Friday, 17 April 2026

مُزن: فِريع البانة الاشتراكية

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١١٩ بتاريخ ١٦ أبريل ٢٠٢٦. 

تَستَّر الموتُ قبل أن يقطف زهرة المرحومة مُزن بستر الإغماء العميق، تلطّف بها ربما في ساعاتها الأخيرة، فغابت قبل أن تغيب. ولا تدري المراقِبة كيف استطاع أن ينفذ بظفره الطويل إلى هذا القلب المفعم بحبّ جماعة المساكين. هل سألها، ربما، واستأذن قبل أن يُسكِتَ ذلك الخفقان؟ ربما. هل استرَقَ السمع إلى ضربات قلبها الأخيرة؛ بأيّ لحن كان وَقْعُها، هل بأراجيز ديسمبر السريعة تلك، أم بأوزان الشعر المُقفّى من إرث الثورية السودانية، محفوظات «الموت معلَّق»، أم ربما بالإنترناشيونال، لحن الثورة الذي لا يَبلى، أم بأعجمية لانغستون هيوز يَطرب ببطولة لينين، أم ربما بلحنٍ أم درمانيّ مِن ضَرْب الرقّ وصفقة «الروجال»؟ لا يمكن الجزم، لكنّ الثابت أنّ المرحومة مُزن عبرَت من زمانٍ كرهَت حربَه وصراعَه من جنس «الثورة المضادّة» واشمأزّت منه كلّ الاشمئزاز، إلى زمان الأبدية المهول. وتركت في قلب كلِّ من قرأت لها حرفاً أو سمعت لها كلمة جرساً للتذكير: أنّ «الثورة» الآنَ هذا ميقاتُ صَلاتها، لا تَقبَل التأجيل والتسويف.

يَشُقّ على مثلي نعي المرحومة مُزن الشابة، فلستُ من أقرانها أو زمرة حبّانها؛ بيننا زمالة الكتابة وبعض قاموس مشترك. لكنّها عبَرت بوابة العصر بـ «فولاذ البطولة»، ناضلت بقوّة وعزم، وماتت شابةً قبل أن يفسد الحساب، «وما تدري نفسٌ بأيّ أرضٍ تموت». أجادت المرحومة مزن القاموس الاشتراكي، وتعلّقت بمفاهيمه وصُوَره، ونفخت في بعض مصطلحه من روحها فقام طيراً واعداً، فرزت منه ما ترجمت به الوقائعَ من حولها إلى صيغٍ نضالية، فهي نصيرة الطبقة العاملة في مقابل البرجوازية، وهي مناضلة الثورة في مقابل الثورة المضادّة، والاشتراكيةُ عندها أقرب من «الأفق» الذي قال به المرحوم محمد إبراهيم نقد، هي قاب قوسين أو أدنى، قد تتجلّى قسماتها متى انتظم الكادحون في بناءٍ قاعديّ وصار لهم «حزب» تعريفُه بالألف واللام؛ الحزب الثوري، صافي الأيديولوجية، عزيز القيادة، شديد الشكيمة، متراصّ الصفوف، الحزب الذي يصنّ فيمسك ويقطع، موسى المُرّ الحجازي، دقّ السُّندالة قلبو.

لم يَقُم حزب المرحومة مُزن، وتعنَّتَ الواقع على هذا الحلم، لكن قامت الثورة بتناقضاتها، ليست الثورة التي تبقّ من خلف أبوابها أنوار الاشتراكية، لكن حلقة من حلقات «الثورة الوطنية الديمقراطية»؛ وهي عبارةٌ لم تهضم المرحومة مُزن نحوَها وصَرْفها. ظلّت المرحومة، على عهد الحزب الغائب، والاشتراكية التي تأتي ولا تأتي، تبحث عن بشائر الأوّل وإشارات الثانية في محيطها ومشاغلها العديدة.

وأحسَنُ شُغلِها وأصفاه عندي ما نظَرَت فيه في جوف الوادي الذي يُحلّق في سَماهُ طير المصطلح، وهو وَادٍ ظلت تعود إليه مرة فالأخرى ببوابة الهندسة الصناعية. تجد عندها على سبيل المثال عِلْماً حقلياً ملموساً بالصناعات الصغيرة والإنتاج الأسَري تحت ظروف سلمية وحربية (انظر: مزن النيل، «الطريقة نحو سياسة صناعية تضع الناس أولاً»، و«تقييم متمحور حول الناس للسياسات الصناعية ما بعد الثورة في السودان 2019-2021»، و«من التحديات إلى الاستراتيجيات: دروس مستفادة من الصناعة الصغيرة والمتناهية الصغر في السودان خلال الحرب»). وعلى صفحات هذه المجلة حاجّت من أجل الإنتاج (انظر: مزن النيل، «لماذا يجب أن ننتج؟»، و«عن الصناعة في زمن الحرب: مُطالعات من التجربة»، و«أساليب تنظيم عالمية لحلول محلية: نحو فهم غير نخبوي للمساندة المتبادلة»، و«في خضم الاضطرابات وبعيداً عن «المعونة الأمريكية»: تعزيز الخدمات المُدارة مُجتمعياً في السودان».

انقطعت حياة المرحومة مزن قبل أن تدرّ نظراتُها إلى عالم الإنتاج والمنتجين ما يصل بين الاشتراكية الموعودة، المشروع الاشتراكي بعبارتها، وصناعة الصابون المنزلية في غرب أم درمان، وعلّقت آمالها على أنّ الحزب الغائب متى قام والتزم الصراط المستقيم جاب الرايحة وأقام المؤسسات الأيديولوجية والثقافية التي تُحصِّنُ إيمانَ مثل مُنتجي الصابون بعقيدة مكينة في بناء الاشتراكية (مزن النيل، «بعينين ليْسَتا لك: من يُعرّف الحرب؟»، أتَـر، ع 74، 24 أبريل 2025).

طالت الحرب، وطال خرابُها الاجتماعَ الذي عاشت المرحومة مُزن طرفاً منه؛ اجتماع الخرطوم التي انطبعت بقالب العولمة وجرت فيها جراحُها فلا يصدمك فيها تمشِّي المتمشّية بكلب صغير حسن التصفيف طعامُه معلّبات تعبر سكّة أرملة نازحة تلوك الصبر على ذلّ السؤال أعطوها أم منعوها. وخرجت المرحومة مُزن من غُمَّة الحرب بمعيارٍ فكتبت: «موقفي السياسي أنه الناس ما تتكتل» صَدَّاً للِجَاجٍ غزير وتحصيناً. لكنّها، وقد عافت «أقصى درجات الصراع الاجتماعي»، تعريف الحرب بعبارة ماو، لم تقنط قطّ، وحافظت على مصطلحها وكذلك على حلمٍ باشتراكيةِ جماعةِ المساكين.

Sunday, 5 April 2026

مع نُقد: فاضربْ بِعَزمِك مفردا

 نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١١٧ بتاريخ ٢ أبريل ٢٠٢٦. 

لم يكن المرحوم محمد إبراهيم نقد (1930-2012) كاتباً غزيراً لكنه كان كاتباً كثيفاً إذا صحَّ التعبير، فالذي طرحه للقارئة منشوراً يعزّ في الميزان على الصحف المسوَّدة الطوال. ومثلما كان كثيفَ التأليف كان بطيئَهُ حتى أنّ بعضَ شُغلِه امتدَّ في تكوينه عبر أكثر من عقد من الزمان. كدأبِ الشيوعيّ بحقّ، لم يستعجل المرحوم محمد النتائجَ على الإطلاق، وكان من حصيلة صبره الأسطوريّ أن وجدَت بعضُ أفكاره الأوّلية حول مسألةٍ حادثةٍ تصديقَها في وقائعَ قامت تباعاً في التاريخ اللاحق. ومن ذلك «أطروحةٌ»، بعبارة محرّرة «البيان» الإماراتية، نشأتْ أوّل ما نشأت في تسعينيات القرن الماضي، ولم تجد طريقها إلى النشر لعموم القراء حتى العام 2003، مقالة بعنوان «المجتمع المدني العربي يواجه خطر التحوّل إلى شاهد زور»، جريدة «البيان»، 14 مايو 2003.

