخلة، بالاستماع مرّة لصوت القارئة من موقع حليف لا من منبر الداعية والخطيب، جريدة ترصد الوقائع وتختبر الفرضيات، لا هي ميكروفون منبر ولا هي طبلة مشجّع. داخلت هذه الوشيجة خبر «الأيام» الشهير باقتصاره على الواقعة وإمساكه عن «الرَّدَحِي»، كما داخلت تقارير «صوت المرأة» التي لا تدسّ اختيارها ولا تستتّر، مرّة لأي زول، وداخلت همّ «الصراحة» بالتربال الأغبش الذي قال المرحوم عبد الخالق محجوب لا تقوم «الثورة الوطنية الديمقراطية» إلا به، وداخلت زاوية «كردفان» المُنفرجة بتقاطعٍ مركزُه الأبيض وليس العاصمة، وداخلت عزة «الميدان» بالماركسية لا تستنكف رصد العلاقات الاجتماعية في مثل شعر «الهمباتة» تسعى «الثقافة الديمقراطية» من واقعنا ما من أكثر، وعندي معهد وطني العزيز! فهل فعلَتْها «أتَـر»؟


اعتمدتُ في هذه الكلمة على كتاب المرحوم محجوب محمد صالح «الصحافة السودانية في نصف قرن» (الجزء الأول، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، 1996)، الذي صدر أول الأمر في 1971 عن دار جامعة الخرطوم للنشر، وعلى مقال الدكتورة هيثر شاركي «قرن من الطباعة: الصحافة العربية والقومية في السودان، 1899-1999» (المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط، م 31، ص 531-549، 1999)،  وعلى مقال الدكتورة كاثي ولكوك «تسطير الوطن: الدعاية السياسية الموجّهة إلى الخارج لحركة التحرر الجنوب سودانية» (مجلة دراسات شرق أفريقيا، م 18، ع 4، ص 556-574، 2024).

الفاشر الحية، جمرة حية

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ٩٩ بتاريخ ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٥. 

أعلن قائد الدعم السريع يوم 29 أكتوبر الجاري أنّ قواته «طوَت صفحة الحرب في المدينة [الفاشر] وبدأت مرحلة السلم»، وصدَقَ بطريقةٍ ما؛ فالحياة ميدان الصراع، والحرب باب السلام الأبديّ الذي عبَره آلاف الشهداء في الفاشر وفي بارا وفي غيرهما، عُزلاً من السلاح أمام جبروت قوّاته. خاض جنود الدعم السريع في الفاشر حرباً كليةً منذ بداية حصارهم للمدينة الممتدّ لعام ونصف؛ حرباً ضدّ البشر والشجر والحجر، وانتهت مهمّتهم إذا جاز التعبير بقتل مرضى المستشفيات في أسرّتهم، ولم تترك حربُهم من الحياة صفَقَة شجرة. يعود عمران الفاشر المدينة الحالية إلى أواخر القرن الثامن عشر، حين اختار السلطان عبد الرحمن الرشيد، ولقبه «اليتيم»، وادي رهَد تندلتي في سهل الجبل الشرقي موقعاً لبناء عاصمته، وذلك لخصوبة أرضها، فقام قصرُه على الضفة الشمالية للوادي وازدهرت المدينة من حوله. سرعان ما صارت فاشر السلطان بذلك مركزاً تجارياً ومحطةً للقوافل التجارية العابرة من حوض النيل وكردفان وتشاد وليبيا.

كانت الفاشر هدفاً لأكثر من حرب، فقد دخلها الزبير باشا ود رحمة في 29 أكتوبر 1847 وكيلاً للتركية السابقة بعد هزيمة السلطان إبراهيم قرَض في مَنَواشي. وحاصرتها قوّات المهدية بقيادة خالد زقل، لمدة أسبوع أو نحوه، وقصفت الحاميةَ التركية الصغيرة نسبياً من موقع قصر السلطان إبراهيم حتى خضعت لها في 16 يناير 1884 (ج. د. لامبن، تاريخ دارفور، السودان في رسائل ومدونات، م 31، ع 2، جامعة الخرطوم، ديسمبر 1950، ص 177-207). ثمّ قصفتها طائرات سلاح الجو البريطاني في مايو 1916 ضمن الحملة الحربية لإخضاع دارفور بقيادة اللواء ب. ج. كيلي حتى هزيمة جيش السلطان علي دينار في برنجية واحتلال الفاشر المدينة في 23 مايو 1916 (ديڤيد كيلينغراي، يد الحكومة الحاسمة: سلاح الجو في مستعمرات بريطانيا الإفريقية، مجلة التاريخ الإفريقي، م 25، ع 4، دار جامعة كمبردج، أكتوبر 1984، ص 429-444).

لكن، لم تكن أيٌّ من هذه الحروب حرباً كلّيةً كحرب الدعم السريع، تنطفئ بها الحياةُ مرةً واحدة. إنْ كان العدوّ الذي تستهدفه الدعم السريع دولة الاستقلال في 1956، فقد وجد الاستعمار والاستقلال الفاشر قائمةً تبزّهما عمراناً وجذوراً، وإنْ كانت تستهدف «الإسلاميين» كقوة سياسية فليسوا هم الذين أعدمتهم بالرصاص في أسرّة المستشفيات وفي شُعَب المدينة حتى رصدت الأقمار الصناعية تراكم الجثث وانقلاب الأرض حمراء بالدم المسفوك، وإن كانت تستهدف القوة العسكرية للفرقة السادسة مشاة فقد انسحبت القوة من موقعها الذي ظلّت عنده لعام ونصف، وفازت الدعم السريع بالحيطان، لكنّ حربها «شاملة».

