Wednesday, 18 March 2026

ليس من شيء يبرر قصف شعبنا

 كتبت السينمائية الإيرانية مريم تفكري (مواليد ١٩٨٧) خطابا حارا إلى معلمها المخرج الإيراني الكبير محسن مخملباف (مواليد ١٩٥٧) تلومه فيها لوما شديد البأس والحذر في آن على تنكبه طريق الرشاد بتوقيعه على خطاب يحفز فيه الملك دونالد على رجم إيران ما استطاع بالآلة الحربية بين يديه. وجاءت تفكري بعبارة سديدة في «العيب»، عيب شاهد الزور الذي شرحه باستفاضة المرحوم محمد إبراهيم نقد في كلمته العظيمة تلك، وهذا تعريب خطابها لمن يتزكى، فهو مما يصح في غير موضعه: 

عزيزي محسن مخملباف، 

مضت عشرة أعوام منذ التقينا آخر مرة. لا أعرف، هل تذكرني؟ لا أكتب إليك كطالبة سابقة، لكن كزميلة في الوطنية. قرأت خطابك السديد إلى ريزا بهلوي وعنت لي ترجمته ونشره في موقع ما. أعطاني خطابك الأمل في وقت كان فيه العديد من الفنانين والمشاهير الإيرانيين يكتمون دعمهم لبهلوي خلف حجاب من «الحزن» وهم يسطون على صوت المعاناة لتبرير الحرب والتدخل الأجنبي. 

لكن اختلط علي الأمر لاحقا وأنا أقرا الخطاب المشترك الذي مهرته بتوقيعك إلى رئيس الولايات المتحدة الأميركية. شق علي أن أفهم كيف لمن كتب الخطاب الأول أن يوقع على الخطاب الثاني. أعرض عليك هذه المسألة من باب الهم المشترك وليس من باب الحكم عليك. فالمسؤولية الأخلاقية عن كل ما نقول وكل ما نوقع عليه أثقل وأعظم في وقت يمكن استغلال كل كلمة وكل توقيع لتبرير التدخل العسكري الأجنبي. 

كتبت في خطابك إلى ريزا بهلوي: "لا تنسى أن مُلك والدك وجدك كان حصيلة انقلابات مدعومة من الخارج، وليس اختيار الشعب." أتساءل كيف يمكن أن تدين التدخل الأميركي في التاريخ الإيراني ثم تستنجد بذات القوة الأميركية لغرض التدخل الأجنبي؟ 

لا أعرف إن كنت حقا تؤمن بما وقعت عليه، بالذات ولست من كتبه. هل يصح أنك وقعت على هذا الخطاب تحت ضغط من هم حواليك؟ وقد جئت على ذكر هذا الضغط في خطابك نمط الضغط الذي نراه في كل مكان الآن، ضغط شديد قوامه الفحش والتهديد. إن كان من شيء تعلمته من تاريخ بلادنا فهو أنه لا يجوز أن نخشى تحدي الفاشية حتى وإن فازت بدعم الأغلبية. وذلك كذلك، لا يمكن القول إن معظم الناس في إيران يرحبون بالتدخل الأجنبي. وحتى إن كان الأمر كذلك، لن أتردد في الصدوع بمعارضة هذا التدخل بمثل ما صدع المعارضون في الماضي قبل الثورة الإيرانية وبعدها بكلمة «لا» للجمهورية الإسلامية رغم الدعم الغالب لها. 

اعتقل جهار الساڤاك والدي وحقق معه، كما اعتقلك وحقق معك. لكن والدي لم يتعرض للتعذيب في سجون الساڤاك كما حدث لك. لقد تعرض للتعذيب في سجون الجمهورية الإسلامية. تم إعدام عمي في سجن مدينة أهواز في ثمانينات القرن الماضي. وأنا تم اعتقالي أكثر من مرة وتمت إساءة معاملتي تحت نير ذات النظام. أقول هذه الأمور تصديقا لقولك إنك لا تنظر إلى بهلوي عبر عدسة الكراهية والجروح القديمة، فكرهي للجمهورية الإسلامية لم يعميني كذلك. 

لا أنكر جرائم النظام السابق كما لا أنكر جرائم النظام القائم. وأقف ضد كل صورة من صور الفاشية، غض النظر عن مصدرها والوعود التي تطلقها، حتى وإن كانت تعد بتدمير المعذبين الذي تولوا تعذيب أهلنا. وفي هذا الخصوص، لا حصانة لأي قوة من النقد والمسؤولية، ويشمل هذا المبدأ الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. 

أنت لا بد عليم بالجرائم والإبادات الجماعية التي ارتكبتها القوى الدولية خلال التاريخ. لكن، لا نحتاج أن نوغل في الماضي. ليس إلا قليل من الناس من لا دراية له بالإبادة الجماعية الدائرة في غزة خلال العامين والنصف الماضيين. لا أخاطب من يتغاضون بقصد عن هذه المأساة المصنوعة من باب اللامبالاة أو العنصرية المعادية للعرب أو المصلحة الذاتية وما إلى ذلك. سؤالي موجه إلى البقية: كيف يتسنى أن نسأل "العون" من مرتكبي هذه الفظائع ومن يمكّن لهم. أوضح التاريخ مرة والأخرى أن حياة البشر بالنسبة للولايات المتحدة ليست موضوعا للتعاطف وإنما تكأة في حسابات الجغرافية السياسية. 

كيف يمكن للمرء أن يدين الانقلاب المدعوم أميركيا في إيران ويطلب في ذات الوقت من ذات القوة أن تتدخل في وطنه مرة أخرى؟ كيف يمكن للمرء أن يوقع على خطاب يدعو إلى إلقاء القنابل على أهالينا وأصدقاءنا وشعبنا، بل ويطلب من ذات القوة العون وكان عونها في يونيو ٢٠٢٥ قتل إزهاق أكثر من ألف نفس. الأسئلة كثيرة هذه الأيام والأجوبة قليلة. لكن الثابت عندي، ليس من شيء يبرر قصف شعبنا. 

 

مع الاحترام، 

مريم

فبراير ٢٠٢٦

No comments:

Post a Comment

 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.