استوحى المرحوم محمد من أدب المسرحي الكبير جون باتيست بوكلان ولقبه موليير (1622-1673)، مؤلّف مسرحية «البرجوازي النبيل» (وعُرضت لأول مرة في 1670)، صورةَ «مُستجدّ النعمة» الذي قفز سريعاً في السلّم الاجتماعي ووجد نفسه في صحبة راقية لم يستعد لها؛ صحبة النبل والعلم الأدب إلى جانب المال الغزير. وهي صورة تتجدّد في الأدب مع كلّ انقلاب طبقي. عند موليير، أثرى المسيو جوردان، متواضع الأصل، مُستجدّ النعمة، بمال أبيه في ساعة الانقلاب من سيادة الأرستقراطية إلى سيادة البرجوازية. وفي أدبنا الشفاهيّ، أثرى «أب زَهاَنة»، نؤوم الضّحى، مستجدّ النعمة، بمال أبيه فأفسد فيه في ساعة الانقلاب من سلطان الفرسان الأبطال من سنخ «البِشِيل فوق الدّقر ما بميل» إلى سيادة السماسرة أصحاب «البرادو» الذين استطال عصرُهم حتى دولار على كرتي الجمركي وبنك الخليج لأصحابه آل دقلو.

أحبّ المسيو جوردان، «مستجدّ النعمة» في مسرحية موليير، أن يعيد حياكة نفسه على نمط «النبيل»، فأسرف في اللبس الجديد شديد الزينة واستأجر من يعلّمه فنون النبلاء؛ رياضات الفروسية والرقص والموسيقى وكذلك الأدب والفلسفة. لكنْ تعثَّرَ تعليمُه بعصيان المحتوى على الشكل، فأصبح موضوعاً لسخرية معلّميه، «المثقّفاتية» بأجر، وصار نكتةً جارية. واختار المرحوم محمد من هُزْء موليير بهذه الشخصية سرورَ المسيو جوردان بجهله حينما طرَح عليه معلّمُه أنّ الأدب إما شِعر أو نثر، فاستخلَص المسيو جوردان من هذا التصنيف بكلّ حبور، إذاً، أنه لطالما كان يتحدّث نثراً ولا يدري، وفاتته ماهية الأدب!

جاء المرحوم محمد بهذه الصورة للإحاطة بما طرحته أيديولوجيا نهاية التاريخ أوّل استبدادها، وقد تهاوى الاتحاد السوڤييتي، على شعوب الدنيا، إذ قذَفَت في نفوس «المثقّفاتية» مفهوماً جديداً للعمل الجماعي. روَّجت هذه الأيديولوجيا أنّ نماذج العمل الجماعي التي اخترعها الناس وأحسنوها منذ ثورة 1924؛ الجمعية الأدبية والنقابة والنادي والاتحاد المهني ولجنة التضامن وهلمّجَرّا، جميعها يحتويها مفهوم «المجتمع المدني» وعبارة «المنظمة غير الحكومية». وكتب المرحوم محمد، لله دَرُّه: «لم تَحْوِنا دهشةٌ ولم يشلّ تفكيرنا ارتباك»، وهي صياغة لـ«الاستقلال» لا تتأتَّى إلا لمِثله ممّن أخَذَ كتابَه بقوّة على صراط مستقيم.

تساءل المرحوم محمد، مستعيناً بشكسبير، عن مغزى هذا الاسم؛ «المجتمع المدني»، الذي أرادت به عصا أيديولوجيا نهاية التاريخ أن تُجهض كلَّ صورةٍ للنضال سوى التي تكرّ على مسبحتها، ونفذ مباشرةً إلى جوهر المسألة بغير تردُّد وبغير تعصُّب، إنما بحقّ مُبين، فكتب: نشأت هذه المنظمات «وتكاثرت كحلقاتٍ في شبكة مراكز ومؤسسات عالمية داعمة ومموِّلة». والعِبرة أنه، بينما قام النادي والاتحاد وقامت النقابة والرابطة ولجنة التضامن في تربة اجتماعية وطنية محلية؛ «حاضنة» بعبارة جارية تغذِّيها بالمال والثقافة والعناصر البشرية، وتشكمها بالجَرْح والتعديل والتقويم، وتحاسبها على التقصير والمغامرة فتحيا وتموت بما بينها وهذه التربة من رابطةٍ «ديمقراطية» قام المجتمع المدني الجديد، هذا «الكائن العجيب» بلفظ المرحوم محمد، في حلٍّ من هذه الآزِرَة؛ فالكيبل الذي يمدُّه بالحياة يتغذّى من مواردَ غير؛ موارد شبكة دولية هي في الحقيقة صِناعةٌ بحالها، «مشروع حضاري» بعبارة التسعينيات، أُسُّها وقاعدتُها الهيمنة الإمبريالية وإنْ تستَّرَت. واستخلص المرحوم محمد، لسلامة هذا «الكائن العجيب»، ممّا قرأ شروطاً ثلاثة، فكتب: قد تصحّ منظمات المجتمع المدني وتنجو من فخّ التبعية شرط «ألا تصبح استنساخاً شائهاً من الأصل في مجتمعات المنشأ أو فرعاً تابعاً وخاضعاً أو جهازَ استقبال وإرسال». والحقّ، إنها وقعت، إلا من رحم ربّي، في هذا الفخّ «جُمبُلغ».

لكنْ، لم يَقبل المرحوم محمد أن يترك هذا الفخَّ مفتوحاً كنقيصةٍ ذاتيةٍ وخلاص. ووَصَل هذا الانقلابَ، من نموذجِ «المناضل» الذي عاشه هو نفسه، واجباً مستمرّاً عبر عقود من الزمان، من أوّل شبابه حتى شيخوخته؛ واجب لا يَقبلُ فيه مَسْحَ شنبٍ بغير «المُقوِّي» من حلال الحزب الشيوعي، إلى نموذجِ «الناشط» الذي يفطر على مال السفارة الهولندية، ويتغدَّى بمال الورشة البريطانية، ويتعشّى في لوكاندة «بيت الحرية» الأمريكي، بتحوُّلٍ في الاقتصاد السياسيّ من نموذج الدولة الراعية إلى اقتصاد «الشَّلِب» بعقيدة الليبرالية الجديدة. خلَّف هذا التحوُّل جيشاً من «الخاسرين» لا مكانَ لمهاراتهم في الدعاية والترويج والتنظيم في سوق العمل، أكان قطاعاً عاماً أم خاصاً، وصار لهم «المجتمع المدني» في واقع الأمر سوقاً للعمل وجغرافيا كونيةً لكسب العيش، ونَضِجَ شُغلهم بنَسْخ مهارات التسويق السلعي، «اشتري اثنين واحصل على ثلاثة مجّاناً»، في مجال الدعاية الأيديولوجية والقضايا الفئوية الهوياتيّة، فالخير كلّه في مثليّة أفريقية سوداء، حقوق أطفال، حقوق إنسان، حقوق حيوان، صحافة مُناصَرة، علينا جاي، ورشة، سمنار، مؤتمر!