ظهر هذا المفهوم، «الحرب الشاملة» إلى العلن، عشية الحرب العالمية الثانية، وساد قبله مفهوم «الحرب الحاسمة» عند فيلسوفها كارل فون كلاوسفتس: إذا كان هدف الحرب هو فرض الإرادة على الخصم بقوة السلاح، فالنجاح فيها هو وضع الخصم في موضع يستحيل معه الدفاع عن النفس وتنعدم كلّ مقاومة، وأوّل خط دفاع هو الجيش النظامي، ومتى انهار أو انكسر انفتح الباب لهذه الإرادة. وكانت نظرة كلاوسفتس أنّ النصر على الخصم يتحقّق بمعركة فاصلة أو سلسلة معارك فاصلة تنكسر بها قدرته على القتال.

طوَّر الجنرال إريش فون لدندورف مفهوم «الحرب الشاملة» في سنين الذلّة الألمانية بين الحربين الأولى والثانية، ومسألتُه فيها؛ خلاف سيطرة المهنية العسكرية على الحرب والسلام، وكانت قد تضعضعت بالسياسة التي فرضها الحلفاء المنتصرون على ألمانيا المهزومة، تأكيدُ ما بين الحرب وصبغتها السياسية من وشيجة. وعكَس هذا المفهوم تحوُّلاً من تصوُّر الحرب بوصفها صراعاً عسكرياً بين جيوش إلى نزاع حول البقاء بين قوميات، فلم تعد مواجهةً عسكريةً لفرض مُلك أو إنقاذ عرش، وإنما صراعُ وجودٍ تندرج فيه أمّة قومية من الناس بحالها في مواجهةِ أخرى. انعكس ذلك أول ما انعكس في زيادة التجنيد العسكري، زيادة أعداد المقاتلين، وسيلةً لحشد الأمّة للقتال، هذا في مقابل «المدنيّين» في جبهة الأمة الداخلية.

جعل لدندورف أول عناصر هذه «الحرب الشاملة» كسر الجبهة الداخلية «المدنية» للعدوّ، ما يعجّل بانهيار بناء الدولة حتى قبل أن تنهار قوّتها العسكرية في جبهة القتال. واقترح لتحقيق هذا القصد، ضمن ما اقترح، تجنيد قوى غير نظامية تستطيع عبور خط النار العسكري لاختراق جبهة العدو الداخلية بالتخريب. خرج لدندورف بهذا الدرس من محاولة القيادة العسكرية الألمانية تجنيد «دفاع شعبي» خلال الحرب الأولى؛ المحاولة التي فشلت أيّما فشل، وكانت دليل لدندورف أنّ الجبهة الداخلية الألمانية انهارت قبل أن تنهار صفوفها العسكرية.

كان رأي لدندورف أنّ أمّةً تعصف بها الخلافات الداخلية لن تستطيع الصمود في مواجهة عسكرية، مثالُه في ذلك الجمهورية الألمانية بين الحربين العالميتين. وهي المرحلة التي روَّج فيها المثقّفون اليمينيّون، أرباب الفاشية الصاعدة، لضرورة «الحل الشامل» لمصاعب بلادهم التي أعجزت الديمقراطية الانتخابية، يفكّك القديم، يدمّره تدميراً، ويبعث من الرماد أمّةً جديدةً، تاريخُها في ماضٍ أسطوريّ غابر من الصفاء العِرقيّ. انتقلت عدوى الشمول هذه إلى ميادين حياتية مختلفة، فقد بشَّر والتر غروبيوس بتصميمٍ جديدٍ لمسرح «شامل» يضمّ الجمهور ضمن طاقم المسرحية، ونادَى الروائي إرنست يونغر بحشد الأمة، كلّ الأمة، للحرب، ثمّ زكّى القانوني إرنست فورتهوف مفهوم «الدولة الشاملة» في ورقة أكاديمية من العام 1933 كانت من الأسس الدستورية للنازية الألمانية.

قال لدندورف، من هذا الباب، إنّ النصر في الحرب معقودٌ بتجنيد كامل الأمة وخوض «حرب شاملة لا تستهدف القوات العسكرية للعدوّ فقط، وإنما تستهدف كلّ الشعب العدوّ». وهي عنده حرب عدائية لتحقيق أهداف دفاعية، الحفاظ على الأمة في مواجهة أعدائها من الأمم الأخرى، وعقيدته فيها أنّ أفضل وسيلة لضمان سلامة الأمة هي إبادة الأمّة العدو. فالحرب الشاملة، بهذا التقدير، هي حربٌ تحشد فيها الدولة الشاملة كلّ قواها لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية كلية. قد تستفظع قارئةُ اليوم مفهومَ لدندورف، لكنه مفهوم ظاهر واضح كاشف، قضيّتُه أنّ إخضاع أمّة العدوّ لا يمكن تحقيقه سوى باعتبار كلّ فرد فيها عدوّاً وهو بذلك هدف مشروع. جرى نشر كتاب لدندورف «الحرب الشاملة» في ديسمبر 1933 (دار نشر لدندورف، ميونيخ)، وحقّق في ألمانيا النازية شعبيةً تَصدَّر بها مبيعات الكتب غير الأدبية، وصار بها مفهومه «الحرب الشاملة» عنصراً من عناصر الخيال الشعبي. اشتُهِر على سبيل المثال نداء وزير دعاية هتلر، جوزيف غوبلز، للجماهير في ميدان قصر الرياضة في برلين في 18 فبراير 1943: «عايزين حرب شاملة؟»، وجواب الجمهور: «أيوه!».

