Monday, 11 April 2016

التغيير الآن.. بيانكم بطرفنا

أصدر الناطق الرسمي باسم الحزب الشيوعي السوداني تصريحا صحفيا عن مداولات اجتماع اللجنة المركزية لحزبه في دورة انعقادها الاستثنائية يومي ٢٥ و٢٦ مارس. ناقشت اللجنة المركزية موضوعات ذات أهمية بالغة نظراً لما كان يدور في الحزب من صراع. لا غرابة أن يثير تقرير اللجنة المركزية  للحزب الشيوعي جدلا ونقاشا واسعاً بين ناشطين سياسيين ومتابعين ومراقبين منذ صدوره. لكن تصريح يوسف حسين أكثر ما أثار حفيظة حركة التغيير الآن التي مستها منه فقرة تحدثت عن ضرورة دراسة حركة التغيير الآن تنظيميا وفكريا. فوق ذلك قالت اللجنة أن الحركة ربما كانت مكانا صحيا لإرضاء طموحات الشباب القيادية لكنها متهمة عندها بالتسبب في ربكة كبيرة أثناء احتجاجات سبتمبر ٢٠١٣ بمحاولة فرضها تنسيقية للثورة على الأحزاب. نبه الحزب في فقرة عامة إلي ضرورة الانتباه بالدراسة والتحليل إلى ظواهر الحركات السياسية الاجتماعية الشبابية ، وهو أمر تأخر كثيراً منذ أحداث الربيع العربي وتغيير بعض الأنظمة في الاقليم بقوة الشباب الطامح إلى حياة جديدة. 
طالما نبه الحزب إلى دراسة وتحليل التغيير الآن التي تجمع بعضا غير قليل من عضويته فالأبواب مفتوحة لمناقشة موضوعات ذات صلة بالتحولات الاجتماعية التي جعلت من الأحزاب القائمة مؤسسات طاردة لطموحات الشباب القيادية، لا شك في ذلك. تأسست حركة التغيير الآن في مايو ٢٠١١ في ظل إحباط سياسي أعقب انتخابات ٢٠١٠ وانفصال الجنوب في يناير ٢٠١١، بعض منه سببه ما أصاب الناشطين الذين انخرطوا في حملة ياسر عرمان الرئاسية - الأمل والتغيير كما سماها - من صدمة بعد انسحابه من السباق، ثم حقيقة استقلال جنوب السودان. انحسرت مع استقلال الجنوب خطة للفوز بالحكم ظلت تراود طائفة من الليبراليين السودانيين منذ الثمانينات آلتها الائتلاف مع القوى المسلحة المناهضة للسلطة في الخرطوم والتبشير بها من مواقع النشاط المدني، وهي خطة تدهورت مع مرور الوقت إلى غرام لا فكاك منه بالمذكرة الفصيحة اللاهجة بحقوق الإنسان للأمم المتحدة والاتحاد الافريقي والاتحاد الأوروبي والبرلمان هذا أو ذاك. 
عرفت التغيير الآن نفسها في ميثاقها الأول في مايو ٢٠١١ بأنها تكونت من مجموعة من “الشباب” شعروا بضرورة وجود جسم وآليات عمل جديدة في الوسط السياسي ، حفزتهم بعد وقت قصير من نكبة الانفصال  ثورات الربيع العربي وما أنجزته من تحولات. عرف الميثاق الحركة بأنها حركة تغيير سياسي واجتماعي انحدرت عضويتها من فصول الدراسة وميادين كرة الدافوري وورش العمل وسقالات الطُلبة، أي سمك لبن تمر هندي بأي مقياس أخذت. واقع الحال، أن الحركة جمعت أصدقاء ومعارف، فهي شبكة اجتماعية إذا صح التقدير يندرج فيها المرء من واقع تجربة مشتركة بل لغة مشتركة حتى، هي تجربة التعليم الجامعي في حضر الخرطوم خلال التسعينات وأول الألفية الجديدة وخطاب المعارضة السياسية في تلك الفترة وأدبها. غير ذلك تعسر على التغيير الآن أن تتسع لمن لم تجتمع عنده هذه المعارف، فبين عضويتها “رطانة” الجامعة مثل رندوك المنطقة الصناعية، لا تفك شفرته إلا بالمعاشرة. لا يقدح هذا في الزمالة بين شباب وشابات التغيير الآن لكنه يقدح في مقدرتها أن تنهض بالمهام التي ألزمت بها نفسها في الميثاق المذكور.
ألزمت الحركة نفسها بأربعة عشر هدفا تبدأ بإسقاط النظام وتفكيك مؤسسات السلطة القائمة إلى معالجة مصاعب المحالين للصالح العام في العام ١٩٨٩، وقت كان أغلب عضوية الحركة في التعليم الأولي. فوق ذلك ألزمت الحركة، التي قالت عن نفسها في موقع آخر أنها غير مشغولة بالفوز بالسلطة، بمجانية التعليم والصحة ومعالجة الآثار الاجتماعية والاقتصادية لسياسات الانقاذ متطاولة العهد. في نهاية ميثاقها، قالت الحركة أن البديل الذي تطرح هو سلطة الشعب وآلية الانتخابات كوسيلة للتغيير السياسي، لكن خجلت أن ترشح نفسها لهذه السلطة، مع علم كتاب الميثاق التام أن سلطة الشعب في الديمقراطية التي يبشرون بها لا تتأتي مباشرة وإنما عبر التفويض النيابي والمداولة الحزبية. على كل، بشرت التغيير الآن بوسيلة الانتخابات وبتحقيق أهداف جليلة عظيمة، لكن “زاغت” من سؤال السلطة بعذر أنها شبابية احتجاجية، أي في هذا السياق لا تقوى على المسؤولية ولا تريدها. 
لا غرو إذن أن الحركة ظلت تعاني من أزمة هوية، وصدر من قادتها ما يؤكد الانشغال بهذه الأزمة، فهي ليست حزب سياسي وهي ليست منظمة طوعية، وربما الأقرب إلى مزاج قادتها أن تكون جماعة ضغط لا يصدر منها صوت تنظيمي وسياسي سوى البيان المطول، مثال ذلك، البيان الذي أصدرت الحركة للرد على تعليقات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي. أخذ الحزب في بيانه على الحركة أنها أربكت الشارع السياسي خلال أحداث سبتمبر ٢٠١٣ بدعوتها إلي تنسيقية للثورة، تصور أخذته مباشرة من قاموس الربيع العربي، ففضلت تنسيقية على “منسقية” المعروفة عندنا لدى الدفاع الشعبي والخدمة الوطنية وزاحمت به قوى الإجماع الوطني، حلف المعارضة الرسمية. الواقع،أن الطرفان لم يستطيعا تقديم قيادة يعتد بها لمتظاهري سبتمبر الذين حصدت منهم قوى الأمن أرواح عديدة، فلا التغيير الآن بشبابها ولا قوى الإجماع الوطني بمخضرميها جعلا من قوة المتظاهرين في سبتمبر فعلا سياسيا تتطور به الحركة الجماهيرية، انشغلا بالخصومة على الغنيمة القيادية ودقائق الحضور الإعلامي في القنوات الفضائية دونا عن مسؤولية القيادة في وقت لعلع فيه الرصاص في الحواري يصطاد النفوس. إن كانت قوى الأمن استعدت لمثل هذه الاحتجاجات بعد قرار رفع الدعم بالقوة النارية فالمعارضة رسمية وشبابية سيان تفاجأت بالمتظاهرين واستقبلتهم بالبيانات لا غير، تنسيقية وما إلى ذلك.
تنشد التغيير الآن التعبير عن الشباب الذين فقدوا الأمل في السياسة الحزبية، وهو مسعى يجب أخذه على محمل الجد، فالشباب من الفئة العمرية دون ٣٤ يمثلون ٦٢٪ من سكان البلاد، ربعهم تقريبا يعيشون في مناطق حضرية. تجابه التغيير الآن في هذا المضمار منافسة قوية، أول ذلك من قوى الأمن التي تجند بالآلاف من ذات الفئة العمرية، ثم القوى المسلحة المعارضة للسلطة التي لا قوام لها سوى بالشباب المقاتلين والمليشيات الأهلية التي أصبحت شراكات “ذكية” لكسب العيش وسائل إنتاجها السلاح. لا يكفي إذن أن تميز التغيير الآن نفسها بلحن الشباب إلا في حدود المصاعب التنظيمية التي تجابه عضويتها داخل أحزابها الأم. بذلك، فإن التغيير الآن لم تستطع التعبير عن الشباب كفئة عمرية، كما تنشد، وإنما تمثل في مجملها قناة مواتية لطموحات الساعين إلى الصعود القيادي في أحزابهم لكن انسدت في أوجههم هياكل الأحزاب واجتمعوا على الشكوى منها في منظمة موازية فوق عضويتهم الأولى في منظمات حزبية شتى. 
قالت التغيير الآن في بيانها الذى ردت به على الحزب الشيوعي أنها عقدت مؤخرا مؤتمرا سياسيا “جرى من خلاله تبديل كامل مواقع العمل القيادي وتمت عملية التسليم والتسلم وفق مقتضيات وشرائع الديمقراطية التي نصارع من أجلها ونسقط في سبيلها.” عقدت التغيير الآن فعلا مؤتمرا في فبراير ٢٠١٦ لكن حجبت قيادتها الجديدة كما حجبت من قبل قيادتها القديمة. لم تصدر من مداولات المؤتمر سوى خلاصة عامة إذ حثت الحركة في بيان مؤتمرها على ضرورة التحالف بين القوى ذات المصلحة في التغيير لإسقاط النظام وإقامة البديل الديمقراطي. من يقرأ هذه الخلاصة كأنما يقرأ بيانا لقوى الإجماع الوطني أو الجبهة الثورية (مالك عقار) أو الجبهة الثورية (جبريل إبراهيم) أو قوى المستقبل (غازي صلاح الدين)، لم تضف التغيير الآن ولم تنقص شيئا، ها هي تسعى طريق الكتل السياسية المعلومة لا تحيد عنه. بل ربما كان حزب ميادة سوار الدهب أكثر فعالية في هذا المسلك، وجدت صاحبته لنفسها مقعدا في مقابل الصادق المهدي ثم آخر في جوار غازي صلاح الدين بينما ظل جماعة التغيير الآن على “فيسبوك” يناطحون الغياب فلا شقوا طريقا مستقلا للعمل الجماهيري ينهضون بقوة الشباب كما ينشدون ولا رضوا بمجالس الأحزاب يقاسمونها البيانات. علة ذلك ربما، أن التغيير الآن رغم انتقادها الأحزاب القائمة عدمت وسيلة تقترب بها من جمهور الناس سوى هذه الأحزاب نفسها وها هي تطلب حلفها، كما عدمت تصورا للقوى الاجتماعية ذات المصلحة في التغيير (بحسب صيغة البيان). 
لم تنشغل التغيير الآن منذ نشأتها كثيرا ببناء قاعدة شعبية حتى بين الشباب الذين صدحت بهمهم، كما لم تول مسائل التنظيم اهتماما يذكر، لكن ظلت منكبة على مناكفات السياسة العليا، إذا صح التقدير، جاء أمبيكي وذهب أمبيكي، قالت الجبهة الثورية ولم تقل، وأوفدت مناديبها للاجتماع بهذا السفير وذلك وبممثل الخارجية الفلاني ومسؤولة الشؤون الافريقية الفلانية، ولاتثريب. لكن أليس هذا النوع من السياسة هو ذاته الذي خرجت التغيير الآن لتغييره أم أن للصوالين فتنة لا يقدر على مقاومتها حتى أبناء وبنات الحركة الطلابية أخوان وأخوات المرحوم محمد عبد السلام. كان الأمل في التغيير الآن التي تنتصر لسياسة أخرى، تحيا بالناس وليس بالبيانات. إن كان في تعليقات الحزب الشيوعي حول التغيير الآن غرض يتصل بمصاعب قيادة الحزب مع عضويته المنخرطة في الحركة فأن ذلك لا يعفي الحركة من أن تنظر مطولا في المرآة التي رفعها الحزب في وجهها وتقرر ما العمل، ولصالح من؟ الخشية في الواقع، أنه في غياب تحليل للقوى الاجتماعية يرشدها وارتباط تنظيمي بقوى شعبية يلجمها بمسؤوليات نحو جمهور يحاسبها أن تنتهي حركة شاردة مثل التغيير الآن إلى مغامرات مشؤومة كالتي أوقعت “الثوار” المصريين في فخ الانقلاب، من الثورة في ٢٥ يناير إلى الثورة المضادة في ٣٠ يونيو زي الما حصل حاجة. 

