Thursday, 1 August 2019

يا جيش: أرفع يدك فوق التفتيش بالذوق

أثار انتكاس انقلاب الفريق هاشم عبد المطلب، رئيس الأركان المشتركة وهو القيم على القوات المسلحة بحكم منصبه، ردود أفعال شتى وافقت في أغلبها الرواية الرسمية للمجلس العسكري، أن الانقلاب من تدبير طرف من الحركة الإسلامية يهدف إلى استعادة توازن القوى السابق لانقلاب اللجنة الأمنية في ١١ أبريل على عمر البشير تحت ضغط القوى الجماهيرية. لذا استقبل قسط من الرأي العام خبر الانقلاب الفاشل باشمئزاز مبرر، فقدر البعض أن الانقلاب يدخل في باب سياسة "أبو القدح بيعرف محل يعضي أخو" والخير الذي ساقه الله ما دامت تداعياته الاعتقالات التي طالت قيادات عسكرية وأخرى من راية الحركة الإسلامية. طغت في كل حال المغصة المزمنة مع "الكيزان" وسارع المجلس العسكري إلى التسويق لهذه الرواية لأمر في نفسه وهو المتهم كذلك بمهادنة الإسلاميين، فبطش المجلس بالإسلاميين بالقوة العارية صار له شهادة تزكية ومدخل للقبول الشعبي وهو الوالغ في دم الثوار حتى قال بعضهم أن نصرة قائد المليشيا حميدتي في هذه الواقعة فطنة سياسية ما دام العدو مشترك. جاء آخرون بعقيدة المراحل فحلف اليوم مع حميدتي تبرره المصلحة المشتركة في كسر شوكة الإسلاميين ومتى جاء الغد الخالي منهم تيسر هزيمة الأخير بضربة أخرى للثورة وماشين في السكة نمد. اختصرت هذا الاشمئزاز الدكتورة مروة بابكر بجمع مدردم الجيش والأمن والمليشيا والإسلاميين في ليمون واحد عمدته "الجنجكوز" وكفى. 
في هذا السياق لم يفز الفريق هاشم بأذن تسمع مقاله وأحرجته ستارة الماركازيت شبه الشفافة المعلقة على الشباك خلف مقعده وضوء عمود النور الأصفر الذي تسرب عبرها أكثر. خاب معاونو هاشم في صناعة الصورة في عصر المشهدية هذا وقد صارت مقياسا للفضل لا العبارة. برر هاشم انقلابه بتلكؤ المجلس العسكري برئاسة زميله عبد الفتاح البرهان في تحقيق أجندة ثورة ديسمبر التي انحازت إليها القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وفق ما جاء في بيانه. ووعد بتصحيح هذا المسار الذي كاد يعصف بالسلم الاجتماعي في عبارته بخطوات تبدأ بتولي القوات المسلحة مقاليد الحكم وحل المجلس العسكري الانتقالي برئاسة البرهان وتكوين عسكري انتقالي جديد يحل مكانه ومجلس تشريعي يضم حكماء البلاد وشباب الثورة يشاركه الحكم عدا "مكون النظام البائد". وعد هاشم بحل المؤتمر الوطني وأيلولة دوره وماله لجهاز الدولة وأعلن في فقرة منفصلة "لا إقصاء أو عزل سياسي أو فكري أو عقائدي أو إثني لأحد إلا ما تقتضيه إجراءات العدالة والمصلحة العليا للوطن" كما وعد ضمن قائمة طويلة مأخوذة من الخير والإيمان السياسي بإعادة هيكلة جهاز الأمن الوطني والمخابرات ومراجعة كافة القوانين المقيدة للحريات بما في ذلك قانون الجهاز وتحقيق السلام مع الحركات المسلحة وإرساء دعائم الدولة المدنية وتحقيق التنمية المتوازنة إلى آخر القائمة التي طابقت أدب معارضة الإنقاذ من لدن مواثيق أسمره. غابت عن القائمة الورعة مقاصد الشريعة والذي منه، مفاهيم أطاحت بها ممارسة الحركة الإسلامية مبنى ومعنى وصارت في الوعي العام صنو الفساد والاستبداد الذي يقع وزره على "الكوز" في أي عباءة جاء. 
سربت قوى الحكم للرأي العام مشهدا من مساءلة دارت بين الفريق هاشم ومحقق محجوب الصورة، عرف الناس من صوته أنا غالبا قائد المليشيا حميدتي، في مكتب الأول كما يبدو. حلل الفريق هاشم بالقسم الغليظ قيادات في الحركة الإسلامية من مسؤولية الانقلاب وذكر منهم علي كرتي والزبير محمد الحسن ونافع علي نافع. قال بلغهم خبر الانقلاب و"ضربوا لي" يصرفونني عنه لخطره والدم الذي قد يسيل من جراءه. قال هاشم عن نفسه في التسريب أنه "حالف" حركة إسلامية منذ أن كان ملازما، وانتهى ما لزم الجمهور هنا من المقابلة. لم يشرح المجلس العسكري للرأي العام كيف أتيح لمن هم في حبس كوبر الإلمام ببواطن الصراع في الثكنات ثم الاتصال برموزه لإثنائهم عن سكة المغامرة الخطرة. تصب كل هذه الدلائل المنتقاة في التفسير الكيزاني للتاريخ فالصراعات داخل الجيش والأجهزة الأمنية بهذا التقدير استمرار لديالكتيك الرئيس والحبيس و"مفاصلة" تلو الأخرى في تراكيب أميبية مبهمة لا طائل من فضها والأحسن أن تعصف بأطرافها جميعا داهية واحدة والسلام. الوجه الآخر لهذا التفسير الأحادي هو أسطورة المدفعية عطبرة، وجوهرها الأمل في كتلة من الضباط الأفذاذ لا بد من وجودها، ينهضون في ساعة الحارة كما الأولياء لمهام الفداء. لكن المدفعية عطبرة كما حملة إنقاذ الجنرال غردون تأتي ولا تأتي، وإن أتت، متأخرة، وترتد على عقبيها. أراد الفريق هاشم ربما أن تتحقق تحت قيادته الأسطورة وتعيش بعدها البلاد في ثبات ونبات. أليس هذا هو وعد كل انقلاب بما في ذلك انقلاب البشير نفسه ثم انقلاب اللجنة الأمنية التي أطاحت به وبينهما انقلاب ود إبراهيم في ٢٠١٢؟ 
