نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١١٦ بتاريخ ٢٦ مارس ٢٠٢٦.
غادَر الفانية في مثل هذا الأسبوع عام 2012، يوم 22 مارس، المرحوم محمد إبراهيم نُقد (1930-2012)، «أنضر الأشجار السودانية في بستان اليسار الماركسي» بعبارة صفيّه المرحوم كمال الجزولي. قال عنه المرحوم كمال في آخر مرثية طويلة: «رحل نُقد، والموت حقّ، دون أن يرى أمنيته الكبرى تتحقّق بأن ترفرف رايات الاشتراكية منتصرة بالديموقراطية التعدّدية، وبالاختيار الشعبي الحر، كمنهج حياة وحكم في السودان». لكن، كانت للمرحوم نُقد أماني أقلّ طموحاً من انتصار الاشتراكية «المحتوم». وقد رعى هذه الأماني خطّةً، وعاشها قضيةً، ومات على محجّتها دون تذبذب، وبعضها من أماني الجيل الذي جاء إلى النظرية الماركسية خريطةً للتحرّر الوطني، تقوم بها أوطانٌ لأهلها ويُرغَم بها أنف الاستعمار في صوره المتعدّدة.
وتجد القارئةُ شهادةَ هذا الجيل على نفسه في مثل بيان الدكتور فاروق محمد إبراهيم (مواليد 1931) لقصة بَلشَفته؛ تجنيده في صفوف حزب الطبقة العاملة، وهو طالب في الثانوية، «مراهق» بتبويب الرأسمالية المتأخّرة للأعمار، مثله مثل الجزائرية «فضّة» التي «لم تبلغ سنّ العشرين واختارت جيش التحرير». فصّل الدكتور فاروق في روحية هذا «الانخراط»، بعبارة اليوم، في لقاء على صفحات مجلة «الشيوعي»، مجلة الحزب الشيوعي السوداني النظرية، يستحق الاقتباس مطوّلاً:
«كان ذلك في منتصف عام 1948 وأنا في السنة الثالثة ثانوي إذ قابلني أنور علي عثمان (طبيب بالقوات المسلحة الآن) وكان ابن دفعتي. لا زلتُ أذكر منظرنا في رأس الزقاق المؤدّي إلى منزلنا وهو يناقشني وينهمر المطر ونحن نتناقش محتمين منها بالحائط وينتهي المطر ونحن نتناقش. تحدّث أنور علي عثمان أنّ حزب الأمة ميؤوس منه وناس أزهري ميؤوس منهم كذلك وأصبحوا تبعاً للسياسة المصرية وأنّ مؤتمر الشباب هو البديل. تحدّث عن الجلاء وعن وادي النيل والدفاع عن الطبقات المظلومة وعن الدفاع المشترك. ولكن كان بالمناقشة كلمات كثيرة جداً مثل البرجوازية والبروليتارية وأساساً كانت المناقشة في اتجاه انضمامي للحركة السودانية للتحرّر الوطني (حستو) وأنّ القضية عالمية. لم يذكر أنور كلمة الشيوعية ولكنْ ذكر كلمة الاشتراكية. عرفتُ أن زميلي فاروق مصطفى مكاوي حدث له نفس الشيء، ومن قبل طه محمد طه. وجندنا في نفس الوقت. حدث ذلك في الإجازة الصيفية وبعد مظاهرة مؤتمر الشباب المشهورة وعندما رجعنا وادي سيدنا ضمنا في وحدتين للتنظيم» («الشيوعي»، ع 155، سبتمبر 1988، ص 44-45).
