Monday, 27 January 2025

مدن من هذا الخيال المشترك

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد  ٦٠ بتاريخ ٩ يناير ٢٠٢٥

إبراهيم عوض: نحيي الاخوان الذين أتوا إلينا من كوستي إلى أم درمان. لهم التحية. ونيابة عن العريس. لمشاركتهم لينا هذا الحفل الجميل الصغير المتواضع. وكما علمت طبعا إنو الأخ بشير صاحب أغنية «سلوى» من أبناء كوستي. بالنيابة عنهم أنا أتقدم بأغنية «سلوى» لأنهم من ناس كوستي طبعا.

الجمهور: أوووو

إبراهيم عوض: شايف، العنصرية ظهرت أهي! ها ها ها... نغني أغنية «سلوى» إرضاءً لخاطر أخوانا وأخواتنا لأنهم بكرة طبعا بكرة حيسافروا بكرة لي كوستي. 

الجيتارات والجمهور: تا ررررم، ورا، تا ررررم، ورا...

والكمنجات والترومبيت.


إبراهيم عوض: وووو، وووه... حاجة تمام. 

ويغني الفنان الذري «سلوى» لصاحبها بشير عبد العال، الشاعر والملحن والمطرب، من أبناء كوستي، والأغنية معروفة. 

قدر المرحوم إبراهيم عوض في مقدمته لأغنية «سلوى» في حفله يومها في بقعة أم درمان أن لأهل المدن عنصرية، هي بعض ولاءهم للجغرافية الاجتماعية التي هي مدينتهم، عنصرية يضحك بها المتحدث ويسلخ النكت، تظهر للعلن في تقاطع الدروب بين مختلفين. ومن ذلك ما قام في الحفل بين أهل العريس وجماعته من كوستي وقوم العروس في البقعة من تفاخر وكيد بالأماكن. وهي بذلك ليست عنصرية من حيث المحتوى لكن تعزيرا كما في اصطلاحنا «أخدر»، عنصرية أو قل عصبية خضراء. تقع القارئة على مثلها في جنس كتابي قوامه ذكريات المدن في الصحف السيارة يضم بالضرورة إعلانا مثل "كوستي مدينة استثنائية". 

وكل مدينة بقياس المحب استثنائية، فعند طارق عبد الله الريح (جريدة الصيحة، ٢١/٨/٢٠٢٢): "وحقيقة مدينة كوستي تعج بالمبدعين من فنانين وشعراء وأدباء وموسيقيين والحلة الجديدة معقل الفن والإبداع الفنان الجميل الخلوق هاشم محمد إسماعيل والنور عبدالعال وبشير عبدالعال والموسيقار الراحل حمودة عبدالباقي والموسيقار الراحل عبدالله عمر الشهير باسم عبد الله بيز والموسيقار الراحل الأستاذ قمر حمودة والموسيقار العظيم الراحل الأستاذ إبراهيم الجاك والموسيقار عمر حسن محمود عمر كوستي والموسيقار الفخيم الأستاذ هاشم أحمد سالم والراحل عبدالرحمن يوسف والفنان الراحل عادل فراشه والموسيقار الراحل علي الحريري من أمهر عازفي آلة الأكورديون وأستاذنا الموسيقار الفخيم الخلوق محمد علي حسين زمبا أستاذ الأجيال والمربي الفاضل والموسيقار محمود عثمان يابس وشقيقه التجاني عثمان يابس والموسيقار عامر شاويش والموسيقار الجميل بشرى بشير أيقونة الوسط الفني بكوستي والموسيقار الراحل أستاذنا رمضان أبوجي والموسيقار الجميل طارق عبدالرحيم عازف الجيتار المميز ورفيق دربه الموسيقار عادل عوض الله والموسيقار حيدر عوض بوب والموسيقار الدكتور محمد العصامي عوض والفنان عادل صديق وأشقائه عبدالله صديق وعمر صديق والموسيقار الفخيم حسن التوم والموسيقار عبدالمنعم ترنتي والقائمة تطول."

وستجد القارئة عن كل «قرية» باللفظ القرآني مثل هذا البذل "الفخيم" بعبارة كاتب كوستي، يطرى فيه الحبان بسليقة انسيكلوبيدية على طريقة «موسوعة القبائل والأنساب في السودان وأشهر أسماء الأعلام والأماكن» للمرحوم عون الشريف قاسم أو إن طلبت نسبا أقدم «طبقات ود ضيف الله في أولياء وصالحين وعلماء وشعراء السودان»، وإن خلت من تبويبهما. إلا أن عناصره الزهو الحضري بالفنانين والأدباء والمدرسين والموظفين وغيرهم من أعلام الحضر. وهنالك من أحسن فأخرج تاريخا غير مدرسي أو تاريخ روائي على ذات النسق أو ما يشابهه، فتقرأ من المرحوم الدكتور سعد محمد أحمد سليمان «الخرطوم عبر العقود: النشأة والتطور ١٨٢١ ١٩٧٠» (دار السداد، الخرطوم، ٢٠٠٦)، ومن الأستاذ أحمد عبد الوهاب محمد سعيد «الخرطوم أيام زمان: ذكريات وخواطر عن الخرطوم» (منشورات الخرطوم عاصمة للثقافة العربية، الخرطوم، ٢٠٠٥)، وعند شوقي بدري «حكاوي أم درمان» (الشركة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، الخرطوم، ٢٠٠٩)، وعند محمد فقير «نوافذ على الأمس» عن جزيرة بدين ونواحيها (دار عزة للنشر، الخرطوم، ٢٠١٦)، وعند الدكتور عون الشريف قاسم «حلفاية الملوك التاريخ والبشر» (دار جامعة أم درمان الإسلامية للنشر، أم درمان، ١٩٨٨) وعند أمير تاج السر «مرايا ساحلية: سيرة مبكرة» عن مدينته بورتسودان (المركز الثقافي العربي، بيروت، ٢٠٠٠)، وغيرها كثير. 

انتقل هذا الجنس الكتابي في عصر الإنترنت ما قبل الفيسبوك إلى منصات للدردشة على مثال سودانيزأونلاين، ثم بعد أن حل الفيسبوك وسكن إلى مجموعات بعناوين مثل «صور ووثائق وحكايات كوستي القديمة والتاريخية» أو «ملتقى أبناء البسابير» أو «ملتقى أبناء وبنات قرية الحليلة الحلاوين». وهو تحول في الهيئة تضمن محتوى يطابق صيغ تنظيمية سلفت مثل «نادي ومجمع أوسلي بأم درمان» أو الروابط المشهورة في الجامعات على صورة «رابطة أبناء عديلة بالجامعات والمعاهد العليا». 

من ثمرة هذا الجنس الكتابي أنه يكشف للقارئة طرفا من «آيديولوجيا» الحياة اليومية في المدينة بمنظار عصبية خضراء، ففيها تقع على خيال وانحيازات وتفضيلات ومنتخبات محكية في صيغ تلامس الأسطورة البطولية من نسيج التاريخ الشفاهي مما يرويه الناس عن أنفسهم ويتحور مع الزمن وتعدد الرواة. ومزج أمير تاج السر كما شوقي بدري في تواريخهما الروائية لبورتسودان وأم درمان هذه المحكيات مزجا إبداعيا وذكرياتهما الشخصية لا يفسد للتاريخ غير المدرسي مسألة، بل يثريه، لأن قضيته سوى الوقائع تاريخ الخيال. لذلك ربما، شبه هلال زاهر الساداتي في مقدمته للطبعة الثانية لكتاب شوقي بدري «حكاوى أم درمان» الكتاب بشغل مارك توين في «مغامرات توم سوير» و«هكلبري فن»، وكتب أحمد عبد المكرم في مقدمته لذات الكتاب: "وتظل في النهاية مثل هذه الكتابات تؤكد أهميتها الأدبية لما تحمله من قيمة معرفية، غاية في الأهمية، عن دقائق التكوين النفسي والمزاجي والسلوكي وحتى نمط الذهنية وآليات التفكير في شخصيتنا الوطنية، ذات المرجعيات المتعددة ثقافيا وحضاريا."