على سلامة كثير من حيثيات التفسير الكيزاني التاريخ قد لا تكفينا بمفردها في فهم المسارات التي اتخذتها "بولتيكا الثكنات" بعبارة الدكتور عبد الله علي إبراهيم وقد أفرخت فينا المليشيا كحقيقة اجتماعية وسياسية وعسكرية. صح استنكار هذه الحقيقة وقد حاصرت المليشيا المدينة الثائرة وقابلتها بالرصاص لكن ليست مما يزول بالأماني على طريقة انقلاب جنجكوز على آخر كما قالت الشاعرة والحصيلة المرجوة صفر السلامة. ليست مليشيا حميدتي هي الأولى لكنها الأعظم والأكثر نجاحا والتي استطاعت اختراق الدولة المركزية حيث فشلت قوى متمردة على سلطة الخرطوم. أوكل ضباط عظام مثل هاشم منذ ثمانينات القرن الماضي القتال ضد القوى المسلحة التي خرجت على الدولة لمجندين جاءت بهم ضرورات البقاء وتناقضات الاقتصاد السياسي للريف الحربي إلى الجندية بالمشاهرة. من ذلك القوات الصديقة من النوير التي جندها ضباط نميري لقتال الحركة الشعبية لتحرير السودان في أعالي النيل والتكوينات القتالية التي نشأت بين المسيرية في منتصف الثمانينات ردا على هجوم الحركة الشعبية على القردود في جنوب كردفان وكذلك بين الرزيقات في جنوب دارفور ثم توسعت بتمويل وتسليح من حكومة الصادق المهدي وضمها الدفاع الشعبي تحت السلطة الجديدة بعد انقلاب ١٩٨٩والجيوش المضادة للحركة الشعبية لتحرير السودان، مليشيا الفراتيت بقيادة التوم نور دلدوم التي تولت تأمين واو ومدن شمال بحر الغزال على أساس ميثاق مع القوات المسلحة أجازته الجمعية التأسيسية في ١٩٨٧  والمنداري الذي حرسوا شريط النيل لضمان سلامة البوارج بين بور وجوبا. 
سلف حميدتي الأقرب بهذا التقدير هو جنرال الخلا باولينو ماتيب، قائد قوة دفاع جنوب السودان، التي تولت عن القوات المسلحة حربها ضد الجيش الشعبي لتحرير السودان و"إخلاء" مناطق أعالي النيل الغنية بالبترول من السكان بعمليات "الأرض المحروقة" الممنهجة. بينما كان ماتيب طرفا أساسيا في الحرب لم يجد مكانا في طاولة المفاوضات التي وسعت فقط حكومة السودان والحركة الشعبية لكن اندرج لاحقا في رابط خصمه الجيش الشعبي عبر إعلان جوبا عام ٢٠٠٦. مثل إعلان جوبا المقتضب في واقع الأمر قاعدة السلام الموؤد في جنوب السودان حتى انفجر الحلف بين طرفيه مرة أخرى في الحرب الأهلية الجنوب-سودانية في ديسمبر ٢٠١٣، حرب الثكنات بعبارة الدكتور محمود مامداني. تمكنت الخرطوم بفضل استقلال جنوب السودان من التخلص من عبء المليشيات الجنوبية التي ترعرت تحت إمرتها لتنافس ما استطاعت على السلطة في الدولة الجديدة.
في مقابل ذلك، انتصرت مليشيا حميدتي في حربها ضد الحركات المسلحة في دارفور وكالة عن ضباط الخرطوم وقد استوعبت الدرس الماثل في مصير سابقاتها وأطاح حميدتي بمنافسه موسى هلال لتستقر لديه والحاشية الأسرية المحيطة به القيادة. فوق ذلك، استطاعت مليشيا حميدتي بفضل حرب اليمن اكتساب زبائن اقليميين جدد وانفتحت لها خزائن المال الخليجي بعدما شح ريع البترول في الخرطوم بانفصال جنوب السودان. فوق ذلك، وضعت المليشيا يدها على الجيوب الربحية في الاقتصاد الريفي البالي الذي تهاوت قطاعاته الإنتاجية جراء الإهمال المتطاول ثم الصراع المسلح، ما تعارفنا عليه باختصار التهميش، وحل محلها النشاط الريعي، بالدرجة الأولى تعدين الذهب. كما صار لها احتكار الابتزاز المسلح بمد سيطرتها على خطوط التجارة العابرة للحدود ومسارات تصدير الماشية من كردفان ودارفور إلى الجوار الإقليمي. مثلت هذه التحولات في الاقتصاد الريفي، ربما، الأساس المادي لعلاقات الاعتماد التي نشأت بين المليشيا وفئات من التجار خلف الستار السياسي للزعامة الأهلية ومن دخل حلفهم من المثقفين والمحترفين السياسيين. تقف هذه الكتلة اليوم في مقابل طبقة الحكم القديمة في الخرطوم، من ورثوا الدولة الاستعمارية بفضل رأس مالهم الرمزي والحلف السابق مع الرأسمالية الزراعية على عهد الحزبين الكبيرين ثم الرأسمالية التجارية في دولة البشير. 