جاز اعتبار «الحرب الشاملة» نمطاً مثالياً تقترب منه الحروب وتبتعد. جاء دارسون جدد للحرب، منهم ستيفن غراهام، صاحب «مدن تحت الحصار: الحضرية العسكرية الجديدة» (دار فرسو للنشر، لندن، 2010) بعناصر تتمايز بها الحرب الشاملة لصاحبها لندندورف عن الحرب الحضرية الجديدة، الحرب على المدن، ومثالها المُعاش، الذي تناقلته الشاشات حدثاً سينمائياً أو يكاد؛ الحرب الصهيونية على عاصمة الحرّية في عالمنا غزّة، أو في صيغة «قدِّر ظروفك»، بتكلفة أقلّ، وتقنية أدنى، حرب الدعم السريع على الفاشر. جنديّ الحرب الجديدة عند غراهام، مقاتل ريفيّ، وطنيّتُه قريته وربعه، يرى كلَّ مجال حضري ميدانَ حذر وخطر، فساد وتخثّر، والدار دار. ولا تُميِّز هذه الحرب في تطبيقاتها التقنية بين مدني وعسكري، فتستغلّ كلّ تقنية متوفرة، مدنية وعسكرية، للرصد والاتصال والتمويه والاستهداف، فلا يمكن في الحقيقة تمييز هذين الغرضين في وسائلها أو أهدافها. تقع عدسة الكاميرا في القلب من هذه التقنيات متعدّدة الأغراض، فهي وسيلة الرصد والاستهداف، وكذلك وسيلة التمويه والدعاية. من ذلك تكتيك الدعم السريع الثابت: إنزال أقصى درجات العنف بخصوم عُزل، والتمثيل بهم، والكاميرات تدور، ثمّ بثّ هذه العذابات على الملأ بقصد بثّ الرعب وإرهاب النفوس، ثمّ يتلو ذلك الإنكار المتكرّر، بدعوى أنّ ما بثّته الكاميرات كان صناعةً وتركيباً، وأنّ بعضه مدسوس مصنوع، مع الوعد بالتحقيق ومعاقبة الجناة وحسن السير والسلوك في مستقبل منظور.

يتعدّى هدف مثل هذه الحرب إخضاع الخصم أو كسر إرادته إلى مسح وإعادة تركيب المجال الحضري، كمثل الريفيرا التي يهذي بها ترمب ورهطه على ساحل غزة، أو المدينة الجديدة التي يتصوّرها الدعم السريع تخرج من رماد الإبادة في الجنينة والفاشر، مدينة بلا عوائق من التاريخ، تقوم على صفحة خالية لتحقيق أقصى الأرباح من مضاربات عقارية أو استثمارات تأتي ولا تأتي!

طالت يدُ الدعم السريع هذه المرة حتى بلغت حنجرةَ الفاشر فأطبقت عليها، وذلك بمَدد مستمرّ عسكريّ ولوجستيّ ومعلوماتيّ وتقنيّ وبشريّ مشدودٍ من الإمارات إلى بوصاصو الصومالية وكينيا وتشاد حتى كولومبيا ومصانع في صربيا وتقنيات أوكرانية وصينية، كأنّ الكون اجتمع على مدينة السلطان «اليتيم» هذه، لكنها لم تنهزم، حيّة كجمرة حيّة يحملها النازحون إلى طويلة وكرنوي في أجسادهم وعظامهم، كالفاشر النسخة الأولى؛ العاصمة التي كانت ترافق سلطان دارفور كرُوحه حتى قامت في الجغرافيا.

حول استقالة العضو السابق ياسر عرمان

هجر ياسر عرمان الشاب (مواليد ١٩٦٢) في العام ١٩٨٦ الحزب الشيوعي السوداني يروم مجدا في ظل حركة قرنق، الحركة الشعبية لتحرير السودان، وقد تحقق له بعض ما طلب حتى بلغ نجومية الترشح لموقع الرئاسة على تذكرة الحركة الشعبية في ٢٠١٠ ثم نط نطته الشهيرة. وكركس منذها بالانقسام المتتالي من صف الحلو ثم من صف عقار، فعقيدته في جون قرنق الفرد، حتى انصرف إلى حزب يخصه «الحركة الشعبية لتحرير السودان -  التيار الثوري الديمقراطي»، هو رجع صدى لما عنّ له في ١٩٨٦. نشرت «الشيوعي» في العام ١٩٨٨ لعضوية الحزب الشيوعي دحضا منظما لمقولات ياسر عرمان التي بذلها في استقالته والكاتب من حجته وحرفه ونحوه وصرفه المرحوم «عبد الرحمن»، حياه الغمام. وليس من ود مقنعة سواه والمرحوم التجاني الطيب والدكتور عبد الله علي إبراهيم من صفنا يكتب «حركة قرنق». تتجدد المصاعب مع «أفكار» العضو السابق على أكثر من وجه. وقد أحسن المرحوم دحض دعواها الكذوب والعام ١٩٨٨، قبل أن تقوم هذه الأفكار بعاتي في صور مستجدة حتى منطق دولة ١٩٥٦ الذي يلهج به جماعة الدعم السريع ومن والاهم على أمل أن تقوم الدانات التي تفتك بالبشر والحجر بمهمة «التحول الديمقراطي» على سنة «التيار الديمقراطي» الذي دعى ياسر عرمان الحزب الشيوعي للذوبان فيه آندروس. 


من أرشيف «الشيوعي»، مجلة الحزب الشيوعي السوداني الداخلية

«الشيوعي»، ع ١٥٥، سبتمبر ١٩٨٨، ص ١٤ - ٢٦

حول استقالة العضو السابق: ياسر عرمان 

في نوفمبر ١٩٨٦ تقدم العضو السابق ياسر عرمان باستقالة مكتوبة من الحزب الشيوعي. 