عاد المرحوم محمد، في آخر كلمته، إلى مفهومٍ تاريخيٍّ للمجتمع المدني من المدرسة الماركسية يقع موقعَ «الأدب» الذي فات على المسيو جوردان إدراك كنهه: «المجتمع المدني مسرحُ كلِّ التاريخ ومصدرُه ومقوِّمٌ وأساسيّ، يستوعب التبادل والتعامل المادّي والتجاري والصناعي بين الأفراد، وفي إطار مرحلة تاريخية معيّنة من تطوّر القوى المنتجة، يعبّر عن ذاته في شكل أمّةٍ في العلاقات الدولية، وينظّم نفسه في شكل دولةٍ في الداخل. تَبلوَر مصطلح المجتمع المدني في القرن الثامن عشر، عندما انسلخت علاقات التملُّك في المجتمع المشترك القديم والوسيط، وبهذه الصفة ينمو المجتمع المدني مع البرجوازية، التنظيم الاجتماعي المنبثق مباشرةً من الإنتاج والتجارة، والذي يشكِّل في كلّ المراحل قاعدةَ الدولة وبقية التركيب الفوقي». فيا هنتغتون، «مجتمع مدني» بتاع فنيلتك. أدرَك الموتُ المرحوم محمد فلم يَعِش ليشهد حَجَّ ساسة الفترة الانتقالية إلى كعبة فولكر بيرتس زُمَراً، كما لم يَشهد تبذُّل منظمات «المجتمع المدني» في حضرة المبعوث الأمريكي كأنه علي عبد اللطيف. وكان أدرَكَ بفطنته النضالية أنها بهذا الكساد تُحيِّد السياسة وتغلق باب الحرية. وللقارئة أن تَنْعَم بنظرة في عقل المرحوم محمد وبراح نفسه عبر هذه «الطاقَة»:


المجتمع المدني العربي يواجه خطر التحوُّل إلى شاهد زور

محمد إبراهيم نقد


لعلَّك قرأتَ ملهاةَ «البرجوازي النبيل» للكاتب الفرنسي الساخر، موليير «1622-1673» ويجوز تعريبها «مُستجدّ النعمة». اغتنى المسيو جوردان، بطل الملهاة، ولامَسَ المجتمع المخمليّ للنبلاء وعِلْيَة القوم والأثرياء، وريحانة مجالسهم من أدباء وشعراء، فانبهَر بأحاديثهم وذَرَابة ألسنتهم وسلاسة مصطلحاتهم العصيّة على قاموسه العامّيّ العاجز عن مجاراتهم. فاستأجر معلّماً؛ معادلَ «مؤدِّب الأمير» في تراث الأرستقراطية العربية الإسلامية، أو «مثقّفاتياً». وكان الدرس الأول: يُصنَّف الأدب إلى نثر وشعر، وما لا ينضوي تحت لواء الشعر فهو نثر! فانفجَر مستجدّ النعمة ضاحكاً في حبور طفوليّ، حتى ألجمت الدهشة لسان الأستاذ، ثم أفاق من دهشته وسأل تلميذه عن دافع الضحك، فأجاب: ما كنتُ أعلم أنني ظللتُ طوال حياتي أتحدّث نثراً، حتى عندما طلبتُ من خادمي أن يُحضِر لي حذائي.

كادَ حالُنا أن يتماهى مع حال المسيو جوردان، إذ ظلَلْنا ولما يزيد على نصف قرن نتداول مصطلحات: الجمعيات الأدبية، الأندية الرياضية الثقافية الاجتماعية، أندية الخرّيجين، أندية العمّال، الأحزاب السياسية، الحركة النقابية، حركات المزارعين والطلبة والنساء والشباب، اتحاد الصحفيين، اللجان الشعبية للدفاع عن الحرّيات، اللجان القومية للتضامن مع شعب مصر، كينيا، العراق، الكنغو، الروابط الأدبية في عطبرة وسنار وكوستي والأبيّض ومدني، التجمّع النقابي، التجمّع الوطني الديمقراطي، مجالس الآباء والأمهات، الروابط القبَلية والإقليمية، تضامُن قوى الريف، اتحاد الكتّاب، الجمعيات الخيرية.

لكنّا تمايَزْنا عن مُستجدّ النعمة، كوننا لم تَحْوِنا دهشةٌ ولم يشلّ تفكيرنا ارتباك، عندما قيل لنا: مصطلحاتكم، على تكاثُرها، يحيطها ويؤطّرها مفهوم أو مصطلح «المجتمع المدني، والمنظمات الطوعية غير الحكومية»!

طفقنا نستحثُّ مخزونَ الذاكرة ونستزيد من الاطِّلاع. بعضُنا التقى مصطلح «المجتمع المدني» في الوافد من مؤلَّفات المفكّر الإيطالي الماركسي، قرامشي «1891-1937» في ترجمة إنجليزية أو عربية خلال ستينيات القرن العشرين، ثمّ اتسعت الدائرة بفضل ترجمةٍ أنجزها مثقّفان سودانيان، لم يشغلهما ضجيج الصراع السياسي عن قضايا الفكر والثقافة: الراحلان هنري رياض والجنيد علي عمر ـ دار الجيل بيروت [جزء من «دفاتر السجن»، صدرت في طبعة حديثة عن دار عزة في 2003 بعنوان «الماركسية والثقافة»]. ثمّ طرق المصطلح سَمْعَنا في النصف الثاني من السبعينيات، في ثنايا ظاهرات التحوّلات السياسية والاجتماعية الجديدة في البلدان الاشتراكية، وحصراً نقابة التضامن في بولندا؛ إرهاصاً ونواةً لنشاط جماهيري قاعدي خارج الأطر التنظيمية القانونية الرسمية، ومن بعدها بيان الكتّاب في تشيكوسلوفاكيا، وأشكال جنينية في بعض جمهوريات الاتحاد السوڤييتي، ودول أخرى. تحسّست تلك التحرّكات خطاها بذكاء وحكمة، مستوعبةً تجارب الإخفاقات السابقة، فلزمت جانبَ القانون، للإفلات من عصفه وعسفه، واستعصمت بأطروحة: ما لا يمنعه القانون مباح! ثمّ أعلنت تمسُّكها بالدستور وحقّها في ممارسة حقوقها الدستورية، واستظلّت بحماية الدستور من القوانين التي تنقصه نصّاً وروحاً. لم تتّصف تلك الحركة بمصطلح «المجتمع المدني»، إنما أضفته عليها مدارس وجماعات اليسار الجديد التي تبلورت خلال ثورة الشباب العاصفة في فرنسا وغرب أوروبا في الستينيات، ثم تسرَّب إلى بعض منابر شرق أوروبا.

بصرف النظر عن المصطلح أو الاسم «What is in a name?»، شكسبير، «روميو وجولييت»، كانت الحركة موجاتٍ متصاعدةً من قاع المحيط الاجتماعي، متدافعةً نحو إصلاح سياسيّ اجتماعيّ شامل للتجربة الاشتراكية، وتحريرها من آثار الشمولية وانفراد حزب واحد بالسلطة، وهيمنة الدولة ومؤسّساتها على المجتمع. كان المجتمع قد عقَد عزمه أن يستعيد تمايُزَه واستقلاله عن الدولة: ما للدولة للدولة، وما للمجتمع للمجتمع! وبذات المعادلة: ما للمجتمع الاشتراكي للمجتمع الاشتراكي؛ مستقلاً عن هيمنة مؤّسسات الدولة الاشتراكية، وما للدولة الاشتراكية للدولة الاشتراكية. اشتراكية المستقبل لن تكون جديرة بالصفة، ودَعْ عنك الاسم، إنْ لم تتقيد بهذه المعادلة!

استقبَلْنا عقد التسعينيات تحت القبضة الخانقة المتخلّفة لانقلاب الجبهة القومية الإسلامية، وفَرْض الشمولية الأصولية الإسلامية، ومن يومها بدأ مصطلح «المجتمع المدني» يتمدّد حتى طبَّق الآفاق، ظاهرة أحسن تفسيرَها حسن عبد العاطي الناشط في هذا المجال في ورقة تقدَّم بها لورشة عمل جمعية بابكر بدري العلمية، ونقلَتها صحيفة «الصحافة»: «ضرورة سد الفراغ الناجم عن غياب الديمقراطية، والصحافة الحرة التي تحمي الحقوق العامة، والنقابات التي تحمي حقوق المجموعات، وغياب القوانين والمؤسسات التي تحمي حقوق الحرية الفردية، ولهذا ارتفع بشدة عدد وصوت وتأثير المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان والمرأة والطفل والمجتمعات المحلية»، ثمّ تناوَل المنظمات الطوعية أو غير الحكومية، وأشار إلى أنها نشأت لسدّ الفراغ الذي نشأ نتيجة عجز الدولة والأفراد والجماعات عن تلبية احتياجاتٍ أغفلها النظام السياسي والاجتماعي في السودان. ما لم يذكره حسن، أنّ تلك المنظمات نشأت وتكاثرت كحلقات في شبكة مراكز ومؤسسات عالمية داعمة وممولة.