ليس حميدتي بهذا فريق خلا والسلام بل علم لتحولات في الاقتصاد والاجتماع فاقت قدرة ضباط الجيش على الهندسة الاجتماعية وقد كان اعتمادهم الأساس في ذلك على عقيدة صمدية في مبدأ "فرق تسد".  تفوق الضباط على أنفسهم في هذا السبيل حتى تفرقوا هم وزالت سطوتهم سوى النشيد السمج بقومية القوات المسلحة ولم يرعوها حتى بلغت أزمة التجنيد مبلغا جعلت وزير الدفاع الأسبق، عبد الرحيم محمد حسين، يشكو إلى البرلمان تسرب الجنود إلى مناطق التعدين. قال الوزير في مايو ٢٠١٤ أن القوات المسلحة اضطرت لسد النقص في صفوف الضباط والأفراد في القوات المسلحة من قوات الدفاع الشعبي مقرا بعجز في التجنيد بسبب ضعف أجور الجنود وجذب التعدين. ما لم يقله الوزير وقتها أن لأزمة التجنيد جذر سياسي واجتماعي في الحروب الأهلية المتطاولة فالجندي مطالب على الدوام بالبطش بأهله في مناطق النزاع المسلح. كما لم يذكر أن المليشيا، وكيلا عن الحكومة كانت أو في معارضتها، تطرح على المقاتل علاقات عمل تبز القوات المسلحة درجات، أول ذلك ربما المشاهرة المرنة والموسمية التي تسمح بالجمع بين سبل شتى لكسب العيش والمساومة المستمرة على ثمن كل مهمة وشروطها. امتنع الوزير وقتها عن تقديم نسخة من بيانه لنواب المجلس وبرر ذلك بحساسية الشؤون الدفاعية وتخوفه من تسرب معلومات أمنية وعسكرية. 
يسهل بطبيعة الحال تسفيه المليشيا كملوث دموي للحياة الحضرية وردها إلى ريف فقد رشده وسكن العنف عقله الجمعي. لكن هذا التقدير الرائج يحجب الحقيقة الاجتماعية للمليشيا ونشأتها في التحول السكاني العنيف من الريف إلى الحضر. مثال ذلك سيرة محمد حمدان حميدتي نفسه. انتقل محمد الصغير في معية أسرته من بادية أهله المهارية ناحية كتم إلى نيالا بدفع انهيار الاقتصاد المعيشي في شمال دارفور جراء المجاعة التي ضربت كردفان ودارفور وشرق السودان منتصف الثمانينات ضمن موجة الجفاف التي أصابت الساحل الافريقي والتمدد الجارح للاقتصاد السلعي. تحولت فئات واسعة من المهارية من الرعي المعيشي إلى زراعة الدخن في نواحي مليط كما انتشرت فئات أخرى في دول الجوار، بخاصة ليبيا وتشاد، تسعى الوسائل للاندماج في الاقتصاد السلعي من خلال التجارة والعمل المأجور والإنتاج الصغير، ومنهم حميدتي نفسه. تقول تقديرات أولية أن ٤ من كل ١٠ بيوت في مليط صدرت أحد أفرادها الذكور للعمل في ليبيا. اخترق التسليع الاقتصاد المعيشي للمهارية وعالمهم الاجتماعي وأصبح رواد هذا الاقتصاد الجديد بينهم تجار ماشية عابرين للحدود الدولية، ومن هؤلاء أيضا حميدتي الشاب. بذلك ليس من الدقة رد حميدتي إلى بادية المهارية وكفى، والأقرب أنه من شحم نيالا المدينة والسوق الدولي التي صارت بحسب الإحصاء السكاني الأخير ثاني أكبر مركز حضري في البلاد بعد العاصمة الخرطوم. لا غرو إذن أن صعد نجم حميدتي السياسي أول ما صعد في مدينته نيالا وفيها جند عام ٢٠٠٣ طلائع المليشيا الخاصة به. 
لم يكتشف حميدتي المليشيا كصيغة ربحية لتنظيم العمالة المسلحة في جغرافية دارفور الحربية فقد سبقه إلى ذلك غريمه موسى هلال وبطبيعة الحال الحركات المسلحة المناوئة للسلطة المركزية في الخرطوم. لكنه استطاع بمهارة المساومة في السوق السياسي، مفهوم اجترحه آلكس دو فال لتمييز الزبائنية الحربية، وبحاسة المستثمر أن يستخلص من محاولات سابقيه، الصيغة الأصفى للمليشيا المدرة للدخل متعددة الأغراض والزبائن في بيئة جيوسياسية أصبحت فيها القوات المسلحة شريكة للمليشيا وليس قوة مهيمنة عليها. لم تكن مواجهة حميدتي مع الفريق هاشم في القيادة العامة بدعة في سيرته، ميزتها أن تناقلتها الشاشات، فقد وقف ندا لضباط عظام من قبل وعركهم. واجه ابن عوف وقت كان قائدا للاستخبارات يطلب رتب القوات المسلحة وهيكلها الراتبي لجنوده، وواجه عمر البشير يطلب قسطا من السلطة يوازي ما نالت حركة مناوي في ٢٠٠٦. ثم كاد أن يتمرد عندما تلكأ القصر وعسكر بجنده في محيط نيالا معتزلا القتال حتى عاد بشروطه في حصار حركة العدل والمساواة للفاشر عام ٢٠٠٨ وكان وقتها عماد الدين عدوي قائدا لحاميتها. 
انعكست هذه الندية في تركيب اللجنة الأمنية، اختراع حكومة عمر البشير لتنسيق عمل الأجهزة القسرية، وهي هيكل هرمي من قيادات القوات النظامية من مركز السلطة حتى أدنى مستوياتها المحلية، وعبرها تجري عمليات اتخاذ القرار بخصوص الأمن الداخلي، كان يرأسها في قمة الهرم البشير وفي كل ولاية الوالي وفي المحلية المعتمد. بدخول قادة الدعم السريع اللجان الأمنية نفذت المليشيا إلى هيكل الدولة القسري وانكشف لها المستور الذي فضل الوزير عبد الرحيم أن يحجبه عن برلمان "الملكية". جيرت اللجنة الأمنية منذ عهد البشير الحزب الحاكم فصار لها فرعا للتوجيه المعنوي في أفضل الأحوال ومخزنا للسياسيين ثم لفظته وتنكرت في انقلاب ١١ أبريل ترمي عليه كل رذائل الإنقاذ إلا اللمم القليل من شاكلة "حدس ما حدس". على كل، يبدو من تصريحات رجال اللجنة الأمنية الذين اهتبلوا السلطة أن خطتهم تطويع قوى الحرية والتغيير لتلعب ذات الدور الذي كان يلعبه المؤتمر الوطني تحت قبة السيادة الأمنية. في هذا الخصوص أبدى الفريق البرهان على سنة سلفه الضباط الحكام من لدن الحاكم العام تأففا من الحكم البرلماني الذي اعتبره ردة إلى ماض من الصراعات الحزبية غير ذات الطائل. 