وأوضح ياسر في استقالته انه اختلف مع خط الحزب السياسي وتكتيكاته منذ الانتفاضة، كما اختلف مع معالجة الحزب لقضايا الكادر والبناء. وأضاف أن الاختلاف حول هاتين المسألتين ما كان ليؤدي به إلى الاستقالة، لكن الذي رجح بها هو موقف الحزب من التيار الديمقراطي داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان وعدم تقديم المساعدة له. 

وقد ناقشت سكرتارية اللجنة المركزية استقالة ياسر عرمان والأفكار التي حوتها رسالته وقررت الرد عليه بمقالة في مجلة «الشيوعي». 

رغم أن وقتا طويلا قد انقضى، إلا أن نشر هذا الرد ضروري لأن الأفكار التي عبر عنها ياسر عرمان وظلالها موجودة بصورة أو أخرى، بشكل كامل أو جزئي، لدى العديد من الأعضاء وخاصة حديثي العضوية. 

وياسر يغلف استقالته بحديث كثير عن حبه للحزب الشيوعي وتقديره لمؤسسيه ولتضحيات قيادته الحالية. ولكن حبه وتقديره يظلان ناقصين وفارغين من أي قيمة حقيقية لأنه لم يسعى كما ينبغي لفهم نهج الحزب وتجربته العملية في القضايا التي كانت محور اختلافه الذي وصل حد التخلي عن الشيوعية. 

لقد كان السبب الرئيسي لاستقالة ياسر على حد قوله -  إن الحزب لم يقدم المساعدة المطلوبة للتيار الديمقراطي في الحركة الشعبية لتحرير السودان. وقد كان هذا التصرف تعبيرا حقيقيا عن الطبيعة البرجوازية الصغيرة لفكره فهو يستقيل من حزب الطبقة العاملة لينضم إلى تيار ديمقراطي في حركة تتميز باعترافه بعدم التجانس. 

وبعبارة أخرى فإنه يهرب من مشاكل الصراع داخل الحزب الشيوعي متقمصا دور البطل الفرد ليمنح التيار الديمقراطي المذكور البرجوازي الصغير بالضرورة القدرة على النجاح في السيطرة على الحركة الشعبية. 

وبهذا المنحى الفردي البرجوازي الصغير عالج ياسر عرمان قضايا خلافه الثلاث مع الحزب الشيوعي، سياسة الكادر وتكتيكات الحزب بعد الانتفاضة والموقف من التيار الديمقراطي في الحركة الشعبية لتحرير السودان. 

(١) ونبدأ من قضية الكادر، حيث يوجه ياسر اتهامين أولهما أن كثيرا من القياديين يعالجون قضايا الكادر وبما في ذلك من الاختيار للمكاتب والتفرغ بالاستلطاف والمزاج الشخصي والسعي لتكوين بطانات. 

وثانيهما أن كثيرين من القياديين لم يعد بإمكانهم أو يؤدي عمل اليوم بقدرات الأمس. 

وقضايا الكادر ليست جديدة في حزبنا. وقد برزت بشكل حاد منذ أيام ديكتاتورية عبود. وللحزب تجارب غنية في هذا الصدد عممها وصاغها في وثيقة المؤتمر الرابع «الماركسية وقضايا الثورة السودانية» وفي دورات مختلفة للجنة المركزية وفي مقالات «الشيوعي». 

وللحزب منهج مقرر في معالجة قضايا الكادر، بما في ذلك تدريبه وتهيئته ووضعه في المكان المناسب وتصعيده للمواقع القيادية واختياره للتفرغ. وهو منهج معلوم ومنشور. 

وقد تقع أخطاء هنا وهناك وعلى مختلف محطات عملية بناء الكادر ولكن باب نقد الأخطاء غير مغلق في حزبنا. ومن واجب كل عضو اكتشف خطأ ما أن ينبه القيادات المعنية إليه بغير إبطاء. كما أن تقييم أداء الكادر نفسه يمكن أن يكون محل اختلاف، غير أن هذا الاختلاف يجب أن يكون معلوما حتى يتسنى الفصل فيه لصالح تطور وتقدم العمل الحزبي والتطبيق الصحيح لمبدأ وضع الكادر في مكانه المناسب. 

وسيظل ما كتبه ياسر في استقالته حول هذا الموضوع مجرد تعبير عن التذمر غير المجدي ما لم يشر إلى وقائع وحالات محددة. 

(٢) نأتي بعد هذا إلى الموقف من الحركة الشعبية لتحرير السودان. ويتهم العضو السابق ياسر الحزب بأنه حدث ارتباك في خطه إزاء الحركة. وفي تقديره "أن حزبنا مسؤول مسؤولية تامة عن خلق أوسع وحدة مع كل القوى التي تناضل من أجل المطالب الديمقراطية وأعني تحديدا الحركة الشعبية." ويضيف "من واجب الحزب مساعدة التيار الديمقراطي البادي التأثير على برنامج الحركة وموقفها ومطالبها التي تطرحها وعلاقتها بالبلدان الاشتراكية" و"يجب مساعدتها بوضوح من خلال خطنا السياسي والوقوف مع مطالبها وهي مطالب الانتفاضة" ثم يطالب بكشف مأزق قوى اليمين في التعامل مع الحركة دون الانسياق وراء زعيقه، ويذكر بأننا عندما دعونا إلى عدم المبادرة بالحوار مع الحركة "مشينا مع خط اليمين" كان أول من ذهب للحوار معها الجبهة الإسلامية ثم يقول إن هدف اليمين هو استخدامنا لتحطيم الحركة الشعبية ثم يأتي الدور علينا. ولذلك يطالب بأن نساعد الحركة عبر كافة الأشكال المرنة والمتاحة. 

