Monday, 27 August 2018

في ذكرى فاطمة: جغرافية الحركة النسوية وآفاقها

وافق يوم ١٢ من هذا الشهر الذكرى الأولى لرحيل السيدة فاطمة أحمد إبراهيم، رائدة الحركة النسوية في السودان ورمزها الأول. كانت السيدة فاطمة زميلة نضال لأجيال من النساء والرجال، ألهمت الأفئدة وضجت بها النفوس وتركت كغيرها من الرواد في كل مجال ميراثا لا يمكن التغاضي عنه ولا تجاوزه سوى بعبور ديالكتيكي إذا جاز التعبير، وذلك أغلب الظن شرط كل تقدم. في هذه المناسبة يحق التساؤل عن مواقع نضالات المرأة في سودان اليوم وآفاق تلك النضالات واتجاهاتها وهو باب لشغل الفكر عظيم. لم تعدم السيدة فاطمة الخصومات ولم تتحاشاها، ومن ذلك الصراع الذي نشأ بين جيل من المناضلات على خطة الاتحاد النسائي من جهة ومن سلكن دروبا مغايرة في التصدي لقضايا المرأة أو من طرحن أولويات وصيغ جديدة لهذه النضالات لم تعن للاتحاد النسائي أو استنكرها من جهة أخرى. 
اختصرت الأستاذة هالة الكارب في كلمة احتجاجية من العام ٢٠٠٧ هذا الصراع في جملة قضايا تتصل ببعضها. كتبت الأستاذة هالة أن فاطمة هي صنيعة الذكورية السودانية لم تجابه هذه السلطة بصورة ثورية بل دجنت الحركة النسوية في حدود التقاليد المرعية لعرب السودان المسلمين. من ثم، خلصت هالة إلى أن منجزات الاتحاد النسائي تحت قيادة فاطمة لم تتحقق بدفع ثوري من الاتحاد بل كهبة من السياسيين اليساريين والليبراليين في ستينات القرن الماضي الذين استشعروا ضرورة هذه التغييرات ووجدوا في الاتحاد النسائي شريكا طيعا. بحسب هالة لم يسع الاتحاد النسائي نساء السودان بتنوعهن الإثني والديني وكان في أحسن أحواله واجهة لسيدات الوسط النيلي المحتشمات. استهجنت هالة في كلمتها طهرانية فاطمة وتشديدها على السلوك المحافظ، الأمر الذي انسحب بدوره على الاتحاد النسائي، وأضافت أن فاطمة اتخذت من السلوكيات الشخصية مادة للتصدي للخصوم. خلاف ما جاءت به هالة، أخذت نسويات أخريات على الاتحاد النسائي في عهد أفوله إهماله للقضايا النسوية المباشرة وانشغاله بالصراع السياسي في حلف الحزب الشيوعي. 
خلاصة هذه الانتقادات أن الاتحاد على خطة فاطمة كان ناقص النسوية أو عديمها بالكلية ساهم في تعزيز الذكورية وتأكيد سيادة القيم التي تفرضها على النساء بدلا عن مقاومتها كما عجز عن تجاوز الحجاب العرقي والطبقي الذي يفصل بين سيدات الوسط النيلي المحتشمات وبين نساء السودان من قوميات أخرى. إذا صحت هذه التقديرات يصح أيضا التساؤل عن نجاعة الخطة أو الخطط البديلة التي انتهجتها النسويات السودانيات للتصدي لقضايا النساء ما بعد فاطمة، أي دروب سلكن وماذا كان كسبهن حيث تقاصر طريق فاطمة؟ لا يمكن الإحاطة بهذه الأسئلة بغير شغل ميداني لذا ستقتصر المناقشة فيمايلي علي تجويدها وترتيب سياقها. 
ميزت البروفسورة بلقيس بدري في مسحها لصيغ النسوية في السودان (٢٠٠٦) بين أربع تشكيلات، أولها النسوية الأكاديمية وهذه في تقديرها مشغولة بضخ معارف نقدية نسوية في المجال العام، تطور من موقعها الجامعي أطرا أو أدوات نظرية لتحليل علاقات القوى الجندرية تاريخا وحاضرا وتدفع بهذه المعارف للناشطات النسويات في المجتمع المدني ومنظماته. هؤلاء يمثلن في تقدير البروفسورة بدري التشكيلة الثانية وتتجلى فيهن بعبارتها حيوية المجتمع المدني بجميع تناقضاته وصراعاته. أما التشكيلة الثالثة فتشمل النسويات في هيئات اتخاذ القرار في الحكومة والأمم المتحدة والمنظمات الدولية والرابعة تضم الأفراد، نساء ورجالا، من الحريصات على ترجمة النسوية إلى تحولات في حياتهن الشخصية والأسرية.
تعود البروفسورة بدري في موقع آخر من مسحها لتفرق على مستوى المجتمع المدني بين النسويات الإسلاميات والعلمانيات. بخصوص المجموعة الأولى تقترح البروفسورة بدري تصنيفا آيديولوجيا بين الإسلاميات المناصرات للحكم القائم اللواتي يقدمن قضايا تمكين النساء في المجال العام على قضايا التمييز ضد المرأة في المجال الأسري والخاص متفادين بذلك أي تصادم مع العقائد الذكورية ذات المشروعية الدينية وبين السلفيات المعاديات للنسوية علي إطلاقها وبين صف ثالث من الإسلاميات يعتقدن في وجود فرصة لإعادة تفسير المقولات العقدية لفض الاشتباك بين الإسلام كدين والنسوية المعاصرة. فضلت البروفسورة بدري في وصفها مجموعة النسويات العلمانيات على سواها فهي في تقديرها تضم نساء ورجالا وتتسع لتشمل نسويات في أنحاء البلاد تجمع بينهن خطة للتحرر على أساس الأجندة النسوية الدولية أي مواثيق الأمم المتحدة ومقترحات المؤتمرات النسوية الدولية، وهذه في تقييمهن خلاصة تراث كوني وليست بالضرورة غربية المنشأ. 
اعتمدت البروفسورة بدري في مسحها الشارة الآيديولوجية، علماني وإسلامي، لتصنيف التيارات النسوية مع تقرير تراتب بين صف أعلى أكاديمي مهمته التنظير وصف حركي مهمته التنفيذ لكن ذكرت في معرض وصفها أن النسويات، إسلاميات وعلمانيات على السواء، يمثلن صفوة الطبقات الاجتماعية العليا والوسطى دون إسهاب في دلالة هذا الموقع الاجتماعي على تصور الحركة النسوية لنفسها ولمجالات نشاطها ولأهدافها. تعود مقولة حركتين نسويتين، علمانية وإسلامية، إلى مقارنة سوندرا هيل بين الاتحاد النسائي، التي عدته فرع مرأة  في الحزب الشيوعي وبين نساء التيار الإسلامي. حكمت هيل على الإثنين بنقص النسوية وقالت كل أهدر سؤال المرأة بطريقته، الأول بإخضاعه تحرير المرأة لأولوية الصراع السياسي والثاني بتصوير المرأة آيقونة ثقافية، هذا بينما قبلت بنسوية الإسلاميات فرادى. علقت هيل على جاذبية وعد تحرير المرأة من موقع إسلامي وجاءت مستحسنة برأي المرحوم حسن الترابي أن اضطهاد المرأة خصيصة للذكورية العربية ولا شأن للإسلام بها على لسانه وعلى لسان سيدات من الصف الإسلامي قالت بصفاء نسويتهن ولو إسلامية. أجرت هيل مقابلاتها مع وصال المهدي وسعاد الفاتح في ١٩٨٨، قامت منذها للإسلاميين والإسلاميات دولة وسقطت. في المقابل، انحبست النسوية العلمانية كما في تقرير البروفسورة بدري في لعب دور الوكيل المحلي لبيروقراطية نسوية دولية موقعها مكاتب الأمم المتحدة.  
عابت الأستاذة هالة الكارب على فاطمة الحساسية الثقافية التي أصبحت في صيغة هجومية موردا للنسوية الإسلامية تفوقت به على منافستها العلمانية، إن كانت على خطة فاطمة أو على خطة البروفسورة بلقيس بدري. فوق ذلك، مثل وعد التحرير على سنة الله ورسوله معبر النسوية الإسلامية لاختراق الأرياف المسلمة حيث تضئ تقدمية الشريعة بإزاء رجعية الأعراف الأهلية. لم تتدارك التيارات النسوية العلمانية ما بعد فاطمة هذه التناقضات من موقع إيجابي مشغول بتوطين ثقافي لتحرير المرأة أو تحرير المرأة وتحرير الثقافة معا وكان أغلب جهدها حقوقي الطابع يترصد مواقع التعارض بين الشريعة كقانون مطبق في السودان وبين المواثيق والشرائع الدولية. أعمت هذه النظرة الحقوقية النسويات ما بعد فاطمة عن تناقض حيوي في صلب التصور الإسلامي للمرأة. كتبت مي غصوب في ١٩٨٧: بصورة من الصور لم يقلل الإسلام من شأن المرأة على الإطلاق بينما يفضح التراث الإسلامي رهابا من المرأة ومن قوة رغباتها ومطالبها وقدراتها
نفت غصوب عن الإسلام الصيغة المسيحية لدونية المرأة وقالت اعتبرها فتنة، جميلة آسرة نافرة وثائرة، ومن ثم جند التراث الإسلامي الموارد الذكورية للسيطرة عليها. ردت غصوب الفكرة الإسلامية عن المرأة ككائن نشط اجتماعيا وجنسيا إلى أصل في مجتمعات العرب البدوية ما قبل الإسلام وقالت ورث هذه الفكرة وأعاد تركيبها فمن ناحية أقر بحق المرأة في إدارة شؤونها الاقتصادية باستقلال واعترف بملكيتها كما أجاز فعالية رغباتها في تصوره للجنس ومن ناحية أخرى أطبق على المرأة بقواعد الحجاب والفصل بين الجنسين بسبب التهديد الذي تمثله هذه الحيوية لأمن الرجال.نقلت غصوب عن فاطمة المرنيسي أن الإسلام لا يعتمد فرضية دونية المرأة بل على العكس يقر إمكانية المساواة بين الجنسين. بذا فأن عدم المساواة المعاش في المجتمعات المسلمة لا يقوم على تصور بيولوجي أو آيديولوجي لدونية المرأة بل هو نتاج مؤسسات اجتماعية قامت للجم قوتها. تخلص غصوب مع المرنيسي إلى أن العقيدة في إمكانيات النساء حسب التصور الإسلامي تعد بتطور العلاقات بين النساء والرجال في السياقات الإسلامية في اتجاهات مختلفة جدا عن السياق الغربي. يتردد طرف من هذه المعاني في صيغ أخرى عند االنسويات الإسلاميات. ترد وصال المهدي على سبيل المثال مظالم المرأة المسلمة في السودان إلى تصورات ذكورية عربية عن المرأة وليست بالضرورة إسلامية وتقول إحسان الغبشاوي أن الفقهاء الرجال هم من فسروا النصوص الدينية بما يوافق هواهم.
كما اغتربت النسوية العلمانية عن هذه الموارد الثقافية لنصرة المرأة منعها الانشغال بالصراع الحقوقي ضد الإسلاميين ودولتهم عن النفاذ إلى الجوهر العلماني في التجربة الإسلامية. جر الإسلاميون الدين إلى الحلبة السياسية معتقدين أن الدين سيضمن صلاح السياسة بينما كانت النتيجة إخضاع الدين لصراع القوى التقليدي في المجال السياسي وإفراغ المجال الديني وقت تطابق مع قوة السلطان من محتواه كمقاطعة للمعاني الروحية وملجأ من المظالم الاجتماعية ومنبر للاحتجاج. بذلك تتواضع فعالية التمييز الذي اعتمدته كل من هيل وبدري بين النسوية العلمانية وقرينتها الإسلامية فهو يصلح لرسم حدود الصراع السياسي لكن تتضاءل كفاءته متى استقام السؤال عن تحرر المرأة وليس فقط مصالح سيدات الوسط النيلي المحتشمات كما في تبكيت هالة الكارب على فاطمة. 
إلى ذلك، يثير التقسيم بين علماني وإسلامي غبارا كثيفا يطمس الوحدة الطبقية بين الإثنين، وهذا مما جاءت به ليف  تونيسون التي عابت على الطرفين التلاعن بالنصوص، ومثلت لذلك بالصراع حول المصادقة على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة المعروفة اختصارا باتفاقية سيداو. بشرت النسوية العلمانية بالاتفاقية باعتبارها استحقاقا كونيا ورفضتها النسوية الإسلامية من موقع النسبية الثقافية مشيرة بدلا منها إلى النصوص الإسلامية التي تعلي من شأن المرأة، وفي كل غاب التحليل الملموس للواقع الملموس بعبارة لينين. شرحت رجاء حسن خليفة لتونسون مفهوم القوامة في الإسلام كما تراه بمثال من موقعها الاجتماعي. قالت: بواب هذا المبنى - تقصد مقر الاتحاد العام للمرأة السودانية - مسؤول ماليا عن زوجته وأسرته لكني هنا المسؤولة، أنا في قمة الهرم وعليه أن يقوم بفعل كل ما أقرره عليه. تصور النسويات الإسلاميات هذا التناقض بين المساواة أمام القانون في المجال العام والقوامة وحق النفقة في المجال الأسري باعتباره ميزة إيجابية للمرأة المسلمة فالمرأة المسلمة يمكن نظريا أن تتسنم المنصب الأعلى في الدولة لكن زوجها يظل مسؤولا عنها ماليا في المجال الأسري. لا تكتسب هذه الميزة معنى يذكر سوى في حيوات بنات الناس من سيدات الطبقات العليا والوسطى المحتشمات. كانت رجاء تنظر إلى عقدة القوامة والنفقة من نافذة عليا في مبنى خرطومي متعدد الطوابق وغابت عن ناظرها حيوات النساء العاملات في السودان الزراعي الرعوي بل وتقرحات الحياة الحضرية حيث النفقة مادة للصراع القضائي ضد أزواج هاربين. 
من جهة آخرى، لم تسعف الوثائق الدولية على حسن صياغتها وشمول معانيها النسوية العلمانية كثيرا في مجابهة القضايا التي قالت هالة الكارب أن الاتحاد النسائي على خطة فاطمة لم يتسع لها. انتقدت هالة الكارب جغرافية الاتحاد النسائي على خطة فاطمة وقالت ضاقت بتنوع نساء السودان وتعددهن. لكن لم تجترح القوى النسوية التي خلفت اتحاد فاطمة خطة لتجاوز الحواجز العرقية والدينية والثقافية التي قعدت بصاحبات الثياب البيض في الاتحاد النسائي واستمر حرثها في دوائر الوعي من الطبقات الوسطى والعليا. بطبيعة الحال، سعت هذه القوى إلى تجنيد سيدات من الهامش لكن ظل نشاطهن في الحلقات النسوية الخرطومية في مقام الاستثناء الذي يثبت القاعدة. علة ذلك ربما أن هذه الحلقات تعسر عليها النمو المحلي بما يفوق لعب دور الوكيل لنسوية دولية عابرة للقارات منجزاتها سلسلة من المؤتمرات الدولية والوثائق وأوراق العمل الأكاديمية وشبه الأكاديمية والحملات الدولية بحيث يتطلب الاندراج فيها مقدرات لغوية وعملية ومهنية لا تتأتى لمن تكابد من أجل الفوز بالنفقة في محكمة ريفية. 
بين هذه النسوية  الدولية وبين النساء واقعا أو في لغو المجتمع المدني ال(grassroots) ساحات من الصراع التحرري ولجنها النساء بالمبادرة الفردية وصيغ التضامن المحلية بلا وثيقة. لكن، أليست مهمة النسوية الأكاديمية، كما تقول البروفسورة بدري، الفكر، والممارسة محلها المنظمات النسوية المنبثة في المجتمع المدني؟ لا يعفي تقسيم العمل المقترح هذا عن التساؤل حول نجاعة الممارسة النسوية في صيغها الجديدة، منظمة ومركز دراسات ومبادرة، بل ربما يعضد أهمية هذا التساؤل ما دامت تفرغت صفوة نسوية أكاديمية لتحصن الممارسة بالفكر والتخطيط. هل انغرست للنسوية الجديدة جذور شعبية وتحققت للنساء السودانيات بتنوعن وتعددهن كما في دعوة الأستاذة هالة الكارب شوكة ترد عنهن مظالم التمييز وتحقق لهن المساواة في المجالين العام والخاص؟ هل غذت هذه الممارسة النسوية نضالات النساء بصيغ فعالة من التنظيم والعمل؟ هل استطاعت هذه الممارسة أن تحتل جغرافية ممتدة للتضامن تفوق حصرية سيدات الوسط النيلي من الطبقات الوسطى والعليا؟ أم بالجهة المقابلة استحالت إلى أجهزة إرسال واستقبال لبيروقراطية نسوية دولية، فروع عن أصل مهمتها في أفضل الأحوال المرابطة عند المساحة بين الدولة ومواطناتها في انتظار جناية حقوقية تلو الأخرى؟ كيف ولما غاب عنها الجوهر الطبقي لهذه المظالم وما يتصل بها من تحولات في هيكل الاقتصاد السياسي الناشب بأظفاره في أجساد النساء اللواتي أجبن بعبارة يا ريت عندما سئلن عن القوامة والنفقة؟