لكن أليست لجنة البرهان الأمنية أو مجلسه العسكري الانتقالي ذات صيغة الحكم التي أفرخت انقلابا تلو الآخر بما في ذلك انقلاب الفريق هاشم وأليست هي ذاتها الصيغة التي أنجبت المحاصصات الإثنية والقبلية تحت حكم البشير وأليست هي التي أفرخت المليشيا كتكنولوجيا لإدارة قوى العمل الفائضة في الاقتصاد الريفي المتهاوي؟ وأليست هي المسؤولة عن تزكية الحلول الأمنية لكل أوجه الصراع الاجتماعي في البلاد بما في ذلك مظاهرات تلاميذ المدارس في الأبيض هذا الأسبوع وأليست هي التي أحلت دم مواطنيها في الريف والحضر متى خالفوا لها أمرا، فالرباط الذين بين الدولة والمواطن عندها ينعقد وينحل بالرصاص. اتخذ الفريق هاشم في واقع الأمر ذات طريق البرهان ومن قبله البشير فوعده الذي لم يحسن التعبير عنه هو التحرير من المليشيا التي لم يأت على ذكرها حين عرف سلطته المأمولة. قال الفريق هاشم في بيانه أن القوات المسلحة، دون غيرها من أطراف اللجنة الأمنية، هي التي استلمت السلطة بالانقلاب الرقمي الذي قاده واندحر. لكن، أيمكن هيكليا التحرر من سلطة اللجنة الأمنية، أو قل جهاز الدولة القسري، بموالاة طرف على آخر أو بنصرة ضباط الكلية على ضباط الخلا أو ضباط الحركة الإسلامية على ضباط "المدفعية عطبرة" الأسطوريين؟ إذا كان القياس رابطة النطفة والعلقة ربما جاز تفضيل ياسر العطا على عبد الرحيم دقلو باعتبار الأول من رحم هاشم سيد الاسم والثاني من فصيل "العقل الرعوي" بعبارة النور حمد. لكن أليس هذا قياس مؤتمر الخريجين الذي أورثنا طريق الآلام من لدن "السودنة" وما اكتفى فعاد اليوم والحال ثورة على البالي والقديم ينادي بالكفاءة لا السياسة؟  
إن عبرة التجربة مع سلطة الجهاز القسري للدولة في تخريجاته المختلفة أنه معاد للحرية ولو كان بابها ضيقا مثل الذي نفذن منه تلميذات الأبيض؛ وأنه معاد للوطنية التي صدح بها الآلاف في الشوارع فقابلهم بالمدافع الرشاشة؛ وأن قراره رهين بالقوى الدولية التي تمد له وتصون كيانه بالتمويل والتسليح، أكانت الولايات المتحدة ومصر على عهد النميري، أو كشكول تحالفات البشير أو السعودية والإمارات في عصر البرهان/حميدتي الراهن؛ وأنه مكمن للفساد المالي ومعمل لشراء الذمم كما تشهد عليه تقارير المراجع العام لسنوات مضت متى حضر فيها ومتى غاب بتمنعه على التدقيق وكما تشهد عليه قوائم الشركات المنتفخة بالعقود الحكومية التي كلما طردها من الباب قرار سياسي عادت بالشباك أكثر عددا تناسل منشطرة ومنقسمة الواحدة عن الأخرى؛ وأنه غير مؤتمن على حفظ حياة الناس ومعاشهم يواجه كل خلجة، ولو نملة احتجاج في شارع طرفي في حي قصي، بفأس العنف المميت ليس لديه سواه؛ وأن مكوناته ولو تنافرت تتماسك الحزز متى طال التهديد احتكارها السلطة ووسمها اليوم "السيادة". 
لربما أدرك الفريق هاشم ورفاقه وقد دارت عليهم الأيام فقام عليهم فريق خلا يأمر وينهى ويقيل ويعين ويعتقل وثار عليهم الجند مفضلين المليشيا الخصوصي وحوافزها على الميري العمومي وقواعده أن الضباط قد أفسدوا مهنتهم. تسرب من بين أيديهم احتكار العنف والسلاح وزال عنهم "شرف الكاكي" بل تدهورت حتى رتبهم وازبليطاتهم وما إلى ذلك، فالفريق منهم اليوم في مرآة الرأي العام شاويش الأمس يزيد أو ينقص، كبرت المكاتب وتواضعت المراتب. إن أراد ضباط الجيش الانتصار لأنفسهم فالطريق لا يمر بالقصر وكبرى الانقلاب وإنما بالشعب وشارع الحرية، عليهم الاستماع إلى النشيد المدوي الذي يتردد في كل شارع أمس واليوم وفي غد، "مدنياااااو" ونصرته؛ عليهم شفاء ما بهم بانتشال مهنتهم من سخام السياسة السلطوية والوصاية على شعب حر صاحب قرار فحريتهم من حرية شعبهم؛ عليهم الانقياد للإرادة الديمقراطية التي تتجلى بالمدافعة في ميدان السياسة وتحت رقابة الرأي العام وليس في حجاب الثكنات. صلاح القوات المسلحة، إن كان من عبرة تستقى من ورطة ضباطها، في فتح الثكنات وملفاتها ودفاتر حساباتها إن وجدت واتفاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية لضوء التداول الديمقراطي الكاشف وليس في "ممنوع الاقتراب والتصوير". لقد انكشفت البخرة وانتهى الامتحان فيا جيش: أرفع يدك فوق التفتيش بالذوق! 