عارف الصاوي ومجدي الجزولي 





Thursday, 3 March 2016

محمود ومحمود - غريبان في عالمين

Edward Thomas, Islam’s Perfect Stranger: The Life of Mahmud Muhammad Taha, Muslim Reformer of Sudan, I.B. Tauris, London & New York (2010)

ادوارد توماس «غريب الإسلام الحق: حياة محمود محمود طه، إصلاحي السودان المسلم»، تاورس للنشر، لندن ونيويورك (٢٠١٠)

انعقدت في جامعة الخرطوم يوم ١٨ يناير ندوة في مناسبة ذكرى إعدام شهيد فكره ونضاله الأستاذ محمود محمد طه، أمها طلاب في عشرات قليلة. في ذات اليوم، نجح أعضاء الحزب الجمهوري، عشرات قليلة من النساء والرجال، تحت قيادة الأستاذة أسماء محمود محمد طه، في تسليم مذكرة لوزير العدل مطالبين فيها بإلغاء الحظر المفروض على حزبهم. السلطات التي عرقلت تسليم المذكرة منعت انعقاد ندوة مسائية في جامعة الأحفاد في مناسبة ذكرى إعدام الشيخ الشهيد (١). سوى ذلك، حرمت جهة رسمية على قناة الشروق بث حوار مع الأستاذة أسماء في ذكرى إعدام والدها، ذلك بعد أن بثت القناة في ترويجها للحلقة جانبا من الحوار قالت فيه أسماء أن والدها لم يكن يصلي الأوقات الخمسةمضيفة أنه كان لا يصلي الصلاة ذات الركوع والسجود،وأفادت أنها كانت تعتقد بحصول معجزة تؤدي إلى عدم إعدامه(٢). في ذات المناسبة العام الماضي أوقفت السلطات نشاط مركز الأستاذ محمود محمد طه الثقافي بأم درمان وفضت الاحتفال بذكرى الإعدام الثلاثين(٣). 
جاورت ذكرى إعدام الأستاذ محمود، والتي أصبح لها في واقع الأمر تاريخ رسمي إذا جازت العبارة تنعقد فيها السمنارات الأكاديمية في أكثر من جامعة حول العالم ضمن الدراسات الإسلامية والافريقية ويرصدها المدافعون عن حقوق الإنسان، في الأعوام الثلاثة الماضية ذكرى وفاة المرحوم محمود عبد العزيز (الحوت) في ١٧ يناير، وهي في عرف محبيه مناسبة لاستعادة الحوت إلا جسده؛ الحواته مأخوذون بحبيبهم حد التماهي، يحاكون هيئته وزيه وحلاقة ذقنه، فهو بطلهم الحي، بل يقول شعارهم الحوت لا يموت”. اجتمع في مناسبة الذكرى الثالثة هذا العام الآلاف من من الشباب، إناث وذكور، في استاد المريخ مرددين الجان الجان نجم السودان، بثت بي بي سي العربية تقريرا عن الحفل، وانضم للحواتة رجال البوليس في الأستاد، تقاطعت سواعدهم أمام صدورهم بشارة الحواتة المعروفة أمام عدسات الكاميرات.. فهم كذلك حواتة على طريقتهم. شرح ممثل عن الحواتة أنهم حركة اجتماعية ترعى الأيتام والمعاقين والضعفاء من كل نوع انعقدت بينهم زمالة نبيلة في الحق والخير والجمال، تستقي قيمها من بعض أثر الحوت في أنفسهم. والواقع أن الحواتة أفلحوا في التنظيم لمساعيهم حيث فشلت قوى سياسية واجتماعية يشار إليها بالبنان في حشد الناس للعمل الجماعي سوى ما كان تهريجا بالجماهير لا عملا في وسطها كما في العبارة اليسارية الرائجة. استفز الحواتة الرأي المتعلم أيما استفزاز فرد تقدمي في سطوة الدكتور حيدر إبراهيم في مقالة بجريدة الصحافة عام ٢٠١٠ الحوت إلي ما أسماه ثقافة التدين الاستهلاكي المعولمواعتبره نموذجا لالإنسان المهدور، بل اعتبره هدية السماء للنظام الإنقاذي الشمولي الثيوقراطي، سنده في ذلك دراسة لمصطفى حجازي صاحب كتاب «التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور»(٤). أنصفه في المقابل الدكتور عبد الله علي إبراهيم الذى عد الحوت رمزا لثقافة صغرى اعتزلت الثقافة الكبرى ذات الاعتبار وترعرع في كنفه جيل اعتزل الحكومة والمعارضة على السواء، وتحرر به من القهر الحكومي ومن حنين المعارضة اليائسة إلى «الزمن الجميل»، فوجد الجيل في الحوت سببا للقول بأن الزمن الجميل ما يزال أمامنا(٥). لم يعدم الحواتة من يكتب جانبا من ثقافتهم الصغرى على وقع سيرة الحوت؛ تصدى لذلك مؤخرا محمد فرح وهبي، الصحفي والإذاعي، في «سارق الضوء:كتابة توثيقية تحليلية عن محمود عبد العزيز». 
حفزني التناقض بين آلاف استاد المريخ في ١٧ يناير وعشرات جامعة الخرطوم في ١٨ منه على مراجعة كتاب الصديق العزيز ادوارد توماس غريب الإسلام الحقعن حياة الأستاذ محمود محمد طه، منتبها هذه المرة إلى الحواجز القائمة بين مشاغل الصفوة صاحبة الثقافة الكبرى من جهة وبين حياة عامة الناس والثقافة الشعبية من جهة أخرى، إلى القنوات الواصلة والمنسدة بين الإثنين وإلى المصاعب التي تكتنف مساعي الصفوة في التبشير بما ترى بين جمهور الناس. لعل مثال الأخوان الجمهوريين يناسب الموضوع من جهة أن الجمهوريين في عصر تمددهم إبان حكم جعفر نميري استنفذوا وسائل الإتصال الجماهيري المتاحة لهم، المنشور والكتيب والمحاضرة العامة، ذلك في ساحة تكاد تخلو من المنافسة السياسية، مستفيدين من حلف غير معلن مع نظام مايو أتاح لهم حرية الدعوة والتنظيم، على الأقل حتى المصالحة الوطنية عام ١٩٧٧ التي عادت بالحركة الإسلامية إلى العمل العلني. بخلاف الحزب الشيوعي، الذي وصمه الأعداء بالإلحاد وظلت تلاحقه دعاوى الغربة الثقافية، توسط السودان جغرافية الجمهوريين العقدية والفكرية، وبالضرورة السياسية، فهو في عبارة الأستاذ محمود مركز دائرة الوجود، حفظت عناية السماء على أهله من أصايل الطبائع ما سيجعلهم نقطة التقاء أسباب الأرض بأسباب السماء(٦). 
كتب إدي، كما نناديه تحببا لدماثة خلقه وطيب معشره ولين قوله، هذا إلي جانب كونه فوال موهوب تتحول علبة الفول المصري في لندن على يده طلبا مصلحا ينافس به فوالي أم درمان المهرة، كتابه غريب الإسلام الحقمن أصل رسالته للدكتوراة في قسم الدراسات الإسلامية والشرق الأوسط في جامعة إدنبره. يتصدر الكتاب الحديث النبوي الشريف بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء، حديث يتكرر الاستدلال به عند الأستاذ محمود في الإشارة إلى جاهلية القرن العشرينوالاستعداد لتلقي الرسالة الثانية من الإسلام. يشير إدي في مقدمة كتابه إلى المنافسة داخل الإسلام على الشرعية التي يضفيها هذا الحديث، فهو من مختارات المجموعات الإسلامية المقاتلة، بل هو مفضل عند كل من يريد تحدي المساومة الكبرى بين أقطاب الإسلام السني والقادة السياسيين المسلمين(٧)، المساومة التي تكبت كل احتمال جذري في الإسلام وتحافظ على سلطة الدولة والايديولوجيا الدينية التقليدية. تقصى إدي سيرة الأستاذ محمود من النشأة بين رفاعة وهجليج أول القرن العشرين حتى إعدامه في سجن كوبر بالخرطوم وشمس القرن ترنو نحو المغيب، راصدا الصلات والتقاطعات والانقطاعات ما بين آراء الأستاذ في الإسلام والسودان والتاريخ الذى أحاط بها بما في ذلك قضايا الصراع الطبقي ومعضلات الإثنية والعرق وحواجز الكتابة بالتعارض مع الشفاهة وتحولات الهجرة بل حتى المعمار والنكات. في ذلك، لم يكتف إدي بالبحث في تراث الأستاذ من أعمال مكتوبة ومحاضرات مسجلة أو بالمقابلات العديدة التي أجراها مع معاصريه وتلاميذه بل قلب حتى المقررات المدرسية واستعان بكتاب البروفسير حامد أحمد ضرار عن العادات الغذائية في السودان وتحولاتها(٨)، على سبيل المثال كسرة الذرة المحلية (طعام العوام) ورغيف القمح المستورد (طعام الصفوة)، لفهم العالم الذي عاش فيه الأستاذ محمود فشكل منه وبثه آراءه. 
كفرت محكمة المهلاوي الأستاذ محمود وقضت بإعدامه في يناير ١٩٨٥ لكن للتكفير في السودان تاريخ، فهو من عتاد «الإصلاح» الديني. كلما نهضت دعوة للبعث الديني احتاجت مقاييس جديدة لتعريف ما هو «صحيح» إسلاميا ونشأت فرصة لدمغ المسلمين من المناوئين الذين يتأخرون عن التصديق بالكفر. بالدرجة الأولى، اتخذ مسلمون ومسيحيون من تجار الرقيق حقيقة أن الجنوبيين ليسوا مسلمين مبررا لاسترقاقهم. غير ذلك، دخل التكفير عاملا في الصراع السياسي بين الطرق الصوفية؛ كفر الختمية المجذوبية لمعارضتهم الحكم التركي. كما كان التكفير فاعلا في مناهضة الاستعمار فالإمام المهدي كفر الحكام الأتراك ومن والاهم. خلص إدي إلى أن التكفير سلاح ايديولوجي يتيح فرض استقطاب اجتماعي بغرض حشد الدعم لمجهودات بناء الدولة الإسلامية. استعان الإمام المهدي بالتكفير لبناء حركة وطنية تناهض الختمية التي كانت توالي الحكم التركي وعارضت المهدية منذ البداية. قضت قيادة الختمية كامل الفترة المهدية في المنفى المصري وجازى الانجليز السيد علي باكرا على وفائه حيث نال لقب فارس عام ١٩١٥ بينما لم ينل السيد عبد الرحمن اللقب حتى ١٩٢٦(٩). لم يتأخر حكام السودان الانجليز عن الاستفادة من ذات المورد، أي خدمة السياسة بالدين. ذيل ونجت باشا منشورات أسقطتها طائرات سلاح الجوي الملكي البريطاني على الفاشر ضمن الحملة العسكرية لإخضاع سلطنة الفور عام ١٩١٦ تطالب السكان بالاستسلام مقابل أمان الله ورسولهبالآية الكريمة: ﴿فقُطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾(١٠). 
ولد الأستاذ محمود عام ١٩٠٩ في بيئة وسط السودان النيلي، وقتها كانت قد نضجت التحولات التاريخية في القرن التاسع عشر التي ارتبطت بموجبها السلطة والثروة بمجموعات بعينها. رَكَّبت هذه المجموعات من الإسلام والعروبة هوية سودانية متصلة بنشأة الدولة المركزية، في مقابل مستبعدين لغاتهم «رطانة» وأديانهم «كفر» غلبتهم الدولة ونخبها وأصبحوا فرائس لغزوات الاسترقاق . شكل الرقيق قوة العمل الغالبة في الإنتاج الزراعي لصالح الأقسام المالكة للأرض من هذه المجموعات. تطابق امتياز من هم داخل الدولة في مقابل من هم خارجها مع الحرية في مقابل العبودية. ظهرت هذه الدولة في صور شتى غير الجهاز البيروقراطي المركزي فهي شركة دولية للاسترقاق تنشر الشريعة (التركية) وقابلة لنهاية العالم (المهدية)، ما قاد الانجليز لتصورهم الخاطئ أن السودان كتلة فوضوية من القبائل لم تنشأ بينها دولة يعتد بها. كان الانقسام الرئيس في البيئة التي نشأ فيها الأستاذ محمود بين الأحرار والأرقاء، انقسام اجتماعي ساهمت في استقراره تفسيرات للشريعة الإسلامية راجت في القرن التاسع عشر. تراخى الانجليز في تحرير الرقيق بينما حفزوا التحول الحاسم نحو ملكية الأرض الفردية وتسليعها، تحول بدأت إرهاصاته من قبل التركية بسند من الشريعة في مقابل العرف، كون الشريعة الإسلامية تُفضِّل الملكية الفردية وتُعجِّل من تقسيم الأرض عبر قواعد الإرث(١١). لذلك، ازداد في واقع الأمر عدد الرقيق في رفاعة أول عهد الاستعمار الانجليزي، بنسبة عشرة في المائة بين العام ١٩٠٥ والعام ١٩١٢ حيث بلغ العدد ٥٣١١ نفس، استجابة لزيادة الطلب على قوة عمل الرقيق في الزراعة، حتى استبدال الرقيق بالعمل المأجور مع التحول إلى الزراعة النقدية. 