استفدت في هذه الكلمة من:

- Balghis Badri (2006) Feminist Perspectives in Sudan, Free University Berlin.
- Sondra Hale (1997) Ideology and Identity: Islamism, Gender and the State in Sudan in Judy Brink and Joan Mencher (eds.) Mixed Blessings: Gender and Religious Fundamentalisms Cross Culturally, Routledge, London.
- Balghis Badri (n.d.) Sudanese Women and Sharia Law, Ahfad University for Women.
- Ruediger Seesemann (2005) Islamism and the Paradox of Secularization: The Case of Islamist Ideas on Women in the Sudan, Sociologus 55.
- Carolyn Fluehr-Lobban (1987) Islamic Law and Society in the Sudan, Frank Cass, London.
- Mai Ghoussoub (1987) Feminism-or the eternal masculine-in the Arab world, New Left Review 161.
- Fatima Mernissi (1975) Beyond the Veil: Male-Female Dynamics in Muslim Societies, Schenkman, Cambridge, Massachusetts.
- Liv Tønnessen (2011) Feminist Interlegalities and Gender Justice in Sudan: the Debate on CEDAW and Islam, Religion and Human Rights 6.
- Salma Ahmed Nageeb (2004) New Spaces and Old Frontiers: Women, Social Space and Islamization in Sudan, Lexington Books, Oxford.
- Amal Hassan Fadlalla (2011) State of Vulnerability and Humanitarian Visibility on the Verge of Sudan’s Secession: Lubna’s Pants and the Transnational Politics of Rights and Dissent, Signs 37.
- محمد ابراهيم نقد، المجتمع المدني العربي يواجه خطر التحول إلى شاهد زور، البيان الإماراتية ١٤ مايو ٢٠٠٣