Friday, 19 July 2019

Sudan’s Power-Sharing Agreement: Towards Transition or a Game of Tajility?

A short piece on the Corinthia deal between the ruling junta and the Forces of Freedom and Change published by the Arab Reform Initiative.

Sunday, 14 July 2019

الثورة مستمرة: هل تجاوز المحتوى حدود العبارة؟

تنعقد وتنفض جلسات التفاوض بين المجلس العسكري وقوى الحرية التغيير وبينهما وسيط عن الحكومة الإثيوبية وآخر عن الاتحاد الافريقي. تناقلت الأخبار أكثر من عقدة تحول دون الوصول إلى اتفاق بين الطرفين، الاتفاق الذي ظل محل اختبار في الرأي العام كلما رشحت عنه تفاصيل. بالموازاة مع مفاوضات المجلس العسكري ولجنة الحرية والتغيير في فندق كورنثيا بالخرطوم ابتدرت أطراف من الحرية التغيير في أديس أبابا حوارا مع الحركات المسلحة التي ظلت على عداء حربي مع نظام البشير بغرض الوصول إلى صيغة ما تعيد هذه القوى إلى مظلة الحرية والتغيير. ذلك بعد أن عبرت الجبهة الثورية صراحة عن تحفظها على معادلة كورنثيا بيد الصفوة الخرطومية وبح صوتها بنداء إعادة هيكلة قيادة الحرية والتغيير لمقابلة المهام السياسية التي استجدت بعد إطاحة اللجنة الأمنية بالبشير تحت ضربات الجماهير الثائرة. 
في غضون ذلك خرج الحزب الشيوعي على الناس ببيان فصيح في نداء المقاومة فقير في استراتيجيتها. قال الحزب أن الاتفاق المرتجى، ولم يكتمل بعد، لا يلبي تطلعات الثورة ويرتد عنها صراحة وأعلن تبرؤه من المشاركة في سلطة المرحلة الانتقالية إن كان أساسها هو الاتفاق غير المعلن. لم يعلق الحزب على واقع أن ممثله صديق يوسف بين المفاوضين على الاتفاق ولم يجهر بانسحاب ممثله من التفاوض أو انسحاب الحزب من حلف الحرية والتغيير رغم التبكيت عليها. بذلك، يداخل بيان الحزب المزايدة أكثر منه نصر الثورة بالخط السياسي السديد. 
تستغرب أستاذية الحزب هذه في مضمار سياسة البرجوازية الصغيرة الهتافية وهو الأمين، على الأقل بنسبته إلى الشيوعية السودانية الغراء، على مصالح الطبقة العاملة ومهمته فتح الطريق لنشاطها الثوري من موقع مستقل في سكة الثورة الوطنية الديمقراطية والاشتراكية "من واقعنا ما من أكتر". تبرؤ الحزب من كورنثيا إذن، وإن وافق المزاج الجماهيري المخالف للتسريبات من الفندق، يحمل شبهة التربص بالحلفاء لا الراديكالية بقوة المساكين. شغل الحزب بالدرجة الأولى هو تزكية خط سياسي للطبقة العاملة ومن دخل حلفها من المنتجين الزراعيين وابتكار صيغ تنظيمية لنشاطها، المنظمة الجماهيرية في تجربة الحزب، فإن أفلح في ذلك كان ملء "هدومه" وإن تعذر عليه كان فصيلا مهرجلا للبرجوازية الصغيرة لا فضل له على فصائلها الأخرى سوى تراثه. 
ما معنى كورنثيا إذن؟ كأي اتفاق بين متنافسين في خصومة على السلطة يعبر ما رشح حتى الآن عن اتفاق كورنثيا (والنسبة للفندق الفخم على شاطئ النيل السعيد في موقع حديقة الحيوان القديمة حيث تجري المفاوضات من اختراع أحمد محمود) عن توازن القوى بين الطرفين، المجلس العسكري وتحالف قوى الحرية والتغيير. وجه الصعوبة الأساس أن ميزان المعادلة بين الإثنين لما يستقر بعد ولذا يسعى كل منهما ما يزال لكسب نقاط ضد الخصم في دورة من التكتيكات قصيرة المدى. لكن ما القوى الاجتماعية التي يتوسل الطرفان التعبير عن مصالحها وأي موقع في الصراع الاجتماعي يشغلان، وهل من تفسير لسلوكهما السياسي؟ 
أغنانا فيلسوف الثورة المضادة صديق متولي عن المطال في تشخيص القوى التي تولت الحكم في انقلاب ١١ أبريل وهو القائل "حبيناك يا برهان واخترناك يا حميدتي"، فاللجنة الأمنية التي أزاحت عمر البشير هي قيادة القوى القسرية لجهاز الدولة عارية من كل غطاء، هي حزب الجندية. لا غرو إذن أن قابلت الجماهير هذه التشكيلة بنداء "مدنيااااااو" في مقابل العسكرية فالتناقض بين المدنية والعسكرية في هذا التقدير هو الصيغة الراهنة لمتقابلات أخرى، الحرية والجبر، الديمقراطية والديكتاتورية وكذلك العدالة الاجتماعية والاستغلال. ميز ماركس في الثامن عشر من برومير لويس بونابارت، كتابه الفاتح عن الثورة والثورة المضادة في فرنسا الثورية، السلطة التي تهيأت للويس نابليون بالانقلاب العسكري على الجمهورية الثانية في ١٨٥١ باعتبارها نتيجة موضوعية لتوازن الضعف بين الطبقات الاجتماعية المتصارعة. قال ماركس أن الطبقات الاجتماعية التي تهيأ لها وعيا سياسيا بذاتها في خضم الأزمة الثورية عام ١٨٤٨ عجزت عن فرض إرادتها السياسية منفردة ما سمح لجهاز الدولة القسري بالاستقلال النسبي عنها تحت شعار "دولة القانون". 