واجه الأستاذ محمود شريعة الملكية الفردية هذه، إذا صح التقدير، والمقصود التصور المدرسي للشريعة الإسلامية التي اتخذتها الدولة الاستعمارية دينا لها. كما دولة الحكم التركي المصري من قبلها اعتمدت دولة الاستعمار البريطاني سياسة «شرعية» مركزية يقوم عليها مجلس علماء مستورد من مصر ومفتي دولة على رأس شبكة من المحاكم الشرعية التي انحصر تفويضها في الأحوال الشخصية والميراث. تصور الانجليز الشريعة المدرسية ترياقا مضادا لظاهرة «الفكي الثوري» على غرار المهدي واستهدفوا بها السودان الشمالي النيلي. بذلك، شكلت الشريعة المدرسية المسنودة بسلطة الدولة المركزية عنصرا حداثيا، يضاف تعزيزها إلى مهام «الحضارة»، في مقابل الأعراف «القبلية» التي خضعت لها أرياف السودان البعيدة تحت سيطرة الإدارات الأهلية وهرب منها نساؤها طلبا لنصرة الشريعة(١٢). اعتبر محمود مامداني هذه القسمة السلطوية بين مجال استعماري خاضع لقانون معلوم يميز بين مواطنين بأعراقهم ومجال أهلي خاضع لسيطرة إدارات محلية تميز بين رعايا بإثنياتهم عمادا لتكنولوجيا الحكم الاستعماري التي عرفها بمفهوم بالاستبداد اللامركزي(١٣). 
احتمى الأستاذ محمود عقديا بالأولياء الصالحين من شيوخ الطرق الصوفية، أحياء وأموات، ولقد احتفظ كما يبدو بمودة نحو السيد علي الميرغني والختمية لم تصدر منه مثلها نحو الأنصار والسيد عبد الرحمن المهدي، وفي ذلك ظل ربما للمقابلةبين شريعة الإلهام والأسرار الفردية التي حبذها الأستاذ والشريعة المركزية التي جدد بها الإمام المهدي الدين من أجل الدولة. تشكك الأستاذ في نوايا السيد عبد الرحمن الملكيةالمزعومة وأزعجه نزوعه نحو السلطة واستغلاله عمل الأنصار في المشاريع الزراعية التي منحته إياها الإدارة الاستعمارية. أسقط الأستاذ تهمة الاستغلال عن السيد علي، رغم تورطه العميق في الاقتصاد الاستعماري وتمثيله مصالح النخبة التجارية، بل رأى فيه متصوفا حقيقيا هجر الثروة الشخصية لكن وقع ضحية لنجاح النظام الطائفي. زار الأستاذ محمود السيد علي برفقة أمين محمد صديق عام ١٩٤٥، وتوسط السيد علي لاحقا لصالح الأستاذ طالبا من الإدارة الاستعمارية الإفراج عنه بعد إدانته وآخرين في أحداث رفاعة عام ١٩٤٦. لم تقبل الحكومة وساطة السيد علي، وظل الأستاذ في محبسه الذي صار له خلوة، خرج منها وقد اكتشف أسرار ذاته، واستقر عنده الاعتقاد أن التحرر الوطني والتحول السياسي الذي كان ينشده للسودان يبدأ بالتحول الفردي على طريق البعث الديني. بهذا فارق الأستاذ سكة سياسية مستقلة في مناهضة الاستعمار وطلب النهضة الوطنية كان اجترحها للحزب الجمهوري، على خلاف جمهور الخريجين الذين وجدوا ضالتهم السياسية في حلف المؤسسة التقليدية وظل السيدين.
كان حزب الأستاذ، الحزب الجمهوري، طرفا من أطراف الحركة الوطنية الساعية للاستقلال.نشأت الحركة الوطنية ضيقة الإطار تجمع في الغالب الأعم قوى حضرية ذات تجربة في أساليب عمل الدولة الاستعمارية. كان عدد المستخدمين في منشآت ومشاريع الاقتصاد الاستعماري عشية الاستقلال، ومن بينهم المهندس محمود محمد طه، حوالي نصف مليون شخص من مجموع سكان قدره حوالي عشرة ملايين شخص، لكن بلغت مساهمة هذا القطاع الاقتصادية أكثر من نصف الثروة النقدية في البلاد. منذ ذلك الحين، والانقسام بين حضر السودان وريفه سمة بارزه لاقتصاد البلاد السياسي. استهجن الأستاذ محمود وجماعة حزبه خيار الملكية، إن كان تحت حكم فاروق ملك مصر كما كانت دعوة الأشقاء أو تحت حكم السيد عبد الرحمن، ولذا افترعوا اسم حزبهم من الجمهورية. تبدو وثيقة الحزب الجمهوري التأسيسية، «السفر الأول»، لمن يطلع عليها اليوم محاولة أولى للكتابة لمؤلف يتلمس طريقه تقرأ فيها: “نحن اليوم بسبيل حركة وطنية تسير بالبلاد في شحوب أصيل حياة العالم هذه المدبرة، إلى فجر حياة جديد، على هدى من الدين الإسلامي، وبرشد من الفحولة العربية، وبسبب من التكوين الشرقي، ولسنا ندعو، أول ما ندعو، إلى شئ، أكثر ولا أقل، من إعمال الفكر الحر فيما نأتي، وما ندع من أمورنا… إن الحزب الجمهوري لا يسعى إلى الاستقلال كغاية في ذاته، وإنما يطلبه لأنه وسيلة إلى الحرية..” (١٤). 
إن اتفق الأستاذ محمود مع غالب الحركة الوطنية على أولوية الإسلام والعروبة في النهضة بالسودان المستقل فقد استنكر التنازع بين أطرافها وانقسام ولائها بين الطائفتين كما صده اعتمادها المساومة في التعامل مع الإدارة الاستعمارية والمذكرة وسيلة للعمل السياسي بدلا عن النشاط الجماهيري. كغيره من قادة الحركة الوطنية، فات على الأستاذ محمود التمييز الضروري بين السودان كما يبدو من شرفة مدرسة حضرية وواقع المجتمعات السودانية المتنوعة في الأرياف النائية فرشح لها جميعا هدى الدين الإسلاميورشد الفحولة العربيةكمشروع حضاري. تساءل الأستاذ لماذا، عندما ولدت الحركة السياسية في المؤتمر (مؤتمر الخريجين) اتجهت إلى الحكومة تقدم لها المذكرات تلو المذكرات ولم تتجه إلى الشعب، تجمعه، وتنيره، وتثيره لقضيته؟؟ ولماذا قامت عندنا الأحزاب أولا ثم جاءت مبادؤها أخيرا؟؟ ولماذا جاءت هذه المبادئ، حيث جاءت مختلفة عن الوسائل مختلفة في الغايات؟؟(١٥)
بينما اتخذ قادة الحركة الوطنية مساومة المذكرات طريقا للفوز بالدولة اتجه الجمهوريون تحت قيادة الأستاذ نحو الميادين العامة ودور السينما والنوادي والقهاوي، يبشرون بدعوتهم بالمنشور والخطابة والكتابة الصحفية. استقر هذا الطابع الجماهيري لدعوة الجمهوريين منهجا لهم وتطور لاحقا حتى بلغ مداه في نشاطهم كحركة بعث ديني. على خلاف الكثير من أقرانه، أبناء كلية غردون، كان الأستاذ على استعداد للتضحية من أجل أهدافه السياسية. التقط البوليس منشورات مناهضة للاستعمار أصدرها الحزب الجمهوري في مارس ١٩٤٥ وجرت محاكمة الأستاذ محمود بصفته رئيس الحزب لكنه فضل السجن على الغرامة. قدرت شعبة الاستخبارات وقتها عدد أعضاء الحزب الجمهوري بمائة شخص. رفض الأستاذ في سجنه الأول هذا عقوبة الشغل باعتباره سجين سياسي كما رفض الوقوف تحية للضباط البريطانيين فعاقبه سجانوه بالحبس الانفرادي ووجبات من الرغيف والماء فقط. قضى الأستاذ من عقوبة العام التي قضت بها المحكمة خمسين يوما فقط إذ قرر السكرتير الإداري العفو غير المشروط عنه في خضم حملةقادتها جريدة الرأي العام لإطلاق سراحه. 
بلغ نشاط الحزب الجمهوري في مناهضة الاستعمار أوجه في حادثة رفاعة عام ١٩٤٦، حيث نظم الحزب حركة شعبية لمناهضة القانون الذي جرمت بموجبه السلطات الاستعمارية ختان الإناث. اعتقد الجمهوريون أن الإدارة الاستعمارية إنما شرعت هذا القانون لتصوير السودانيين رعاعا لم يبلغوا بعد رشد الاستقلال. قاوم الجمهوريون القانون ليس دفاعا عن ختان الإناث الذي عارضوه كسواهم من الحداثيين لكنهم احتجوا أن ممارسة كهذه لا يمكن اقتلاعها من المجتمع بوسيلة القانون بل بالتعليم. اعتقلت السلطات في رفاعة في سبتمبر ١٩٤٦ منين بت حكيم وحكم عليها ر. ديك، مفتش المركز، بالحبس أربعة أشهر عقابا لها على ختان ابنتها فايزه عمسيب (التي صارت فيما بعد ممثلة معروفة). كان الأستاذ وقتها في رفاعة وقد خرج للتو منتصرا من سجنه الأول. صعد الأستاذ المنبر في جامع المدينة ودعى المصلين إلى الجهادضد القانون ثم قاد الجمع إلى المركز فحرر المتظاهرون بت حكيم لكن أعاد قريب لها من رجال البوليس اعتقالها وسلمها عبد الله أبو سن، شيخ الشكرية، الذي حبسها بدوره في الحصاحيصا. 
قاد الأستاذ في اليوم التالي مظاهرة من ألف شخص أو يزيد قاصدين مبنى المركز في الحصاحيصا وانضم إليهم تلاميذ المدارس من بينهم حسن الترابي الصبي. وصل المتظاهرون مركز الحصاحيصا وأخذوا يرشقون المبنى بالحجارة، بل توعدوا، بحسب رواية عبد الرحمن علي الشيخ، المفتش ديك بالقتل. فوق ذلك، هدد علي الشيخ، أحد أعيان رفاعة ووالد عبد الرحمن، بختان زوجة المفتش، تهديد ترجمه الأستاذ محمود لأسماع المفتش المفزوع. خاف ديك على حياته، وفقا لمذكرات ونفريد جونسون، زوجة مفتش بريطاني في مشروع الجزيرة، ونصح زائرين بريطانيين في داره، بالهرب من رفاعة. حرر المتظاهرون منين للمرة الثانية فاستدعت السلطات قوة من الجنود النوبا من ود مدني، بافتراض أنهم لن يترددوا في إطلاق النار علي المتظاهرين «العرب» متى صدرت لهم الأوامر. قال عبد الرحمن علي الشيخ أن الأستاذ محمود قاد متظاهرين مسلحين بالعصي والسيوف وكذلك البنادق إلي المركز يهتفون «الموت الموت أو الشهادة». أطلق الجنود النار على المتظاهرين على انخفاض فأصيب العديدون. تصدى للمتظاهرين ناظر الشكرية، عبد الكريم أبو سن، وفاوضهم حتى أقنعهم بالتراجع. 
اعتقلت السلطات الأستاذ محمود وأخاه مختار وآخرين وتم حبسهم في الحصاحيصا فسكنت المظاهرات مباشرة. جرت محاكمة المعتقلين الستة عشر في أكتوبر في ود مدني أمام القاضي محمد أحمد أبو رنات، أول رئيس سوداني للقضاء، من اشتهر عند البعض بلقب الانجليزي الأسودلمهادنته الانجليز. رفض الأستاذ محمود الدفاع عن نفسه وعاقبه أبو رنات بالسجن عامين بعد إدانته بإثارة الكراهية ضد الحكومة. فقد رجال الأمن الاهتمام بالحزب الجمهوري بعد حبس رئيسه، لكن اهتمام الصحف بحملة الأستاذ ومصيره اتصل خلال أكتوبر. كتب عبد الوهاب زين العابدين، زعيم الشيوعيين وقتها، كلمة في الدفاع عن الأستاذ محمود فاستدعاه البوليس لتفسير موقفه لكنه تراجع بحسب زعم المحققين البريطانيين. إن كان واضحا للجمهوريين أن مقاومتهم لقانون الختان لم تكن انتصارا لهذه الممارسة فإن هذا الموقف التبس على الكثيرين الذين خرجوا للتظاهر دفاعا عن الختان والشرف حتى أن محمد المهدي المجذوب وصف الأستاذ محمود بأنه مناضل عربي من أجل الشرف (الجنسي) والدين”. انتهز الأستاذ الفرصة التي أتاحتها حادثة رفاعة لقيادة مبادرة لمقاومة الاستعمار أثارت فزع الإدارة الاستعمارية أكثر من تكتيكات الأفندية كونها اتصلت بالقوة الريفية في تحد لسيطرة الإدارة الأهلية ورغما عنها. للمقارنة، عندما أعلن قائد الحركة الوطنية الكينية، جومو كنياتا، معارضته لقانون بريطاني يجرم الختان في الثلاثينات قفزت عضوية منظمته من ٣٠٠ إلى ١٠ آلاف عضو. 
استمرت خلوة الأستاذ محمود التي بدأها في السجن بعد خروجه منه في ١٩٤٨ فاعتكف في رفاعة ثلاث سنوات أخرى حتى نال الأصالةالتي اعتبرها محطة نحو مقام روحي أعلى، ووصل إلى اعتقاد أن مهمته الأولى ليست مقاومة الانجليز في العالم الماثل وإنما تطهير نفسه عبر رحلة داخلية سبق ورصد محطاتها المتصوفة الكبار من قبله. انشغل الأستاذ محمود منذ ذلك الوقت بقضية إصلاح الشريعة الإسلامية لتتصدى لتحديات الدولة الحديثة والعالم الحديث لكن بخلاف الحركات الإسلامية دعى ضمن تحريره الشريعة إلى إسقاط بعض عناصرها كلية، كما اعتقد أن الإصلاح والتحديث والنهضة تتحقق عبر إصلاح وتحديث ونهضة فرد واحد متى صارت حقيقة انقلب العالم رأسا على عقب. تحدى الأستاذ محمود السجن كمكان لكبت أعداء الدولة السياسيين لكن لم يعن له أن السجن مؤسسة تقع عند الطرف الجارح لمجتمع طبقي، مكان يتم فيه تكوين وإعادة إنتاج النزوع الإجرامي المنسوب للطبقة الاجتماعية الأدنى. اتخذ الأستاذ محمود عراقي الدمورية لباسا له مثله وأدنى المسجونين ليس لتحدي التقسيم الطبقي وإنما إشارة لزهد طوعي في العالم، الزهد الذي كان يمتدحه عند السيد علي، الثري الذي ينام على عنقريب بسيط بلا فرش أو وسادة. جدد الأستاذ محمود هذا الزهد في سنوات لاحقة وجعل له معنى اجتماعيا بخلاف معانيه الروحية فدعى إلى إعادة تقسيم الثروة، لكن لم يتصل هذا الميل «الاشتراكي» ليصبح تحليلا اقتصاديا للتركيب الطبقي والسلطة في السودان، كما جدد صلاته بالسيد علي الذي زاره مرة أخرى في ١٩٦٢ يعرض عليه أفكاره في تطوير الشريعة.