تجد القارئة إذن في هذه المصادر عرضا للعصبية الخضراء التي أضحكت إبراهيم عوض، عصبية تفتقت في أوار ثورة ديسمبر عن «لجنة المقاومة» ست الاسم، ثم في ساعة النزال الحربي، والرؤوس تدور، عن الحمية التي وقفت بها فاشر الميرم عصية بعبارة مقاتليها، ستالينغرادية في وجه حصار وهجوم الدعم السريع المستمر لشهور متطاولة على الحي والميت. ومن عافت القتال وقد وقع تجد ذات الحمية تثير بسالات نادرة لمثل فريق الكهرباء الذي استعاد النور في سنار وسنجة غصب كي، لا من ولا أذى؛ وأطباء مستشفى الأبيض التعليمي وعلماءه، أمل خليل محمد والدسوقي حسن حميدة وأحمد ميرغني علي وحسين أحمد، الذين وجدوا فسحة في أنفسهم تحت القصف أن يدرسوا بالكشوف المعملية والإحصاء خلال أغسطس ٢٠٢٤ الزيادة في أعداد مرضى السل وأجناسه وخرج شغلهم في ورقة علمية محكمة في مجلة كوريوس (م ١٧، ع ١، يناير ٢٠٢٥)؛ وجراحي مستشفى النو، أمين ياسين ومؤمن محمد ومعتز حامد، الذين شمروا بعد غسيل بموية الجركانات وقد انقطع ماء الماسورة تحت القصف المدفعي ودانات الهاوتزر، عن حذق جراحي أسعفوا به رضيع في عمر ثلاثة أشهر بعيب خلقي نادر نشأ به طرف يشبه الساعد في غير موقعه، من ظهر الطفل عبر خرق في العمود الفقري، وبذلوا شغلهم لزملائهم عبر العالم في «تقرير حالة» محكم في «المجلة الدولية لتقارير الحالات الجراحية» (م ١٢٦: ١١٠٦٨٣ (٢٠٢٥)). لذلك، ظلم أهله كل الظلم من نسب هذه العصبية الخضراء التي ترى بها المقاتلة في الفاشر سلطانها بطل كل زمان ومكان وطبيب الأبيض مدينته جلاء كل نظر وجراح النو بقعة أم درمان أم القرى سقم فلولي بالسلطة وخلصت الحدوتة. وطرف العلة أن بعض من اعتلى منصة السياسة خلو من هذا الخيال المشترك. أما صاحب «سلوى» فعلى حبه، يشكو ولا يسلو، يشد أوتار الكهرباء على حرف «قلبي شن سوى».

Tuesday, 17 December 2024

بيرتس: لا هو من أهل الجمرة ولا واطيها

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد  ٥٧ بتاريخ ٥ ديسمبر ٢٠٢٤

نشر المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في أكتوبر الماضي «ورقة بحثية» للدكتور فولكر بيرتس، المسؤول الأول في «بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لتقديم المساعدة خلال الفترة الانتقالية في السودان (يونيتامس)» لخص فيها ما استفاد من مهمته في السودان لانتقالات قادمة تحت عنوان «انتقال السودان نحو الحرب وحدود المساعي الحميدة للأمم المتحدة». قامت البعثة التي تولى أمرها الدكتور فولكر بيرتس في يوليو ٢٠٢٠ على إثر طلب من حكومة السودان وانحلت ولايتها في فبراير ٢٠٢٤ بطلب من حكومة السودان. جمع بيرتس في كلمته الطويلة نسبيا، والمكتوبة بضمير الأنا، فعلت وتركت، للعارفة بهذا التاريخ القريب بين «مرافعة الدفاع» و«النقد الذاتي». وتمييز «ورقة بحثية» ربما مجاملة مستحقة لأكاديمي مخضرم وأستاذ للعلوم السياسية ومؤلف غزير الإنتاج شغل منصب مدير هذا المعهد لخمس عشرة سنة خلت (٢٠٠٥ ٢٠٢٠) قبل أن يتحول إلى دبلوماسي دولي. 

أول ما بدأ به بيرتس كلمته هو حساب العلل الباطنة فيها وحالت ربما دون تحقيق أهدافها الأربعة، فانتهت إلى مربع الحرب، ما يعرف في رطانة الأمم المتحدة بالتفويض ونصه: "المساعدة في الانتقال السياسي والتقدم باتجاه حكم ديمقراطي وتعزيز حماية حقوق الإنسان واستدامة السلام بما يستجيب للأهداف رقم ٥ و١٠ و١٦ و١٧ [من أهداف التنمية المستدامة، ولا تسألني ما هي؟]؛ دعم مسارات السلام وتنفيذ اتفاقيات السلام المستقبلية، بما يستجيب للأهداف رقم ٨ و١٠ و١١ و١٢ و١٦ و١٧ [من أهداف التنمية المستدامة]؛ تقديم العون لبناء السلام وحماية المدنيين وسيادة القانون، وعلى وجه الخصوص في دارفور وفي المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) بما يستجيب للأهداف ٥ و١٠ و١١ و١٦ و١٧ [من أهداف التنمية المستدامة]؛ دعم إتاحة المساعدات الاقتصادية والتنموية، وتنسيق المساعدات الإنسانية من خلال ضمان نهج تكاملي لوكالات الأمم المتحدة والتمويل والبرامج المتاحين من خلالها؛ ومن خلال التعاون مع المؤسسات المالية الدولية، وبما يستجيب لجميع أهداف التنمية المستدامة." 

فصل بيرتس بين ثلاث مراحل لبعثته: الشراكة المدنية العسكرية حتى الانقلاب في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١، ما بعد الانقلاب، والحرب بين القوات المسلحة السودانية والدعم السريع، وقال قدمت بعثته مساعيها الحميدة في دور الميسر والميسر الشريك بخاصة في مرحلة ما بعد الانقلاب وإن كان تفويضها لا ينطبق حرفا سوى على المرحلة الأولى. وترجمة ذلك أن البعثة انشغلت بما لا يعنيها بنص تفويضها. ثم أضاف أن البعثة لم تكن مفوضة ولا قادرة على «حماية المدنيين»، وإن توقع البعض بغير دليل أنها جاءت لتحل محل بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي المشتركة في دارفور (يوناميد). فشغلها بنص تفويضها وبممارسة المرحلة الأولى علاقات عامة، "سعت إلى بناء علاقات مع السلطات وأطراف سياسية واجتماعية فاعلة، وأطراف أخرى إقليمية ودولية، وساعدت الحكومة الانتقالية على تعريف أولوياتها بما في ذلك تطبيق خطة قومية لحماية المدنيين، والإصلاح القانوني، وبناء قدرات جهاز البوليس والقضاء والتخلص من الألغام. كما عملت جاهدة مع مجموعات النساء ومجموعات أخرى من المجتمع المدني وساهمت في دعم الحوارات بين المجتمعات." 

شاهد الوقائع لكن أن دور مسؤول البعثة الأول فولكر بيرتس لم يقتصر على العلاقات العامة، فقد كان وبعثته طرفا مؤثرا في الصراع السياسي المحتدم ما قبل الانقلاب في ٢٠٢١ وما بعده، وإن قال وكرر أنه محض ميسر لعملية سياسية يمتلك زمامها أمرها السودانيون. شرح بيرتس أن بعثته كانت فقيرة جدا بالمقارنة مع مليارات يوناميد وحشودها من القوات والموظفين، فلم تتجاوز ميزانيتها ٣٤ مليون دولار في العام ٢٠٢١ بجهاز بشري عدده ٣٢٠ موظف سوداني وغير سوداني بما في ذلك ٢٨ مراقب عسكري و٤٢ ضابط بوليس من غير السودانيين. 

سرد بيرتس بإسهاب ضمن تاريخ انتقائي للفترة الانتقالية تركيزه فيه على الأنواء السياسية أنشطة للبعثة كان هو بطلها احتسبها «مساعي حميدة»، وللتذكير ضمن تفويضها ما قبل الانقلاب وخارج تفويضها نصا ما بعد الانقلاب. قال تدخلت البعثة بإحسان لتيسير دورة من المباحثات بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) جناح الحلو، وشاركت في تمويل ودعم أعمال اللجنة الدائمة لوقف إطلاق النار في دارفور، وهي ضلع من هندسة اتفاقية جوبا للسلام مسار دارفور. وقال دعت البعثة إلى «خفض التصعيد» في أعقاب انقلاب المدرعات وانشطار الحرية والتغيير فريقين ثم اعتصام القصر. وأضاف أن الجميع، عسكريين ورئيس وزراء وسياسيين في الحرية والتغيير وقادة الحركات المسلحة، استقبلوا هذه المساعي الحميدة بترحيب، بل حملوا البعثة ومسؤولها الأول رسائل لبعضهم البعض. أضاف بيرتس أنه توسل شخصيا القيادة العسكرية أن تعزف عن أي خطة انقلابية فالأمم المتحدة والفاعلين الدوليين الآخرين سيسمون الانقلاب انقلابا!