ويقول ياسر أن الحركة الشعبية استطاعت أن تغير موازين القوى لصالح قوى التقدم. وإن تلك هي الحقيقة الأولى في الخريطة السياسية السودانية:

.  طرحت بحدة وجدية قضية تكوين الأمة السودانية والحكم وتوزيع الثروة والثقافة الديمقراطية ودور الدين في الحياة السياسية والتحرر الوطني "وهذه العقبات التي تغض مضجع اليمين ومصدر جرحه وآلامه."

.  انهاضها قوى اجتماعية في المناطق الأكثر تخلفا ومناطق القوميات المضطهدة. لها مقدرة عظيمة ومؤثرة في حسم الصراع السياسي والطبقي لمصلحة قوى التقدم. 

.  وأخرجت عشرات الآلاف من الشباب من الصراعات القبلية والإقليمية الضيقة إلى رحاب شعارات إنسانية وديمقراطية وتحملت المسؤولية في البحث عن طريق للتطور الاجتماعي ووحدة الوطن. 

ويضيف ياسر انه بالضغوط والعداء من قوى اليمين والامبريالية العالمية والمساعدات من القوى التقدمية "ستتطور مواقف الحركة ويتعزز النهج الديمقراطي الثوري بداخلها وتتطور رؤيتها الفلسفية والسياسية والطبقية إلى برنامج ومواقع القوى الوطنية الديمقراطية. ويخرج من ذلك إلى أنه "كان من المفترض أن نساهم ونساعد في تطوير تجربتها السياسية والتنظيمية والعسكرية من مواقع المشاركة والمعاناة وبالأشكال الممكنة وبقدر ما تسمح به الظروف السياسية والإمكانات المتاحة."

ويختتم ياسر تقييمه بقوله: "هذه التجربة حتى لو حكم بفشلها سوف تبدأ منها الأجيال القادمة من المناطق المتخلفة بحسبانها التجربة الأكثر تطورا وإلهاما وقدرة في تغيير موازين القوى وزحزحة مواقع اليمين."

وقد أوردنا هذه المقتطفات المطولة من رسالة ياسر حتى يلم القارئ بالمقدمات التي ينطلق منها والنتائج التي يتوصل إليها وذلك حتى يشارك بصورة مستقلة في الحكم عليها. 

إن مواقف حزبنا من الحركة الشعبية ونشاطها وتكتيكاتها منشورة ومعلومة ومن الواضح أن ياسر لم يبذل أي جهد مناسب للوصول إلى الحقيقة. 

ولقد أتيح للحزب قبل نحو عام من الانتفاضة أن يوضح رأيه حول طبيعة الحركة وبرنامجها وتكتيكاتها في «الميدان» السرية منتصف عام ١٩٨٤. ويمكن تلخيص هذا الرأي في نقطتين رئيسيتين: أولاهما أن الحركة الشعبية هي أول حركة سياسية جنوبية لا تطرح الانفصال محورا لبرنامجها ونشاطها وهذا إيجابي. وثانيهما أن الحركة تطرح النضال المسلح شكلا وحيدا للمعارضة الشعبية، وهو أمر يرفضه الحزب الشيوعي الذي لا يقيد نفسه بشكل وحيد وأنه يهتم باستنهاض الجماهير إلى النضال لإسقاط نميري بتكتيك الإضراب السياسي والانتفاضة الشعبية. 

ولقد أكدت الانتفاضة فيما بعد صحة تكتيكات الشيوعيين ولكن الحركة الشعبية أخطأت التقدير وأصرت على المضي في العمل المسلح وتجاهلت النداءات التي وجهها إليها الحزب الشيوعي بالانخراط في الحركة السياسية وتشكيل تنظيم سياسي في الخرطوم وطرح آرائها وحلولها ضمن القوى الأخرى والعمل على توسيع مساحة الديمقراطية وترسيخها. ولا حاجة للقول أن المسار الذي سارت عليه الحركة الشعبية كانت له آثار سلبية بالغة الضرر على مسار الانتفاضة وأدى ضمن ما أدى إلى فك الحصار عن الجبهة الإسلامية وغيرها من فلول النظام المايوي داخل القوات المسلحة وخارجها كما أدى إلى إضعاف قوى الانتفاضة. 

وكان استمرار القتال في الجنوب وتفاقمه عبئا على الحركة الشعبية الديمقراطية سياسيا وعبئا على جموع الشعب السوداني من حيث إهدار الدماء والموارد وعبئا بصفة خاصة على جماهير الجنوبيين. وازداد التوتر السياسي والاجتماعي في البلاد بسبب عدم استجابة الحركة الشعبية للجهود الرامية إلى إيقاف القتال وتمهيد الطريق لحل سلمي ديمقراطي للنزاع. وبسبب جملة من الخطوات العسكرية مثل إسقاط طائرة الركاب في ملكال وضرب قطار أريات والجمات المتكررة على السكان المدنيين في مناطق التماس واحتلال الكرمك وقيسان وكبويتا. 

وعبر كل هذه الفترة الممتدة من الانتفاضة لم تكتف الحركة الشعبية بإجهاض مختلف المحاولات لإعلاء رايات الحل السلمي، ولكنها لم تتقدم بأية مبادرة من جانبها تساعد بها على عزل قوى اليمين والحل العسكري وعلى استقطاب القوى الديمقراطية والراغبة في الحل السلمي، بينما كان متاحا أمامها أن تتقدم بمثل هذه المبادرات على الأقل لتخفيف ويلات القتال على المواطنين في الجنوب. 