Thursday, 16 August 2018

”كل منزل بالكنيسة يقيم عزاء“

أتسبح أجساد الأطفال ال(٢٢) في طريقها إلى المدرسة؟ أفرادى هذه الأجساد أم اجتمعت في عطش الحياة وسط ماء النيل؟ أي وحي نزل على هؤلاء الرسل الصغار في برهة الحياة الأخيرة؟ قال خبر الدولة: وقع الحادث نتيجة توقف المركب وسط النيل مع اشتداد التيار وصمت عن الحقيقة. نعى معتمد محلية البحيرة اللواء أمن عبد الرحمن محمد خير، الغرقى كما نعاهم اتحاد الطلاب. واندس كل في كلماته. نطق ابراهيم حسن، مزارع من المنطقة، بطرف من الواقعة، قال: المراكب في هذه المنطقة قديمة رغم أنها تعمل بواسطة محركات. أكد شاهد لوكالة أنباء أن ٩ من التلاميذ نجوا، عادوا من لج الموت بالحياة. قال أحدهم من أبناء منطقة الكنيسة، وحدة كبنة الإدارية بمحلية البحيرة: كل منزل بالكنيسة يقيم عزاء. قال شاهد آخر: المركب كان يسير من الشمال إلى الجنوب، عكس سريان النهر. 
ماذا بذهنك الساعة يا عبد المنعم، أفعلها هذا اللنش؟ أكان هو الموت، ذلك الذي فر من عيون الإثنين هذا الصباح؟ أيبدو الموت هكذا؟ أهو تلك البسمة الأخيرة، أتلك علامته؟ أم كانت يا ترى تلك الهمسات السكرى بالحنين وقد استغربتها في وقتها بالأمس، يابا..يابا جيب لينا معاك... ذهبن الخمس، بنات البصيري، أكاليل من لحم بارد تعطن بورد الطفولة في بطن النهر. أفداء هذا يا ترى أم علامة، أم هي رموز غامضة من المستقبل تبلدت عقولنا فلم نعد نقوى على استقبالها؟ نجت ابنتك يا بخيتة وعبر الولد إلى ضفة من نرجس ونور. أكشفت لك سر أخيها وسر من أنقذها وقد صارا إلى الماء يا أيتها الأم، ربما أشارت لك بإشارة تفهمينها أنت فقط. أفيك كلام أم كسر الموت حجاب اللغة فصارت قطاف سراب. أي ملك موت هذا الذي خطف الثلاثة معا يا عفاف؟ كيف تبكي أم على أطفال ثلاثة؟ أفي الوجود صمت يكافئ هذا الألم؟ أيمكن الصمت على الصمت؟ قيل لكل منا قيامة، فلمن هذه القيامة يا سعد، لمن يا علوبة، لمن يا دفع الله ويا محمد الحسن. إن الله مع الصابرين. 
أهو ذنبكم إذن يا أهل الكنيسة والسعداب وسربجي؟ لما تسكنون ديارا تقع إلى الشمال من مدارس كبنة عبر النهر؟ لما ترسلون أطفالكم كل صباح إلى المدارس عكس التيار في قوارب لا تحتمل صدمة شجرة؟ أهو ذنبك يا عبد المنعم سيد اللنش؟ ولما لنش؟ أفيكم شيخ طريقة يا ناس يفهم هذه الصمت الذي يتحدث به الأطفال من مراقدهم في ضفة النرجس والنور والحرير؟ أفيكم من يقرأ في الماء حروفهم الطلسمية؟ أفيكم من يكشف هذى الأسرار المحبوسة في طي النهر، مكتوبة بأطراف الجثث وزي التعليم والشنط المحشوة كتبا وكراسات وأقلام، حسن وجيد وجيد جدا، جداول من الضرب المبرح وأحمر التقويم أسفل التمارين. ما هو المعنى المحبوس في صمت التلاميذ الأموات، بالنار الرصاص أو بركام الحيط أو بالماء الفائض في الرئتين أو بالمسغبة؟ أقدر هذه الجغرافية أن ترسم أقاليمها بالجثث على خرائط من صمت الأمهات الإلهي؟ أيصبح عليك الصبح يا أم العيال بشمس كشمس الأربعاء الصفراء. قيل لا تسافروا في الأربعاء! أما سمعتم بهذا يا أهل الكنيسة والسعداب وسربجي؟ أكان الموت هو ذلك الأشعث الغريب الذى صلى المغرب يومها بجامعكم وطلب حق الله فغلبتكم أنفسكم؟ كل منكم حسبها، العيش، الخدار، المصاريف، الرسوم.. وأدرتم وجوهكم بصرة ونصف خجل الله يفتح علينا وعليك. أنت يا عبد المنعم، ألم تدس يدك في جيب جلابيتك تتحسس الباقي وصددت النية؟ والأطفال، ألم يصدحوا هذا الصباح جميعا في اللنش ببسم الله؟ 
قال خبر أن الأطفال اعتادوا الذهاب بنفس اللنش كل يوم إلى المدارس في كبنة. يعبر اللنش مجاري الماء التي نشأت عن بحيرة سد مروي فوحدة كبنة الإدارية هي من خلاقة السد، كتلة الأسمنت التي تسيدت النهر في أرض المناصير. تمتد البحيرة لمسافة ١٧٦ كيلومتر من الشلال الرابع عند جزيرة مروي حتى جنوب أبو حمد. الله لا يبارك في الأسمنت. تقع الكنيسة والسعداب وسربجي وجثث الأطفال ضمن محلية البحيرة وتضم فيمن تضم من رفضوا النزوح بعيدا عن الديار التي غمرتها بحيرة السد وفضلوا الخيار المحلي، أي التوطين في مواقع حول البحيرة ولم ترض عنهم لا الدولة ولا بحيرة السد. أحمدوا الله على اللنش الليل عبد المنعم. بلغت تكلفة سد مروي حوالي الثلاثة مليار دولار وأرواح أطفال. كم يبلغ ثمن الطفل الواحد يا ترى؟ كتلة الأسمنت التي تشق جثة النهر استثمار مشترك لكل من حكومة السودان وجمهورية الصين الشعبية والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية والصندوق السعودي للتنمية وصندوق أبو ظبي للتنمية وحكومة سلطنة عمان وحكومة دولة قطر لكن جميع هذه الأطراف لم تر في ترحيل أطفال الكنيسة والسعداب وسربجي إلى مدارسهم بأمان كل صباح ضرورة تنموية فتصدى لذلك عبد المنعم بلنشه من وإلى كبنة وكبنة ثابت ذكرها في صفحة تنك لوري الحسن علي عون الله من جناين كبنة. قصد الأطفال جناين كبنة ونزل بهم الماء في محيطها السرمدي. 
قال شاعر المناصير عكاشة علي خميس (توفى ١٩٣٩) في مدح الشيخ الجعلي راجل كدباس: بجيب القول على الأشقر، أبونا الفوقو نتبطر، شيخنا الماهو شيخ عسكر، سفينتك بالبحر والبر، فمن شيوخ العسكر يا ترى؟ أيقصد أصحاب الجلاليب البيض الناطقين بصمتهم؟ أيلقى الأطفال بشنط المدرسة راجل كدباس في ممره السماوي حيث عبر؟ أيسألهم من وين أولاد الأهل؟ أيردون عليه من جناين كبنة؟ أيلقون حاج الماحي (والمناصير يحسبونه منهم) في معابر الجنان يا ترى وهو القائل في شأن التمساح : يا رحمن ارحم بي برك، يا حافظ في بحرك وبرك؛ في وليانك أطلق سرك خل نيشاتن الليتحرك؛ آمين آمين يا كاشف الغمة، جنب ها الدابي تصبحو رمة؛ تسلط واحد أيدو مدمة، يعجل قتلو قبيح القمه حتى بلغ بعد أن حشد لنصرته الأولياء والصالحين، إبن إدريس والعركي والسماني والتازي والدسوقي والرفاعي والشبلي والراعي و…:شئ لله يا أهل الدايرة، يا الفي الكون أسراركم سايره؛ أرخو السر في السحره الغايره، خلو الدايره التصبح نايره؛ وينكم لي وينكم يا قومنا، سهرانين نحسب في نجومنا؛ التمساح حجر لي عومنا، إن ما جيتونا عليكم لومنا؛ وينكم وينكم يا ديله، يا أهل الحضرة الليله الليله؛ اجتمعوا وخلو البهديله، التمساح أحموهو الشيله. الأموات أرحم لا بد بأرواح الأطفال من الأحياء.. فقد بلغهم معنى الركض الطفولي بغير هدف. بلغهم سر الضحكة المبذولة سهلة طيعة بلا مناسبة، لا هزء فيها ولا سخرية. بلغهم معنى اكتمال الحياة في وجنتين لاهجتين بالأمل. بلغهم معني البرق الآسر في عينين تحدقان في أفق لا يراه سوى الأطفال والأنبياء. بلغهم أن ثروات الدنيا لا تحشو كفنا ولا تستنطق صمت الأمهات المكلومات، بلغهم أن صفاء الطفولة هو شاهد الإنسانية الوحيد. بلغهم أن الموت لا يكفي عقابا لمن يفسد الحياة. 