كتب بيرتس أن الانقلاب في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ أنهى الشراكة المدنية العسكرية وأجهض الانتقال السياسي، ومن ثم لم يكن لبعثته غرض بحرف تفويضها، فأعادت تعريف أولوياتها وصارت «المساعي الحميدة» هي شاغلها الأساس. ثم عدد من بعد ذلك محطات لهذه المساعي: مشاورات حول العملية السياسية استمرت ستة أسابيع في يناير ٢٠٢٢، والآلية الثلاثية التي ضمت البعثة والإيغاد والاتحاد الإفريقي بغرض تشجيع الحوار بين الأطراف العسكرية والمدنية، ثم ورش العمل الخاصة بالاتفاق الإطاري. وقال بيرتس في هذا الصدد أن سياسيي الحرية والتغيير المجلس المركزي عبروا عن توقعهم أن تلعب الولايات المتحدة «دورا قويا خلف الكواليس» لإيجاد حلول للأزمة الماثلة، بحسبان أن شوكة الولايات المتحدة أعظم أثرا من الأمم المتحدة وسواها من الفاعليين الدوليين.          

فضل بيرتس أن يميز لنفسه دورا فوق دور بعثته فقال إنه شخصيا ظل على اتصال وثيق مع رئيس الوزراء حمدوك ومع البرهان وقادة الجيش. وقال أسر له البرهان في آخر ٢٠٢٢ خلال مشاورات حول الاتفاق الإطاري أن الوقت صار مناسبا لاستئناف الانتقال وفض الانقلاب. وقرظ تقريظا شديدا "المشاورات السياسية" التي قامت بجهد من البعثة وقال شملت ١١٠ اجتماعا مع أكثر من ٨٠٠ شخص، ممثلين عن المجتمع المدني والحكومة والأحزاب السياسية والحركات المسلحة ومجموعات النساء ولجان المقاومة وجماعات المال والأعمال، والمجموعات الرعاة، والنازحين والمنظمات السودانية في المهاجر وخلافهم، سمك لبن تمر هندي. لكن أعيت «الاصطكاكة» التي غلبت على هذه المجهودات بلاغته، فهذا الطرف رفض وهذا قاطع وهذا تمنع وذاك تشكك.. الخ. واختار أعمال نقابة المحامين والاتفاق الإطاري كأفضل ما خلصت إليه مجهودات عديدة فيها المتوازية وفيها المتناقضة خلاصة لكل ما سبق، فهي الأوسع والأشمل وإن قاطعتها الكتلة الديمقراطية ولجان المقاومة دع عنك "المؤتمر الوطني المحلول وطوائف أخرى ومجموعات ذات صلة بنظام البشير السابق." وللقارئة أن تتعاطف مع الدكتور بيرتس الذي قال أنه أصبح هدفا لتهديدات طالت شخصه في لحم ودم من «الحركة الإسلامية» بقيادة علي كرتي وعناصر أخرى ذات صلة بنظام البشير ما أن اقتربت ثمرة الاتفاق الإطاري أن تنضج في اتفاق نهائي أخير. 

عرض الدكتور بيرتس الخلاف حول «الدمج»، مقدمة الحرب، في صفحتين كأنهن انتزعن من تقرير لمراسل صحيفة أجنبية يتعرف لتوه على السودان لكن مجتهد. وأضاف أنه من موقعه كممثل للأمين العام للأمم المتحدة حذر مجلس الأمن من «توترات متصاعدة بين المكونين العسكريين» منذ بداية العام ٢٠٢٣، وطلب من دولتين، لم يسمهما، التدخل بإحسان للتوسط بين قائد الجيش وقائد الدعم السريع. ثم جاء بروايات ثلاث عن "الطلقة الأولى" وظنون حول كل رواية، بعضها من «قوالات» ضباط معاشيين. انتهى هذا القسط من كلمة الدكتور بيرتس بأن قفز من ظله فانتقل من ضمير الأنا الذي التقى به البرهان وانخرط في مشاورات مع الأطراف وحذر مجلس الأمن إلى ضمير الغائب فقال عن نفسه وبعثته: «لم يؤد غياب رئيس البعثة عن السودان ونزع الاعتراف به من قبل أحد الطرفين المتحاربين إلى القضاء على وظيفة يونيتامس في المساعي الحميدة وإن أقعدت بها." ويلههم الأمل.  

ما العبرة إذن؟ انتقل الدكتور بيرتس في باب الدروس والعبر إلى مقعد التصحيح، فالمجتمع الدولي هو الذي فعل وترك، أما البعثة ورئيسها فصحيفة من «المساعي الحميدة». قال أساء المجتمع الدولي تقدير بأس القوى المعارضة للانتقال السياسي، وعين الإسلاميين وأطراف أخرى ذات صلة بالنظام السابق، ثم قال كانت البعثة فقيرة قليلة الموارد وانتهى إلى أن التوقعات المنتظرة من البعثة فاقت قدراتها، ثم ختم بتقريظ أخير فكتب أن تجربته شاهد على قدرة بعثة سياسية صغيرة نسبيا على التلاؤم وبيئة متغيرة ووقائع غير منظورة. 

انعقد منطق كلمة الدكتور بيرتس على تناقضين إثنين، فهما الخيط الناظم لتحليله وقوام عقيدته، الأول بين العسكريين والمدنيين، والثاني بين مدنيين مساندين للانتقال الديمقراطي وآخرين معادين له، ثم تقاطع هذا وذاك حتى صفى عنده مربع من المدنيين المساندين للانتقال الديمقراطي، هم حزب الخير الذي يستحق رافعة يونيتامس والمجتمع الدولي وما زال، حزب طرد منه «الشارع» ولجان المقاومة وقوى أخرى لم يهضمها. لكن غاب عن الدكتور بيرتس أن يأخذ من تجربته وما شهد بالقناطر المفتوحة بين مربعات هذه الخريطة الذهنية أو ربما إعادة رسمها، فعلة يونيتامس ورئيسها بالزبط في العجز عن التلاؤم مع بيئة متغيرة وظروف غير منظورة، عكس ما إنك. تقدم الدكتور بيرتس لوظيفة رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة في السودان لما رأي في نفسه من كفاءة لمهمتها ونال الوظيفة وكسب أجرها وفوائدها، وكان طرفا فاعلا عالي الصوت كثيف الحضور في صراع انتهى بالحرب وتقع عليه مسؤولية ردها في آخر كلمته إلى ضمير الغائب. وليس ثمة محكمة للمسؤولية السياسية يكمن أن يجرجر إليها تربال في بحر أبيض مثل الدكتور بيرتس. ولا يقرأ التربال انجليزية الدكتور بيرتس الناصعة في مرافعته عن نفسه. وليس الدكتور بيرتس هو الطرف الذي يستحق المناقشة والحوار حول مستقبل السودان، حربا أو سلما، في ساعة الضيق والعنت هذه، فلا هو من أهل الجمرة ولا هو واطيها. لكن، ربما قرأ الدكتور ضمن ما قرأ وهو محسن للعربية الآيتين الأخيرتين من سورة الزلزلة: «فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ».


Monday, 9 December 2024

دولة الرئيس وانغ شن وي: الخائن الشهيد

 نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد  ٥٦ بتاريخ ٢٨ نوفمبر ٢٠٢٤

ختم سلطان قصير لإمبراطور تولى العرش عام ١٩٠٨ في عمر العامين ألفي عام من التاريخ الإمبراطوري الصيني و٢٦٠ عام من حكم مينغ (١٦٤٤- ١٩١٢). وذلك يوم أصدرت الإمبراطورة لونغيو، الوصية على عرش الإمبراطور الصبي بويي ووالدته، إعلان تنحيه في ١٢ فبراير ١٩١٢. مثلت هذه الوقائع نهاية لعقد من الثورات والتمردات ضد السلطان الإمبراطوري وفي سبيل الجمهورية، بلغت الأوج في ثورة العام ١٩١١ المسلحة التي انتهت بتأسيس الجمهورية الصينية في ١ يناير ١٩١٢ وعاصمتها نانجنغ تحت رئاسة زعيم الحزب الوطني (الكومنتانغ)، صن يات صن. سرعان ما انشقت الحكومة المؤقتة التي قامت بمسؤولية الجمهورية كائتلاف بين الكتل السياسية المتناحرة. وأعلنت إحداها استعادة الإمبراطورية في ١٩١٥ ليسمي زعيمها يوان شيكاي نفسه امبراطورا. وكان يوان شيكاي هذا قائد جيش الإمبراطورية ورئيس وزراء دولتها حتى انقلابه عليها، وقامت الجمهورية في أولها عهدا بينه وبين زعيم الكومنتانغ صن يات صن. 