دلَفْنا إلى الألفية الثالثة وقد تحصَّنَّا بمصل المعرفة ضد دعوى دهشة المسيو جوردان؛ إذ لا يندهش إلا غافل! كنّا نتعامل بمصطلحات بسيطة وعفوية، ولكنها دالّة، أشبه بتعاملنا مع داء «ابْعِديلات» وظلّ الداء داءً، بعد أن سَمَّاه الطبيب «التهاب الغدة النكافية».

عُدنا للأصول والمراجع، وتابعنا كلاسيكيات أوروبا منذ القرن الثامن عشر، وأبهاء عصر التنوير الآسرة، المفعمة إنسانيةً وتفاؤلاً، وتابعنا ما تلاه من عصور، نقرأ ونقارن ونستزيد ولا نزال، حتى ندوة: «الديمقراطية في السودان» 4-6 يونيو 1993، مركز الدراسات السودانية، ومركز الأهرام، القاهرة. ثم ورشة بابكر بدري العلمية، أم درمان، 2002، ثمّ منتدى المجتمع المدني، مركز الدراسات السودانية، وصحيفة الصحافة، نوفمبر 2002، الخرطوم. ثَمَّ مَلفّ لا يزال ينفتح بقصاصات ما نُشِر وما ظلّ وما سوف يُنشَر في الصحف السودانية، عن هذا الكائن العجيب وهو بين ظهرانينا لأكثر من نصف قرن! ظلّ دفق وعطاء الدوريات ودُور النشر العربية غزيراً طوال التسعينيات: ندوة مركز الوحدة العربية «المجتمع المدني في الوطن العربي» بيروت، 1992، مجلة المستقبل، عدد 4، 1992، «نشأة وتطور مفهوم المجتمع المدني».

بضعة كتب من بين المراجع التي أمكن الحصول عليها، جديرة بالإشارة: الأول باللغة الإنجليزية: Civil Society: Theory, History, Comparison Polity Press. والثاني: دراسة نقدية، أقرب إلى رسالة الدكتوراة، وفق التقاليد الكلاسيكية الصارمة للجامعات الألمانية منذ أن كان هيغل أستاذاً وتلميذه ماركس طالباً، للمؤلف عزمي بشارة «المجتمع المدني: دراسة نقدية ـ مع إشارة للمجتمع العربي»، مركز دراسات الوحدة العربية، 1998، بيروت. يحوي الكتاب مقدمة وخمسة فصول: في حدود المفهوم وتاريخيته، من «اللفيتان» إلى يد السوق الخفية، انفصال المجتمع المدني عن الدولة لكي يعود إليها، الأمة والقومية والمجتمع المدني، واقع المجتمع المدني وفكره: حوار عربي. احتفظ د. بشارة بنظرته الناقدة، وهو يطوف بنا من توماس هوبس، إلى جون لوك، ثم ديفيد هيوم ومونتسكيو وروسو وآدم سميث وجون ستيوارت ميل ودو توكفيل، ثمّ يتوقف عند هيغل الذي لخَّصَت فلسفتُه واستوعبت ما قبله، ثم عرج على ماركس وإنجلز. وما كان له، وهو يعالج قضايا ومعضلات المجتمع المدني في القرن العشرين أن يتفادى قرامشي.

في ظهر الغلاف، لم ينشر المؤلف أو الناشر سيرة ذاتية أو صورة، إنما فقرات موحية من مدخل الكتاب، ص7: «يهدف هذا الكتاب إلى تحويل مقولة المجتمع المدني الساكنة، والتي تثير الرضى والاسترخاء عند بعضهم، والنقمة والسخط عند البعض الآخر إلى مقولة تاريخية متحركة تظهر الطاقة الكامنة فيها من خلال بحث طريق تطوّرها التاريخي وهي مفيدة في المعركة العربية من أجل الديمقراطية إذا ما تم فهمها فهماً تاريخياً، أي نقدياً، يكشف حدودها التاريخية، وبالتالي الطاقة الكامنة فيها، وضارّة بقضية الديمقراطية وتحرّر الإنسان العربي إذا ما تحوّلت إلى أداة لتحييدها سياسياً. فالمجتمع المدني دون سياسة، وخارج سياق المعركة من أجل الديمقراطية، هو عملية إجهاض.. إن الديمقراطية العربية المتعثرة في مرحلتها الراهنة في أمسِّ الحاجة إلى مفهوم المجتمع السياسي الديمقراطي، وإلا تحول المجتمع المدني العربي إلى شاهد زور يبرر الغياب عن ساحة المجتمع السياسي!».

و[الكتاب] الثالث: د. كريم أبو حلاوة، «إشكالية مفهوم المجتمع المدني ـ النشأة، التطور، التجليات»، دار الأهالي، 1998 دمشق. حدّد الكتاب منهج تعامله ودراسته لمفهوم المجتمع المدني في فقرة مفصحة: «إعادة صياغة المفهوم وتحديد مدلولاته النظرية والعملية، مما يستدعي رصد مكوناته المعرفية، والعودة إلى الفضاء الزماني الذي شهد ولادته، ورسم الملامح العامة للتطوّرات والتمايزات التي طرأت عليه في سياق صعود أوروبا البرجوازية الصناعية باقتصادها وفلسفتها والحركات والثورات الاجتماعية التي ساهمت في تكريس قطيعة متعددة الوجوه مع عالم العصور الوسطى.. التقاط الجوهري والدال في مسيرة تمتد ثلاثة قرون.. حيث تكوّن المفهوم في إطار الفلسفة الليبرالية ومفرداتها: الميثاق أو العقد الاجتماعي، مقابل نظرية الحق الإلهي للملوك التعددية السياسية مقابل الحكم المطلق الحريات العامة في الحياة والملكية والعمل والرأي والمعتقد، مقابل حرية الأقلية الارستقراطية.. حق المواطنة تجاوزاً للانتماء الضيق: ديني، مذهبي، إثني، عرقي السيادة للشعب فصل السلطات.. إلخ».

أوغل د. كريم بعيداً في تاريخ المجتمع الأوروبي وإرهاصات تحوّلاته بدءاً بالإصلاح الديني، لوثر ثمّ كالفن، ومن بعدهما إسهامات العلماء: نيوتن وهارفي وديكارت وباسكال وكيبلر وغاليليو، والثورة التي أحدثتها إسهاماتهم في دحض التصوّر المتوارث عن الكون من بطليموس والكتاب المقدس ثم إسهام ديكارت وبيكون في تأسيس الفلسفة الحديثة، وإسهام ميكافيلي وهوبس في بلورة العلوم السياسية الاجتماعية، وتابع إسهام مفكري عصر التنوير ثم توقف ملياً لدى هيغل وماركس. وما كان له أن يتخطّى قرامشي: وظلّ كريم أميناً لمنهجه والتقط الجوهري والدال في مسيرة المفهوم.

الرابع: «المجتمع المدني والصراع الاجتماعي»، ترجمة لمجموعة أوراق بحث لمفكّرين وأكاديميين من مجلات ودوريات، الناشر: مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان، القاهرة، 1997. في ص 14، قال مسكننر، أستاذ علوم سياسية، جامعة يورك، كندا: أصبح مفهوم المجتمع المدني شعاراً متعدّد الأغراض ليسار ما بعد الماركسية، أصبح طائفة من التبريرات للتراجع السياسي، وهناك خطورة أن يصبح ذريعة لتبرير الرأسمالية. [ومنها ورقة] إليزابيث جيلين، من حركة «الذاكرة» في الأرجنتين، وهي الحركة الواسعة التي تواصل الضغط على الحكومة للكشف عن المناضلين الذين اغتالتهم الدكتاتورية ودفنتهم في قبور مجهولة أو ألقتهم من الطائرات في عرض المحيط، والإصرار على محاكمة الجناة. وتتصدّى الحركة لدعاة «عفا الله عما سلف» كي لا يلجأ كبار قادة الجيش لتدبير انقلاب جديد حتى لا يتعرّضوا للمحاكمة. تقول جيلين [في ص 119]: الخوف من ردود فعل الجناة في الجيش، محاولة لتضميد جراح المجتمع بالنسيان والتراضي وعدم تذكّر الماضي، سفّاحو الذاكرة هم مزيِّفو المستندات والموسوعات، أمراء الصمت، إنّ ما تحتفظ به الذاكرة الجماعية هو ذلك الجزء من التاريخ الذي يمْكِنه الاندماج في نظام القيم السائد، لقد أصبحت حركة حقوق الإنسان أساساً لبناء ثقافة ديمقراطية جديدة يسود فيها التسامح وقبول التعددية وإقرار القيم الإنسانية.