Sunday, 12 August 2018

مجلس الشورى: صمتكم والجلاليب البيض

أقر مجلس شورى المؤتمر الوطني في اجتماعاته الخميس والجمعة جميع ما كان يتوقع منه، لم يخالف السيناريو المرسوم له ولا في نطق الحروف. أجاز المجلس المكون من ٤٠٠ فرد مقترحا لتعديل نظامه الأساسي يرفع الحرج الإجرائي عن إعادة ترشيح البشير بعد أن كان الحزب الحاكم ألزم نفسه باقتصار أمد قياداته بدورتين. أدخل التعديل المقترح على هذا الإلزام الذاتي استثناءا مفتوحا بيد مجلس الحزب القيادي. من ثم نطق الحزب الحاكم بالمعلوم من نيته وأعلن البشير مرشحه لانتخابات الرئاسة في ٢٠٢٠، الأمر الذي يستوجب تعديل الدستور الساري والذي يحصر بدوره أمد الرئاسة بكرتين. 
تغزل الهندي عز الدين، صاحب المجهر، في اجتماعات الوطني ودلل بها على فعالية الحزب الحاكم ونشاط مؤسساته. قال الهندي أن المشهد الذي رأي الناس من الوطني انعدم في بقية الأحزاب، المشارك منها في الحكم والمعارض، فهي غدت في تقديره جماعات أو تيارات فضفاضة لا تتقيد بمشروع فكرى... بكت الهندي على حزب السيد محمد عثمان لغياب صاحبه الطويل عن البلاد وزاد أن الأحزاب عدمت البديل المقنع الذي تقدمه للناس وأعجزها عن التطور تطاول العهد بقياداتها. لم يخالف الهندي الحقيقة في بعض الذي ذهب إليه لكنه صمت عن كثير في حزبه المفضل فهو كان استثناءا عن السنة التي شرح لكن لم يعد كذلك منذ أن استقر فيه السلطان لرجل واحد يؤشر فيطاع. 
وصل المؤتمر الوطني ذات المحطة التي وصف الهندي في كلمته، فحزب الحكومة ظل لصاحبها، اجتماعاته معارض لكي الجلاليب ولف العمم ومؤتمراته مهرجانات للسمع والطاعة، منتهى وظيفتها الصورة الإجرائية فالقوة مهما بلغت تلزمها صيغ إجرائية تعبر عنها ويخزيها العري فتطلب الستر في غلاف الطقوس الجماعية. الملك ميزته الزينة، وقيادات الوطني محض زينة انتهت دورة حياتهم السياسية بطأطأة الرؤوس وتقبيل اليد العليا. شجع الرئيس في خطابه لشورى الوطني الجالسين أمامه على التصريح، وقال لهم اجتنبوا التدليس وتحدثوا بصدق حتى نفلفل أمورنا كلها فلفلة وأعلن الشورى موضع قوة للمؤتمر الوطني وقال قرارات الشورى ملزمة لأفراد المؤتمر الوطني وأجهزته في الدولة والمجتمع. 
يعلم الرئيس علم التمام ألا شورى بين يديه وأن سلطانه حبس كل رأي سوى رأيه فمخالفيه المصرحين في مسألة تجديد ولايته غابوا عن شورى الوطني وبثوا شكواهم للأثير. قال أمين حسن عمر، عضو قيادة الوطني المناهض لإعادة ترشيح البشير، أن قرار الشورى مخالف لنظام الحزب وللدستور الحاكم، كتب: ليس من حسن العهد تقديم توصيات تخالف دستور الحزب ودستور الدولة. لم يصرح أمين برأيه هذا في مجلس شورى الرئيس وبين يديه بل اشتكى مثل كل مراقب للأحداث للمعارف والأصدقاء برسائل قصيرة، واتس آب: جك جك، جك جك، بنق! 
البشير الذي لا يمل تكرار نفسه أعاد على مجلس الشورى الحديث المعلوم عن استهداف السودان وعن تمنع حكومته على الإملاءات الخارجية. وعد البشير الذي أقر بالأزمة الاقتصادية الخانقة في البلاد بأن حكومته بصدد وضع حل نهائي لمعضلات البلاد في المعاش وقال قريب إن شاء الله. جزم البشير أن الشورى ستكون بداية انطلاقة نفير يؤدي بموجبه كل قيادي في المؤتمر الوطني دوره ساهرا لا ينام في برنامج قصير المدى لمعالجة قضايا الاقتصاد وآخر طويل المدى للنهضة به. كما قال أن السلام في جنوب كردفان والنيل الأزرق لا تفصلنا منه سوى شوية سمكرة أما في دارفور فقال عدمت المتمرد، لا يضر أمنها سوى شوية حرامية ستلاحقهم القوى الحكومية أينما كانوا، في جبل أو غابة. طلب الرئيس في آخر كلمته من المستمعين ومن المواطنين شوية صبر ليس إلا وبعدها السودان دولة عظمى بإذن الله، وقال ذلك وعد الصابرين بعد أن اختلطت عليه الآية الكريمة. 
جلس قادة الوطني، نساءا ورجالا، أمام الرئيس الذي بلغ حديثه ١٢ دقيقة مستمعين وقد انعقدت وجوه بعضهم كأنما ينتظرون مفاجأة وتبسم آخرون كأنما الأمر فاصل تسلية على طريقة حلاوة رئيس. قال رئيس شورى الوطني وعريف الحفل، كبشور كوكو، أنهم متشوقون لحديث الرئيس أو كما قال: الأخ الرئيس.. يعني. لم يحدث أن رأينا القاعة ملأى بهذه الصورة. وهنالك يعني مذكرات الناس يحيطون بالقاعة.. يعني..هه.. يعني خارج القاعة يوجد أشخاص كثر يودون الدخول.. يعني..أعتقد أن في حديثك ما هو شيق ومفيد كالعادة فتفضل هه.. هه..هه.  تساءل الرئيس عن الميكرفون ثم بدأ في التكبير والتهليل والأصوات تردد خلفه والسبابات الممدودة تجاري لحنه. الرئيس الذي ربما أدرك طرفا من السخرية الساكنة في حديث كبشور رغما عن المتحدث وجد العذر لنفسه وقال ليس أكثر من التكبير والتهليل تشويقا. 
أليس في تركيب هذا المشهد الذي أعجب الهندي فلهج به، عناصر المسرح جميعها، ممثل نجم وجمهور وسيناريو معلوم يحفظه الجمهور ويتنظر من االممثل أن يضيف عليه تنويعا جديدا مبتكرا، طرفة أو حركة أو إشارة مستحدثة ولذا التشويق. جود الرئيس فنه في الحقيقة وأصبح يضيف على كتاب محفوظاته عناصر جديدة كلما استطاع، البركاوي وما إلى ذلك. لا يستر أداء الرئيس المسرحي الحقيقة بل يكشفها شاخصة في صورة كوميدية، فهو كأنه يقلد نفسه، حديثه في مقام السيناريو الهزلى يتسلى به الجمهور، الجالسون أمامه والمحيطون بالقاعة يريدون الدخول. لقد غادر السودان في الواقع محطة البشير منذ زمن وهو لا يقوى سوى على التسلية، تسلية المشجعين مثل الهندي وكبشور والساخرين منه على السواء. أما الحياة التي يريد القبض عليها فتدور رغما عنه وبمقاومة سلطته. 

Tuesday, 7 August 2018

Back to the future: Khartoum’s 'peace' in South Sudan

“Oil will start pumping dear [President] Salva [Kiir] so you can give your opponents cars and offices” President Bashir told his guests, signatories of South Sudan’s newest peace deal and attending dignitaries and the hundreds of South Sudanese who assembled in Khartoum’s Chinese-built Friendship Hall on 5 August to witness the ceremonial end of Khartoum’s bid to bring ‘peace’ to South Sudan. President Bashir uttered in clear terms the kernel of truth at the heart of the wizardry of power-sharing formulas that constitute the letter of the deal. The weaker among the belligerents at the table complained repeatedly of the tough arm of the Sudanese security services, the effective mediators of the agreement. 
What matters, President Bashir declared that South Sudanese oil will start pumping again from South Sudan’s Unity oil fields to Sudan on 1 September. Some in Khartoum claimed that the Sudan TV crew that covered the celebrations all suffered food poisoning after helping themselves to the free for all falafel sandwiches. Salva and Riek were probably spared the ‘vegan’ option. 
The final power-sharing arrangement was born out of the Entebbe proposal, a sloppy numerical solution to the complex crisis in South Sudan devised by presidents Bashir and Museveni of Sudan and Uganda with President Kiir of South Sudan and his archival Riek Machar attending. The muscle diplomacy was so potent the notetakers who drafted the initial 5 point proposal on power sharing misspelled President Salva Kiir’s name. The presidency according to the 7 July Entebbe statement was to be composed of Salava (sic) Kiir as President, Dr. Riek Machar, Taban Deng Gai, James Wanni Igga and an unnamed woman as vice presidents. 
Before developments got that far Khartoum was celebrating; the arguments between the South Sudanese warlords around the arithmetic of the arrangement were but a side-show. The jubilant stick-dancing on 6 July in the command headquarters of the Sudan Armed Forces (SAF) joining Sudan’s spy chief Salah Gosh in a flowing jellabiya and South Sudanese politicians in their elegant suits was the in-house version of the celebration on 5 August. The performers on commission of the NISS bellowed the lyrics of an old Sudanese tune “Juba what to do you have against me?”
Well, Gosh had good cause to rejoice. The South Sudanese belligerents had just agreed to grant Khartoum and Kampala immediate monitoring capability over their military affairs in their capacity as leading members of a restructured and reconstituted Ceasefire Transitional Security Arrangements Monitoring and Verification Mechanism (CTSAMVM) in the last article of a four pages transitional security arrangements agreement following on the ceasefire declaration signed by President Kiir, Riek Machar and leaders of other South Sudanese factions in Khartoum on 27 June. No one expects the agreement to hold as such. What matters is that it formally endorses the authority of Khartoum and Kampala over the power calculus in Juba and allows that authority to operate openly. Khartoum cannot be accused in meddling in South Sudanese affairs anymore, it is an invited actor on a busy field that it cannot afford to vacate. 
Adequately timed, Khartoum delivered on 4 August a second batch of proposals to Washington on the normalisation of ties between the two countries in line with the ‘Five Track Engagement Plan’ in which Khartoum agreed to a cessation of hostilities against armed groups, unfettered humanitarian access to conflict-affected areas, support of efforts for peace in South Sudan and further cooperation with the US on counter terrorism in the region. Washington has so far lifted its 20 years old economic sanctions regime on Khartoum but did not remove Sudan from its list of state-sponsors of terrorism thus barring Sudan further from access to debt relief and international financial assistance. 
Attendant at the Friendship Hall celebration was President Museveni of Uganda. He apparently flew in for the occasion directly from his farm and had no time to put on a proper statesmanly suit. He was so concerned about his decorum that he apologised to the guests and the crowd and blamed President Bashir for the sartorial mishap asking for a cow in compensation in keeping with alleged Ugandan custom. Uganda’s military intervention in South Sudan was welcomed in Juba and hailed by some as an African version of ‘humanitarian intervention’. Khartoum was not amused. Ugandan troops entered South Sudan just five days into the outbreak of conflict in Juba on 15 December 2013. At the time, Kampala argued that it had amongst other reasons been invited by the government in Juba to maintain security and order. Indeed, President Kiir’s government signed a Status of Forces Agreement (SoFA) with the Ugandan government on 10 January 2014 allowing the Ugandan army to operate in South Sudan.
Kasaja Philip Apuuli, a Makerere political scientist, analysed at length the multiple declared motivations of Uganda’s military involvement in South Sudan to conclude that it’s the economy stupid. South Sudan, he explained, has since 2007 been the single largest recipient of Ugandan exports. Apuuli quoted an estimate from the Bank of Uganda from January 2014 of 220 million US dollars worth of goods per month amounting in 2012 to an income of 1.3 billion US dollars, or a quarter of Uganda’s annual budget calculating by estimates from 2013-2014. Khartoum, perceived for all practical purposes as the patron at large of South Sudanese rebels, could at no juncture ground its involvement in South Sudan on any semblance of justification apart from Juba’s support for Sudanese rebel groups. Now, it co-leads the CTSAMVM if you recall what that is and has ample opportunity to ‘manage’ South Sudan's military-bureaucratic elite comfortably hosted in the SAF headquarters. 
If South Sudan is a treasure chest for Uganda, South Sudanese oil is the lifeblood of Sudan’s economy. The loss of oil revenues following the independence of South Sudan in 2011 left Khartoum’s finances in shambles, a situation made ever more acute by the failure of President Bashir’s successive cabinets since to work out any alternatives. At the height of production back in 2008, crude petroleum exports at production levels of around 500 thousand barrels per day (bpd) amounted to 2.53 billion US dollars or 84% of Sudan’s total exports. Today, Sudan produces around 100 thousand bpd, an amount that is not even sufficient to grease the machinery of kickbacks and racketeering that facilitates oil operations in the first place, hence the inability of the government of Sudan to maintain its only functional refinery in Khartoum. The Khartoum refinery has been on and off for the past year or so for lack of repairs and the Port Sudan refinery was finally decommissioned in December 2017. As a consequence Sudan has been in the throws of a punishing foreign currency deficit and a consequent fuel crisis over the past few years. 
Khartoum's response to its economic malaise has been a combination of bluff and security measures. Already in 2012, Sudan declared that it had earned 2.2 billion US dollars that year from gold revenues. A similar figure was quoted repeatedly under the title of a Qatari loan and again a Saudi loan. There has been indeed a gold rush of sorts in Sudan’s northern regions pioneered by artisanal miners working under treacherous conditions and unwilling to surrender their precious produce to the Bank of Sudan, which initially claimed monopoly of purchase and then relaxed its ineffectual policy allowing private producers in March 2017 to export 60% of their production and sell the remaining 40% to the Bank of Sudan. The Bank reversed course again in November 2017 declaring a monopoly on the purchase and export of gold with the exemption of licensed companies which were permitted to export 70% of their production and sell the remaining 30% to the Bank of Sudan. This exemption was then annulled in February 2018 with a presidential declaration of an outright monopoly of the purchase, sale and export of gold. 
According to the available figures, gold currently amounts to 33% of Sudan’s exports, the government maintains however that 90% of gold production is smuggled out of the country, a figure that is employed as an excuse for the economic meltdown in the country and as a license to securitise the gold mining sector. The Ministry of Mining reported that around 2 million people are directly or indirectly involved in the artisanal mining sector which according to government figures contributes 90% of gold production while a list of 370 medium- and large-scale companies, 102 of which are foreign, hold concessions in 120 locations but contribute only 10% of gold production. To buy the gold it wants so badly to turn into foreign currency the Bank of Sudan is at great pains to offer competitive prices to producers in order to discourage smuggling and has resorted to printing cash, thereby driving inflation upwards and the value of the Sudanese currency steeply downwards. 
The government’s attempts to increase its share of gold capture has recently translated into a crackdown on individuals and entities accused of involvement in credit creation for financing gold purchases. In March this year the National Intelligence and Security Service (NISS) arrested the director general of Faisal Islamic Bank and the chairman of the board of directors of the Islamic Insurance Company on accusations of corruption. The list of detainees included over the past months the directors of three prominent oil companies, several businessmen and and the deputy chairman of the board of directors of the Bank of Khartoum. To formalise the new authority of the NISS, President Bashir and Salah Gosh inaugurated on 30 July a new directorate of the security service tasked with the combat of corruption. In its quest for rent, an exasperated President Bashir is axing at his own political base. 
It is under these circumstances that Khartoum seeks some working arrangement between the South Sudanese belligerents to enable the resumption of oil production in South Sudan, and hence shore up its finances through the terms of the 2012 post-secession arrangements agreement between the two countries. Under the terms of the deal, South Sudan still owes Sudan 1.3 billion US dollars worth of oil, an equivalent of 8 years worth of oil production at current prices. South Sudan had agreed to pay Khartoum 3 billion US dollars in compensation for the loss of oil as well as 26 US dollars in fees for each barrel of oil exported through Sudan. In the fiscal year 2015/2016 the International Monetary Fund estimated that Juba accumulated 291 million US dollars in payment arrears related to the 2012 agreement. 
The essential component of the deal from Khartoum’s perspective, it follows, is the clause included already in the 27 June Khartoum Declaration surrendering the security of the oil fields to the Sudanese army in coordination with Juba and providing for immediate resumption in collaboration with the Sudanese government of the rehabilitation of damaged oil installations in the Unity region, blocks 1, 2, 4 and 5. Sudan and South Sudan agreed a day earlier to double oil production form South Sudan’s oil fields by the end of the year. Earlier in the month, on 7 June, Juba had declared an agreement with a visiting delegation from Khartoum to repair South Sudan’s damaged oil fields. On 9 July, a Sudanese delegation was in Juba to discuss technicalities of rehabilitation and re-operation. Technical teams from Sudan’s Ministry of oil inspected oil fields in South Sudan and scheduled further visits once security was ensured. 
Judging by precedence and intent, Sudan’s predatory stance is no novelty. Khartoum and Juba had signed already in September 2017 an agreement to increase oil production in South Sudan with Sudanese assistance. Luke Patey, an expert on the oil industry in Sudan and South Sudan, said the trend was “a reversal of the economic independence South Sudan won after separating from Sudan”. Indeed, on 19 July South Sudan’s Minister of Oil said Sudan and South Sudan have effectively deployed a joint border force to protect his country’s oil fields. Within two months, he said, we will produce oil from the fields of Unity and export it through Port Sudan. 
Khartoum’s ‘peace’ in South Sudan is reminiscent of its original war harking back to the knot that is Bentiu's oil fields. The Chevron camp close to Bentiu was the site of the 1984 rebel attack on oil workers. At the time, the Sudan government promised to protect the oil fields and began arming militias, initially from the ethnic Misseriya of neighbouring South Kordofan to counter the southern Sudanese rebels and subsequently from rival ethnic Nuer factions. This mission developed into a long-term campaign to depopulate the Dinka and Nuer communities around Bentiu and involved in the commission of Khartoum and the oil firms in its partnership the notorious militia formations that coalesced under the banner of the undead South Sudan Defence Forces (SSDF). President Bashir was probably involved directly in these undertakings. In the late 1980s, he was posted in al-Muglad of South Kordofan at the time when the government was recruiting militia forces to fight the Sudan People’s Liberation Army (SPLA) and he was in Unity’s Mayom doing the same until a week before the putsch that brought him to power in Khartoum. The liberation leaders of yesteryear dine today around his table, their flag shredded into napkins, expectant of cars and offices.