هذا بالطبع لن يحجب عنا حقيقة جذور مشكلة الجنوب، في إطار قضية البلاد ككل، كما لن يحجب الطبيعة الاجتماعية والقومية للمشكلة ودور البرجوازية الإسلامية والعربية في مفاقمتها ووجود قوى داخلية وخارجية لها مصالح مكينة في منع الحل السلمي الديمقراطي وفي تأجيج القتال. ولكن كانت هناك فرص عديدة لبناء تحالف واسع بين الحركة الشعبية والقوى الديمقراطية في الشمال وكانت هناك إمكانات متاحة لشق مسار جديد لتطور الحركة السياسية وتوازن القوى لصالح الديمقراطية فيها. وهذه الإمكانات والفرص ساهمت الحركة الشعبية لتحرير السودان في تفويتها وإضاعتها. 

لذلك لا بد من القول أن ما جاء في ورقة ياسر عن تكتيكات الحزب الشيوعي وموقفه من حركة قرنق غير صحيح. والواقع أنه لا ينطلق من نهج طبقي ورؤية علمية وإنما يريد أن تجري الأمور حسب تصوره ويعالج القضايا والمسائل من منطلق برجوازي صغير. إن الحزب الشيوعي لم يراجع ولم يهادن، ولكن ياسر عجز عن فهم الواقع. 

ولا حاجة للدخول في تفاصيل تقييم ياسر الملئ بالشطحات للحركة الشعبية ويكفي أن نشير إلى زعمه بأن الحركة استطاعت أن تغير موازين القوى لصالح قوى التقدم، وأن القوى الاجتماعية في مناطق التخلف والقوميات المضطهدة لها مقدرات عظيمة ومؤثرة في حسم الصراع السياسي والطبقي لمصلحة قوى التقدم وأن تجربة الحركة هي الأكثر تطورا وإلهاما وقدرة على تغيير موازين القوى وزحزحة قوى اليمين. 

وهذه ادعاءات لا يقدم ياسر أي دليل على صحتها. فهو لا يشير إلى مثلا إلى أي علامة على تغيير موازين القوى لصالح التقدم، ولا يوضح كيف تستطيع القوى الآتية من مناطق التخلف أن تحسم الصراع السياسي والطبقي لمصلحة قوى التقدم. ويوغل ياسر في المبالغة عل نحو لا يغتفر حين يقول أن تجربة الحركة الشعبية عي الأكثر تطورا وإلهاما وقدرة على في تغيير موازين القوى..الخ. 

أن أي تقدير متزن يستطيع أن يتوصل إلى حقيقة أن القوى التي اجتذبتها الحركة الشعبية لم تخرج كلها استجابة لنداءات التقدم، ولا حتى للتيار الديمقراطي في الحركة. ليس فقط لأن الحركة تضم اتجاهات عديدة متنافرة ومتباينة، وأنها ترفع شعارات عنصرية، وإنما أيضا لأن المقاتلين الذين انضموا إليها دفعتهم أسباب عديدة يشكل البحث عن مستقبل ديمقراطي واحدا فقط من بينها. ولا بد أن نذكر هنا أن حركة التمرد الأولى اجتذبت أيضا عشرات الآلاف من الجنوبيين وأخرجتهم من الصراعات القبلية والإقليمية إلى رحاب صراع أوسع. كما لا بد أن نذكر أن الجبهة الوطنية استطاعت أن تخرج آلاف المواطنين من مناطق التخلف ودربتهم على استخدام السلاح الحديث ونظمت منهم قوة مقاتلة استطاعت أن تحمل السلاح إلى داخل السودان وأن تكتم السر شهورا وسنوات حتى ساعة الصفر. ومع ذلك، وفي الحالتين لم ينهض ذلك مقياسا إلا في حدود المعارك التي جرت. 

إن التجربة الأكثر تطورا وإلهاما هي تجربة الحزب الشيوعي الذي استطاع أن يجتذب عشرات ومئات الآلاف من براثن الجهل والتخلف والطائفية إلى رحابة التنظيم الحزبي والنقابي والاجتماعي والنضال السياسي من أجل الاستقلال والديمقراطية والاشتراكية والقوى التي تحسم الصراع السياسي والاجتماعي لصالح التقدم لا تفعل ذلك لمجرد أن السلاح في يدها، وإنما تفعله لأنه ينسجم مع مصالحها الطبقية والاجتماعية. ولذك فإن القوى الحاسمة على الطبقة العاملة والقوى الحديثة. والذي يغفل هذه الحقيقة لا يستغرب منه بالطبع أن يهجر الحزب الشيوعي. 

والواقع أن ياسر ينفي بالفعل دور الطبقة العاملة وحزبها. وتحت ستار الادعاء بأن الحزب الشيوعي لم يساعد التيار الديمقراطي في الحركة الشعبية، فإن في الحقيقة، وكما تبين المقتطفات التي أوردناها من رسالته، يسعى لنقل الدور القيادي إلى الحركة وإلى جعل الحزب الشيوعي مجرد مساعد، مجرد «رديف» وقوة احتياطية تابعة للحركة. إنه يريد أن يجعل من الحزب الشيوعي الجناح السياسي للحركة في «المناطق غير المحررة» أي أنه يسعى لتذويب الحزب الشيوعي في الحركة. 

والمدهش أنه يستخدم نفس حجج التصفويين الذي سعوا إلى تذويب الحزب الشيوعي في سلطة انقلاب ٢٥ مايو. فهو يبدأ من نقطة أننا ملزمون بخلق أوسع وحدة مع كل القوى التي تناضل من أحل المطالب الديمقراطية. ثم ينتقل إلى وجوب مساعدة التيار الديمقراطي "البادي التأثير على برنامج الحركة وموقفها ومطالبها التي تطرحها وعلاقتها بالبلدان الاشتراكية." ثم يصل في النهاية إلى القول بأن "من واجب الحزب مساعدتها بوضوح من خلال خطنا السياسي والوقوق مع مطالبها وهي مطالب الانتفاضة."