تعاملت المراجع المنتقاة أعلاه تعاملاً جاداً وناقداً لظاهرة المجتمع المدني كمفهوم ومصطلح نظري مجرّد، وفي تجلياته المتعينة، في بيئة ومجتمع المنشأ، وواصلت تعاملها الناقد تجاه تجارب استنباته في بيئة مجتمعاتنا المتخلفة ونمائها المعاق. وفي الحالتين، تتجلى المصداقية في منطلقاتها ومواقفها الداعمة لمنظمات المجتمع المدني، شريطة أن لا تصبح استنساخاً شائهاً من الأصل في مجتمعات المنشأ، أو فرعاً تابعاً خاضعاً، أو جهاز استقبال وإرسال.

في ذات السياق تعامَل د. حيدر إبراهيم، مدير مركز الدراسات السودانية، مع سلبيات منظمات المجتمع المدني حديثة النشأة في السودان وفق ما جاء في مداخلته في منتدى إعلام المجتمع المدني، الصحافة، 6/11/2002: «انحرفت كثير من المنظمات عن أهدافها وأصبحت ميداناً لصراعات داخلية قائمة على أسس ذاتية وشخصية، وهي خصومات لا ديمقراطية في الأسباب ووسائل إدارة الصراع. تميزت هذه المنظمات بصراع المكانة والوجاهة والامتيازات المادية والمعنوية. وغالباً ما تتحول ديمقراطية هذه المنظمات إلى تحكم شلّة نافذة تستولي على فائض القيمة المتمثلة في المال والسفر والعلاقات العامة، إنها حضرية أو نخبوية، وهذا يعني أن العضوية محصورة وقليلة التأثير، أولويات المموِّلين قد تؤثر في تحديد الأولويات الوطنية والمحلية، بالإضافة إلى أن أساليب العمل التي يتوقّعها المموِّل حرمت المنظمات من ابتداع طرائق جديدة، الوضع الحالي لمنظمات المجتمع المدني لا يبشّر بمستقبل واعد». لم يترك د. حيدر زيادةً لمستزيد، لولا ظاهرة الغموض التي اكتنفت العديد من منظمات المجتمع المدني.

وأسطع مثال ما نشرته صحيفة «أخبار اليوم» السودانية 7/12/2002، وثيقة تحمل عنوان: إعلان كمبالا لمنبر المجتمع المدني لجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق 21- 24 نوفمبر 2002، فندق قراند إمبيريال، كمبالا، أوغندا، بدعوة واستضافة كريمة من منظمة عموم أفريقيا، وبتنظيم من منظمات العدالة الأفريقية لحقوق الإنسان، ووكالة التنمية الدولية البريطانية للتمويل، ويُعبّر المنبر عن أسفه لعدم مشاركة الحركة الشعبية ومنعها لمنظمات المجتمع المدني العاملة في مناطق سيطرتها من الحضور! شمل الإعلان 44 بنداً تحت العناوين التالية: المشاركة في السلطة، قسمة الثروة والتنمية، معالم ومبادئ الدستور، الدين والدولة، حق تقرير المصير وخيار الوحدة، حدود منطقة جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، دَور مؤسسات المجتمع المدني في تحقيق السلام.

سؤال واحد ظلّ يتبادر لذهن القارئ: من هم مندوبو المنبر وما هي المنظمات التي انتدبتهم؟ غياب الإجابة يُفسد مشاعر الابتهاج بأنّ مناطق جبال النوبة قد استعادت أمنها وعاودت منظمات المدني نشاطها خلال الفترة الثانية من اتفاقية السلام الموقَّعة بين الحركة الشعبية قطاع جبال النوبة وحكومة السودان برعاية وإشراف مراقبين دوليين، وأن منطقة جنوب النيل الأزرق على مشارف اتفاقية مماثلة!

في اقترابنا من التعرّف على المنظمات الطوعية «غير الحكومية»، أعانَتنا مجلة الإكونومست، البريطانية، عدد الأسبوع الأول من فبراير 2002 عرّبته ونشرته صحيفة «الأيام» السودانية. كادت المجلة المحافِظة الوقورة أن تنفي عن هذه المنظمات صفة «غير الحكومية»، مؤكّدة أنها تعتمد في تمويلها على الحكومات. وساقت بعض النماذج والأمثلة: منظمة الإغاثة أوكسفام، ميزانيتها لعام 1999 كانت 98 مليون جنيه إسترليني، حصلت على 24 مليون إسترليني من الحكومة البريطانية والاتحاد الأوروبي، أي ربع ميزانيتها. منظمة ورلد فشن، أكبر منظمة مسيحية غير حكومية، تسلّمت من الحكومة الأمريكية عوناً غذائياً قيمته 55 مليون دولار. منظمة أطباء بلا حدود، حائزة على جائزة نوبل، 46% من دخلها من الحكومات. من مجموع 120 منظمة غير حكومية تعتمد 111 منها كلياً على الحكومات، ثمّ تؤكد المجلة أن الدعم الحكومي يزداد، ويتناقص أو ينحسر الدعم الشعبي.

وتفسّر المجلة دوافع الدعم الحكومي بصعود أفكار وبرامج وسياسات الليبرالية الجديدة وتراجُع الدولة عن واجباتها والتزاماتها تجاه المجتمع وسياساتها في تخفيض تكاليف الإدارة، فألقت بأعبائها على المنظمات غير الحكومية. مثال ذلك، أن الحكومات أصبحت توجّه معوناتها للدول الأفريقية عبر تلك المنظمات، وأصبحت قيمة ما توزّعه من إغاثة ومعونات يفوق ما ينفقه البنك الدولي في السنة، وتتولى المنظمات الإشراف على صرف النسبة الأعلى من المعونة الأمريكية السنوية، وحجمها 117 مليون دولار. ووصفت المجلة تلك المنظمات بأنها المتعهّد أو المقاول نيابة عن الحكومات.

ووصفت المجلة بعض مناشط ومهام المنظمات غير الحكومية بما يمكن أن يوصف بالجاسوسية، مثل جمع المعلومات وكتابة التقارير التي ترفعها لحكوماتها حول أوضاع البلدان التي تعمل فيها. وبعضها يتلقّى أموالاً من الوزارات الأوروبية مقابل جمع المعلومات من بلدان بؤر التوتر والحروب. مثال ذلك، تابعت منظمة قلوبال وِتنس، الصراع في أنقولا وأعدّت تقارير مفصّلة بتمويل من وزارة الخارجية البريطانية. وتنشر منظمة «إدارة الأزمات» تقارير مفصلة ذات طبيعة تحليلية وسياسية عن البلدان التي تعمل فيها وتستفيد منها الحكومات والدبلوماسيون والصحف. تؤدّي منظمة إدارة الأزمات، مع ثلاث منظمات أخرى، وظيفة المستشار لوسطاء محادثات ماشاكوس.

المبادئ التي تحكم نشاط المنظمات غير الحكومية:

  • تزاول نشاطها في حيز محدود، وليس لها دَور سياسي مباشر.
  • لا تُعنى بتغيير الحكومات، إنما تضغط كيما تَحترم الحكومات حقوق الإنسان.
  • ممنوعة بحكم تكوينها وقانون تسجيلها من الفعل السياسي أو التغيير السياسي.
  • يلتزم العاملون فيها الحياد والابتعاد عن النشاط الحزبي أو الحزبي الصارخ.
  • يلتزم مركز المنظمة بالتمويل وكورسات التدريب، ورواتب المتفرغين.