أعاد الأستاذ محمود نشاط الحزب الجمهوري بعد خلوته الطويلة لكن هذه المرة كجماعة همها التربية والبعث الديني الذي اعتبره الترياق المضاد لانقسامات الحركة الوطنية ولما تنقطع طموحاته السياسية. رشح الأستاذ محمود الحضارة الإسلامية لتصبح كتلة ثالثة في مقابل المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي لكن احتفظ بشك في جدارة مواطنيه من عامة المسلمين في القيام بهذه المهمةفكتب ضمن مناقشة للديمقراطية: “.. فإذا ما أردنا الديمقراطية حقا فقد وجب أن نميز المعرفة ونحترمها وأن نميز العارفين ونحترمهم ووجب لذلك أن نجعل حق الانتخاب لا يناله إلا المواطن الحائز علي حظ خاص من العلم وحق الترشيح لا يناله إلا المواطن الحائز على حظ أخص، ثم استدرك على أن نجعل كدنا توسيع هاتين الدائرتين حتى تشمل أولاهما كل مواطن ومواطنة وحتى تشمل ثانيتهما أكبر عدد ممكن من المواطنين رجالا ونساءا على السواء(١٦). من الصعب دحض الصلة الايديولوجية بين شك الأستاذ محمود في كفاءة غمار الناس من غير الصفوة المتعلمة للديمقراطية والحلف غير المعلن الذي ربطه والجمهوريين في مراحل لاحقة بنظام مايو القابض باعتباره ديكتاتورية حميدة عصفت بالنظام الطائفي.
في سياق متصل، خالف الأستاذ محمود عموم الحركة الوطنية بدعوته إلى لا مركزية الحكم وترتيبات دستورية تعطي سلطات واسعة لبرلمانات ولائية في ولايات خمس (الجنوبية والغربية والشمالية والشرقية والوسطى) بما في ذلك سلطة حل البرلمان المركزي، لكنه وافق أغلب معاصريه في امتناعه عن مجابهة الفروقات الشاسعة التي نجمت عن التحولات الدموية في القرن التاسع عشر بين وسط السودان النيلي وأقاليمه الغربية والجنوبية. اقترح الأستاذ محمود في دستوره برلمانا مركزيا مكونا من مجلس واحد نيابي يكون ممثلا لولايات السودان الخمس فيه (ولو مؤقتا) ممثل واحد لكل ٢٠٠ ألف مواطن في الولايتين الغربية والجنوبية وممثل واحد لكل ١٥٠ ألف مواطن في الولايتين الشرقية والشمالية، وممثل واحد لكل ٥٠ ألف مواطن في الولاية الوسطى(١٧). قارن هذه الاقتراحات بنسب التمثيل في انتخابات العام ١٩٥٣: نائب برلماني لكل ١٢٦.٥٠٠ مواطن في أعالي النيل وبحر الغزال والاستوائية؛ نائب لكل ١٣٤.٠٠٠ مواطن في كردفان ودارفور؛ نائب لكل ٨٤.٤٠٣ مواطن في وسط وشرق السودان. استبعد الأستاذ محمود أواخر الخمسينات من قاموسه الفكري الفحولة العربيةبل وصم حركة القومية العربية الطاغية تحت قيادة جمال عبد الناصر بالعنصرية وبشر بإسلام كوني بديلا عن العصبية الإثنية. لم يجد هذا التحول ترجمة في انشغال مواز بتركيب التراتبية العرقية الماثلة في السودان وقد استعرت الحرب الأهلية في الجنوب وبرزت إلى الحياة السياسية بعد ثورة أكتوبر ١٩٦٤ قوى عبرت عن مظالم القوميات المضطهدة. 
كمحيطه الحضري عاش الأستاذ محمود في عالم غير عالم مؤتمر البجا ومنظمة سوني ومقاتلي الأنانيا، وانشغل كأغلب معاصريه بقضايا الحرب والسلام في الشرق الأوسط، وليس الجنوب، فخصص لذلك كتابا عن العرب واليهود والسوفييت والغرب حوى نقدا شرسا لسياسات جمال عبد الناصر وزعامته، المتهم عند الأستاذ محمود بخدمة الشيوعية الماركسية والاتحاد السوفييتي(١٨). سوى أن الأستاذ عارض مشروع الدستور الإسلامي الذي طرحته جبهة الميثاق والقوى المتحالفة معها في كتابه الصادر عام ١٩٦٨ «الدستور الإسلامي؟ نعم..ولا!!» حجته أن الشريعة التي ينادي بها الإسلاميون لا تسع تنوع السودان الديني. ناصر الأستاذ في هذا الخصوص موقف الأب فيليب عباس غبوش الذي تساءل إن كان بإمكان مواطن سوداني غير مسلم تسنم المنصب الأعلى في دولة يحكمها دستور إسلامي. تجاهل دعاة الدستور الإسلامي ومعارضيه بمن فيهم الجمهوريون أن غالب السودانيين خارج المحيط الحضري، الذي اشتد فيه التنافس على طبيعة الدولة ودستورها، كانوا يخضعون لأعراف المحاكم الأهلية، بالكاد تمسهم تغييرات الشريعة أو القانون المدني. في الواقع، تردد موقف الجمهوريين بين رفض علماني للدستور الإسلامي وقبول إسلامي بأهمية الدين في الدولة والمجتمع وقادهم انشغالهم بالفقه القانوني إلي تجاهل واقع الممارسة العدلية في أرياف السودان رغم مواجهتهم الباكرة مع الإدارة الأهلية في حادثة رفاعة(١٩). رد إدي هذا الموقف إلى التراث الذي استند عليه الأستاذ محمود في تصوره للتنوع القانوني والثقافي في السودان، أي الاصطلاحات الإسلامية ذات الجذر في المراكز الحضرية العثمانية، حيث لا يرد ذكر كريم المعتقدات غير الكتابية. 
أراد الأستاذ محمود إعادة تدوير الشريعة من موقع المتصوف وكذلك السياسي الوطني. كمتصوف، اجتهد الأستاذ في تخريج صيغة من الشريعة تربط الحاضر بمستقبل يوتوبي (مثالي)، وكسياسي وطني كان همه اجتراح ايديولوجيا شاملة بديلة لبلاد تستبعد أنظمتها السياسية والاجتماعية الكثير من مواطنيها. استتبعت هذه المواجهة مع الدولة العربية المسلمة في السودان مواجهة ايديولوجيا سياسية طاغية وكذلك تراث روحي يعزز الامتثال لقوانين وقيم يعتبرها الكثيرون ثوابت غير قابلة للتبديل. بشر الأستاذ محمود برتق الفروقات بين الرجال والنساء، الأغنياء والفقراء، والمسلمين غير المسلمين، لكن لم يعتمد تحريره الجديد للشريعة على تحليل للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية في البلاد بل على منطق قانوني مجرد حيث انتخب من تراث الفقه الإسلامي(٢٠) ما يناسب غرضه وربط ذلك بتصورات للتطور التاريخي من تراث التنوير الأوروبي وشذرات ماركسية، فالقانون عند الأستاذ محمود لا يستبطن علاقات القوة في المجتمع(٢١) وإنما هو صيغة للتعبير عن الذات المتدرجة من الشر إلى الخير. لا غرو إذن أن انحصر أغلب أتباع الأستاذ في صفوة المتعلمين أنصار التحديث الذين وجدوا في دعوته طريقة مبتكرة لعيش هويتهم الإسلامية في بلاد مرتبطة عاطفيا بالتصوف الإسلامي وساءهم أن يروا هذه الهوية تُستغل لقهر مجموعات مهمشة.
قابل الأستاذ محمود انقلاب مايو ١٩٦٩ بغير أسف على انهيار سلطة الأحزاب الطائفية وجبهة الميثاق الإسلامي. رأى في الانقلاب مثل الكثيرين من الصفوة البيروقراطية، ضربة ثانية لثورة أكتوبر، فحل حزبه طائعا. من ثم، تحول الحزب الجمهوري إلى «الأخوان الجمهوريون» وانتقل نشاطه من دار الحزب في الموردة إلى منزل الأستاذ في الثورة. أحجم الأستاذ محمود عن انتقاد قمع نظام مايو الدموي للأنصار والشيوعيين رغم أنه سبق وعارض حل الحزب الشيوعي عام ١٩٦٥، لكنه احتفظ بمسافة بينه والنظام الجديد ورفض الانضمام للاتحاد الاشتراكي، حزب نميري الواحد. استفاد الأستاذ من أساليب التنظيم والقيم الموروثة عن الطرق الصوفية، الذكر الجماعي والدار المفتوح والكرم والزهد والكاريزما والأعمال الخيرية، لبعث حركة اجتماعية جديدة بهيكل سلطوي يماثل هياكل الطرق الصوفية، سوى أنه لم يعتمد الكرامات لجذب الأتباع من كل شاكلة ولون بل كان ينشد من مريديه المتعلمين الاقتناع الفكري. ساعدت قواعد دخلية مثل الامتناع عن الصلاة في المساجد والامتناع عن الحج على تعزيز التماسك الداخلي للطريقة الجديدة، ومكنت الجمهوريين من الانقطاع عن حياة أسرهم الدينية وبناء هوية حضرية خاصة بهم وشبكة جديدة من العلاقات خارج إطار الأسرة والسوق والدولة. حال هرم الحركة دون استيعاب محمد خير المحيسي الذي زعم «الأصالة» مثله والأستاذ إذ لم يكن ليسع أصيلين إثنين. 
بينما كان الشيوعيون والأخوان المسلمون يبحثون عن أصدقاء في الجيش تحول الأستاذ محمود إلى ناسك زاهد، عاف أكل اللحم، وأخذ يتفكر في حقوق الحيوان، فتساءل، بحسب رواية الباقر العفيف: “ما الفرق بين بف باف والرشاش؟توقع الأستاذ محمود من الجمهوريين زهدا مماثلا. لم ينشط الأخوان في جمع المال والقليل الذي تيسر لهم من مساهمات المهنيين منهم وعائد الكتب كان الأستاذ يوزعه على المساكين تعبدا. كما لم تسع الحركة أصيلا غير الأستاذ لم تسع كذلك هؤلاء المساكين وطغى عليها المتعلمون. لم ينشغل الأخوان بتنظيم غمار الناس الفقراء وأصحاب الحاجة من أجل التغيير عبر نضال جماعي. لعب الأستاذ في هذا الخصوص دورا مماثلا لدور شيخ الطريقة الصغيرة معتمدا على شبكة الجمهوريين لمد المحتاجين الذين يطرقون بابه بالمال وبالخدمات اللازمة، إن كان عيادة طبيب أو استشارة محامي. على خلاف شيوخ الطرق، لم يشجع الأستاذ محمود المساكين، وسيلة العبادة، على الانضمام للحركة أو الاقرار بعقيدته الدينية. بهذا المعنى، كانت ردة فعل الأستاذ محمود التلقائية وغير المنظمة على الفقر في السودان وسيلة لإيصال رسالة روحية وليس محاولة لإعادة تركيب علاقات القوة الاقتصادية لصالح غمار الناس، فالصدقة والزهد وسائل لبلوغ الكمال الذاتى وليس التجنيد للنضال الجماعي. 
جابت فرق الجمهوريين أرياف السودان للتبليغ بدعوتهم بما في ذلك الجنوب لكن تكوين الحركة ظل على صفويته. قدر حيدر بدوي صادق في رسالته للماجستير (١٩٨٨)، وهي مسح اجتماعي قام به وسط الجمهوريين عام ١٩٨٧، أن غالبيتهم كانت من المهنيين (٨٦٪) دون الأربعين من العمر (٨٦٪) ومن وسط السودان (٧٥٪). شكل خريجو الجامعات حوالي ٣٧.٥٪ من العضوية ونال الأغلبية (٥٤.٥٪) حصة ما من التعليم بينما لم تزد نسبة الأميين على ٨٪. استنتج صادق أن قاعدة الجمهوريين الاجتماعية تركزت في الطبقات الوسطى من المجتمع السوداني. كان هم الجمهوريين في سياحتهم التبليغ فحسب وقاوموا فكرة أن لدى الناس الذين أرادوا تبليغهم الإسلام الجديد ما ينفع لخوض حوار من طرفين على سنة الشعار اليساري «من الجماهير وإليها.. نتعلم منها ونعلمها». عبر عبد الله النعيم لصديقنا إدي عن نقد للبعثات الجمهورية إلى الأرياف فقال أنه يراها من موقعه اليوم سالبة، استعمارية، أسلوب مسلم يرى في الإسلام جوابا لكل شئ ويظن عنده المفتاح لفهم الإسلام”. 