لكن لم تنجح هذه العودة بالتاريخ القهقرى، عارض الجيش خطة يوان شيكاي كما عارضه عموم الناس. مات يوان شيكاي في ٦ يونيو ١٩١٦ وكانت النتيجة فراغا تفتت فيه الجيش الإمبراطوري إلى كتل متنازعة على رأس كل منها أمير حرب طموح لا يبلغه ضعفه محل بلغ طموحه. وانقسم الحكم بالدرجة الأولى بين حكم الكومنتانغ في غوانغزو جنوبا وعاصمته نانجنغ وحكم الجيش الإمبراطوري السابق (البيانغ) في الشمال وعاصمته بكين. استطاع شيانغ كاي شك، خليفة صن يات صن على زعامة الكومنتانغ، هزيمة أمراء الحرب خلال الفترة ١٩٢٦-١٩٢٨ وتوحيد البلاد مؤقتا تحت حكومة مركزها نانجنغ، العاصمة الجنوبية للإمبراطورية البائدة.

كانت الإمبراطورية اليابانية خصما للجمهورية في الصين، وزاد شهيتها التوسعية ما شهدته من تبذل أمراء الحرب عند موائد الدول الغربية، فوق غرور طوكيو الفائق بتفوقها العسكري على دولة مينغ في الحرب الصينية اليابانية الأولى (١٨٩٤-١٨٩٥) التي كان موضوعها السيطرة على كوريا. وكانت اليابان سبقت الصين وغيرها من الجيران في جنوب شرق آسيا على سكة التحديث منذ أواسط القرن التاسع عشر في عهد ميجي الإمبراطور، ذلك من خلال إصلاحات تحولت بها اليابان بطفرة من مجتمع إقطاعي منعزل إلى دولة صناعية. ولذا استضعفت جيرانها واخترعت عقائد عنصرية تبرر هذا الاستضعاف وتشرع استحقارهم. 

مثلت الموارد الطبيعية والعمل الرخيص مصادر لنهضة اليابان الصناعية، وكان تأمين هذه الموارد بالإضافة إلى الأسواق المفتوحة لبيع منتجاتها وتثبيط كل نهضة مماثلة تخلق منافسين لها في الإقليم أولوية سياسية وعسكرية. لذلك، تصيدت اليابان الأسباب لشن الحرب على جارتها الصين، فاجتاحت منشوريا في ١٩٣١ وأنشأت حكومة عميلة لها في الإقليم، ثم عبرت القوات اليابانية جسر لوغو فوق نهر يانغدينغ في ٧ يوليو ١٩٣٧ مبررها البحث عن جندي ياباني مفقود في مدينة وانبنغ واشتبكت مع قوات الجمهورية إيذانا ببداية الحرب الصينية اليابانية الثانية (١٩٣٧-١٩٤٥). 

اجتاحت الجيوش الإمبراطورية اليابانية البر ثم الداخل الصيني الواسع الذي ابتلع خلال سنين الحرب ثمانية مليون جندي ياباني دون أن يستقر لهم ملك، فظل احتلال اليابان للصين ديان (نقاط) وكسيان (خطوط) دون أن ينفذ بسلطان، أزهقت في هذه المغامرة ٢٠ مليون من النفوس. كان هدف الجيوش اليابانية الأول السيطرة على العاصمة الجنوبية نانجنغ والجنوب الشرقي الغني أدنى حوش اليانغتسي، وقد تحقق لها هدفها. لكن، لم تنكسر المقاومة وتجددت في ووهان في الداخل بشوكة قومية ثم قومية وشيوعية.

نشأت في هذا التاريخ خطة ماو زيدونغ لتحرير الصين، وقال في تشخيصه عام ١٩٣٥ وقد احتلت اليابان منشوريا أن الصين ظلت لمئة عام تحت سيطرة شبه استعمارية تهيمن عليها عدة دول إمبريالية ولا تبلغ سوى شبه الاستقلال. وخطة اليابان تحويل كل الصين من شبه مستعمرة تتقاسم السيطرة عليها عدة دول إمبريالية إلى مستعمرة تحتكرها اليابان لنفسها. رفع حزب ماو، الحزب الشيوعي الصيني، وقتها شعار «الجبهة المتحدة» ضد الإمبريالية اليابانية، وقال الخيارات ثلاثة: المقاومة أو الاستسلام أو التردد بين الإثنين. 

وضح ماو أن العمال والفلاحين يطالبون بالمقاومة وكذلك البرجوازية الصغيرة فقد نهضت بين الطلاب والموظفين وصغار المنتجين حركة معادية للإمبريالية اليابانية وشارك طلائعهم في ثورة ١٩٢٤-١٩٢٧. ثم تساءل عن موقع البرجوازية الوطنية وملاك الأراضي والبرجوازية العميلة لرأس المال الأجنبي (الكمبرادور) وأجاب أن كبار الملاك والكمبرادور انحازوا مبكرا إلى الإمبريالية فالثورة من أي نوع وصنف أهون عليهم من الإمبريالية، وشكلوا بذلك معسكر «الخونة» الذين اندمجت مصالحهم والإمبريالية. أما الرأسمالية الوطنية فقد كان فريق منها حليف في ثورة ١٩٢٤-١٩٢٧ وغادرت الحلف الثوري خشية على مصالحها وقت اشتداد الأزمة. وميز ماو بعقيدته في الثنائية التي تشق كل واحد، الرأسمالية الوطنية، التي قال هي أقل إقطاعية من الملاك وأقل كمبرادورية من الكمبرادور، بين فريقين، فريق عظيم المصالح ورأس المال الأجنبي وملاك الأرض الكبار، وفريق قليلها. 

وقال هذا الفريق الثاني، قليل الارتباط برأس المال الأجنبي، سيرتبك، فهو من ناحية لا يحبذ الإمبريالية لكنه كذلك يخشى الثورة. ولذا شارك هذا الفريق في ثورة ١٩٢٤-١٩٢٧ ثم تحول في آخر الأمر إلى حلف الكومنتانغ وتحلل من عهده مع الطبقة العاملة. لكن لم يفز هذا الفريق من الرأسمالية الوطنية بأي مكسب يذكر، بل هدمت الإمبريالية اليابانية كل ما شيدته الرأسمالية الصينية من مصالح تجارية وصناعية وتركتها «مفلسة»، ولذلك الأقرب أن يلتحق هذا الفريق وإن تلكأ بصفوف «الجبهة المتحدة» ضد الإمبريالية اليابانية. 

في مقابل ماو وحزبه الثائر، قام الاحتلال الياباني فوق الشوكة الحربية على شبكة واسعة من «المتعاونين»، أغلبهم من حطام النظام السياسي القديم: موظفين سابقين في البلاط الإمبراطوري تقطعت بهم السبل، وضباط سابقين في جيشه تحولوا إلى أمراء حرب ثم وكلاء كما تيسر، وسياسيين تفرقت أحزابهم أيدي سبأ بقيام الجمهورية الموحدة في ١٩٢٨، ومنشقين عن الكومندانغ لم يجدوا المواقع التي أملوا فيها وقت قامت الجمهورية الجديدة في العام ١٩٢٨، ومغامرين وجدوا في الجيش الياباني مركبا نحو سلطان ما، وطيف واسع من المغتربين الصينيين «خبراء الصين»، محترفين للسياسة مجالهم الحيوي اليابان وحواضر جنوب شرق آسيا بخاصة في سنغافورة وماليزيا. 

نشأت من أخلاط من هؤلاء لجان للحكم وكيلة للاحتلال الياباني على أن تتشكل من هذه اللجان حكومة جديدة موالية لليابان تحل محل الجمهورية. تأسست فعلا في ١٤ ديسمبر ١٩٣٧ «الحكومة المؤقتة لجمهورية الصين» في بكين تحت إمرة جيش شمال الصين الإمبراطوري الياباني. وما إن سقطت شانغهاي ونانجنغ تحت الاحتلال حتى شكل الجيش الغازي، جيش وسط الصين الإمبراطوري الياباني، حكومة أخرى تحت إمرته في ٢٨ مارس ١٩٣٨، «الحكومة المعدلة لجمهورية الصين». ثم قامت عدة حكومات إقليمية أخرى في غوانغزو وفي ووهان حيثما سيطر الاحتلال وكانت النتيجة جهاز حكم خاضع للسيطرة اليابانية متعدد المراكز. 