وللقارئة أن تقف عند هذا «الشغف»، بعبارة معاصرة، الذي اتصل به نقاش المراهقَيْن أنور وفاروق عند رأس الزقاق والمطر كابّي لا يشغلهما شاغل عن مطلب «الحرية». وقد بانت لهما «الحريةُ» ضرورةً تحتّم على من في عمرهما النضير السَّعيَ ولو بقشّة لمسألة «عالمية» لا ينحصرُ مداها في مؤامرات حزب الأمة وناس الأزهري وإنما تمتد لتبلغ:
ثورة في كوريا
وجحيم وقتال
في بلاد نائية
ليتها حول القنال
انقدحت هذه «الروحية» في فؤادَي المراهقَيْن أنور وفاروق من مصدر جديد بحقّ، فبعضها من الصورة التي احتفظ بها الدكتور فاروق لشيوعيين أغراب في مدن السودان الصغيرة خارج دوائر الخريجين؛ فقد أبَّد الدكتور فاروق، على سبيل المثال، ذِكْر مبارك الحاج الحدّاد، صاحب ورشة تصنيع الآلات الزراعية في الدويم وزميله جلال الساعاتي؛ عَلَمَيْن لهذه الشيوعية الغرَّاء في الدويم الناعسة. كتب الدكتور فاروق في مسودة مذكراته «البحث عن معنى حياة: سيرة ذاتية»: «تطابقت في مخيلتي صورة مبارك المفتول الجسم البارز العضلات القويّ التقاطيع مع صورة ستاخانوف، رمز تصنيع الاتحاد السوڤييتي، الذي طالعَتْنا صورته مع المطرقة والسندان في كلّ الأدبيات والمطبوعات السوڤييتية». مبارك يا مَكَنة! وتوحَّدَت عند هذا المَكَنة «العالمية» و«المحلية» إذا صحّ التعبير، البُعد الكوني الذي يشرق من دقيق «الانخراط» في قضية محلية فيقوم قاعدةً قويمة، وهو البُعد الذي يقوم به ميزان القسط ويُبهر به الكون الكبير وقد انطوى في جرم صغير. من ذلك حجّة مبارك، بحسب الدكتور فاروق، على قريب الله وحامد الأنصاري وهما في أول السكة الخطرة: «مكانك انت وأخوك حامد مع أهلكم العُمَراب الجزّارين هنا، مش مع العُمَراب الحكّام في الخرطوم عشان ما «يسيّروكم» معاهم. وردّ عليه قريب الله: العُمَراب الجزّارين هنا برضهم طبقات، مش حاجة واحدة، الجزّارين الشرعيين والجزّارين «كيري». جزّارين اللحمة فوق وجزّارين الكرشة تحت. ونحن أولاد الجزّارين أدنى الطبقات. كتفي انهدّ من الطاولة وصوتي بحّ من المناداة في أزقة الدويم: طايوق، طايوق، طايوق. لكن برضه جمعنا ملاليم المصروف، وأنا دلوقت بعرف أي خالة وعمّة وحبوبة في الدويم. إذن، قال مبارك، مكانك معنا في حزب الطبقة العاملة».
انتهى اجتماع التجنيد بغناء جماعي لأغنية مجهولة المصدر:
أدونا حقوقنا، أدونا أدونا
يا الجنّنتونا
أدونا، أدونا
مجلس تشريعي سبب تصديعي
الثورة الثورة، نظام شيوعي
ستالين أبونا، ولينين أخونا
أدونا أدونا
يا الجننتونا
الثورة الثورة، نظام شيوعي.
لكن، لا تُغْني «الروحية»، وإن صَفَت بمثل هذا الرجز والأمل، عن الاستراتيجية والتكتيك، وهما عدّة «الثوري» على خلاف «الكلمنجي». واجهت شيوعية مبارك التي تصدح باسم لينين وستالين وتنادي «الثورة، الثورة»، في ليلة أفريقية على ضفة النيل الأبيض الغربية، امتحاناً عسيراً في العامين 1947 و1948. ذلك حين وافق الاتحاد السوڤييتي العظيم، الدولة الكبرى ودائمة العضوية في مجلس الأمن، في مخالفةٍ للمبدأ الكوني في «الأممية» ومقارعة «الاستعمار»، المبدأ التي هاجت له نفس فاروق المراهق، على خطة تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية مع تحديد منطقة دولية حول القدس بحسب تقرير لجنة بيل (1937) ولجنة وُودهِد (1938)، القرار الذي مهّد لقيام دولة إسرائيل. أعقب ذلك إعلان الاتحاد السوڤييتي في 17 مايو 1948 الاعتراف بدولة إسرائيل بعد ثلاثة أيام من إعلان ديڤيد بن غوريون، الرئيس التنفيذي للمنظمة الصهيونية العالمية ومدير الوكالة اليهودية في 14 مايو، قيامَ دولة يهودية في فلسطين اسمها «إسرائيل»، الإعلان الذي مهره 39 صهيونياً بتوقيعاتهم، وكلّهم من يهود شرق أوروبا وروسيا، على سبيل المثال مواليد كوبيس في روسيا البيضاء وبولتافا في أوكرانيا وفيلنيوس في ليتوانيا وبرلين في ألمانيا وريبنيتسا في روسيا وماركولشتي في مولدافيا، لا يُستثنى منهم سوى بخور شالوم شيطريت الفلسطيني المولود في طبريا.