كتب ماركس أن انتصار الانقلاب كان انتصار للديكتاتور الفرد على البرلمان، انتصار السلطة التنفيذية عل السلطة التشريعية، وقد كان "البرلمان مكانا تترجم فيه الأمة إرادتها قانونا، أي تترجم فيه الطبقة الحاكمة إرادتها قانونا." في المقابل، اعتزل البرلمان السلطة وكل إرادة خاصة به وخضع لأمر إرادة غريبة، للسلطة. زاد ماركس، "يبدو أن فرنسا قد فرت من استبداد طبقة حاكمة لتقع تحت استبداد فرد، استبداد فرد لا سلطة له. انتهى الصراع بتسوية تخر بموجبها جميع الطبقات المتساوية في عجزها وشللها على ركبها أمام كعب البندقية." لم يوفر ماركس نقدا لقيادات القوى الاجتماعية التي خارت إرادتها المستقلة أمام كعب البندقية بما في ذلك البروليتاريا التي قادتها اشتراكية طوباوية في حلة قومية إلى الانتحار السياسي بما في ذلك الاصطفاف خلف الامبراطور. 
عند ماركس لا قوام للاشتراكية الطوباوية التي شغلت أحلام البروليتاريا الفرنسية ساعة الأزمة، رغم فعالية الإلهام الذي بثته، لأنها من مادة الفانتازيا ولا جذر لها في وقائع الصراع الاجتماعي. عن كتابات رواد هذه المدرسة الاشتراكية قال ماركس أن قيمتها كانت دعائية في الأساس مثل الروايات الشعبية، ومثل كل تصور طوباوي زائلة وعابرة. احتفظ ماركس ببغض خاص للمتهمين عنده بالترويج للتصورات الطوباوية في عكر الأزمة وقال إن العبارات والتصورات الطوباوية، على إلهامها، تتستر على نقص في المحتوى التحرري في عالم الوقائع. لكن ميزة ١٨٤٨ على خلاف ثورات القرنين السابع والثامن عشر أن محتواها كان واقعيا لدرجة لا تستطيع العبارة الطوباوية الإحاطة به، فالمحتوى، في حرف ماركس، تجاوز العبارة. لذلك، كان ماركس قاسيا تجاه الثوريين الذين اتهمهم بالاحتطاب في صيغ الماضي وبعثها بدلا عن الاستثمار في المستقبل وبالتالي تفادوا التسوية الجذرية للأزمة القائمة بين يديهم. 
فوق ذلك، بين ماركس ألا أهمية لعدم القدرة على صياغة المستقبل في عبارة الحاضر لأن محتوى الثورة، وقد فجر المعهود والموروث وأحال كل ذلك إلى ركام، قادر على جذب النصرة دون عون من اللحن الطوباوي، سنبلة وجراد. بذلك تجاوز محتوى ثورة القرن التاسع عشر العبارة بمعنيين: المعنى الأول أن معرفة هذا المحتوى كان مما لا يقدر عليه أيا كان، والثاني أن بهاء المحتوى القادم نفسه كان مما لا يمكن الإحاطة به بقاموس الحاضر، ويتطلب نقلة نوعية في التعبير غير متاحة حتى لطائر الشعر. على هذا الأساس، خلص ماركس إلى أن محتوى الثورة الاجتماعية في القرن التاسع عشر حكم بنهاية الاشتراكية الطوباوية، إذ لم تعد البروليتاريا في حاجة فانتازيا المستقبل المزدهر التي يبثها أنبياء طوباويون للانخراط في ثورتهم التي تعد بمحتوى يذهل كل محاولة لتأطيره في عبارات حالمة. 
كتب ماركس في هذ الشأن: "بدلا عن الإيمان بحتمية النصر من موقع النشوة، تنخرط الثورات البروليتارية، مثل ثورات القرن التاسع عشر، في نقد ذاتي دائب، تقف عند كل خطوة وترتد لكل ما بدا أنه اكتمل لتعيد تشكيله من جديد وتهزأ بقسوة بربرية من نواقص محاولاتها الأولى ونقاط ضعفها وجوانبها المثيرة للشفقة، تطيح بخصومها فيستقي هؤلاء قوة جديدة للمواجهة كأنهم عمالقة، لتعيد الكرة مرة وأخرى وهي تستقي من السعة المذهلة لأهدافها حتى ينشأ وضع يستحيل معه التراجع". منشأ قوة الثورة البروليتارية عند ماركس هي رفض البحث عن ملجأ في الاعتقاد في معجزات، ورفض التعوذ من العدو براتب الفانتازيا الثورية ورفض التضحية بإدراك الحاضر وفهم تعقيداته بتبجيل المستقبل.
تجذر الثورة في محل التصورات الطوباوية التي تضفي على الوقائع بريقا كأنها جواهر فهما للحاضر يعيد البروليتاريا مرة وأخرى من إذهال مهامها الكبرى. وفي محل العبارات التي تتستر على فقر ما هو مطروح يتجاوز المحتوى الواقعي للثورة ويتحدى كل محاولة للإحاطة به. الثورة، في تقدير ماركس، لا تتستر ولا تخادع نفسها بالفانتازيا ولا تتجنب الحلول الحقيقية، وما محاولة التوسل للبروليتاريا بالصور الفانتازية سوى سخف وابتذال ورجعية! يا كارل ماركس، ولسانك، كأنك مناضل في لجان المقاومة. 