وجد الغزاة اليابانيون ضالتهم في وانغ شن وي (١٨٨٣-١٩٤٤)، الذي بدأ سيرته في صفوف الكومنتانغ يتطلع إلى وراثة زعامة الحزب بعد صن يات صن. ولما مات الأخير في ١٩٢٥ حنق على خليفته شيانغ كاي شك وأعلن في ووهان حكومة مناوئة للجمهورية. ثم طلب ود الشيوعيين خصوم الكومنتانغ ولما فشلت مؤامرته تحول إلى عدو لدود للشيوعيين. وعندما اجتاحت الجيوش اليابانية الصين كان رأيه أن الصين أضعف من أن تقوى على مقاومة اليابان التي حققت بإصلاحات ميجي «التقدم» الذي عجزت عنه الصين الكسيحة، فلا طائل من الحرب ضد اليابان المنيعة، والأسلم طلب السلامة والتفاوض مع اليابانيين على أي اتفاق يحفظ «استقلال» الصين. انشق وانغ بآخر أمره عن الكومنتانغ بحزب يخصه في ديسمبر ١٩٣٨ وسلم أمره لليابانيين. وكان شرطه للتعاون أن تنصبه طوكيو رئيسا لحكومة تجمع شتات الحكومات. 

عليه، وحدت طوكيو بين جيوشها في الصين لينشأ عنها جيش استكشاف الصين في سبتمبر ١٩٣٩ وشكلت في ٣٠ مارس ١٩٤٠ حكومة ائتلافية برئاسة وانغ جمعت فيها كل «المتعاونين» معها، انحصر سلطانها بطبيعة الحال في المناطق الخاضعة للاحتلال الياباني. كانت مهمة حكومة وانغ هي تجريف المقاومة للاحتلال الياباني في الريف الصيني، إما بالإرهاب الدموي كما كان الحال في الشمال الصيني أو بتمكين الموالاة في أدنى حوض اليانغتسي الخصيب. 

نجا وانغ من محاولتي اغتيال، الأولى في ١٩٣٥ خلال اجتماع للجنة المركزية للكومنتانغ والثانية في العام ١٩٣٩ خلال زيارة له لهانوي وهو يبشر بالاستسلام لليابانيين. لكنه مات بالورم النقوي المتعدد، سرطان من أصناف السرطان التي تصيب خلايا الدم البيضاء، ذلك في العام ١٩٤٤ وهو يستشفى في اليابان، عام قبل انهزامها في الحرب العالمية الثانية، ودفنه أنصاره في جنازة مهيبة كشهيد. اندحرت اليابان في الحرب العالمية الثانية وفاز جيش الكومنتانغ باليد العليا في الصين أول الأمر فدخل نانجنغ فاتحا. فجر جنود الكومنتانغ قبر وانغ «الخائن» تفجيرا وحرقوا ما تبقى من جثته. وصدر تاريخ ساخر عنه في كراس عام ١٩٤٥ بعنوان «التاريخ الذميم للخونة» جاء فيه أن زهر البرقوق بكى حرقة عندما دفن وانغ في جواره. وكتبت صحيفة في شانغهاي أن روح صن يات صن استقبلت روح يانغ في العالم الآخر بهجوم شرس فطفق يبحث عن الحماية عند اليابانيين فلفظوه وردوه خائبا، وظلت روحه تهيم على وجهها لا تعرف لها مستقرا ولن تعرف إلى الأبد. 


اعتمدت في كتابة هذه الكلمة على مقال ديفيد سرفاس «التعاون وبناء الدولة في الصين: تعريف دولة الاحتلال، ١٩٣٧-١٩٤٥»، مجلة «الصين في القرن العشرين»، م ٤٧، العدد ١، يناير ٢٠٢٢، ص ٧١-٨٠؛ وكتاب ديفيد باريت ولاري شيو «التعاون الصيني مع اليابان، ١٩٣٢-١٩٤٥: حدود التسوية»، دار نشر جامعة ستانفورد، ستانفورد، ٢٠٠١؛ ومقال ماو زي دونغ «حول التكتيكات ضد الإمبريالية اليابانية» [١٩٣٥]، الأعمال المختارة، م ١، دار نشر اللغات الأجنبية، بكين، الصين، ١٩٧٥؛ ومقال جيريمي تيلور «من خائن إلى شهيد: دروس مستقاة من وفاة وجنازة وانغ شن وي، ١٩٤٤»، مجلة التاريخ الصيني، م ٣: ١٣٧-١٥٨ (٢٠١٩). 


Monday, 18 November 2024

.. لا تطا الوردة الصبية

 نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد  ٥٤ بتاريخ ١٤ نوفمبر ٢٠٢٤

أسلمت ولاء (٢٤ عام) في ستر ليلة السبت ٩ نوفمبر الماضي نفسا راضية مرضية إلى بارئها، ذلك في مستشفى كسلا التعليمي بعد أن ألمت بها حمى الضنك الحادة في غُميلة حربنا «العبثية». وحمى الضنك مرض فيروسي ينقله جنس البعوض المنزلي (Aedes aegypti) الأكثر انتشارا في العالم ضمن فيروسات مسببة لأمراض معدية أخرى منها الحمى الصفراء وحمى الشيكينغويا. 

يبلغ طول فرد البعوضة المنزلية ٤ إلى ٧ ملمترات، تميزه علامات بيضاء على سيقانه وعلامة على الصدر في هيئة الربابة. يعيش ذكر البعوض هذا على الفاكهة أما إناثه فتسعى الدم، وضرورته إنضاج بيضها، وتبلغ مقصدها في دم الثدييات بتتبع مركبات كيمائية تفرزها أجسام الثدييات. وقد تخصصت إناث البعوض المنزلي في عض الإنسان تفضله على غيره من الثدييات بفضل تحول وراثي في مستقبل من مستقبلات حاسة الشم عندها رمزه Or4 يلتقط مركب روائحي اسمه السلكاتون يفرزه جسم الإنسان، والسلكاتون هذا إذن هو الطيب الذي يجذب أنثي البعوض المنزلي إلى البدن البشري (ك. مكبرايد وآخرون ٢٠١٤، مجلة «الطبيعة»، م ٥١٥: ص ٢٢٢-٢٢٧). 

يتكاثر البعوض المنزلي حيث تتراكم النفايات، ويحبذ ضمن ما يحبذ اللساتك القديمة، فمنها تنبعث رائحة المركبات الكربونية التي تجذبه، وأغلب توالده في المياه الراكدة، بما في ذلك أغطية البراميل البلاستيكية فهي كربونية كاللساتك. وأشد مواقع توالده خطرا من حيث الكم في قرب البشر خزانات المياه البلاستيكية وأرضيات الحمامات. تنتشر إناث البعوض المنزلي في ساعات الفجر والغسق في المواقع الظليلة وداخل البيوت والغرف بغرض العض، تلتقي في هذه الساعات أهدافها البشرية بجذب السلكاتون. 

يشفى معظم المصابين بحمى الضنك شفاءً تاماً بعد مردغة بالحمى والفتور وآلام العضلات لأسبوع أو نحو ذلك، تبقى في أبدانهم أجساما مضادا لفيروسها، إلا قليل فيهم كبار السن والرضع والمصابين بأمراض مزمنة يشتد بهم المرض، يفتك بصفائحهم الدموية وكريات دمهم البيضاء فتتناقص أعدادها أشد التناقص ويشيع في أبدانهم نزيف بنقص الصفائح ظاهر ومستتر. ومن الأصحاء قلة يحملون عوامل وراثية نادرة تزيد من خطر حمى الضنك عليهم زيادة معتبرة، من ذلك تنويعات وراثية في تكوين مستقبلات على أسطح الخلايا المناعية البدائية، أول حاجز صد ضد الميكروبات، ومنها صنف رمزه CD209 تتعرف به هذه الخلايا على فيروس الضنك لتبطل ضرره، لكن يثبط فعاليته هذا التنويع الوراثي فينفتح الباب للفيروس وشروره (م. كنعان وآخرون ٢٠٢٤، مجلة «العدوى والصحة العامة»، م ١٧: ص ٥٧٩-٥٨٧). 