وقَعَ قرار التقسيم على رؤوس الأحزاب الشيوعية العربية كالصاعقة، وانفرطت به حجّة كلّ من استقبَل القميص السوڤييتي أعمى بغير مقاس، واختار «تبرير» قرار «ستالين أبونا» على حساب مبدأ الكونية. طمَّت بطونٌ وطنية ساعتها من الأممية والشيوعية والاتحاد السوڤييتي، منها بطن المرحوم عبد الماجد أبو حسبو الذي فارَق درب الحركة الديمقراطية للتحرّر الوطني «حدتو»، أخت الحركة السودانية للتحرّر الوطني «حستو»، اشمئزازاً من تبعية الشيوعيين المصريين للقرار السوڤييتي. وكان عبد الماجد من الأبكار الذين جاء بهم إلى هذه السكّة عبده دهب حسنين في مصر: «… فوجئنا بأنّ الحزب الشيوعي في مصر يؤيّد التقسيم ويطلب مِنَّا تأييد ذلك. وعندما استنكرنا هذا الأمر قيل لنا بأنه قد «نزل خط» بتأييد التقسيم وأن الاتحاد السوڤييتي وافق على ذلك». وكان عبد الماجد وقتها عضواً في اللجنة المركزية لـ «حدتو» فخرج عليها مغاضباً بعد نقاش مع هنري كورييل سأله فيه: «كيف تطلبون منا أن نؤيّد التقسيم وأنتم تعلمون خطورة ذلك علينا، لأن مجتمعاتنا ستنظر إلينا على أننا خونة، وأنا عملاء للشيوعية الدولية وبالتالي ستعزلنا عنها» (عبد الماجد أبو حسبو، «جانب من تاريخ الحركة الوطنية في السودان»، الجزء الأول، دار صنب للنشر والتوزيع، الخرطوم، 1987 ص 106).
لكنّ المرحوم محمد إبراهيم نُقد اختار مقاس قميصه بنفسه، لذلك سارَع إلى لقاء خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» وقتها إبان زيارة الأخير إلى الخرطوم في فبراير 2009. وقال المرحوم محمد للصحافيين بعدها، إنّ اللقاء بين الحزب الشيوعي وحركة حماس مستمر خلال زيارات مشعل الماضية إلى السودان، إلا أنّ هذا اللقاء قد جاء في ظل الاشتباك الحقيقي للغزو الصهيوني على أرض فلسطين. وأضاف أنّ مستوى التضامن مع الشعب الفلسطيني يستحقُّ أن يرتفع من مُجرَّد التضامن التقليدي إلى تضامن أكثر فاعلية بالاتفاق مع الثورة الفلسطينية والسلطة الفلسطينية (القدس العربي، 9 فبراير 2009). وجاءت زيارة مشعل إلى الخرطوم بعد نهاية الحملة العسكرية الصهيونية على القطاع في الفترة 17 ديسمبر 2008 إلى 18 يناير 2009، الحملة التي أطلق عليها جيش الدفاع الإسرائيلي «عملية الرصاص المصبوب» وقالت المقاومة الفلسطينية «معركة الفرقان». لم يرتبك المرحوم محمد بإخوانية البشير في الحكم أو إخوانية الترابي في المعارضة أو حتى إخوانية المال بيد عوض الجاز؛ فهو، لله دَرُّه، جاء إلى شغل «الحرية» كفاروق وأنور تحت المطر لذات الحرية وعينها، أو بعبارة المرحوم عبد الخالق محجوب: «إنّ تجربتي البسيطة توضح أنني لم أتخذ الثقافة الماركسية لأنني كنت باحثاً في الأديان، ولكن لأنني كنتُ وما زلت أتمنى لبلادي التحرّر من النفوذ الأجنبي – أتمنى وأسعى لاستقلال بلادي وإنهاء الظروف التي فُرضت علينا منذ 1898».