Friday, 5 July 2019

Sudan's season of revolution

A article for ROAPE here.
"Whatever the outcome of the negotiations between the TMC and the FFC, now mediated by the African Union (AU) and the Ethiopian government as well as a cohort of Western diplomats including newly reappointed US envoy to Sudan, Donald Booth, the course of the Sudanese revolution is for the now in the hands of the ‘resistance committees’. Some have claimed local authority in their neighbourhoods toppling the petty autocrats of the Bashir-era ‘popular committees’ and are refashioning micro-authority to fit an emancipatory zeal. The question remains, will they be able to translate this zeal into mass political action that can take on the brutal machinations of the Sudanese state?"


Sunday, 23 June 2019

محمد مرسي شهيد الانتخاب

فارق الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي الحياة في قاعة محكمة السيسي السفاح يوم الإثنين الماضي ١٧ يونيو، غادر هذا العالم بعد ستة أعوام قضاها في تعذيب الحبس الانفرادي، منذ عزله بالانقلاب العسكري في ٣ يوليو ٢٠١٣. أوردت جريدة الأهرام، لسان حال الدولة المصرية، خبر وفاة الرئيس المنتخب باقتضاب شديد في صفحة الحوادث والإجرام، فهو في حساب الدولة متمرد عدو استحق الإعدام بتطفله الانتخابي على مقعدها الأول، وشرعيته لا يعتد بها بل ليست إلا وجها من تهافت الديمقراطية المصرية الموءودة ودليلا على عدم استعداد الجموع التي انتخبته لحقوقها، فقد وقع رأيهم في تقدير الدولة على الاختيار الخطأ. 
لم يشف سقوط مرسي ميتا في قاعة المحكمة غليل الدولة المصرية فمدت يدها إلى الجثة. أوصى مرسي بدفنه في مقابر أسرته بمسقط رأسه في قرية العدوة بمحافظة الشرقية. لكن الدولة رأت غير ذلك وقامت السلطات بدفنه في مقابر "الوفاء والأمل" في مدينة نصر التي تضم كبار زعماء الإخوان المسلمين في طرف منها اشتهر باسم مقبرة "المرشدين" تحت حراسة القوى الأمنية. عند الدولة المصرية مرسي الميت أخ مسلم حي، ومكانه بين مرشدي الإخوان المسلمين، فجواره المرشد الرابع محمد حامد أبو النصر والخامس مصطفى مشهور والسابع محمد مهدي عاكف، الذي قضى هو أيضا في سجن السيسي عام ٢٠١٧. ظل مرسي الجثة في حبس الدولة لم تفرط فيه لكن أجازت لأفراد أسرته إلقاء نظرة أخيرة على الجثمان والوقوف على غسله والصلاة عليه خلف حائط السجن. 
لم أجد من أهم أعف في الخصومة مع مرسي من الاشتراكيين الثوريين، الفصيل اليساري المصري عالي الهمة، وقد سبقوا سواهم إلى تشخيص انقلاب السيسي في ٢٠١٣ بأنه عين الثورة المضادة وأن كان ستاره الدعائي مقارعة حكم الإخوان. نعى الاشتراكيون الثوريون مرسي باعتباره رئيس مصر المنتخب وليس خصم سياسي وكفى مع تأكيدهم على خلافهم مع جماعة الإخوان وفكرها. وصنفوا إعدامه الذي استمر لست سنوات ضمن الحملة الدموية التي يشنها السيسي منذ انقلابه على كل صوت مصري لا يسبح بحمده، إخوان وسواهم، منذ فض اعتصام رابعة في ١٤ أغسطس ٢٠١٣، يوم حصد سلاح الدولة أرواحا تزيد على ٦٠٠ من المعتصمين وأصاب الآلاف منهم. 
قارن الاشتراكيون الثوريون بين محاكمات مرسي المميتة والدلال الذي أحاطت به الدولة مبارك وحبيب العادلي وآخرين من كارها، برأتهم جميعا بينما حمل مرسي ذنب الانتخاب كصليب حتى مات به، ودعوا إلى تشكيل جبهة عريضة لإنقاذ آلاف المعتقلين في السجون المصرية مهددين جميعا بمصير مرسي أكان ذلك بالحبس الانفرادي أو الإهمال الطبي، بلغ عددهم بحسب تقديرات حقوقية الستين ألفا. يواجه الإخوان في مصر بذلك تهديد التصفية، المصير الذي أعده النميري للشيوعيين السودانيين بعون مصري في أعقاب انقلاب ١٩٧١ وقبلهم المصير الذي حكم به سوكارنو على الحزب الشيوعي الاندونيسي بعون أميركي في ١٩٦٥-١٩٦٦. اتهم جنرالات الجيش الاندونيسي وعلى رأسهم سوكارنو الشيوعيين بعد أن انفض الحلف بين الإثنين بالإعداد لانقلاب عسكري وأجهزوا عليهم في حملة دموية منهجية حصيلتها أرواح ما لا يقل عن ٥٠٠ ألف لم ينهض منها الشيوعي الإندونيسي بعدها وقد كان في ١٩٦٥ حزبا جماهيريا عضويته تفوق الثلاثة ملايين. 
في الخرطوم، أم زعيم المؤتمر الشعبي إبراهيم السنوسي ومن خلفه الطيب مصطفى ومحمد علي الجزولي الصلاة على مرسي في جامع السيدة سنهوري. قال السنوسي في كلمة بعد الصلاة أن مرسي مات شهيدا وجريمته أنه جاء للحكم بالديمقراطية. لم تنعقد في عقل السنوسي، دع عنك حديثه، المقارنة بين شهادة مرسي المنتخب وبين شهادة مواطني بلاده الذين سقطوا برصاص جهاز الدولة في الأشهر القليلة الماضية في طلب الحرية، ولم يجد في هذه ولا في تلك العبرة. ومن أولى بالعبرة من الإسلاميين الذين زينت حركتهم لنفسها الطريق إلى الحكم بلانقلاب العسكري واختارت قمع الخصوم والسياسة الحربية سننا حتى تبضعت شيعا ورفضها الناس بالكلية لسان حالهم شعار الثورة "أي كوز ندوسو دوس". أما الطيب مصطفي، فهو مثله وأبواق الدعاية المصرية، لم تمنعه حرمة الموت عن التبكيت على الخصوم السياسيين، بل نادى جهارا المجلس العسكري لفض اعتصام القيادة وسفك الدم لا ديمقراطية ولا ما تدعون. 
يعيد موت مرسي في محكمة السيسي السؤال عن الديمقراطية وجدواها عند صفوة سياسية لا ترى منها سوى نتائج الانتخابات ولا تعطي كثير قيمة لوعدها الجذري في تمكين الناس من حكم أنفسهم، الوعد الذي كان مدخل الشيوعيين السودانيين إلى تزكية الديمقراطية البرلمانية على عثراتها كطريق لنصرة الكادحين في طلب الاشتراكية. خالف حزب عبد الخالق بهذا الموقف صراحة عقيدة الرفاق السوفييت في الديمقراطية الموجهة التي يديرها حزب طليعي وديكتاتور مرشد كما يتفق ودفع ثمن ذلك من عزيز الحياة كما الرفاق في غابات الملايو. 