Thursday, 5 April 2018

The sultanic politics of an ageing Bashir

A jubilant President Bashir addressed crowds in the White Nile’s Aba Island on Wednesday 4 April. The ageing president appeared unconcerned by the severe fuel shortage around the country and skyrocketing prices of basic commodities. His host, the governor of the White Nile State, Abd al-Hameed Musa Kasha, went to great lengths to secure the good mood of the president. The only factor that appeared beyond control was the scorching sun, to which President Bashir responded with his habitual grimace and pinched eyes. Kasha put together a live show for the president. Soldiers of the Sudan Armed Forces’ 18th infantry brigade stationed in nearby Kosti attempted to replay a scene from Sudan’s Mahdist history for entertainment. 
The soldiers split into two groups, Mahdist forces dressed in jibbas and armed with wooden spears and swords and Turkkiya troops in military uniforms with bayonets at hand. The brief spectacle that unfolded before an amused President Bashir was supposed to enact the battle of Aba, the first encounter between the insurgent Mohamed Ahmed al-Mahdi and his loyal followers (Ansar) at Aba Island and a small disciplinary force dispatched by the Turkiyya colonial government in Khartoum on 12 August 1881. In actual fact, the force led by Abu al-Saoud al-Aggad was overwhelmed by the Mahdists as soon as the soldiers descended from their steamer. The force commander who had not joined the battle escaped back to Khartoum with few survivors to inform his superiors that the fakir of Aba Island was not to be frightened back to his senses with 200 soldiers. In the replay, the force commander is seen on the battlefield for dramatic effect and the Mahdi himself appears at the closure of the scene to celebrate victory with his Ansar. 
Sadig al-Hadi al-Mahdi, cabinet minister and descendant of the Mahdi himself, accompanied President Bashir on the visit as as a surrogate Ansar imam. In his speech he reminded the crowds that Aba Island was the scene of a second violent episode in recent history. Sadiq’s father, al-Hadi, was the imam of the Ansar when Jaafar Nimayri jumped to power in a Nasser-style putsch in 1969. The imam vowed to resist and withdrew to Aba with loyal followers and militant Islamists eager for a showdown. The situation deteriorated further when the Ansar urged by their imam sabotaged a visit by the young president to the area and Nimayri responded with firepower. Troops of the Sudanese army stormed the island after rounds of aerial bombardment and a battle ensued with the armed Ansar and Islamists. Unlike 1881, the Ansar were defeated and al-Hadi the imam was forced to flee towards Ethiopia where government forces caught up with him close to the border and killed him. 
The Ansar Imamate however did not pass to al-Hadi’s son but his star nephew, the famed al-Sadiq al-Mahdi, who had by then already broken ranks with the uncle and established himself as a moderniser of the Ansar and the Umma Party. Sadiq al-Hadi al-Mahdi has Bashir to thank for his political career. He has recycled in junior ministerial positions since 2000 when he joined the government together with his more prominent cousin and current investment minister, Mubarak al-Fadil al-Mahdi. Unlike Mubarak who ventured back into the wasteland of the opposition for several years before seeking the corridors of power again through President Bashir’s national dialogue, Sadiq al-Hadi al-Mahdi demonstrated an admirable perseverance in insignificance.
In Aba, al-Hadi’s son discovered his faculties as an amateur historian. Sadiq al-Hadi framed the 1970 confrontation on the island between the Ansar and the army as a battle between ‘Islam’ and ‘atheism’. He then made the impressive claim that Bashir as president and commander of the same army that routed the Ansar in Aba carried on the project of the slain al-Hadi the imam while atheism was defeated in a replay of 1881! The thousands upon thousands of civilian lives, lost and wasted, in President Bashir’s wars have no place in Sadiq al-Hadi’s historical legend. What he preferred to ignore is the common theme of state violence directed at opponents of central power. The Ansar killed in Aba were victims of state power, he is a minor beneficiary. 
Sadiq al-Hadi is no historian; he was just playing second fiddle to Bashir the lifelong president on what is by all means an early election campaign rally. Kasha, the governor of the White Nile State, calculated that his interests might be better served by vacating the stage as soon as possible for the president. Instead of delivering a speech he was content or sly enough to introduce Bashir and withdraw. The president took an energetic Obama-step from his seat to the stage; he spoke for ten minutes repeating promises he has made before, development and more development! Bashir’s final note however is worth considering. He told an amused crowd: “When I come back here next time I want to find the roads in Aba paved in asphalt. If not, I will cut Kasha’s head off.” The highlight was the concluding dance. Insaf Medani, the queen of dalooka who catered for the concluding entertainment sang: “His name is Omer and al-Hassan is his father, say well, get up and elect him”, and Omer spared no dance move. 
From Aba Bashir and his entourage flew to Kenana where the president inaugurated a new military airbase. He then departed to Rabak, the capital of White Nile State, where the governor Kasha had prepared an evening speaking event for the president in the town’s stadium. Bashir made a point of stressing his seriousness in combating corruption. Days earlier, the security forces had arrested the managing director of Kenana Sugar Company on undisclosed grounds. Abd al-Raouf Mirghani joins several prominent businessmen and financiers in detention including the directors of Faisal Islamic Bank and its associate Islamic Insurance Company. In Rabak, President Bashir upped the ante further claiming that he was acting to enforce a sharia-informed vision of social justice in line with the Quranic injunction to prevent the monopoly of wealth and power. The populist twist is interesting as an electoral gimmick but threatening as a political manoeuvre. The president, self-assured as he is, seems to be striking at a key component of his power base or in the fashion of racketeers engaged in a round of extortion in these times of state financial distress. 
True to tradition, President Bashir could not do without poking from afar at a foreign enemy. Without naming her, he accused Dame Rosalind Marsden, former British ambassador to Sudan (2007-2010) and former EU special representative for Sudan and South Sudan (2010-2013) of masterminding the recent meeting of the Sudan Appeal allies in Paris. When leaving her post as ambassador, he said, she came to me and instead of saying how wonderful the Sudanese people are, like her peers, she started giving me instructions. I could not take it and gave her a piece of my mind, he boasted, adding I made her regret the day she was born. I can well imagine Omer nodding in confused embarrassment with the trademark grimace on his face in response to whatever Dame Marsden might have told him. 