في غضون ذلك تعزز موقف الأستاذ محمود الداعم لنظام مايو رغم تضييق جهاز أمن الدولة على حريته في التعبير بمنعه من الخطابة عام ١٩٧٣، إذ ظل على رأيه أن ديكتاتورية نميري حميدة ما دامت تكبت الطائفية. يشف ذلك من عنوان بيان الجمهوريين عام ١٩٧٥ «الطائفيه تتآمر على الشعب» الذي صدر في أجواء الانقلاب الفاشل الذي قاده المقدم حسن حسين ووصمه نميري بالعنصرية واستبق محاولة الجبهة الوطنية الإطاحة بالنظام عبر عملية عسكرية من ليبيا عام ١٩٧٦. وافق الجمهوريون نظام مايو في وصف حملة الجبهة الوطنية بالغزو الأجنبي واجتهدوا في الهجوم على الصادق المهدي خاصة بعد المصالحة الوطنية عام ١٩٧٧ بكتاب تصدرته الآيتين الكريمتين: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (١١) ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾(٢٢). أصدر الجمهوريون كتابا في الرد على المصالحة الوطنية تضمن رسالة بعثوا بها إلي نميري يحذرونه من تآمر الطائفية وينصحونه بأن تشمل المصالحة الحزب الشيوعي، لم يزعجهم عدم اكتراثهم السابق بقمع الشيوعيين في عقابيل انقلاب ١٩٧١. نشأت في أعقاب المصالحة الوطنية البنوك الأسلامية بتمويل غزير من المملكة العربية السعودية وتحت إدارة كادر الحركة الإسلامية وسيطرت بحلول العام ١٩٨١ على كامل أرباح رؤوس الأموال في السودان. على سبيل المثال، سيطر بنك فيصل وحده على ٣٠٪ من رأس المال التجاري في البلاد. بطبيعة الحال، لم تكن ثمة مساحة للتقارب بين الجمهوريين والسعودية الوهابية. أدانت رابطة العالم الإسلامي، ومقرها مكة الكرمة، في العام ١٩٧٥ االأستاذ محمود وطالبت بإعدامه كمرتد. في رد فعل، هاجم الجمهوريون السعودية وأمراءها والتبشير السلفي الذي تبثه(٢٣) لكن لم يرق ذلك لنظام جعفر نميري الذي كان استقطاب رأس المال السعودي مقدما لديه على مصاعب الجمهوريين فاعتقلت السلطات في يناير ١٩٧٧ الأستاذ محمود وثمانية آخرين من الجمهوريين في بادرة تقدير لآل سعود. لم تهز هذه الحادثة ثقة الجمهوريين في نظام مايو لكنها كانت إشارة للنفوذ المتزايد لرأس المال العربي في السياسة السودانية وبداية مواجهة ممتدة مع الحركة الإسلامية المتحفزة للسيطرة. 
عطل الجمهوريون بعثاتهم الريفية ونشاطهم الدعوي في شوارع العاصمة ليركزوا كل جهدهم على مقابلة تحدي الحركة الإسلامية فأصدروا في مارس عام ١٩٨٣ دراسة تفصيلية عن بنك فيصل حاولوا فيها دحض إسلاميته وكشف ضلوعه في تمويل الحركة الإسلامية(٢٤). الواقع، أن رونيو الجمهوريين، على جودة معدنه، لم يكن باستطاعته مجابهة الآلة التنظيمية للحركة الإسلامية بمواردها المالية والبشرية وجاذبيتها السياسية. انغرس الإسلاميون عميقا في جهاز الدولة وفي الجيش كذلك. لكن ظل الأستاذ محمود ممتنعا عن انتقاد جعفر نميري وقد تجددت الحرب الأهلية في الجنوب جراء سياساته وتجرع الناس الذل من المجاعة والفقر، حجته أن وحده نميري قادر على حماية البلاد من تغول الإسلاميين. تحول الأستاذ محمود، من جُبل على معارضة السلطة، في خريف عمره إلى موال لها. ذهب الجمهوريون بعيدا في دفاعهم عن نظام مايو فهاجموا حملات الشيوعيين الاحتجاجية على زيادات الأسعار التي فرضها صندوق النقد الدولي في أوئل الثمانينات كما زعموا على استحياء أن قرار نميري تقسيم الجنوب ونقض اتفاقية أديس أبابا للسلام (١٩٧٢) وجد مساندة غالبية سكان الجنوب ودعوا الجنوبيين إلى حل خلافاتهم داخل لجنة حكومية للنظر في القضية(٢٥).
لم يعدم الأستاذ محمود المنتقدين عن قرب. كتب إليه صديقه جرجس اسكندر في أواخر السبعينات خطابا يتهمه فيه بتضليل أتباعه إذ يعدهم بالجنة. هاجم اسكندر أساليب الأستاذ محمود الدعائية ورفضه التام للمؤسسة الدينية كما اتهمه باستغلال المحاكم كمنابر للدعاية السياسية وانتقد علاقته بنظام مايو واعتماده التبشير كوسيلة للتغيير الاجتماعي، وسيلة قال اسكندر أنها تهدد السلم الاجتماعي. انعزل الجمهوريون عن وقائع الحياة وانغمسوا في غنوصية دينية من جهة ومقارعة شرسة مع الحركة الإسلامية من جهة أخرى(٢٦). توالت زيادات الأسعار الناجمة عن تنفيذ برنامج الإصلاح الهيكلي الذي فرضه صندوق النقد الدولي على السودان واشتدت الضائقة المعيشية فانسحب الأخوان إلى مزيد من التجريد الديني. خرجوا للناس في عيد الميلاد عام ١٩٨٠ بكتيب عنوانه «عودة المسيح» على غلافه نجمة داؤود(٢٧). زادت عجلة تدهور قيمة الجنيه في العام ١٩٨٢ فقلصت الحكومة دعم السلع الغذائية مرة أخرى لتتجدد المظاهرات، بينما انكب الجمهوريون على تفسير إعلان الأستاذ محمود أن الأصالة ما زالت متاحة للكل لكنه يعتقد أنها لن تتحقق سوى لشخص واحد في هذه الحياة. ناقش الجمهوريون قضية «الإنسان الكامل» وساعة وصوله باستفاضة ثم طرحوا على الناس المشغولين بأسعار الرغيف كتابهم «التقليد!! والأصيل!! والأصلاء!!»(٢٨). تحول الأستاذ محمود، كما يبدو، من الانشغال بالقانون إلى الانشغال بالأسرار ، بينما خلت الساحة سياسيا للحركة الإسلامية، الحامل الناهض لطموحات البرجوازية الصغيرة السياسية والاقتصادية. 
ظل الجمهوريون على خطة الرونيو بينما انتقل أعداؤهم إلى شاشة التلفزيون الذي بلغ انتشاره ١٠٠ ألف جهاز في البلاد عام ١٩٨٣. برزت هذه المنافسة غير المتكافئة في شخص الفقيه المصري والأستاذ بجامعة أم درمان الإسلامية محمد نجيب المطيعي. شن المطيعي، المقرب من عمر محمد الطيب وإمام مسجده، من شاشة التلفزيون حملة شعواء على الجمهوريين وكذلك المسيحيين والطرق الصوفية. أحل المطيعي دماء الجمهوريين فردوا بكتاب انتقدوا فيه إحجام رئيس جهاز أمن الدولة عن حمايتهم(٢٩). عاقب عمر محمد الطيب الجمهوريين بمصادرة كتبهم وأدوات الطباعة خاصتهم كما شن حملة اعتقالات طالت الأخوان والأخوات في العاصمة والمدن الكبري بمن فيهم الأستاذ محمود في مايو ١٩٨٣. انضم إلي الأستاذ محمود في المعتقل خصم الجمهوريين الصادق المهدي الذي اعتقلته السلطات لمعارضته قوانين سبتمبر. عرض نميري على الأستاذ محمود والأخوات الجمهوريات الحرية في بداية ١٩٨٤ لكن الأستاذ رفض العرض ما لم يفرج نميري عن الجمهوريين كافة. أصدر الجمهوريون خارج أسوار السجن كتيبا عن قوانين سبتمبر، ربما كان أحد محاولاتهم النادرة تقصي المعضلات الاجتماعية التي يعانيها مستضعفي السودان. ناقش «الموقف السياسي الراهن» قضايا «ستات العرقي» وأسعار الذرة والبغاء والقرى الجائعة في دارفور وتناقص حقوق الجنوبيين في السودان الإسلامي(٣٠). 
أطلق نميري سراح الصادق المهدي في ديسمبر ١٩٨٤ ثم أطلق سراح الأستاذ محمود بعد وساطة كان رسلها ضباط سابقين في جهاز الأمن، محمد علي مالك وعبد الله الدابي، اعتنقا الفكر الجمهوري في منتصف السبعينات. أذعن عمر محمد الطيب لشرط الأستاذ محمود وحرر جميع الجمهوريين المعتقلين في ١٩ ديسمبر. استشعر الضابطان مؤامرة قيد الطبخ يريد عمر محمد الطيب النأي بنفسه عنها.عاد الجمهوريون إلى نشاطهم المعتاد يقود الأستاذ حلقاتهم في الميادين العامة ثم أصدروا في عيد الميلاد عام 1984 منشورهم «هذا أو الطوفان». دعى البيان في اقتضاب سهل إلى إلغاء قوانين سبتمبر ووضع حد للحرب في الجنوب وبعث الإسلام عبر التعليم دون غوص في معان صوفية بعيدة. احتفل الجمهوريون بأعياد الاستقلال وفي الرابع من يناير ١٩٨٥ أجرى الأستاذ آخر مقابلة صحفية له (مع مجلة الجامعة). تحدث الأستاذ عن النظام الرئاسي والنظام البرلماني، عن البنوك الإسلامية وعن الحركة الوطنية ثم عاد في ليلته تلك إلى المعاني الصوفية التي نهل منها الأخوان في المعتقلات. ذَكَّر الأستاذ محمود الجمهوريين بقدرة الأولياء الصالحين علي فداء الناس من البلاء. قال لهم: مات السيد الحسن (الميرغني) بالطاعون فتوقف المرض، ومات في ١٩١٥ الشيخ طه بالسحائي الذي انتشر في رفاعة فتوقف المرض. يحكي المتصوفة هذه القصص لكن يجد العلمانيون صعوبة في استيعابها. جاء دوركم الآن لتنقذوا الشعب السوداني من الإذلال والقهر الذي حل بهم. اعتقل رجال أمن الدولة الأستاذ محمود محمد طه، متصوف كهل مريض بالسكر، في الخامس من يناير فعبر بثقة العارفين بالله من قسم بوليس في أم درمان إلي عدالة المهلاوي ثم المكاشفي طه الكباشي وأحمد محجوب حاج نور ومحمد سر الختم إلي سجن كوبر، ومن ساحة السجن إلى رحمة عزيز مقتدر في صباح ١٨ يناير ١٩٨٥ دون أن تهتز له قصبة. لم يسع الدولة أن يجد الأستاذ محمود مرقدا معلوما في التراب. صعدت بجثمانه هيلوكوبتر حكومية إلى الأعلى ودفنه من دفنه في مكان مجهول غرب أم درمان. 
بينما كان قضاة الاستئناف ينافحون عن العقيدة «الصحيحة» أغار الجوع على بطون ما لا يقل عن ١٠ ملايين شخص في أرياف السودان، نزح ما لا يقل عن نصف مليون منهم إلى أطراف العاصمة التي استغل تجارها المجاعة للمضاربة في أسعاز الذرة بتمويل سخي من البنوك الإسلامية. غطت وحدة المعلومات في جريدة الايكونومست البريطانية نبأ إعدام الأستاذ محمود ومآلاته بكثافة. جاء في تقرير الايكونومست أن الستة عشر شهرا التي سبقت إعدام الأستاذ محمود شهدت تنفيذ حكم قطع اليد على أكثر من سبعين شخص عقابا على السرقة، بينما شهدت الأربعة أشهر ما بعد الإعدام حتى سقوط نظام نميري تنفيذ الحكم على شخصين فقط. تحفزت النقابات والاتحادات المهنية للقضاء على حكم نميري بعد أن صعق النظام الناس بإعدام شيخ في آخر عمره ذنبه الفكر. حتى الولايات المتحدة، تعسر عليها الدفاع عن جور نميري. ظن نميري أن في استبداده شطارة وأنه يستعرض قوته عبر الإطاحة بخصم ضعيف، لكن الأستاذ محمود، من خلف حجاب قبره، كسر شوكة الديكتاتور. 
فدى الأستاذ محمود شعبه من طغيان نميري لكن خسر الأخوان الجمهوريون معركتهم مع الحركة الإسلامية. فاز الإسلاميون، عبر تحالف جمع رجال البنوك وضباط الجيش، بالدولة عام ١٩٨٩ وجددوا حكم الشريعة ضمن مشروعهم الحضاري الذي قاومه «صعلوك» نبيل مثل محمود عبد العزيز على طريقته. اعتمد الأستاذ محمود مصادر لمقاومة الدولة العربية المسلمة من تراث الفقه والتصوف الإسلامي لا طاقة لأغلب السودانيين على إدراك دقائقها. ظل تركيزه منصبا على السياسة الخرطومية والمتعلمين الجامعيين وغابت عن ناظره موارد الثورة السودانية في الأرياف التي عد أميتها الكتابية جهلا في اقتراحاته الدستورية الباكرة. نافح الأستاذ عن حقوق النساء وغير المسلمين لكن تعذر عليه وعلى الجمهوريين توطين مشروعهم لتثوير الشريعة الإسلامية في تحليل لعلاقات القوى الاجتماعية في البلاد، بل قادهم حسن ظنهم بجهاز الدولة وقدرته على إحداث التحولات التي ينشدون إلى موالاة دولة نميري الباطشة فجردتهم آخر الأمر من كل حول وقوة. كان الأستاذ محمود ينشد الكمال في الإنسان لكن لم تتسع حركته الاجتماعية للمستضعفين، المذنبين مهما فعلوا، استقبلتهم كأصحاب حاجات وليس كفاعلين أكفاء تنهض بهم ومعهم لتغيير الحياة المادية سكن المنافع الروحية. في هذا المعنى، لن يضر الاستاذة أسماء وصحبها التأمل في المورد الروحي الذي يمثله «الحوت» للآلاف الذين اجتمعوا في استاد المريخ يوم ١٧ يناير لإحياء مأثرته، أما كتاب صديقنا إدي فقد يساعد في فهم هذه الهوة بين ندوة جامعة الخرطوم وكونسرت الجان نجم السودان. 