تعريف مفهوم المجتمع المدني:

كلّ تعريف، وإن قارَبَ الإحاطة والكمال، يبقى ناقصاً، ومن ثمّ منفتحاً على المتغيّرات والمستجدات، والتي قد تتراكم في بطء كسول، أو تسارع نشط، حسب وتائر عطاء العلوم والممارسة. وقد استقر التقليد المنهجي على العودة للتعريف الأم، الكلاسيكي، ومساءلته قبل استكماله وربطه بما استجد، أو تجاوزه.

تتعامل غالبية المؤلفات والمقالات حول المجتمع المدني مع تعريف هيغل: تحتلّ مؤسسات المجتمع المدني الفضاء بين العائلة والدولة، وهي مؤسسات تلبي حاجيات الناس الاقتصادية وتؤدي مهام ضبط مساعي الناس لقضاياهم ومسائلهم الخاصة.. إلخ و«تتحفظ المؤلفات المعاصرة على انحياز هيغل للدولة باعتبارها الفكرة الإلهية كما تتجسّد على الأرض».

يليه في التداول تعريف قرامشي: تتمايز منظمات وكيانات المجتمع المدني عن الدولة [بكونها تضمّ] الاتحادات والكيانات والتنظيمات الاجتماعية الطوعية، والمؤسسات المدنية من نقابات وأحزاب والمؤسسات الثقافية والتعليمية المدنية والنوادي وغير ذلك. وينفي قرامشي صفة الحياد عن المجتمع المدني، ويعتبره ميداناً للصراع من أجل الهيمنة الفكرية والثقافية والسياسية.

لم يُفرد ماركس معالجةً خاصةً مكتملةً لمفهوم المجتمع المدني، عدا إشارات أو تصوّرات ضمن معالجة قضايا أخرى. وتنتقده بعض المؤلفات بأنه لم يخرج من عباءة تعريف أستاذه هيغل، أو أنه طابق بين المجتمع المدني والمجتمع البرجوازي، أو بينه ومفهومه لقاعدة المجتمع، وما يعلوها وينبثق عنها من هياكل التركيب العلوي أو الفوقي. وحتى لو صحّ ذلك، افتراضاً، فليس صحيحاً ولا دقيقاً الادّعاء أنّ ماركس بقي حبيس تعريف أستاذه هيغل. لكن يبدو أن منتقدي ماركس ظلّوا حبيسي الفقرة التي وردت في مؤلفه الأول المشترك مع إنجلز «الأيديولوجيا الألمانية» عام 1844، وكلاهما يتحسّس طريقه نحو منهج التفسير المادي للتاريخ. وقد أشارا في ما بعد إلى أوجه القصور في بعض استنتاجاتهما، أو عدم الدقة في صوغ بعض المفاهيم والمصطلحات، ولم يتيسّر لهما استكمال أو تصحيح مَواطن القصور، لأنّ الناشر الذي تعهّد بطباعته في أمريكا لم ينجز وعده بسبب إفلاسه أو شيء من ذلك. ما علينا! ما يُهمّنا هنا أن الفقرة الواردة في هذا الكتاب تقول:

«المجتمع المدني مسرحُ كلِّ التاريخ ومصدرُه ومقوِّمٌ وأساسيّ، يستوعب التبادل والتعامل المادّي والتجاري والصناعي بين الأفراد، وفي إطار مرحلة تاريخية معيّنة من تطوّر القوى المنتجة، يعبّر عن ذاته في شكل أمّةٍ في العلاقات الدولية، وينظّم نفسه في شكل دولةٍ في الداخل. تَبلوَر مصطلح المجتمع المدني في القرن الثامن عشر، عندما انسلخت علاقات التملُّك في المجتمع المشترك القديم والوسيط، وبهذه الصفة ينمو المجتمع المدني مع البرجوازية، التنظيم الاجتماعي المنبثق مباشرةً من الإنتاج والتجارة، والذي يشكِّل في كلّ المراحل قاعدةَ الدولة وبقية التركيب الفوقي».

في الفقرة الواردة أعلاه، يلحظ القارئ الذي اطّلع على مؤلفات ماركس وإنجلز، غموض بعض المفاهيم والمصطلحات، التي اكتمل وضوحها ومدلولها في مؤلفاتهما اللاحقة خلال نضج تفكيرهما، مثال ذلك: علاقات التملّك التي تحولت لاحقاً إلى علاقات الإنتاج. والتعامل والتبادل تحوَّلا إلى علاقات السوق، والصيغة المبهمة عن التنظيم الاجتماعي اكتمل مدلولها في مقولة التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية، كواحدة من المقولات الأساسية في منهج التفسير المادي للتاريخ.

رغم ذلك يصعب الاتفاق مع الادّعاء أنّ ماركس ظلّ حبيس تصوّر أو تعريف أستاذه هيغل، حيث بدأ التمايز أكثر وضوحاً في وقت مبكر في طروحات ماركس حول فويرباخ، 1845. فويرباخ، مثل هيغل، يتبنّى مفهوم المجتمع المدني التقليدي. ماركس يتبنّى المجتمع الإنساني، أو الإنسانية التي تتّسم بطابع اجتماعي. أما التصور الأكثر وضوحاً فقد ورَد في كتاب ماركس «انقلاب لويس بونابارت»، 1852، الفصل رقم 4، الفقرة الخامسة، حيث أسهب في ما آلت إليه الديمقراطية تحت ظلّ الانقلاب وسطوة جهاز الدولة: «تصطاد الدولة المجتمع المدني في شباكها، تكبح حركته، تضبط إيقاعه، ترشد خطاه وسلوكه وحتى واجفة الأعين، وتتحكّم في حياة الفرد بمركزية متسلّطة». ثم تَقدَّم ماركس بحزمة إصلاحات برامجية لإصلاح آثار البونابارتية، أو الشمولية، تطرح: «تبسيط إدارة الدولة، وخفض وتقليص جيش البيروقراطية للحد الأدنى، وأن يُترَك للمجتمع المدني والرأي العام خلق مَنابره الخاصة به، مستقلة عن سلطة الحكومة». هكذا، بين عام 1844 وعام 1852، استكمل ماركس استيعابه وتصوّره للمُجتمع المدني، وعبَّر عنه في الفقرة المقتطفة، بعد أن كاد يتجاهله تماماً، وهي فقرة عابرة عام 1842 في كتابه الذي انتقد فيه فلسفة هيغل الحقوقية، وفي جملة اعتراضية: ما يُسمّى بالمجتمع المدني. هذا ما كان من بقاء أو خروج ماركس من عباءة تعريف أستاذه هيغل لمفهوم المجتمع المدني. صحيح أنّ ماركس، مثله مثل مفكّري عصره، وسابقيه من مفكري عصر التنوير، اعتبَر المجتمع المدني وليد المجتمع البرجوازي، أي الرأسمالي، لأنّ المجتمعات السابقة للرأسمالية لم تعرف ظاهرة المجتمع المدني ومؤسّساته.

وما زال الصراع واختلاف وجهات النظر بين المنشغلين بأمر المجتمع المدني في زماننا هذا محتدماً حول مفهوم منظمات المجتمع المدني والمنظمات الأهلية والمتوارثة في مجتمعاتنا قبل سيطرة الاستعمار وغرس العلاقات الرأسمالية وأجهزة الدولة الحديثة في مجتمعاتنا. هذه معضلات لا تُحلّ أو تُحسَم بالقطعيات الوثوقية، إنما بالدراسة المتأنّية لكل مجتمع، وما كان عليه، وما آل إليه، ثم المقارنة والمضاهاة مع مجتمعات مماثلة قبل استخلاص ما هو عام ومشترك ـ مع مراعاة أنّ كيانات سابقة للرأسمالية تُواصِل تماسكها الباطني ونسيجها الخاص، وتتعامل وتتعايش وتتأقلم مع الرأسمالية في أخذ وعطاء، مثل ذلك التكوينات القبَلية والطائفية والطرق الصوفية، أو محافظة الخلاوي على طابعها الخاص رغم استيعابها في هياكل التعليم النظامي، أو الإدارة الأهلية في السلك الإداري للدولة، أو بقاء التاج والعائلة المالكة في بلدان رأسمالية متطوّرة مثل إنجلترا، هولندا، السويد.. إلخ، وترعى العائلة المالكة العديد من منظمات المجتمع المدني!