ويمضي التطابق بين موقف ياسر والتصفويين حين يتحدث عن تحول الحركة الشعبية إلى مواقع القوى الوطنية الديمقراطية وعن أن ذلك يفرض علينا أن نساهم ونساعد.. من مواقع المشاركة والمعاناة وبالأشكال الممكنة وبقدر ما تسمح به الظروف السياسية والإمكانات المتاحة. 

هذا هو الجوهري في استقالة ياسر عرمان: أن يصفي الحزب الشيوعي نفسه ويذوب في الحركة الشعبية لتحرير السودان. 

ولن يقلل من هذه الحقيقة قول ياسر في مكان آخر في رسالته أن "تمتين ودفع العلاقة بين التيار الديمقراطي في الحركة الشعبية لتحرير السودان وحزب الطبقة العاملة.. لا يعني تبني أدوات وأشكال النضال لدى الحركة." وإنما هو يعتبر ذلك "التحالف الوطني والتاريخي المرتقب للخروج من الأزمة وفتح طريق التطور الديمقراطي."

إن التمايز الطبقي مسألة جوهرية في تكتيكات الحزب الشيوعي وتحالفاته وهي مسألة لا يمكن التنازل عنها. 

(٣) وننتقل الآن إلى المسألة الثالثة التي يثيرها ياسر في رسالة استقالته وهي تتعلق بتكتيكات الحزب الشيوعي بعد الانتفاضة. 

يقول ياسر: "منذ الانتفاضة بدأت ألاحظ أن خللا ما قد أصاب خط الحزب السياسي وتحديدا في تقييمه لمجمل الوضع السياسي وقدرات الحركة الجماهيرية ونفوذ وقدرات اليمين السوداني والموقف من التيار الديمقراطي في الحركة الشعبية وطرح البرنامج العملي لدفع الحركة الجماهيرية للأمام ولإنجاز أهداف الانتفاضة بعيدا عن المناورات واللقاءات والاجتماعات والاعتماد على العمل الفوقي مع قوى اليمين الأمر الذي أصاب الحركة الجماهيرية الديمقراطية بالإعياء وقوى موقف اليمين." 

ويتهم ياسر الحزب بأنه تراجع. ويقول أن قيادة الحزب من خطباء ومتحدثين وعلى صفحات «الميدان» هولوا من مناورات اليمين السوداني وكأنها تحول في وجهته الطبقية والاجتماعية وبرنامجه السياسي والطبقي وخصوصا حزب الأمة. وأشار إلى أن ذلك تم عبر عشرات التفاصيل وأحاديث التهوين والتقليل واستخدام المهارة السياسية والخبرة وطلاقة اللسان للقفز فوق كثير من المسائل المبدئية وأضاف أن ذلك ممكن رؤيته عبر الملاحظة الدقيقة للنشاط والسلوك العملي لما طرحه الحزب بعد الانتفاضة والموقف من القضايا المطروحة على الساحة ومن برنامج الائتلاف اليميني الحاكم ونشاطه العملي. وأن كل ذلك "طبع مجمل مواقف الحزب والكادر والأقسام المتأثرة من الجماهير بالتهاون تجاه ممارسات اليمين."

ويعزو ياسر كل ذلك إلى "خطأ في التحليل والاستنتاج من قبل قيادة الحزب" وإلى التراجع عن تراث عبد الخالق في ربط تكتيك الحزب على الدوام باستراتيجية. 

ويقول ياسر "أن الذي يحدث الآن هو أن شعارات الانتفاضة تتراجع ويتقدم نهج الصحوة بكامل النظام القديم وأساليبه وبالاستفادة من كل قوانين ومؤسسات النظام السابق،" بينما "المطلوب هو التمسك بأهداف الانتفاضة وتحويل ذلك إلى برنامج وأعمال نضالية من جانب الجماهير وليس اختزاله واختصاره على دورات اللجنة المركزية والمقالات الصحفية دون طرح هذه المهام كواجبات نضالية مباشرة تتطلب التنفيذ ودفع الجماهير للمطالبة بها والضغط على السلطة بكافة أشكال العمل المجربة والمتاحة."

ومرة أخرى يلجأ ياسر إلى الاتهامات غير المؤسسة وغير المسنودة بأية نماذج أو أدلة. إن خط الحزب وبرنامجه النضالي واضحان وقد صاغتها دورات اللجنة المركزية (وذلك أمر لا مندوحة عنه) ونشرا في «الميدان» وبمختلف الوسائل. وإذا كان هناك خطأ في التحليل والاستنتاج فقد كان الواجب إبرازهما. وإذا كان هنالك تهويل من سياسات اليمين بحيث يبدو وكأنه قد غير طبيعته الطبقية فقد كان الواجب تقديم نماذج محددة. وإذا كان هناك تهاون تجاه ممارسات اليمين فقد كان من الضروري أيضا كشفه وتعريته. 

في قضايا الصراع داخل الحزب لا يجوز إطلاق الاتهامات الجزافية أو العائمة. وياسر يتحدث عن "المناورات واللقاءات والاجتماعات والاعتماد على العمل الفوقي مع قوى اليمين." كما يتحدث عن "القفز فوق كثير من المسائل المبدئية." لكنه عندما يجد نفسه مضطرا عن للحديث عما يمكن أن يفعله الحزب فإنه لا يخرج عن ضرورة "التمسك بأهداف الانتفاضة وتحويل ذلك إلى برنامج وأعمال نضالية ... مباشرة تتطلب التنفيذ ودفع الجماهير للمطالبة بها والضغط على السلطة بكافة الأشكال المجربة والمتاحة."