لربما بلغت مثل ولاء من خلال هذه العلاقات البيولوجية بين البيئة والبعوض والبشر كشفا باطنا خلا ظاهرها الميكانيكي، و"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها" (البقرة: ٢٦). ولربما ألهمتها الاهتمام بجنس البعوض وبعلم الوراثة، الذي يسر للعارفين به إدراك مغزى السلكاتون. تخرجت الدكتورة ولاء حاتم سليمان لتوها، في سبتمبر الماضي، في كلية الطب، جامعة بحري الطريدة، وانشغلت ضمن مشاغل لها بمعنى الحياة وأشرقت نفسها بعد تجربة وتدبر بطيب خاطر وزهد أثيل فكتبت في ذلك: "وأنا مستلقية في سريري ليلا أشعر أن هذه الحياة ما هي إلا عقدة كبيرة لن تنفك، لكن وأنا أركب باص سفر في الخامسة صباحا وأرى كيف هذه الشمس تشرق بسلاسة وترمي بضوءها على الأرض، وكيف يمشي الناس وتهب الرياح على أغصان الشجر أقول إنها بسيطة جدا وأكاد أراها بساطا تمتد فيها الحقائق إلى كل الجهات!"

أدركت ولاء بعض هذا الإشراق بكنز الحب الذي قالت أحاط بها دُعاشه بين الأسرة والأهل والعشيرة فأطاعته، قومها في ود مدني السني وجزيرة الخير، حيث نشأت وسلكت المدارس، مدرسة البحوث ثم مدني الثانوية. والدتها الدكتورة أميرة أحمد على، معلمة اللغة الإنجليزية من أهل تنقاسي ومديرة إدارة الطلاب في تعليم الجزيرة، ووالدها المرحوم حاتم سليمان محمد سليمان من رحم العبابدة صاحب ورشة صيانة العربات في مدني، من قام لذكر تقواه وبياض يده أكثر من مجلس عزاء في ود مدني، بين مساكين أيامى ويتامى كان يبرهم سرا، حين فارق الدنيا في مارس ٢٠٢١. 

وولاء شاطرة؛ جاءت الخرطوم في العام ٢٠١٦ تسعى العلم في عمر ١٦ عام، طالبة في كلية الطب جامعة بحري. وكما نهلت من الحب في الأسرة بثته بين قومها الجدد في الكلية، فأزهر وأثمر، شجرة طيبة. وقام لنجدتها حين توعكت بحمى الضنك نفر غزير منهم، دفعتها، المقيم منهم والظاعن البعيد. وكان الأمل أن تشفى بجرعات خمس من سائل الأجسام المضادة عبر الوريد، وثمنها حوالي ٣٦٠٠ دولار أميركي تتناطح، تآزروا على جمعها بهمة وشغف فأصابوا المبلغ المطلوب في طرفة عين، تدفق بحبهم الخير، لكن سبق القدر التدبير. ومر المال من أيديهم صدقة لروحها الطاهرة إلى مرضى مستشفى كسلا، من كانت لتقف عليهم طبيبة خضراء العطايا بعلم نافع وبسمة كافية شافية. فمن أين جاء هذا الجيل بمثل هذا النبل في الزمالة والهمة في عسر ويسر؟ 

ولاء وصفها من «الجيل الراكب راس»، فازوا بفولاذ الإرادة من كدر الصراع الاجتماعي وطينه. انعجن عودهم في «العصيان المدني» عام ٢٠١٦ في وجه سلطان البشير صاحب حميدتي، وانصلب قائما في أعوام الثورة ٢٠١٨/٢٠١٩ وفتق مزهرا في الاعتصام المكين بخيال آخر، ثم تماسكوا الحزز في مقتلة فض الاعتصام ما لانت لهم قناة. وتجرعوا غصص الفترة الانتقالية لخائنها حمدوك، لم يلههم اللمع الكذوب، ثم قابلوا بحلوق جرَّحها الهتاف الرصاص المنهمر عليهم في عقابيل انقلاب البرهان/حميدتي ودورة حمدوك على نفسه في أكتوبر ٢٠٢١، دخل ومرق. ولما وقعت واقعة الحرب في أبريل ٢٠٢٣ خرج من صفهم مقاتلون يدفعون ضر الدعم السريع عن أهلهم بالبندقية ويدافعون، لله درهم. طال بولاء وصفّها بهذه البلايا التعليم الجامعي واستطال، ولم يدركوا ميس التخرج إلا في سبتمبر الماضي. شفشف الدعم السريع جامعة بحري التي تأتي ميزانيتها من وزارة التعليم العالي، بل والمدينة كلها؛ لكن قامت الجامعة كعهد وميثاق على العلوم بين أساتذة ودارسين وخريجين، بناؤها التضامن، أينما كانوا، في بورتسودان وكسلا وشندي وكوستي والقاهرة وجوبا. وهكذا أكملت ولاء وزميلاتها الدراسة وتخرجن وزغرد بهن الأمل، فبأي آلاء ربكما تكذبان. 

نظرت المرحومة ولاء مليا في انقلاب الحياة والموت وابتسمت ابتسامة عارفة زاهدة وهي بعد في الثانية والعشرين: "(...) ولا أريد الموت وقد ختمت ملذات الحياة رغم أن الله أمطرني بوابل عطاءه.. كل ما أري نفسي عليه هو فتاة أو امرأة تحت التراب لها من يحبونها كفاية ليؤانسوا وحشتي بالدعاء، تلك المحبة الساذجة دون أسباب، وأيضا تلك المحبة المسببة لأني فعلت الكثير أو القليل لشخص ما.. وعندما يودع الناس هذه الحياة بهلع أود توديعها بابتسامة عريضة." وقد كان، ودعت الحياة ولما تخض في ملذاتها إلا لمما، بابتسامة عريضة حفظتها قلوب أسرتها وأهلها وأصدقاءها وأناس لم يعرفونها أبدا، لكن بلغهم طيبها، انفتح باب ديرها بالموت، «فشممنا نفحة المسك من فم الشماس».  


أعانني في كتابة هذه الكلمة زميلات وصديقات للمرحومة ولاء، وعبرهن خال ولاء الدكتور فائز أحمد علي الذي تكرم بكلمة مسجلة وهو في مشاغل العزاء الذي قام في الرياض (السعودية). 


Wednesday, 13 November 2024

أب عديلات الليلنا أو اناكوميسلياشي

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ٥٣ بتاريخ ٧ نوفمبر ٢٠٢٤

نشرت جريدة البيان الإماراتية في العام ٢٠٠٣ كلمة مضيئة للمرحوم محمد إبراهيم نقد عنوانها «المجتمع المدني العربي يواجه خطر التحول إلى شاهد زور»، كانت مفتاحا من مفاتيحه التي غمض على بعضنا وقتها لأي قفل صنعت، حتى جاء ضحى الغد وبرزت عورتنا «رحط أمك». وكتب محمد في كلمته محذرا من الخلعة أمام «المجتمع المدني» الذي جاء جديدا في عقد التسعينات كأنه إعادة اختراع العجلة أو في عبارته «التهاب الغدة النكافية» وكان عندنا «أب عديلات» متعدد الأشكال والصور، وجرد المرحوم محمد منها: "الجمعيات الأدبية، الأندية الرياضية الثقافية الاجتماعية، أندية الخريجين، أندية العمال، الأحزاب السياسية، الحركة النقابية، حركات المزارعين والطلبة والنساء والشباب، اتحاد الصحفيين، اللجان الشعبية للدفاع عن الحريات، اللجان القومية للتضامن مع شعب مصر، كينيا، العراق، الكنغو، الروابط الأدبية في عطبرة وسنار وكوستي والأبيض ومدني، التجمع النقابي، التجمع الوطني الديمقراطي، مجالس الآباء والأمهات، الروابط القبلية والإقليمية، تضامن قوى الريف، اتحاد الكتاب، الجمعيات الخيرية." 