المصادر

1 سودان تربيون، ١٨ يناير ٢٠١٦
2 سودان تربيون، ٢٤ يناير ٢٠١٦
سودان تربيون، ١٨ يناير ٢٠١٥
4 حيدر إبراهيم، محمود عبد العزيز ونظرية الهدر الإنساني، موقع الراكوبة ٢٣ سبتمبر ٢٠١٠
5 عبد الله علي إبراهيم، الحوت.. ما قبل الربيع السوداني، موقع الجزيرة ٣ مايو ٢٠١٣
6 محمود محمد طه وأحمد لطفي السيد، التربية بين السياسة والعلم أيضا، جريدة الشعب ٢٧ يناير ١٩٥١ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
7 حول المساومة الكبرى راجع
Wael B. Hallaq, The origins and evolution of Islamic law, Cambridge University Press, Cambridge, 2005
8 راجع
Hamid A. Dirar, The indigenous fermented foods of the Sudan: a study in African food and nutrition, Wallingford, 1993
9 في
Gabriel R. Warburg, Islam, sectarianism and politics in Sudan since the Mahdiyya, Hurst, London, 2003 , p.90
F.R. Wingate, SAD.128/3/82  10 
https://www.dur.ac.uk/library/asc/projects/woodsudan/exhibition/sudan_war/proclamation2/
11 راجع
Jay Spaulding, the Heroic Age in Sinnar, Red Sea Press, 2007
12 يستعرض الدكتور عبد الله علي ابراهيم في الفصل الثاني من كتابه هذيان مانويالعلاقة بين محاكم الشريعة والمحاكم الأهلية التي نشأت بموجب قانون الحكم غير المباشر أواخر العشرينات ويعتبرها مثالا صارخا لاستضعاف المحاكم الشرعية، راجع
Abdullahi Ali Ibrahim, Manichaean delirium: decolonising the judiciary and Islamic renewal in Sudan, 1898 - 1985, 2008, p. 115 - 165
13 راجع
Mahmoud Mamdani, Citizen and subject: contemporary Africa and the legacy of late colonialism, Princeton University Press, Princeton, New Jersey, 1996
14 الحزب الجمهوري، السفر الأول، أكتوبر ١٩٤٥ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
15 المصدر السابق
16 محمود محمد طه، قل ھذه سبيلي، ١٩٥٢ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
17 محمود محمد طه، أسس دستور السودان، ١٩٦٨ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
18 محمود محمد طه، مشكلة الشرق الأوسط، ١٩٦٧ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
19 للمقارنة راجع مذكرة الشفيع أحمد الشيخ عن الإدارة الأهلية (يناير ١٩٦٥ ) التي بين فيها خلقها الاستعماري ودعى إلى حلها استجابة لمطلب شعبي. في عبد الله علي ابراهيم، مذكرة الشفيع أحمد الشيخ عن الإدارة الأهلية ( ١٩٦٥ ): إلا شقي الحال يقع في القيد، منشور في سودانايل، ٣ يونيو ٢٠٠٩
20 راجع
Wael B. Hallaq, A history of Islamic legal theories, Cambridge University Press, Cambridge, 2009
21 راجع
Hugh Collins, Marxism and Law, Oxford University Press, Oxford, 1996
22 الأخوان الجمهورين، الصادق المهدي!! والقيادة الملهمة!! والحق المقدس؟!، ١٩٧٨ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
23 الأخوان الجمهوريون، اسمهم الوهابية وليس اسمهم أنصار السنة، ١٩٧٦ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
24 الأخوان الجمهوريون، بنك فيصل الإسلامي؟!، ١٩٨٣ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
25 الأخوان الجمهوريون، أطفئوا نار الفتنة: حول حوادث الساعة، ١٩٨٢
26 الأخوان الجمهوريون، هؤلاء هم الأخوان المسلمون (في جزئين)، 1978 ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
27 الأخوان الجمهوريون، عودة المسيح، ١٩٨٠ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
28 الأخوان الجمهوريون، التقليد!! والأصيل!! والأصلاء!!، ١٩٨٢ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
29 الأخوان الجمهوريون، الهوس الديني يثير الفتنة ليصل إلى السلطة، ١٩٨٣ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
30 الأخوان الجمهوريون، الموقف السياسي الراهن، ١٩٨٤