نظل نسعى للمعرفة والاستنارة من الفكر الإنساني، الطارف والتليد، ونستزيد معرفة بما يُتاح من تجارب شعوب العالم في معاناتها الذهنية لحلّ معضلات الدولة والمجتمع المدني. لكنّ منهجنا أن ننطلق من واقع المجتمع السوداني وتجلّيات تطوّره عبر العصور، وخصائص تشكُّل دولته ومجتمعه المدني. وما قاله مونتسكيو أو توكفيل، ابن خلدون أو المقريزي، ستيورات ميل أو هيغل، ماركس أو قرامشي، ليس فصل الخطاب.

ولا نغفل أو نزّاور عن استخدام منهج التفسير المادي للتاريخ نستخدمه، ولا يستخدمنا. ولا نعوِّم مفاهيمه ومقولاته في بحر من الكلمات أو إغفال متعمَّد للمصدر، [إنما] نسعى ونجتهد علّنا نتوصّل إلى استنتاجات سليمة، وننتج معرفةً تليق بمَضاء هذا المنهج، وتسهم في تطوير أدواته وآلياته، وتلقيحها بأساليب وطرائق البحث العلمي المعاصرة والمتجدّدة، علّنا نضيء مسافةً ما من إظلام مسرح المجتمع السوداني! لا بدّ من التفاتة وفاء لمن أشعلوا ثقاب المعرفة، فأناروا الطريق أمام الإنسانية نحو الاستنارة:

آدم فيرجسون، المفكر الإسكتلندي «1717 ـ 1802»:

أوّل من سَكّ مصطلح «المجتمع المدني»، قبل 22 عاماً من الثورة الفرنسية، في كتابه: «مقالة في تاريخ المجتمع المدني» [1767]، حيث استشعر تمركز السلطات السياسية في قبضة الدولة، وخطورة الاستبداد السياسي، وكيف يحمي المجتمع نفسه من التسلّط السياسي والاستبداد.

إيمانويل كانط «1724 ـ 1802»:

«كن جريئاً في استخدام عقلك، الكسل والجبن سبب بقاء البشر في حالة اللارشد طوال حياتهم».

«يأمره الضابط: لا تفكر، بل تدرَّب على القتال!».

«يأمره المموِّل: لا تفكر، بل ادفع!».

«يأمره الكاهن: لا تفكِّر، بل قل آمين!».

«يأمره السيد: فكّر كما تشاء، لكن أطِع!».

الكواكبي «1854 ـ 1902»:

«المستبدّ لا يخاف من العلوم الصناعية. ترتعد فرائض المستبدّ من علوم الحياة، مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم، وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية والتاريخ والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تكبّر النفوس وتوسّع العقول، وتعرِّف الإنسان ما هي حقوقه، وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النوال».

Thursday, 2 April 2026

مع نُقد: زقاقنا يفتح في أزقّـة غزة

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١١٦ بتاريخ ٢٦ مارس ٢٠٢٦. 

غادَر الفانية في مثل هذا الأسبوع عام 2012، يوم 22 مارس، المرحوم محمد إبراهيم نُقد (1930-2012)، «أنضر الأشجار السودانية في بستان اليسار الماركسي» بعبارة صفيّه المرحوم كمال الجزولي. قال عنه المرحوم كمال في آخر مرثية طويلة: «رحل نُقد، والموت حقّ، دون أن يرى أمنيته الكبرى تتحقّق بأن ترفرف رايات الاشتراكية منتصرة بالديموقراطية التعدّدية، وبالاختيار الشعبي الحر، كمنهج حياة وحكم في السودان». لكن، كانت للمرحوم نُقد أماني أقلّ طموحاً من انتصار الاشتراكية «المحتوم». وقد رعى هذه الأماني خطّةً، وعاشها قضيةً، ومات على محجّتها دون تذبذب، وبعضها من أماني الجيل الذي جاء إلى النظرية الماركسية خريطةً للتحرّر الوطني، تقوم بها أوطانٌ لأهلها ويُرغَم بها أنف الاستعمار في صوره المتعدّدة.

وتجد القارئةُ شهادةَ هذا الجيل على نفسه في مثل بيان الدكتور فاروق محمد إبراهيم (مواليد 1931) لقصة بَلشَفته؛ تجنيده في صفوف حزب الطبقة العاملة، وهو طالب في الثانوية، «مراهق» بتبويب الرأسمالية المتأخّرة للأعمار، مثله مثل الجزائرية «فضّة» التي «لم تبلغ سنّ العشرين واختارت جيش التحرير». فصّل الدكتور فاروق في روحية هذا «الانخراط»، بعبارة اليوم، في لقاء على صفحات مجلة «الشيوعي»، مجلة الحزب الشيوعي السوداني النظرية، يستحق الاقتباس مطوّلاً:

«كان ذلك في منتصف عام 1948 وأنا في السنة الثالثة ثانوي إذ قابلني أنور علي عثمان (طبيب بالقوات المسلحة الآن) وكان ابن دفعتي. لا زلتُ أذكر منظرنا في رأس الزقاق المؤدّي إلى منزلنا وهو يناقشني وينهمر المطر ونحن نتناقش محتمين منها بالحائط وينتهي المطر ونحن نتناقش. تحدّث أنور علي عثمان أنّ حزب الأمة ميؤوس منه وناس أزهري ميؤوس منهم كذلك وأصبحوا تبعاً للسياسة المصرية وأنّ مؤتمر الشباب هو البديل. تحدّث عن الجلاء وعن وادي النيل والدفاع عن الطبقات المظلومة وعن الدفاع المشترك. ولكن كان بالمناقشة كلمات كثيرة جداً مثل البرجوازية والبروليتارية وأساساً كانت المناقشة في اتجاه انضمامي للحركة السودانية للتحرّر الوطني (حستو) وأنّ القضية عالمية. لم يذكر أنور كلمة الشيوعية ولكنْ ذكر كلمة الاشتراكية. عرفتُ أن زميلي فاروق مصطفى مكاوي حدث له نفس الشيء، ومن قبل طه محمد طه. وجندنا في نفس الوقت. حدث ذلك في الإجازة الصيفية وبعد مظاهرة مؤتمر الشباب المشهورة وعندما رجعنا وادي سيدنا ضمنا في وحدتين للتنظيم» («الشيوعي»، ع 155، سبتمبر 1988، ص 44-45).