لكنه بالطبع لا ينتبه للتناقض بين ما يقوله هنا وتأييده لخط النضال المسلح الذي تمارسه الحركة الشعبية لتحرير السودان الذي يطالب الحزب بتبنيه. إن الحزب الشيوعي لم يتراجع ولم يهادن، وياسر هو الذي عجز عن فهم الواقع، وكان يعيش داخل الحزب ببدنه فقط ولكن فكره البرجوازي الصغير كان يسبح في لجج الرومانسية الثورية. 

(٤) ويتطرق ياسر في سياق الحديث عن التكتيكات إلى قضية السلطة التي يعتقد أنها "يجب أن تستأثر باهتمام الحزب" مما يستلزم تلخيص التجربة والتوصل إلى "تقييم عميق وناضج ومقنع وشامل" لها و"الخروج بالتكتيكات المناسبة وتطوير أدوات وأشكال العمل دون أن نحصر أنفسنا في شكل واحد، مثلا تشكيل جبهة واسعة وإضراب سياسي كأداة، وسقوط الديكتاتورية ثم ماذا." ويضيف "إن هنالك أسئلة تطرح: مثلا الحزب كان يطرح العصيان المدني والانتفاضة المسلحة، وقامت الانتفاضة ولم تكن مسلحة." 

ويرصد ياسر قضايا أخرى مستجدة في الواقع السياسي وتحتاج لإعمال الفكر وليس وضعها في الرف، مثل قضية السلطة ودور المناطق المتخلفة...الخ. 

ويمضي ياسر إلى القول إن "تقييم هذه القضايا ليس ببعيد عن التقليل الذي يحدث اليوم لدور حزبنا ونفوذه وقدراته. والتقليل من دور حزبنا اليوم يعني التقليل من دوره في المستقبل. ودور حزبنا لا يقاس بالوزن العددي لكادره أو مقدار ما حصل عليه من أصوات في الانتخابات. وزن حزبنا في صحة خطه وبرنامجه وقدرة كادره على معالجة قضايا الواقع." 

ويضيف: "إن دور الطبقة العاملة في عصرنا الراهن لا يرتبط بعدديتها ولا بمستوى تمركزها، كما أنه لا يتوقف بالدرجة الأولى على مواقف الطبقات والفئات الاجتماعية الأخرى وممثليها السياسيين، فهذه المواقف تحددها المواقع الطبقة لهذه الفئات والطبقات! إن دور الطبقة العاملة بالدرجة الأولى لا يتوقف على عدد أعضاء الحزب الثوري وحجمه وإنما على برنامجه وممارسته الثورية المنسجمة."

كيف يمكن أن نفهم طرح قضية السلطة في الوقت الذي لا يهمنا فيه الحجم العددي لحزبنا ولا حجم الأصوات التي حصلنا عليها في الانتخابات، وفي الوقت الذي لا يهمنا فيه حجم الطبقة العاملة ولا نوعها ولا تمركزها ومواقف الطبقات والفئات الأخرى؟ إنه نمط التفكير الذي يميز العقلية الانقلابية وعقلية البؤرة الثورية المسلحة (بدء الثورة المسلحة بواسطة فصيل متقدم تلتف حله الجماهير فيما بعد). 

لكن ياسر في تخبطه يعثر على فكرة جيدة دون أن يتوقف ليتمعن فيها، وذلك حين أشار إلى أن الحزب كان يطرح العصيان المدني والانتفاضة المسلحة، وقامت الانتفاضة ولم تكن مسلحة. 

لقد قامت الانتفاضة ولكنها لم تكن مسلحة، أي أنها قامت قبل أن تستعد قواها لها والسلاح في يدها. ترى، هل كان الواجب أن نعارض الانتفاضة أو نسعى لإيقافها لأنها لم تكن مسلحة؟ 

إن الحياة أغنى من كل الشعارات والبرامج. ولقد فرضت الحياة أن يتعامل الحزب الشيوعي مع انتفاضة غير مسلحة وأن يضع لنفسه والحركة الجماهيرية من المهام ما يتفق مع هذه الحقيقة. 

خاتمة

إن أفكار العضو السابق ياسر عرمان، رغم كل ما أحاط بها من نوايا طيبة، هي أفكار برجوازية صغيرة مشبعة بالضيق من مصاعب ومشاكل العمل الثوري في ظروف بلادنا وشعبنا المعقدة. 

وفي مثل هذه الظروف فإن الأسهل هو إلقاء اللوم على قيادة الحزب واتهامها بالقصور وحتى الانتهازية، كما أن «الهروب إلى الأمام» يبدو هو الحل المثالي، ومن ثم تنشأ الاتجاهات والنظريات الانقلابية بأشكالها المختلفة والتي يتم التبرير لها بالحديث عن عدم أهمية الحجم العددي للطبقة العاملة وحزبها وعدم أهمية مواقف القوى والطبقات الاجتماعية الأخرى. 

ومع تراجع الانتفاضة تنمو مثل هذه الاتجاهات والأفكار والنظريات. وعندما توجد مثل الحركة الشعبية لها تأثيراتها من الناحية العسكرية، فإنها تصبح ملاذا حيث تستقوى بها اتجاهات البرجوازية الصغيرة سواء كانت أفرادا أو أحزابا صغيرة. 

موقفنا من العقلية الانقلابية ومن نظرية البؤرة الثورية واضح ومحدد في أدبنا الحزبي وفي نشاطنا العملي. وبالنسبة للحركة الشعبية لتحرير السودان ننطلق من أن النظر إليها كقوة اجتماعية وسياسية متجانسة خطأ وفي كل الأحوال لا بد من تأكيد تمايزنا الطبقي والأيديولوجي والتنظيمي عنها. 

انتهى

 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.