لكن ميز المرحوم محمد ما جد على مخدة «المجتمع المدني»، فهو على عكس «أب عديلات» الليلنا، نسيج في شبكة مراكز ومؤسسات عالمية داعمة ممولة؛ نقل المرحوم محمد عن الدكتور حيدر إبراهيم قوله: "انحرف كثير من المنظمات عن أهدافه وأصبح ميدانا لصراعات داخلية قائمة على أسس ذاتية وشخصية، وهي خصومات لا ديمقراطية في الأسباب ووسائل إدارة الصراع، تميزه هذه المنظمات بصراع المكانة والوجاهة والامتيازات المادية والمعنوية. وغالبا ما تتحول ديمقراطية هذه المنظمات إلى تحكم شلة نافذة تستولي على فائض القيمة المتمثلة في المال والسفر والعلاقات العامة، انها حضرية ونخبوية، وهذا يعني أن العضوية محصورة وقليلة التأثير، أولويات الممولين قد تؤثر في تحديد الأولويات الوطنية والمحلية، بالإضافة إلى أساليب العمل التي يتوقعها الممول حرمت المنظمات من ابتداع طرائق جديدة، الوضع الحالي لمنظمات المجتمع المدني لا يبشر بمستقبل واعد."

وضرب المرحوم محمد لهذا الجنس مثلا اجتماعا لمنبر المجتمع المدني لجبال النوبة والنيل الأزرق انعقد في نوفمبر ٢٠٠٢ في فندق في كمبالا بدعوة من منظمة عموم إفريقيا وترتيب منظمات العدالة الإفريقية لحقوق الإنسان وتمويل وكالة التنمية الدولية البريطانية، وتساءل المرحوم محمد من هم مندوبو المنبر وما هي المنظمات التي انتدبتهم وقد تعذرت مشاركة طرف من الحركة الشعبية لتحرير السودان التي منعت كذلك منظمات المجتمع المدني العاملة في مناطق سيطرتها من الحضور. 

جاء المرحوم محمد كذلك مما قرأ بمبادئ قيل إنها تحكم نشاط المنظمات غير الحكومية فهي بحسب هذه النصوص: "تزول نشاطها في حير محدود، وليس لها دور سياسي مباشر؛ لا تعنى بتغيير الحكومات، أنما تضغط كيما تحترم الحكومات حقوق الإنسان؛ ممنوعة بحكم تكوينها وقانون تسجيلها من الفعل السياسي والتغيير السياسي؛ يلتزم العاملون فيها الحياد والابتعاد عن النشاط الحزبي أو الحزبي الصارخ؛ يلتزم مركز المنظمة التمويل وكورسات التدريب ومرتبات المتفرغين." وقارن هذه الأوجه للحيادية بمنفستو ليبرالي جديد في الواقع شهدت عليه مجلة الإكونومست. وجاء كذلك من مجلة الإكونومست بحقيقة أن منظمة أوكسفام تلقت من الحكومة البريطانية والاتحاد الأوروبي في العام ١٩٩٩ حوالي ٢٤ مليون جنيه إسترليني من جملة ميزانيتها البالغة وقتها ٩٨ مليون جنية إسترليني، وتعتمد من مجموع ١٢٠ منظمة غير حكومية كبرى رصدت الإكونومست مالها ١١١ منظمة كليا على الحكومات، فهي إذن ليست منظمات "غير حكومية" بأي معنى دقيق. وعند الإكونومست، صوت الرأسمالية الناضجة منذ العام ١٨٤٣، العلة أن المراكز الرأسمالية أوكلت لهذه المنظمات مهمة مهام رعاية المعيشة، أو قل إعادة إنتاج قوى العمل، في الهامش الكوني. ذلك في محل الدولة التي قامت لتفكيك حواجزها الجمركية وقوامتها المالية والاقتصادية صامولة صامولة جيوش وبنوك وصناديق استثمارية ومنظمات مجتمع مدني دينها الليبرالية الجديدة. 

بعض أصول كلمة المرحوم محمد في أصيل الاتحاد السوفييتي وهو يترنح ترنحه الأخير حتى انحلال وثاقه في أواخر العام ١٩٩١. ولم تغب عنه بطبيعة حال شخصية «المنشق» من العالم السوفييتي التي اندثرت مع اندحاره، وكان شغلها أن ترثه، والله خير الوارثين. عادت الدكتورة شيلا فتزباتريك، مؤرخة الاتحاد السوفييتي المرموقة، إلى هذه الشخصية في كلمة من وحي كتاب للدكتور بنجامين ناتانز في عدد أكتوبر من «عرض لندن للكتب». و«المنشق» السوفييتي مولود للربيع السوفييتي الذي أعقب الحقبة الستالينية، نجم لامع في السماء الغربية بل طاهر مقدس متى أعلن مظاهرته للنظام السوفييتي لكن قليل الشعبية وسط مواطنيه السوفييت، بالكاد يعرفونه، أو مواطنيه من روس ما بعد الاتحاد السوفييتي. وجاء ناتانز بإحصاء من العام ٢٠١٣ يقول لم يتعرف سوى واحد من كل خمسة مواطنين روس على أي من مشاهير المنشقين السوفييت من حقبة الحرب الباردة. وكانوا بحسب ناتانز وما عرفته عنهم الدكتورة فيتزباتريك شخصيات مخالفة وذوي عقائد مكينة وإن لم تكن على الدوام منطقية، تحفزهم خصومة غريزية أو تكاد مع السلطات السوفييتية لكن ليس الأميركية أو الغربية بطبيعة الحال، أشهر طباعهم وإن عرفوا أنفسهم كديمقراطيين تسفيههم التام لرأي عامة الناس، وتصيدهم الصراع مع السلطات تصيدا بصورة صبيانية وعلى كل حال شديدة الصفوية، ملؤهم الثقة بالنفس والتأفف من سنن من حولهم، وشاغلهم قضايا الكون، فما مطابخ موسكو الضيقة دي، تقوم منظماتهم السياسية لتفشل فليس من طبع أحدهم العمل الجماعي بحق، اختفوا من سجل التاريخ يوم اختفى الاتحاد السوفييتي. لم يقبل ناتانز نسب «المنشق» إلى تراث الانتلجنسيا الروسية الراديكالية ما قبل الثورة البلشفية. وقال بينما توجهت الانتلجنسيا الراديكالية في القرن التاسع عشر إلى الشعب شغلها التحريض وسطه اكتفى المنشق بالحديث إلى من يشاركونه الرأي في حلقات خاصة، كانت مدار عالمه. ومتى خرج إلى العالم خرج برسالة إلى الصحافة الغربية. من ذلك ما شهدت الدكتورة فتزباتريك في موسكو السبعينيات، قالت تكرر مشهد وقوف مجموعات صغيرة من جنس «المنشق» بغرض الاحتجاج عند مكتبة لينين يحملون بوسترات تنادي بالحرية وحقوق الإنسان، لكن باللغة الإنجليزية، جمهورهم كاميرات مراسلي الصحافة الغربية، ومتى ما حضر هؤلاء والتقطوا الصور إياها انفض السامر. فضل هذا الجنس السياسي تسمية نفسه «اناكوميسلياشي»، مفكر مستقل من غير التيار السائد، والله بدي الجنة. 

Wednesday, 30 October 2024

لحن الحياة منك

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ٥١ بتاريخ ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٤

نشر نفر كريم من أطباء السودان وعلمائه في لانست، عمدة المجلات الطبية البريطانية، في ٢٤ سبتمبر الماضي، تعليقا قصيرا أثبتوا فيه هول مصاب شعوب السودان في الحرب القائمة، وجاءوا بالأرقام التي تتداولها المنظمات الدولية عن القتل والمسغبة والمرض والتهجير والاغتصاب والتعذيب وخراب الزرع والإنتاج. ونقلوا ضمن ما نقلوا عن مدير منظمة الصحة العالمية، الذي زار بورتسودان في سبتمبر، أن المنظمة لم تستطع تأمين سوى ٢٤٪ من التمويل الذي طلبته لمجابهة الأزمة الصحية في البلاد. اقترح هذا النفر الكريم ذوي التجربة والخبرة في الخدمة الصحية العامة وعلوم سريرية ذات صلة، منها طب الأطفال وطب النساء والولادة والأمراض المعدية وطب المناطق الحارة والجراحة، خطة محيطة لمجابهة الاحتياجات الإنسانية العاجلة والتهيئة للتعافي طويل الأمد. 

الخطة المقترحة ذات أهداف قابلة للقياس حول سبع مسائل: التغطية الإعلامية الدولية الضنينة للحرب، النزوح واللجوء، الماء غير الآمن ونظافة البيئة، تهديد المجاعة، انهيار البنى التحتية للرعاية الصحية، العنف الجنسي المرتبط بالصراع، ضعف العون الإنساني الدولي. وقالوا إن محاولات مجابهة الحاجات الصحية العاجلة لا بد أن تتصل بجهود إعادة الإعمار بعد نهاية الصراع في سياق واحد لتحقيق تعافي مستدام. 