وللقارئة أن تقف عند هذا «الشغف»، بعبارة معاصرة، الذي اتصل به نقاش المراهقَيْن أنور وفاروق عند رأس الزقاق والمطر كابّي لا يشغلهما شاغل عن مطلب «الحرية». وقد بانت لهما «الحريةُ» ضرورةً تحتّم على من في عمرهما النضير السَّعيَ ولو بقشّة لمسألة «عالمية» لا ينحصرُ مداها في مؤامرات حزب الأمة وناس الأزهري وإنما تمتد لتبلغ:

ثورة في كوريا

وجحيم وقتال

في بلاد نائية

ليتها حول القنال

انقدحت هذه «الروحية» في فؤادَي المراهقَيْن أنور وفاروق من مصدر جديد بحقّ، فبعضها من الصورة التي احتفظ بها الدكتور فاروق لشيوعيين أغراب في مدن السودان الصغيرة خارج دوائر الخريجين؛ فقد أبَّد الدكتور فاروق، على سبيل المثال، ذِكْر مبارك الحاج الحدّاد، صاحب ورشة تصنيع الآلات الزراعية في الدويم وزميله جلال الساعاتي؛ عَلَمَيْن لهذه الشيوعية الغرَّاء في الدويم الناعسة. كتب الدكتور فاروق في مسودة مذكراته «البحث عن معنى حياة: سيرة ذاتية»: «تطابقت في مخيلتي صورة مبارك المفتول الجسم البارز العضلات القويّ التقاطيع مع صورة ستاخانوف، رمز تصنيع الاتحاد السوڤييتي، الذي طالعَتْنا صورته مع المطرقة والسندان في كلّ الأدبيات والمطبوعات السوڤييتية». مبارك يا مَكَنة! وتوحَّدَت عند هذا المَكَنة «العالمية» و«المحلية» إذا صحّ التعبير، البُعد الكوني الذي يشرق من دقيق «الانخراط» في قضية محلية فيقوم قاعدةً قويمة، وهو البُعد الذي يقوم به ميزان القسط ويُبهر به الكون الكبير وقد انطوى في جرم صغير. من ذلك حجّة مبارك، بحسب الدكتور فاروق، على قريب الله وحامد الأنصاري وهما في أول السكة الخطرة: «مكانك انت وأخوك حامد مع أهلكم العُمَراب الجزّارين هنا، مش مع العُمَراب الحكّام في الخرطوم عشان ما «يسيّروكم» معاهم. وردّ عليه قريب الله: العُمَراب الجزّارين هنا برضهم طبقات، مش حاجة واحدة، الجزّارين الشرعيين والجزّارين «كيري». جزّارين اللحمة فوق وجزّارين الكرشة تحت. ونحن أولاد الجزّارين أدنى الطبقات. كتفي انهدّ من الطاولة وصوتي بحّ من المناداة في أزقة الدويم: طايوق، طايوق، طايوق. لكن برضه جمعنا ملاليم المصروف، وأنا دلوقت بعرف أي خالة وعمّة وحبوبة في الدويم. إذن، قال مبارك، مكانك معنا في حزب الطبقة العاملة».

انتهى اجتماع التجنيد بغناء جماعي لأغنية مجهولة المصدر:

أدونا حقوقنا، أدونا أدونا

يا الجنّنتونا

أدونا، أدونا

مجلس تشريعي سبب تصديعي

الثورة الثورة، نظام شيوعي

ستالين أبونا، ولينين أخونا

أدونا أدونا

يا الجننتونا

الثورة الثورة، نظام شيوعي.

لكن، لا تُغْني «الروحية»، وإن صَفَت بمثل هذا الرجز والأمل، عن الاستراتيجية والتكتيك، وهما عدّة «الثوري» على خلاف «الكلمنجي». واجهت شيوعية مبارك التي تصدح باسم لينين وستالين وتنادي «الثورة، الثورة»، في ليلة أفريقية على ضفة النيل الأبيض الغربية، امتحاناً عسيراً في العامين 1947 و1948. ذلك حين وافق الاتحاد السوڤييتي العظيم، الدولة الكبرى ودائمة العضوية في مجلس الأمن، في مخالفةٍ للمبدأ الكوني في «الأممية» ومقارعة «الاستعمار»، المبدأ التي هاجت له نفس فاروق المراهق، على خطة تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية مع تحديد منطقة دولية حول القدس بحسب تقرير لجنة بيل (1937) ولجنة وُودهِد (1938)، القرار الذي مهّد لقيام دولة إسرائيل. أعقب ذلك إعلان الاتحاد السوڤييتي في 17 مايو 1948 الاعتراف بدولة إسرائيل بعد ثلاثة أيام من إعلان ديڤيد بن غوريون، الرئيس التنفيذي للمنظمة الصهيونية العالمية ومدير الوكالة اليهودية في 14 مايو، قيامَ دولة يهودية في فلسطين اسمها «إسرائيل»، الإعلان الذي مهره 39 صهيونياً بتوقيعاتهم، وكلّهم من يهود شرق أوروبا وروسيا، على سبيل المثال مواليد كوبيس في روسيا البيضاء وبولتافا في أوكرانيا وفيلنيوس في ليتوانيا وبرلين في ألمانيا وريبنيتسا في روسيا وماركولشتي في مولدافيا، لا يُستثنى منهم سوى بخور شالوم شيطريت الفلسطيني المولود في طبريا.

وقَعَ قرار التقسيم على رؤوس الأحزاب الشيوعية العربية كالصاعقة، وانفرطت به حجّة كلّ من استقبَل القميص السوڤييتي أعمى بغير مقاس، واختار «تبرير» قرار «ستالين أبونا» على حساب مبدأ الكونية. طمَّت بطونٌ وطنية ساعتها من الأممية والشيوعية والاتحاد السوڤييتي، منها بطن المرحوم عبد الماجد أبو حسبو الذي فارَق درب الحركة الديمقراطية للتحرّر الوطني «حدتو»، أخت الحركة السودانية للتحرّر الوطني «حستو»، اشمئزازاً من تبعية الشيوعيين المصريين للقرار السوڤييتي. وكان عبد الماجد من الأبكار الذين جاء بهم إلى هذه السكّة عبده دهب حسنين في مصر: «… فوجئنا بأنّ الحزب الشيوعي في مصر يؤيّد التقسيم ويطلب مِنَّا تأييد ذلك. وعندما استنكرنا هذا الأمر قيل لنا بأنه قد «نزل خط» بتأييد التقسيم وأن الاتحاد السوڤييتي وافق على ذلك». وكان عبد الماجد وقتها عضواً في اللجنة المركزية لـ «حدتو» فخرج عليها مغاضباً بعد نقاش مع هنري كورييل سأله فيه: «كيف تطلبون منا أن نؤيّد التقسيم وأنتم تعلمون خطورة ذلك علينا، لأن مجتمعاتنا ستنظر إلينا على أننا خونة، وأنا عملاء للشيوعية الدولية وبالتالي ستعزلنا عنها» (عبد الماجد أبو حسبو، «جانب من تاريخ الحركة الوطنية في السودان»، الجزء الأول، دار صنب للنشر والتوزيع، الخرطوم، 1987 ص 106).

لكنّ المرحوم محمد إبراهيم نُقد اختار مقاس قميصه بنفسه، لذلك سارَع إلى لقاء خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» وقتها إبان زيارة الأخير إلى الخرطوم في فبراير 2009. وقال المرحوم محمد للصحافيين بعدها، إنّ اللقاء بين الحزب الشيوعي وحركة حماس مستمر خلال زيارات مشعل الماضية إلى السودان، إلا أنّ هذا اللقاء قد جاء في ظل الاشتباك الحقيقي للغزو الصهيوني على أرض فلسطين. وأضاف أنّ مستوى التضامن مع الشعب الفلسطيني يستحقُّ أن يرتفع من مُجرَّد التضامن التقليدي إلى تضامن أكثر فاعلية بالاتفاق مع الثورة الفلسطينية والسلطة الفلسطينية (القدس العربي، 9 فبراير 2009). وجاءت زيارة مشعل إلى الخرطوم بعد نهاية الحملة العسكرية الصهيونية على القطاع في الفترة 17 ديسمبر 2008 إلى 18 يناير 2009، الحملة التي أطلق عليها جيش الدفاع الإسرائيلي «عملية الرصاص المصبوب» وقالت المقاومة الفلسطينية «معركة الفرقان». لم يرتبك المرحوم محمد بإخوانية البشير في الحكم أو إخوانية الترابي في المعارضة أو حتى إخوانية المال بيد عوض الجاز؛ فهو، لله دَرُّه، جاء إلى شغل «الحرية» كفاروق وأنور تحت المطر لذات الحرية وعينها، أو بعبارة المرحوم عبد الخالق محجوب: «إنّ تجربتي البسيطة توضح أنني لم أتخذ الثقافة الماركسية لأنني كنت باحثاً في الأديان، ولكن لأنني كنتُ وما زلت أتمنى لبلادي التحرّر من النفوذ الأجنبي أتمنى وأسعى لاستقلال بلادي وإنهاء الظروف التي فُرضت علينا منذ 1898».

 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.