Friday, 23 February 2018

مع باديو: سبع سنوات والشعب يريد

آلان باديو، إعادة ولادة التاريخ: عصر العصيان والانتفاضات، دار فرسو، ٢٠١١
آلان باديو، الفرضية الشيوعية، دار فرسو، ٢٠١٠
آلان باديو، الفكرة الشيوعية، ضمن الفكرة الشيوعية (تحرير كوستاس دوزيناس وسلافو جيجيك)، دار فرسو، ٢٠١٠
مصر وتناقضات الليبرالية: الصفوة جزافية الليبرالية والديمقراطية المصرية (تحرير داليا فهمي ودانيش فاروقي)، دار ون ورلد، ٢٠١٧

التقت لندا هريرا ودينا الشرنوبي بالفيلسوف الفرنسي آلان باديو في باريس بمناسبة الذكرى السابعة للثورة المصرية (يناير ٢٠١١) لتقصي رأيه حول مآلات الثورة في العالم والعصر الذي نحن فيه. قال باديو أن الثورة المصرية شهدت ولادة نوع جديد من الحركة السياسية شغل موقعا بين المادي والرمزي، حركة استنفذت الهدف السلبي منها، أي الإطاحة بمبارك، لكنها لم تطرح على نفسها أو تعقّد عليها أن تطرح سؤال الهدف الإيجابي. عدَّ باديو الثورة المصرية في مؤلفه عن القضية ولادة جديدة للتاريخ، وقال أهميتها تتعدى مصر والشرق الأوسط إلى مجمل الحركة السياسية في العالم. قال باديو أن تعريف الهدف الإيجابي من الثورة كان معجزا لأن الإجابة الكلاسيكية، أي الاستيلاء على السلطة السياسية كما هي، لم تكن لتكفي الثوار ولم يكن ذلك هدفهم. بذا تطرح الثورة المصرية على العالم سؤال ما هي فكرة التغيير الحقيقي؟ أو ما هي الثورة اليوم؟، ما هي الرؤية السياسية اليوم؟
عند باديو، فيلسوف الحدث والحقيقة، هنالك وجهان للأزمة الكونية، وجه موضوعي هو أزمة الرأسمالية المتأخرة ووجه ذاتي هو انفلات أي نظم للحياة وللفكر و غلبة تصورات مشوشة وملتبسة للمستقبل. يواجه شابات وشباب اليوم مستقبلا غامضا، هل تستمر الأمور كما هي عليه أم هل بأمكاننا اجتراح حياة جديدة؟ هذا بينما يقدم السياسيون من كل الأصناف والتوجهات فكرة صمدية في صور شتى لا تعدو أن تكون الاستمرار في الذي سبق، أي تكرار الواقع. هذا بطبيعة الحال ليس المستقبل الذي ينشد شابات وشباب اليوم. أمام العجز عن التأثير الفعال في الوجه الموضوعي للأزمة الكونية يتبقى أن تقدم الفلسفة اليوم أفكارا جديدة، رؤى جديدة لتغيير العالم. 
يقترح باديو أن يبدأ هذا المستقبل بتعريف جديد للحرية، فالحرية في الممارسة المعاصرة هي حرية الشراء، حرية الامتلاك، حرية أن تفعل ما تشاء وقتما تشاء متى تيسر لك المال. لذلك، يرى باديو ضرورة لتعريف جديد للحرية يصدر عن فعالية الخلق والإبداع لا فعالية الاستهلاك والاستمتاع في التخريج الرأسمالي. يشترط باديو للحرية الجديدة أدبا جديدا وفنونا جديدة ومخترعات جديدة وصيغ تنظيمية جديدة للعمل السياسي وفي خضم ذلك سياسة جديدة. وهو بذلك يبشر من موقع الفيلسوف المتفائل بدنيا جديدة وليس فقط بانتقال السلطة من فريق إلى فريق. لشرح مقصد باديو يجب إضافة التحذير الصحي أن باديو يرهن كل تجديد للحياة بما يسميه الفرضية الشيوعية وتعريفها الدقيق عنده القول بإمكانية تجاوز الملكية الفردية. ما عدا ذلك، كما يفصل في كتابه القصير بذات العنوان، استسلام لاقتصاد السوق والديمقراطية البرلمانية المرتبطة به كنهاية للتاريخ، أي تكرار للمكرر مع توقع نتائج مختلفة. 
في تشخيص باديو تمثل مفاهيم التحديث والإصلاحوكذا الديمقراطية والغرب والمجتمع الدولي وحقوق الإنسان والعولمة بل حتى العلمانية كما تتجلى في الممارسة الملموسة محاولات شتى لفرض أوضاع يمكن فيها للرأسمالية الكونية ولسدنتها من السياسيين استعادة شروط نشأتها الأولى: عقيدة الليبرالية الاقتصادية في أصفى صورها من منتصف القرن التاسع عشر والسلطة غير القابلة للمسائلة لصفوة رجال المال وخدعة حكومة برلمانية تتكون غلابا من سدنة رأس المال كما في تقدير ماركس. في هذا السبيل تجتهد الرأسمالية الكونية للإطاحة بكل مكتشفات ومنجزات الحركة العمالية والشعوب المقهورة وما اتصل بها منذ ١٨٦٠ وحتى ١٩٨٠ واستبدال ذلك بسيادة قيم الامبريالية الصمدية. على هذا الأساس يقارن باديو بين الثورة المصرية، باعتبارها مفتاح سلسلة تاريخية جديدة، وبين اختلاجات الحركة العمالية الأولى في ثورات أوروبا ضد البطش والاستبداد عام ١٨٤٨. في كل، أفلتت اللحظة السياسية من يد الثوار على نبل قضيتهم ليفوز بالجولة من يسيطرون على التنظيمات التي تدعي تمثيل القوى الشعبية، أحزاب برلمانية أو نقابات فاسدة، ثم من بعدهم قادة الثورة المضادة. 
في المقابل شدد باديو على بعث الفكرة بالتواز مع نهضة التاريخ في ميدان التحرير، الفكرة التي باستطاعتها مقارعة صيغة الديمقراطية الخالية من كل محتوى ذات الرايات الرأسمالية وكذلك العقائد العنصرية والقومية الشوفينية ذات الطابع الفاشي المبتذل التي احتلت مواقع اليسار القديم في الخارطة السياسية والاجتماعية. عند باديو، اسم هذه الفكرة ليس سوى الفرضية الشيوعية. يقر تلميذ ماو أن فكرة الشيوعية التي يطرح تصور مثالي وليس برامجي، لكنها في تقديره لا غنى عنها لتغيير العالم، بل يدعي باديو أن كل محاولة للثورة على الظلم وبسط العدالة والمساواة تنهل بصورة أو أخرى من الفرضية الشيوعية. كما نشأت الماركسية ذات الإسم عشية ثورات ١٨٤٨ على يد ماركس وانجلز في مسعى الصراع السياسي من أجل تنظيم جديد للمجتمع على قاعدة المساواة يتفاءل باديو بإعادة ولادة الفكرة الشيوعية في عصرنا الملتبس. 
باديو الفيلسوف منضبط العبارة كل الانضباط فالماركسية عنده معرفة، وكأي معرفة تتصدى لمصاعب لا بد على الدوام من تركيبها وإعادة تركيبها في كل تشكيل تاريخي وليس تكرار وصفاتها. باديو لا يرى الماركسية فرعا من فروع الاقتصاد باعتبارها نظرية لعلاقات الإنتاج أو فرعا من فروع علم الاجتماع باعتبارها تسعى لتوصيف موضوعي للأوضاع الاجتماعية كما أنها ليست فلسفة باعتبارها تطرح تصورا ديالكتيكيا للتناقضات بل هي في تعريفه معرفة منظمة بالوسائل السياسية اللازمة لتفكيك المجتمع القائم واجتراح تنظيم جديد للجماعة البشرية على أساس المساواة عنوانه الشيوعية. يقرر باديو في أكثر من موقع في كتبه أن العالم الذي نعيش هو تحقق شبه حرفي لاستقراءات ماركس في منتصف القرن التاسع عشر حول الصيرورة الوحشية للرأسمالية فكأن العجوز كان يكتب رواية خيال علمي أصبحت واقعا. استسخف ماركس حكومات القرن التاسع عشر قائلا ما هي سوى إدارات لرأس المال ووصفه أصدق اليوم حيث تكاد تنعدم الفروقات بين اليسار واليمين في الحكم. يسأل باديو، ما الفرق يا جماعة بين ساركوزى وميركل في اليمين وزاباتيرو وأوباما في اليسار؟ بذا، يقول باديو، نحن شهود على تراجع مريع نحو جوهر الوحشية الرأسمالية بعد هزيمة آخر موجه للبعث الشيوعي الثوري يعتد بها في ستينات القرن العشرين. عند باديو، مثلت الثورة الثقافية في الصين (ويؤرخ لها بالنشاط الجماهيري بين نوفمبر ١٩٦٥ حتى يوليو ١٩٦٨) ختام السلسلة الثورية التي فتحت طريقها ماركسية لينين (لبيان حجج باديو في هذا الصدد أنظر مقالته الثورة الثقافية: آخر ثورة؟ في مجلة Positions ١٣:٣، ٢٠٠٥، دار جامعة ديوك للنشر). 
ماذا تمثل الثورة المصرية إذن؟، يرى باديو أنها افتتاح دورة جديدة للصراع الاجتماعي، ولا بد من دراسة كل تفاصيلها، الثورة والسلطة والثورة المضادة، لإدراك تركيب المصاعب التي يطرحها العصر على الماركسية أو قل علم الثورة. عد آصف بيات الثورة المصرية ثورة من غير ثوريين، والأدق إن اتبعنا قياس باديو أنها عصيان بغير رؤية، حققت هدفها السلبي، أي الإطاحة بمبارك واستنفذت نفسها. هذا عند باديو لا يقلل من أهميتها من حيث أنها بداية لنوع جديد من العصيان الجماعي، اخترقت أشكال التنظيم المعهودة وإن لم تخترع صيغا جديدا للتنظيم السياسي تمكن من ترجمة روحانيات الثورة إلى ممارسة سياسية تتصدى لمطالب الناس الذي اجتمعوا على وحي الميدان. 