Monday, 11 January 2016

Independence disavowed

Following established tradition, a reporter from the Khartoum daily al-Jareeda sought Communist commentary on the sixtieth anniversary of Sudan’s independence. The event, declared a non-event by a host of opinion makers who have made it habit to decry the loss of British tutelage on each independence anniversary, was missed by the Communist Party this year, busy with another round of undeclared factional dispute. Sideeg Yusif, a party veteran, told the reporter that the Communist Party refuses to celebrate the independence anniversary because Sudan continues to suffer under totalitarian rule. “The slogans of independence cannot be achieved until the overthrow of the regime in Khartoum; what has been attained is only political independence,” Sideeg told the reporter. 
Yusif Hussein, the spokesman of the Communist Party, foddered up Sideeg’s argument stating that the occasion of the sixtieth independence anniversary should “push the regime to rethink and consider the situation of the country and what it has come to.” Interestingly, Yusif, who has experienced most of the post-independence history first hand, identified achievement in the past of the post-independence glorifying the same institutions and political instruments once battered by qualified Communist criticism. 
The pioneers of independence started to construct the right structures and institutions of independence, he said, naming the 1956 constitution, which he further described as “democratic” despite attempts by reactionary forces to impose an Islamic constitution. The pioneers “built a bureaucracy on a democratic basis. There was no arbitrary dismissal or favouritism and appointment was on the basis of merit.” They also “established the first elements of a national economy,” added Yusif Hussein. Of course, Yusif did not miss to mention that projects left behind by colonial rule such the Gezira scheme and the railways have been completely destroyed. The Communist Party’s al-Midan which published Yusif Hussein’s comments titled its report: “ True celebration of the sixtieth independence anniversary after the overthrow of the regime.” “We will celebrate when the country is free and democratic, and we can build the country we dream of,” Siddig Yusif declared in another notable statement to the press. 
The statements of the two leaders are both disheartening and revealing in their dismissal of Sudan’s independence, following the lead of recent ‘educated’ opinion, championed by the likes of the al-Tayar's editor Osman Merghani who ritually decry independence as a fall from a perceived colonial heaven of bureaucratic efficiency and fair government. Indifferent to the very notion of nationalist struggle once championed by the Communist Party, Sideeg and Yusif approximate Merghani’s position in all but phrasing. Their agony is that of a defeated elite, sorry for the loss of the colonial-made state rather than that of bearers of emancipatory politics who seek to flesh liberation from the direct colonial yoke, distant and paradoxically idealised as it seems today, with empowerment of the masses. In a stroke of amnesic argumentation, the two dropped the Communist Party’s most pointed and accurate criticisms of the colonial state and its heritage in favour of the abortive politics of frustration with the ‘satanical’ National Congress Party (NCP). 
A single Communist politician in the 1956 parliament that declared Sudan independent, Hassan al-Tahir Zaroug, stood out of the crowd to point out the discrepancies between the letter of the 1956 constitution, hastily adopted by the house, and the actual practice of the state. Zaroug highlighted the lower wages paid to southerners compared to northerners, and to the poor pay of female teachers compared to males, considering the promise of the constitution not to discriminate between Sudanese citizens in employment and public office by their race, sex, religion or place of birth. Rather than submit to the ‘pledged’ democracy of the 1956 constitution, Zaroug wanted it entrenched and expanded in the lives of the common women and men of Sudan, and not subsumed in the rotation of governments and cabinet posts. 
What Yusif Hussein today perceives as a bureaucracy built on a “democratic basis” and the yardstick of “merit” was criticised by the early Communists who fought for independence as an institution composed predominantly of northern Sudanese males, discredited by class bias and racial and sexual privilege, that caters for the interests of a narrow power base around the patricians and their business associates. In 1965, when the Communist Party declared the necessity to reform if not “destroy” the organs of the state inherited from Sudan the colony, Yusif was an active member of the party and probably cheered. The associations between these inherited myopias of the state and its continuous practice and current configuration have escaped his attention it seems. Yusif speaks of the elements of a ‘national economy’ where his peers diagnosed a dependent mono-product economy designed to serve the guardians of a gatekeeper state, direly in need of diversification and expansion and development of the local market. The Gezira scheme was judged as the embodiment of this single crop economy. 
Sideeg and Yusif are again mistaken in drawing no distincti on at all between the record of the independent Sudanese and the record of their successive governments. The resourcefulness of the Sudanese in resisting, sabotaging and also taming ill-devised and disastrous statist projects is remarkable but goes unmentioned since the two veterans are haunted by government rather than inspired by popular struggles. The reactionary politics of the patricians, Nimayri’s economy of modernisation by immiseration and the NCP’s ‘civilisation project’ all ended in defeat and mockery, and a living counter-narrative to each inhabits popular consciousness. The notion of ‘no sanctity in politics’ raised against the two sayeds, Abd al-Rahman al-Mahdi and Ali al-Mirghani and their families, survives today albeit in entangled terms and forces Sadiq al-Mahdi to seek alliances where the Umma Party (renamed National Umma Party [NUP] for the 1986 elections) once reigned supreme with guaranteed votes to absent candidates in Darfur and Kordofan. The Nationalist Unionist Party of the Khatmiyya (renamed the Democratic Unionist Party [DUP] after a tumultuous split in 1956 and a sorry reunification in 1966) vegetates today as a beneficiary of the NCP. 
Nimayri’s decade and a half of inspired dictatorship ended with a heavily indebted government and a country at war with itself but the Sudanese who took him down scrapped his sharia and dismantled his state security. Even the bigots of al-Ingaz under President Bashir could not find it in themselves to reinstate the punishments of limb severance and stoning in practice, but picked from the sharia disciplinary lashing, a favourite of the colonial state before it was a sharia-informed article of law. State security is yet to rid itself from the disrepute of ‘fascism’ meted out against it by generations of Sudanese since the era of the colonial ‘intelligence department’. Today, Bashir’s National Intelligence and Security Service (NISS) sponsors arts and sports to carve a human face into its fascist corpus. The NISS engendered armed battalions that march on a celebrated day every year in a show of force from Qitena to Khartoum to prove their worth in fear of the day when popular agitation and political convenience might dictate its dissolution similar to its predecessor, Nimayri’s State Security Bureau. The ‘civilisation project’ of the Islamic Movement was effectively extinguished the moment it became a name for flamboyant ‘tobs’. The division between state and religion on the other hand was elevated to an item of intimate and sharp consciousness when it was declared the name of revealing low cut blouses marketed at discount prices. 
Sideeg Yusif speaks of a dream, but by all means, the material of that dream seems to be the very same state vilified by the Communist Party that spoke ‘Marx in the vernacular’ (to quote Rogaia Abu Sharaf’s reading of Abd al-Khalig Mahjoub). No wonder then that Yusif and Sideeg were in no mood to mark the 60th anniversary of Sudan’s independence, the beginning of the end of the effendi’s paradise, let alone draw lessons from a history of struggle against the lost colony and its heirs for a future they fail even to imagine.