جاء هؤلاء النفر العزيز إلى الكارثة القائمة بعبارة مهنية دمثة، وسلسلة من الإجراءات التي يمكن القيام بها وقياس فعالية تنفيذها، مسألتهم فيها ترميم وإصلاح نظم المياه والمراحيض والعون الغذائي واستعادة الإنتاج الزراعي وترميم منافذ الخدمة الصحية وتشغيل العاملين في القطاع الصحي وتدريبهم وغير ذلك من أوجه الحياة. الافتراض المضمر لتحقيق جميع هذه الأهداف بطبيعة الحال هو استعادة الأمن. ورصد النفر الكريم هذا الشرط بعبارة «ممرات آمنة» للنازحين واللاجئين و«مواقع آمنة» لخدمة من تعرضوا للعنف الجنسي، وتفادوا خلا ذلك الخوض في عقدة الحرب، وامتثلوا بذلك لحياد مهنتيهم في الأخذ بأسباب الحياة حيث توفرت، لحن الحياة، وصمتوا عن سواها، وأحسنوا بذلك وما ضروا. لم يرد العارض الحربي إلا في موقع وحيد، وذلك في ذكرهم لتأثير التغطية الإعلامية على قرارات صانعي السياسات واستعداد الطرفين المتحاربين للتفاوض. 

لكن، كيف ينفذ هذا الشرط الغائب؟ جاءت على كل حال إجابة ظاهرة من اللاجئين في فيصل القاهرية، ومن جمهور في كسلا ودنقلا والفاشر وعطبرة والدامر وبورتسودان والأبيض، احتشدوا محتفلين مستبشرين بالتقدم العسكري للقوات المسلحة في مسارح حرب الخرطوم. سقم بفرحهم متحدث الدعم السريع فقال «فلول» صرف. وسقمت متحدثة «تقدم» السابقة فكتبت «أفراح بني معلوف»، كناية عن البهائم. وكتب آخر العقدة في الذي بين أولاد البحر وأولاد الغرب من غبينة، فأخرج من حيث لا يدري كيكل ونفره من البحر والمشتركة ونفرهم من الغرب ليصفو له طرفا التناقض. وسقم كذلك الزعيم في «تقدم»، خالد عمر يوسف، بهذه الأفراح، واعتمد معسكرين، أنصار الحرب وأنصار السلام، وتفسيرهما بالسابقات معارضي «تقدم» وأنصارها. جعل الأفراح من شأن أنصار الحرب، وقال شاهت نفوسهم بالأهوال وعملتهم بذلك «ما بتسير».  

لا يغيب عن القارئة الفطنة أن ثوب كل قياس فات يقصر عن تغطية عورة حربنا «العبثية»، وقد وقعت ودخلت «كل دار، كل ممشى». فكم من «فلولي» يحارب تحت رايات الدعم السريع، والدعم السريع كان ضلعا عظيما في هندسة «الفلول» الأمنية، وكم من «ثوري» يقاتل في صفوف القوات المسلحة، و«مورال» المشتركة في الدفاع عن الفاشر المحاصرة منذ شهور لا يضاهيه «مورال». الحرب أقصى درجات الصراع الاجتماعي، بعبارة ماو زيدونغ، وليس ثمة جبل يأوي إليه من يطلب اعتزالها المجيد فلا يبلغه طوفانها، فما حسبتها إذن؟ لن نبلغ تمام هذا الحساب على طريقة «الإجابة الصحيحة» و«كل ما سبق». لكن نفوسا في الجنينة والفاشر والضعين وود النورة والحلفايا وأم درمان وسواها على امتداد البلاد تنتظر في سفينة نوح أن تحلق بومة منرڤا، بومة الحكمة، عند الغسق، وقتما تنجلي المعركة، لتعرف بأي ذنب قتلت.  

Friday, 4 October 2024

يدكم خليها تكون قصيرة شوية

جاء دكلان ولش، مراسل نيويورك تايمز الأول في افريقيا، وزميله كرستوف كوتي، للمرة الثانية بالثابتة في شأن المدد الحربي الإماراتي لمقاتلي الدعم السريع تحت ستار العون الإنساني وبقماشة الهلال الأحمر الإماراتي، وذلك في عدد الجريدة ٢١ سبتمبر الجاري. وسبق وجاء وزميلاه كوتي واريك شميدت بطرف من هذا العون الحربي العام الماضي في عدد ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٣.

حال الحول على هذا المدد الكريم من الإماراتيين لآلة القتل والنهب التي أخرجت أثقالها في حضر السودان وريفه. رصد وولش وكوتي في تقريرهما الأخير أركان جريمة حرب إماراتية بشهادة   متحدث اتحاد الصليب والهلال الأحمر توماسو ديلا لونغا عن إرسال الاتحاد فريقا إلى تشاد للتقصي حول الأمر في ٢٠٢٣ و٢٠٢٤، فعركس الإماراتيون ورفضوا دخول الفريق إلى "المستشفى الميداني" في أم جرس التشادية لأسباب أمنية. كما قال مسؤول في منظمة الهجرة الدولية لمراسلي التايمز: "يستغل الإماراتيون الهلال الأحمر كغطاء لنقل السلاح إلى مليشيا ترتكب الفظائع راهنا في دارفور."

ربما بلغ صوت مراسل النيويورك التايمز ولش، الخواجة الآيرلندي، أبعد من صوت اللاجئ السوداني الذي وجه حديثا ظاهرا إلى الوزيرة الإماراتية لانا زكي نسيبه، خلال زيارتها في منتصف سبتمبر الجاري لمستشفى تشادي لاستعراض كرم بلادها، فقال للسيدة الوزيرة ما هماه شي: "تعلمون جيدا أنتم اليد الأيمن في إيقاف الحرب وأنتم اليد الأيمن في اشتعال الحرب في السودان. لذلك ده مطلبنا. من الآن لا بنطلب أكل، لا بنطلب شراب، لا بنطلب لبس، لا بنطلب تعليم، لا بنطلب صحة، لا بنطلب مسكن. لأن الشعب التشادي ما قَصّر، وفروا لينا الحاجات دي كلها، الشعب التشادي وفر لينا الحاجات دي كلها. قاعدين في بيوتهم، وبناكل معاهم وبنشرب معاهم، وبنلبس معاهم، وكل شي معاهم. بس دايرين منكم، بس لو دايرين تكرمونا وقفوا لينا الحرب في السودان ده. تاني ما دايرين أي حاجة. وقفوا لينا الحرب الفي السودان ويدكم خليها تكون قصيرة شوية. جزاكم الله خير."

والصوت ومداه، وما يُسمع وما يُذاع وما يُعتد به وما يُطمس في موقعه، ما يُؤخذ به وما يُهمل، دالة للشوكة، لا للحقيقة. ومن ذلك حقيقة حرب رأس مال حكام الإمارات على شعوب السودان، سيان فيها الوكيل لشيوخ الإمارات والمقاوم لبأسهم، المُنْفَنِس والقائم، فالحرب على كليهما. لا تبلغ هذه الحقيقة اللوغاريثمات الدولية للشوكة سوى كفضيحة تُوارى في غبار الكلام الماسخ عن ضرورة وقف العدائيات والتصدي للمأساة الإنسانية، حرب تتنكر كسلام. ويبلغ شِعر الشوكة أقصى الكهانة في مثل الذي صدر من البيت الأبيض في مناسبة زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الإمارات العربية المتحدة، ولقائه الرئيس بايدن. أمن القائدان بحسب بيان البيض الأبيض على أن الشراكة الدفاعية الاستراتيجية بين بلديهما قائمة وديناميكية، وعبرا عن قلقهما العميق من الأثر المأساوي للعنف في السودان على الشعب السوداني والبلاد المجاورة، وأكدا ألا حل عسكري للصراع في السودان، وأمنا على موقفهما الثابت حول ضرورة العمل الملموس والعاجل لتحقيق وقف مستمر للعدائيات؛ العودة إلى العملية السياسية والتحول إلى حكم يقوده المدنيون. وأضافا أن الأولوية الآن هي لحماية المدنيين، بخاصة النساء والأطفال وكبار السن، فعلى من يتهكمان؟ هل على اللاجئ الذي أشار بسبابته إلى سحت الهلال الأحمر الإماراتي لسان حاله: الله الغني. 

 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.