طرح الممثلون السياسيون للميدان، وهم، باستثناء الاشتراكيين الثوريين، من الصفوة الليبرالية المصرية، على جمهورهم مفاهيم الإصلاح والتحديث والديمقراطية وحقوق الإنسان كما في هي في تخريجها الامبريالي المعاصر بغير جرح وتعديل ثوري. لما جاءت أصبح الصبح وجد غالب الناس في المعاني البديلة التي استخرجها الأخوان المسلمون من صراعهم الطويل ضد السلطة في مصر مهربا أكثر أمنا من حدوتة التحديث التي طالما تغنى بها حتى الحزب الوطني. شاهد ذلك أن الناخبة المصرية فاقت لنفسها في صباح اليوم التالي للثورة بين اختيار أحمد شفيق، رئيس وزراء مبارك، وبين محمد مرسي، مرشح الأخوان المسلمين للرئاسة بينما انسحب الليبراليون المصريون من ساحة التنظيم السياسي في انتظار جودو الديمقراطية.  
ماذا يعني انتصار الأخوان المسلمين الانتخابي إذن؟ التقدم نحو هذا السؤال يستدعي العودة إلى ساعة ولادة النسخة الثورية من الإسلام السياسي. زار ميشيل فوكو إيران عشية الثورة عامي ١٩٧٨ و١٩٧٩ وعاد منها شاهقا بما شهد، شغف عبر عنه في مقالات قصيرة منها المنشورة في لو نوفيل اوبزرفاتور ١٦-٢٢ أكتوبر ١٩٧٨. أعاد جانيت آفري وكيفن آندزسون نشر كلمة فوكو بماذا يحلم الإيرانيون؟ في ملحق كتابهما الصادر في ٢٠٠٥ بعنوان فوكو والثورة الإيرانية: الجندر وإغواء الإسلام السياسي. يطرح فوكو في كلمته القصيرة فحوى الإسلام السياسي بطريقة تستحق إعادة الاعتبار اليوم بعد أن كال له المثقفون الليبراليون التهم، فهو عند من أحسن الظن مغفل نافع لحس الملالي الإيرانيون عقله وعند من ساءه مسحور بفارس كثيفة اللذات كما كل مستشرق. لكن، لفوكو ملاحظات دقيقة حول إيران الثورة، منها أن فشل التنمية الاقتصادية، أو قل تناقضات الرأسمالية تحت شروط كولونيالية، حالت دون استقرار قواعد حكم ليبرالي غربي. منها كذلك أن الملايين الذين ثاروا ضد الشاه جمعهم هدف سالب، أي الإطاحة بنظام الحكم، وأن الصفوة الليبرالية في إيران إما فقدت كل مشروعية باصطفافها خلف الشاه أو استسهلت تحدي الإسلام كقوة سياسية ظنا منها أنه متى سقط الملك وعادت عجلات السياسة التقليدية للدوران سينحسر لا بد ظل الخميني الطويل. 
قال فوكو أن السؤال الذي يظل يشغله طوال إقامته في إيران كان ماذا تريدون؟ وظلت الإجابة التي يتلقاها هي حكومة إسلامية في تكرار للشعار الذي طرحه الخميني للثوار من منفاه في إحدى ضواحي باريس. لم ينشغل فوكو بالتعريف الوظيفي للحكومة الإسلامية المنتظره فقد كفاه بعض من التقاهم بأنهم يقصدون اليوتوبيا أو المثال، ثم شرح له شارح الممارسة التي تغذي المثال المنشود. برواية فوكو، ألمت بمدينة فردوس الإيرانية حوالي عشرة أعوام قبل الثورة فاجعة مريعة. حطم زلزال قاهر كامل المدينة فلم يبق منها شيئا على عَمَد. أعدت السلطات خطة لإعادة الإعمار دون استشارة أهل البلد من الفلاحين وصغار الصناع لكن لم توافق طموحاتهم فرفضوها. بدلا عن الخطة الحكومية تآزر هؤلاء تحت قيادة رجل دين محلي فأنشأوا بلدة بديلة في موقع قريب. جمع المواطنون التبرعات وأقاموا بالعون الذاتي شبكة مياه وأنشأوا مجموعات تعاونية للبناء وللمواد الاستهلاكية. أطلق مواطنو فردوس السابقين على بلدتهم الجديدة إسم إسلامية في احتفاء بالقيم الجماعية التي مكنتهم من حشد قواهم لهذا العمل. 
في تقدير فوكو كان الزلزال الذي أصاب فردوس مناسبة للاستفادة من البنى الدينية كبؤر للمقاومة وكموارد للإبداع السياسي. هذا إذن ما يحلم به غمار الناس، ومنهم قتلى كثر في رابعة العدوية، حين يحدثون أنفسهم بالحكومة الإسلامية. على هذا الأساس قضى فوكو أن الحكومة الإسلامية ليست فكرة بالمعني الدقيق وليست مثالا بل هي إرادة سياسية كمثل الإرادة التي ساقت المئات في رابعة والنهضة إلى عزيز كريم. جاء المرحوم عبد الخالق محجوب على معنى مماثل في كتابه آراء وأفكار حول فلسفة الأخوان المسلمين حيث أشار إلى أن المساواة وعدالة توزيع عائدات الإنتاج شكلتا روح الدعوة الإسلامية في نهضتها الأولى. هذه المساواة وتلك العدالة تلحان في التطبيق في ظروف نمت فيها الثروة الاجتماعية وتزايدت قدرات الناس على انتزاع طيبات الحياة وخيراتها من مادتها الخام. نبّه المرحوم عبد الخالق محجوب إلى ضرورة أن تمتد اليد المنافحة عن العلمانية إلى جوهر القضية الدينية لدرء التواء السياسة بالدين لا أن تكتفي بالمدافعة عن مواقعها. 
لا عجب إذن إن كان الإسم الثاني الذي عبأ الفضاء الثوري في إيران بعد الخميني هو علي شريعتي. كانت رسالة شريعتي الرئيسة أن المعني العميق للإسلام ليس في التفاسير الدينية الموروثة والمحنطة منذ قرون بل في تعاليم المساواة والعدالة الاجتماعية التي بشر بها النبي الكريم والإمام الأول علي. نهل شريعتي من موارد عدة وزاوج بينها فخصص جل جهده للملائمة بين الإسلام الشيعي وبين النداء الثوري للماركسية. اهتم شريعتي كذلك بالعلاقة الديالكتيكية بين النظرية والممارسة، وهي قضية همّ لها من باب تمحيصه لميلاد وصعود ثم جمود وتدهور الحركات الدينية الثورية. بهذا المدخل اعتقد شريعتي المؤمن جازما أن الإسلام الشيعي لجوهر ثوري فيه لن يقع عليه قانون الجمود والتدهور كسواه. 
لكن، لم ينعقد لواء للإخوان المسلمين في مصر كما انعقد للخميني المنتصر وتسارعت دورة الثورة المضادة التي نشد الأخوان المسلمون حلف قادتها أملا أوتقية أو قلة حيلة أو بأي دافع كان حتى اكتملت بانقلاب السيسي في ٣ يوليو ٢٠١٣. يدعو باديو إلى تدبر هذه الصيرورة واستخلاص دروسها باعتبارها مثال أول للمعضلات التي ستواجه أي نهوض ثوري في المستقبل، مشت الديمقراطية أو جات! بعض ذلك مما يجده القارئ في فصول مصر وتناقضات الليبرالية. يتصدي الباحثون في هذ الكتاب للإجابة على سؤال ربما عَنَّ لباديو: لماذا وكيف وأدارت الصفوة الليبرالية المصرية ظهرها للديمقراطية الوليدة واستقبلت السيسي بطل الثورة المضادة استقبال الفاتحين. 
الحجة المركزية في الكتاب تتصل برأي بانكاج ميشرا أن الليبرالية الغربية شُقَّت من ضلع امبريالي ومن تناقضاتها العقيدة المنشرة بين الليبراليين أن الشعوب المتخلفة خارج الفضاء الأوروبي متى ما اختارت ديمقراطيا أخطأت كمثل ما أخطأ المصريون باختيار الأخوان المسلمين وأخطأ الإيرانيون قبلهم بجذب الخميني ولا بد أن تساق إلى الليبرالية الحقَّة بالحديد والنار. يذهب ميشرا أبعد من ذلك فيقول أن هذه التناقضات تتعدى المشروع الامبريالي واستمرت فاعلة خلال الحرب الباردة وبعدها. يقرر ميشرا أن ذات اليبراليين الغربيين الذين ينادون بالسوق الحرة والمساواة بين الناس هم المستفيدون الأول من تاريخ طويل من الحمائية التجارية ومن العنصرية المتجذرة في بلدانهم. إلى ذلك كانت الحمى المضادة للشيوعية عرضا لجزافية الليبرالية الغربية وتحورت مجددا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في هيئة الليبرالية الجديدة ذات الأنياب الحادة. عند ميشرا لا تمثل هذه التناقضات سمات عرضية لليبرالية الغربية بل هي نتاج مباشر لافتراضات عقيدة التقدم االتاريخي من القرن التاسع عشر. 
أخذ خالد أبو الفضل في الفصل الثامن من الكتاب بجانب من حجة ميشرا في تحليله لعلاقة الصفوة المصرية بجهاز الدولة. يشرح أبو الفضل كيف نصَّبَت الصفوة الليبرالية المصرية نفسها طليعة لشعبها منذ العهد الاستعماري مُسلحة حصرا بأطر معرفية غربية واختارت أن تكون خادما لجهاز الدولة القابض. لذلك قال أصبح أغلب اعتمادها على آلة الدولة القهرية للحفاظ على موقعها المتميز في المجتمع المصري ولدفع أي تهديد شعبوي محتمل بما في ذلك النمس الإسلامي. عند أبو الفضل، يمثل احتماء الصفوة الليبرالية المصرية بالسيسي إلا من رحم ربي ساعة أتاهم الأخوان عبر الصندوق الذي طالما بشروا به شاهد جديد على هذا القانون الثابت، قانون الثورة المضادة! 
لم تهد سنين من العسف العسكري في السودان بعض أصفى الليبراليين فيه، مخضرمين ومحدثين، إلى هذا القانون، سمعنا منهم شماتة فظة حين حصد السيسي أرواح الغلابة في النهضة ورابعة، طارت الديمقراطية من رؤوسهم ببعبع الإسلاميين كما طارت من رؤوس أقرانهم المصريين. نسألهم مع باديو. ما هي فكرة التغيير الحقيقي؟ أو ما هي الثورة اليوم؟ وأي مفهوم للحرية ينشدون؟ ونسألهم مع لينين حرية من ولفعل ماذا؟!