Monday, 28 December 2015

مفاوضون أشاوس..الحرب والسلام والهوية

انتهت في ٢٧ نوفمبر الماضي الجولة العاشرة للمفاوضات بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية - قطاع الشمال بالتزامن مع الجولة الثانية للمسار الثاني للتفاوض مع حركات دارفور المسلحة دون التوصل الي نتائج ملموسة رغم الآمال التي انعقدت عليها. تجددت المفاوضات مرة أخرى بجولة غير رسمية منتصف ديسمبر الجاري انحصرت هذه المرة بين الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال وحكومة السودان أنقذت الآمال لكن لم تفض هي الأخرى إلي تقدم يذكر سوي تجديد “عزم” الطرفين على تحقيق السلام، كل بصيغته، واستثارة حفيظة حلفاء الحركة الشعبية من حركات دارفور المسلحة إذ صرخ عنهم مني مناوي “صفقة ثنائية…صفقة ثنائية” أو رجس من عمل الشيطان!
الحقيقة أن الخلاف انعقد في عنوان التفاوض وتحذلق الجميع باللغة مبينين أن لهم شؤون ولعامة خلق الله شأن آخر، لا تربك ضمائرهم آهات الأمهات في ليل الحرب الطويل وهن يستسلمن لموت فلذات أكبادهن حيرى سوى من الأمل في رحمة الله. أما الأمل في حسن السياسة فالحق أنه انقطع منذ أمد بعيد، منذ أن استلت نخبة الحرب هذه، حاكمة ومعارضة، بنادق للحكم لما تعرف متى أو كيف تلجمها، كل يريد الفوز الكبير، ولا يشغله عن هذا المطلب شاغل سوى ربما متاعب حجز التذاكر من عاصمة إلى أخرى. 
قالت الحكومة من جانبها أن الحركة الشعبية لم تأت للتفاوض بجدية أو هكذا قال إبراهيم محمود، مساعد رئيس حزب المؤتمر الوطني ورئيس الوفد الحكومي المفاوض، في مقابلة مع قناة الشروق عقب عودته من الجولة الفاشلة. أصدر ياسر عرمان بياناً في ختام جولة نوفمبر مؤكدا أن المؤتمر الوطني جاء بلا عزم لإنهاء الأزمة الإنسانية في المنطقتين ودارفور. الحق أن القضية الإنسانية كما درجت تسمية الفظائع الناجمة عن استمرار النزاع المسلح، أي الموت الرخيص الذي يطبق بفكين غليظين على كل حي في مناطق النزاع إنسا كان أم وحشا أم زرعا، والأوصال المقطعة والنفوس المحطمة والحيوات المهدرة، أصبحت رهينة لحسابات الصيف العسكرية، وكذلك السكان، أهل المناطق المطلوب تحريرها أو تعميرها أو تنميتها بأي منطق أخذت، هم في هذا التصور عبء مصاحب للأرض يشكلون طرفا من الجغرافية إذا جاز التعبير أما التاريخ والمستقبل فحظيرة محروسة للمفاوضين الأشاوس.
طرحت الحكومة على الحركة الشعبية ما يشبه بيان استسلام غير مشروط، شجعها على ذلك ربما التحول في ميزان القوى العسكرية في المنطقتين إلى صالحها. تدرك الحكومة أن الإجهاز التام على الجيش الشعبي في المنطقتين هدف غير واقعي لكن سعيها حصار الجيش الشعبي ما استطاعت في موقع الدفاع والحد من قدرته على أي هجمات تستهدف المدن الرئيسة وطرق النقل ومناطق التعدين ومشاريع الزراعة الآلية. طرح المفاوض الحكومي تجديد الهدنة الإنسانية لمدة شهر يتم خلاله التفاوض على وقف شامل لإطلاق النار بما في ذلك إجراءات نزع سلاح وتسريح الجيش الشعبي وبالمرة القضايا السياسية التي تخص المنطقتين، كل ذلك بضمان انتشار القوات المسلحة السودانية على الحدود بين السودان وجنوب السودان ما يقطع الطريق على خطوط إمداد الجيش الشعبي “المحلول”. 
الحركة، ولا غرابة، رفضت الطرح الحكومي لكن قفزت أمامه بتجديد الدعوة إلى حل سياسي شامل على أساس “مؤتمر قومي دستوري” يجب حوار الرئيس البشير الوطني. أما بشأن القضية الإنسانية فقد جددت الحركة مطلبها بفتح منافذ للمساعدات الإنسانية تمر عبر حدود السودان مع جنوب السودان وأثيوبيا دون تدخل حكومي، مطلب رفضته الحكومة معيدة تأكيدها على السيادة وإصرارها أن تأت المساعدات عبر السودان. انتهت جولة نوفمبر هكذا، كل طرف أعاد على الإعلام سيل الاتهامات المعتادة. اكتفت الآلية الإفريقية بإعلان نهاية الجولة وتأسفت كما الأطراف المراقبة من الدول الغربية على فشل الطرفين في التقدم بشأن القضية الإنسانية.
شرحت الحركة الشعبية قطاع الشمال في البيان الذي صدر بعد انهيار الجولة أن الحكومة لا تنوي الالتزام بمطلوبات الحل السياسي الشامل ولا تريد أن توافق على وقف العدائيات. قالت الحركة أن وقف العدائيات شئ ووقف إطلاق النار شئ آخر، والشي بالشي. تمسكت الحكومة بأنها لا تقبل وقف عدائيات دون التوصل إلى ترتيبات أمنية تنتهي بحل الجيش الشعبي. بشأن مطلب الحركة توصيل الإغاثة عبر حدود السودان مع جنوب السودان وأثيوبيا قال إبراهيم محمود في حوار مع قناة الشروق أن الحكومة ترى عدم موضوعية هذا الطلب، فالإغاثة يجب أن تتم من داخل السودان، وهي لا تمانع أن تتولى الأمم المتحدة بإتفاق معها عملية الإشراف على توصيل الإغاثة والمساعدات الإنسانية لكن من داخل السودان. الأهم من ذلك لا ترى الحركة الشعبية حاجة الي وقف إطلاق نار دائم لإيصال المساعدات، فهي يمكن أن تتم ولو على طريقة “الممرات الآمنة”، العبارة التي تثير حفيظة الحكومة بأي صيغة أتت. 
يعود تاريخ العبارة إلى عملية “شريان الحياة” التي انطلقت في أول ١٩٨٩، وقتها استفادت الحركة الشعبية الأم من شريان الحياة الأممي عبر كينيا في مواجهة حكومة الصادق المهدي. كتب المرحوم جون قرنق خطاباً إلي جيمس قرانت المدير التنفيذي لليونسيف أثناء انعقاد المؤتمر العالمي عن الإغاثة العاجلة في الخرطوم، يدعوه إلى الاهتمام بالسكان في المناطق تحت سيطرة الحركة الشعبية. زعم قرنق وقتها أن ٩٠٪ من سكان جنوبي السودان في مناطق تحت سيطرة الجيش الشعبي. دعت الحركة الشعبية الأمم المتحدة إلى مناقشة ترتيبات الإغاثة إما بمؤتمر مماثل لمؤتمر الخرطوم. رفضت الحركة الشعبية المنتصرة في الميدان العسكري رفضا قاطعا أي وقف إطلاق النار وهي صاحبة النار الأكثر ضراوة واقترحت وقتها “ممرات آمنة” لتوصيل الإغاثة. 
لم تجد حكومة الصادق المهدي مخرجا من الضغط العالمي سوى القبول بالاقتراح الذي نشأت بموجبه عملية شريان الحياة بضلعين، ضلع ينطلق من الخرطوم وآخر من نيروبي ولوكيوشوكيو الكينية. تنظر الحكومة اليوم إلى هذه التجربة باعتبارها شهادة على ضعف حكومة السودان العسكري في مواجهة تمرد مسلح على سلطة الدولة وخرق فادح لسيادتها لا تتصور القبول بمثلها وهي في حالة تقدم عسكري علامته المادية محدودية المناطق التي يسيطر عليها الجيش الشعبي - قطاع الشمال الذي يقرأ في تقديرها من كراس الماضي. انتهت المحاججة في هذه النقطة إلي رفض الحكومة القاطع توصيل الإغاثة من محطات خارج السودان وإدعاء الحركة الشعبية قطاع الشمال على لسان مواطني المنطقتين، الذين دعتهم بهذه المناسبة من الجغرافية إلى التاريخ، أن إغاثة تأتي من الخرطوم مرفوضة ولو كانت المن والسلوى. 
حفزت قضية المساعدات مجموعة من الناشطين والأكاديميين ومنظمات المجتمع السوداني على تجديد الجنس الأدبي المفضل للبرجوازية الصغيرة السودانية - المذكرة - فعنونوا خطابا ضافيا بانجليزية صافية في ٧ ديسمبر الجاري ليس للشعب السوداني البطل وقواه الحية وإنما للرئيس الأميركي باراك أوباما وسكرتير عام الأمم المتحدة بان كي مون مفاده دعوة الإثنين للضغط على حكومة السودان حتى توافق علي توصيل الإغاثة عبر محاور خارجية. لم ينشغل أصحاب المذكرة بحقيقة أن عملية شريان الحياة كانت بالفعل سببا غير مباشر في إطالة أمد الحرب في جنوبي السودان ساهمت بقدر أو آخر في تعزيز استعدادات الجيش الشعبي القتالية وحررته إذا جاز التعبير من أى مسؤولية تجاه المواطنين تحت سيطرته الذي صاروا كما أهل المنطقتين اليوم جزءا من جغرافية الميدان العسكري. 
أقر حتى جون برندرقاست، حتى وقت قريب نصير الحركة الشعبية الأول في الولايات المتحدة وصاحب منظمة “كفاية”، في تقرير يعود إلى العام ١٩٩٧ أن عملية شريان الحياة وإن لم تطل “الأمد الطبيعي” للحرب فقد “كان لها أثر بالغ على مجرى القتال. عززت العملية في الفترة ١٩٨٩ إلي ١٩٩٢ قدرات الجيش الشعبي، ثم حقق الجيش الحكومي بعض التقدم في الفترة ١٩٩٢ إلى ١٩٩٥ عبر عمليات إغاثة كبيرة في الشمال ومنه بالإضافة إلى قطع الطريق على الإغاثة إلي مناطق بعينها خاصة خلال حملة الحكومة العسكرية عام ١٩٩٢ وغزواتها عام ١٩٩٥ على شمال بحر الغزال.” قال جيمس قرانت، مسؤول الأمم المتحدة عن الإغاثة وقتها، أن مسؤولياته انحصرت في الإغاثة ولم تشمل بأي حال من الأحوال النظر في أسباب النزاع وكيفية حله. قال لاري مينيار وتوماس فايس، كاتبان آخران حررا نقدا طويلا لعملية شريان الحياة عام ١٩٩٥، أن الأمم المتحدة أضاعت فرصا عديدة للمساهمة في التوصل إلى سلام في السودان. في ذات القضية، قال فيليب بوريل، منسق الأمم المتحدة للإغاثة في السودان، صراحة أن شريان الحياة ساهمت بدرجة أو أخرى في إشعال الصراع بالذات من خلال عمليات الإسقاط الجوي غير المتسقة. 
للطرافة، قال برندرقاست في تقريره عام ١٩٩٧ أن عمليات الإغاثة لم تحد من التدهور السياسي في السودان وأنما ساهمت فقط في إدارته. علل برندقاست هذا الدور السلبي بقوله أن عمليات العون الخارجي “تترك أثرا علي تفكير الناس فتجعلهم يتوقعون حلولا من الخارج.” كأن برندرقاست يرد هنا علي المذكرة المعنونة إلى أوباما وبان كي مون و”كفاية” بين موقعيها. كان أولى بأصحاب المذكرة أن ينظروا من موقع المستقل المشغول بالقضية الإنسانية في المنطقتين إلى مسألة الإغاثة وكيفية توصيلها دون الأخذ السريع بموقف طرف حربي ضد آخر، فربما ساهموا إذن في حلها وتوصيل الإغاثة فعلا لا المناجاة بها ضمن رهان سياسي على الحركة الشعبية قطاع الشمال باعتبارها الطرف الأولى بالمناصرة في حرب جغرافيتها المنطقتين. تتيح الانجليزية الصافية التي كُتبت بها المذكرة ضمن منافع أخرى الإطلاع على مباحث واسعة نقدية حول الحرب والسلام في السودان والعلاقة بين الحروب وعمليات الإغاثة بما في ذلك عملية شريان الحياة وتداعياتها، لكن كتاب المذكرة فضلوا السهو عن هذا الفرض شاغلهم أذن أوباما. 
لم تعد القضية الإنسانية، التي قال ياسر عرمان أنها أولى أولويات الحركة، إلى صدر التفاوض في المحادثات غير الرسمية التي انعقدت في منتصف ديسمبر. قال ياسر، الذي انتخب تلفزيون السودان من تصريحاته جانبا للعرض في نشرة الأخبار في خبطة دعائية، أن المحادثات كانت شفافة مؤكدا في رسالة إلي حلفاء الحركة الشعبية أنه طرح على الحكومة  حلا شاملا بديلا للحلول الجزئية مما يمكن جميع الأطراف أن تصبح جزءا من العملية السياسية. كرر ياسر أن قضية المنطقتين مرتبطة بالإصلاحات الهيكلية الشاملة في بنية الدولة السودانية وأن الحركة مستعدة للتفاوض بمشاركة الآخرين حول الترتيبات السياسية والأمنية الجديدة للمنطقتين بالارتباط والتزامن مع الحوار والحل السياسي الشامل. 
متى تركنا تجريد “الحل السياسي الشامل”، قرين “اتفاقية السلام الشامل” و”بسط الأمن الشامل” جانبا واتبعنا شيطان التفاصيل بان موضوع الحرب والتفاوض، مصير الفرقتين التاسعة والعاشرة في الجيش الشعبي لتحرير السودان الأم وفق وصف الحكومة أو الجيش الشعبي لتحرير السودان - قطاع الشمال في عبارة الحركة. قال ياسر عرمان في خطابه أن “الحركة الشعبية تطرح (قيام) جيش سوداني واحد مهني (…)، بدلا عن صيغة الجيشين التي طرحت نيفاشا مع ترتيبات أمنية جديدة انتقالية للجيش الشعبي في إطار هيكلة وإصلاحات الجيش الموحد.” 
يبدو للوهلة الأولى أن هذا الموقف ينسجم مع إصرار الحركة على رفض الحل الجزئي الذي يتخوف منه حلفاؤها، ويرونه بابا لصفقة ثنائية تحيل الحركة إلى شريك في الحكم وتترك سواها في عراء المعارضة. في هذا الخصوص، دعى ياسر قوى المعارضة مرة أخرى إلى “الاتفاق على رؤية موحدة حول مسار الحوار والتفاوض ونتائجه النهائية وعلاقته بالوسائل الأخرى” يقصد الوسائل الحربية، وهو الذي ظل يعيد ألا انفصام بين الصراع المسلح والانتفاضة الشعبية والتفاوض فجميعها وسائل هدفها “الحل السياسي الشامل”. استكانت قوى المعارضة لتزاوج المناهج هذا على طريقه كلو خير، لبن، سمك، تمر هندي أملها أن تسقط من هذه السماوات حكومة انتقالية تفعل الأفاعيل بالمؤتمر الوطني، كأن تاريخا طويلا من الاشتباك بين العمل المسلح والمدني، بين الانقلاب والعمل الجماهيري، بين صفوة الضباط والحركة الجماهيرية، لم يكن، وليس منه ما يستفاد، دع عنك الاشتباك بين القوى المدنية والحركة الشعبية الأم التي فازت بالدولة في جنوب السودان لتجدد الحرب حول السيطرة عليها.
ما معنى حديث ياسر عن جيش سوداني واحد موحد إذن؟ يبدو أن ياسر عرمان يتفاوض في أديس أبابا حول دمج الجيش الشعبي في القوات المسلحة بدلا عن نزع سلاحه وتسريح مقاتليه كما تريد الحكومة، لكنه بدلا عن الإعلان الصريح عن مجريات التفاوض اختار أن يعلق هذه الخطوة بإصلاحات في الجيش كتم كنهها. السؤال الموضوعي كيف يتسنى للجيش الشعبي - قطاع الشمال أن يفرض على قوة عسكرية تفوقه مرات عدة وعتاد برنامج هيكلة وإصلاح أيا كانت صيغته؟ اختار ياسر التحايل بالغموض بدلا عن الصراحة التي يفرضها واقع الأحداث ويتطلبها العمل السياسي المسؤول مكررا بذلك تجربة ترشحه للرئاسة عام ٢٠١٠ حين انسحب بليل من نشاط جماهيري شد إليه قوى واسعة علقت على قيادته الآمال وظل إلى يومنا هذا صامتا عن مواجهة المسؤولية عن قراره سوى بكتابة الشعر الركيك كأن الذين تنادوا لنصرته قصر لا يعقلون حظهم أنهم صاروا مادة لحلم ياسر في الالتحاق بجيل الستينات المجيد، شاباز وما إلى ذلك.
بطبيعة الحال، إن أحرزت الحكومة تقدما في محادثاتها مع الحركة الشعبية تنتفي ضرورة “الاجتماع التحضيري” التي تنتظره المعارضة الرسمية بفارغ الصبر ظنا منها أن القوى الدولية ستضغط على النظام حتى يفكك نفسه بآلة الحكومة الانتقالية، إلا أن يكون ديكورا مصاحبا لاتفاق الحكومة والحركة حول مصير مقاتليها. الحكومة من جانبها، تتصور الاجتماع التحضيري مقدمة لولوج المعارضة في “الحوار الوطني” على طريقة تراجي مصطفى، فهو عندها عين “المؤتمر القومي الدستوري” الذي ظل شعارا ثابتا للمعارضة منذ أواخر الثمانينات، أعادت تدوير المفهوم بما يخدم بقاء سلطتها، كما أعادت تدوير مفاهيم أخرى مفضلة عند المعارضة الرسمية، الهوية وما أدراك ما الهوية.
نحن إذن قبالة كومة من العبارات التي فرغت معانيها تشغل الأوراق والبيانات حبرا صرفا لكن لا مدلول لها في الواقع، الحوار الوطني، المؤتمر القومي الدستوري، الحل السياسي الشامل، أصبحت مادة الخلاف بين أعضاء النادي السياسي ومنتهاه. أما صراع غمار الناس من أجل الحياة فمحله الجامع الذي استنجد به مزارعو نهر النيل هربا من حلف البنك الزراعي والمباحث واسطوانات الغاز التي صارت قضية لجهاز الأمن يتتبع تنقلاتها بين وكلاء التوزيع وشلل الأطفال الذي لم تتفق الحكومة والحركة الشعبية سوى على قطع أمصاله عن بنات وأبناء المنطقتين وحمى الدينق التى تتغذى من معسكرات النزوح في دارفور وكالي الفرنسية حيث يتكدس الشباب الطامح إلى عبور القنال الانجليزى تصطاد منهم القطارات روحا بعد أخر، والهوية، الهوية، بيت ناصية وعربية. 

عارف الصاوي ومجدي الجزولي
 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.