Tuesday, 13 February 2018

What to do with Salah?

In a flattering piece from 1973 the New York Times picked up one of Jafaar Nimayri’s nicknames. Sudan's president from 1969 to 1985 was known as “Sartana”, the hero of a series of Italian-made Westerns, dismissively known as spaghetti Westerns, once popular in Sudan’s cinemas. A Sudanese quoted in the Times piece said Italians, unlike the Americans, make no moral distinctions between good guys and bad guys in their Westerns: They like their heroes tough and mean. Sartana always comes back, bouncing alive from every encounter. “If You Meet Sartana Pray for Your Death” and “Sartana Does Not Forgive” were memorable titles. When President Bashir issued a decision on 11 February bringing back Salah Abdalla Gosh, the dishonoured former spy chief, to his position as director of Sudan’s National Intelligence and Security Service (NISS), the gist of the matter was immediately captured by Sudanese satire in a “Sartana” title “Light the Fuse…Sartana is coming”!
Cynicism in this situation is arguably a better frame of reference than grim political analysis. For certain individuals in Sudan’s political scene the situation is not at all funny. The editor of a prominent Sudanese daily immediately went to work when he heard the news I suppose and wrote a 600 words or so piece for the next morning to clear his tainted slate. In keeping with the tunes of power, the editor had hurled insults at Salah Gosh at the moment of his demise, when the former NISS director was accused of involvement in a coup plot back in November 2012 and thrown for eight months into a prison outside Omdurman that he had ordered built himself as spy chief and aptly named al-Huda (arab. guidance) Prison. This time around, the obviously overwhelmed editor claimed that he had been advocating for the return of the ruling National Congress Party (NCP) old guard to power all along. He specifically named three individuals: Ali Osman Mohamed Taha, the long time vice president replaced by Bakri Hassan Salih in December 2013, Salah Abdalla Gosh, the security strongman, and Awad Ahmed al-Jaz, the veteran oil minister who vacated his post together with Taha and others in December 2013 but was kept in the proximity of the president as assistant and official for the China and Russia dossiers. The editor intentionally avoided one name, Nafie Ali Nafie, the former senior presidential assistant and deputy chairman of the NCP, and for good reason. 
Salah Gosh had been party to a power struggle between Ali Osman Mohamed Taha and Nafie Ali Nafie on the side of the former that unfolded in full following the independence of South Sudan in 2011. Nafie calculated at the time that the opportunity was his to grab given the public perception that Ali Osman Mohamed Taha was primarily to blame for the outcome of the Comprehensive Peace Agreement (2005) that the vice president had negotiated eventually singlehandedly with the late Sudan People’s Liberation Army/Movement (SPLA/M) chief, John Garang. In an attempt to outbid Nafie, Taha announced a second Sudanese republic promising a new era of national reconciliation crowned by rapprochement with the US. Salah Gosh, the spy chief, played a pivotal role in this effort as the frontman in talks and active cooperation with the US security establishment. The security boss assumed a political profile of his own. His demotion from spy chief to presidential advisor for security affairs and eventually his public humiliation as coup plot suspect and inmate was in part the product of plotting by Nafie and co-conspirators. The matter was settled temporarily by the departure of both Taha and Nafie from the immediate orbit of power in December 2013. Taha went home and started a food bank and Nafie carried on a minor role as secretary general of his self-made Council of African Political Parties with headquarters in Khartoum. Out of prison, Gosh became a businessman with an itinerary that featured foremost Dubai. The three men, Nafie, Taha and Gosh, retained their seats in parliament and the first two remained engaged in the NCP kitchen. Significantly, Nafie continued to entertain a coterie of supporters with a literally ‘open door’ policy. His residence became a second Manshiyya as it were. The reference is to Manshiyya, the Khartoum neighbourhood where the late Hassan al-Turabi used to live. A continuous stream of followers, admirers and visitors were a constant presence in the sheikh’s residence as they are today in Nafie’s. 
In any case, Nafie cultivated loyal followers in the NCP, loyal enough as to pursue the idea of naming the former security chief, presidential assistant and deputy NCP chairman for leadership of the party and it follows as its presidential candidate in the 2020 elections. In 2015, Nafie’s ambitions were cut short by Ali Osman Mohamed Taha’s dramatic intervention in a decisive meeting of the ruling party Shura Council. Taha delivered a passionate plea in favour of President Bashir arguing that the president was the only credible guarantor of the alliance between the army officers and Islamist civilians that constitutes the backbone of the regime. President Bashir carried the day with a slim margin of six votes ahead of Nafie Ali Nafie. Today, the NCP seems to be bracing for a replay of the same dynamic in the run up to the 2020 elections. NCP veterans of stature are publicly advocating for a Bashir exit. Even the notoriously complacent speaker of parliament, Ibrahim Ahmed Omer, is tired of Omer but who isn’t? To counteract the unreliable Shura Council, Ali Osman Mohamed Taha and others launched in December 2017 a NCP-extraneous bid to nominate President Bashir in 2020 for another 5 years in office. Taha is apparently the not so discreet hand behind the ‘Initiative for Youth around the President’, a Sisi-style platform to promote the top man. 
Arguably, a critical mass of army officers perceive President Bashir as the custodian of their interests. It is to these men that he reached out on Friday 2 February as a wave of protests against sharp increases in living costs on the background of a free fall of the value of the Sudanese pound, seemed to upset the status quo. President Bashir briefed army officers on the situation in the country and reportedly complained bitterly of his civilian allies blaming them for the current state of affairs. Creative reports claimed the president shed tears as he recalled fallen ‘brothers’, his former deputy al-Zubeir Mohamed Salih and trusted captain Ibrahim Shams Eldin (so trusted that Bashir picked his widow Widad as second wife igniting a salvo of second marriages in the men’s club of the ruling establishment). It is not entirely clear how the officers received Bashir’s emotional appeal. Nobody was allowed to speak. They listened and cheered, it was reported. 
With the economy in disarray and the Sudanese pounds an almost worthless figment of financial imagination, President Bashir was obliged to screen his base of support for warning signs. He attended on 4 February a function of the Popular Defense Forces (PDF) in Khartoum. The mujahideen of old, long eclipsed in force and influence by the faith-deficient but militarily more effective Rapid Support Forces (RSF), were apparently enthused to see their commander in chief. The President asked them to prepare for the longer struggle, economic jihad to increase production and electronic jihad to counter the dominant public opinion against the government online. The President told the mujahideen that he fully trusted his ‘brothers’ in the Islamic Movement and the NCP and that he is not at all concerned with the 2020 elections. Trust aside, the president made it clear how he understands power. Rule is a divine call, he paraphrased the Quran, in his address to the PDF. The precise Quranic verse translates as: “O Allah, Owner of the Kingdom. You give the kingdom to whom You will, and take it away from whom You will, You exalt whom You will and abase whom You will”. The obvious message to Sudanese ears is: I am not going anywhere, inshallah! 
With almost 30 years in his record and counting, Omer al-Bashir is Sudan’s longest serving sovereign since the age of Sennar, a longevity sustained by an ability to delicately calibrate repression, concession and cooptation. As the alliances that have sustained him so long seem to be suffering the strain of impending bankruptcy, Khartoum’s political class is loudly whispering ‘boo..boo…coup’, the favoured technology for the transfer of power for an opportunistic elite. Bashir understands well the industry of coups and hopes to guard himself against innovation. His manoeuvring space is however embarrassingly restricted. Short of trusted partners and money, the President is obliged to reinvent the wheel of his alliances. Ali Osman Mohamed Taha appealed to the bloated presidential ego by championing the cause of Bashir’s reelection in 2020. The gesture did not go unnoticed. On 7 February President Bashir inaugurated a factory for iodised salt in Port Sudan. Ali Osman Taha is the chairman of the board of directors of the mother company that runs the factory, an extension of his Food Bank enterprise. Taha for the first time since his exit from office in 2013 was on camera jovially gesticulating alongside President Bashir. Immediately, Khartoum’s rumour machine sounded the claim that Taha might soon assume the role of prime minister replacing Bakri Hassan Salih who would nevertheless maintain his position as First Vice President.
What has materialised though is the return of Salah Gosh to office, possibly on direct advice from Taha. The spy chief is arguably expected to accomplish missions worthy of “Sartana”: discipline the currency traders of Khartoum, curb the increasing public appetite for protests, bolster the ruling alliance with new partners, find a settlement with the insurgents of South Kordofan and the Blue Nile, manage the RSF and their commander Himeidti more effectively in order to address the army’s concerns in this regard, secure NCP support for Bashir’s 2020 candidacy, address the dispute with Cairo in order to suppress alleged Egyptian machinations towards a Sisi-style change of guard in Khartoum, handle Saudi and Emirati concerns about Khartoum’s trustworthiness, find a formula for accelerating the pace of the Sudanese-US rapprochement currently on ice, or simply put save the day. On his first morning back to work, Salah Gosh joined a committee chaired by President Bashir tasked with implementing measures to control the exchange rate. Whether Gosh can achieve all these tasks and in whose interest is obviously a ‘divine call’ to paraphrase Bashir the fagih but so is the throne!
 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.