Monday, 17 June 2019

يوميات الثورة المضادة: ما برضى شيتا يقلبو

شعت التلفزيونات ووسائل التواصل الاجتماعي يوم الأحد ١٦ يونيو بصور عمر البشير في أحسن هندامه يحيط به الجند في رفقة آمنة من سجن كوبر إلى نيابة مكافحة الفساد في العمارات حيث وجهت له النيابة تهما بموجب مواد قانونية تتعلق بحيازة النقد الأجنبي والثراء الحرام والحصول على هدية بطريقة غير قانونية. نقلت وكالة الأخبار الرسمية سونا أنه تم توجيه التهم إلى البشير بحضور ممثلي الدفاع عنه وفيهم أحمد إبراهيم الطاهر ومحمد الحسن الأمين وهاشم أبو بكر الجعلي جزاهم الله عن العدالة خير الجزاء. حملت البشير المتهم في رحلته القصير بين كوبر والعمارات عربة رباعية الدفع بيضاء كجلبابه الناصع، لا تقل رفاها عما اعتاد عليه وهو على سدة الرئاسة. 
تلقى جهاز الدولة القسري زعيمه السابق بوجهه الناعم، بالإجراءات، بينما قابل المعتصمين الذين لم يخدشوا حياء القانون بجرم سوى الحياة بالعقوبة الناجزة، القتل خارج إطار القانون. البشير الذي استنفذ كتالوج الجرائم حتى لم يعد للشيطان ما يوسوس له به دخل وخرج من النيابة بكرامة المتهم البريء حتى تثبت إدانته يتقافز حوله الزبانية وضحاياه أحياء وأموات لا يمكن إحصاءهم، فما العدل يا ترى؟ كنا على عهد اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان حدثنا أنفسنا بالعدالة الانتقالية واجتهد بيننا كمال الجزولي المحامي في تخريج صيغة سودانية لهذا المنهج في طلب النجاة الجماعية من الظلم متخيرا من تجارب الشعوب الأخرى ما قد يسعفنا في هذا السبيل. نُحرت العدالة الانتقالية ضمن ما نُحر من وعود السلام الشامل عند أقدام السلطة إذ ركل الشريكان، المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، ميزانها ولما ينصب بعد. 
خرج منا عمر البشير الفرد وترك فينا دولته الأمنية وفن حكمه، فن ورث صاحب المليشيا الفريق أول حميدتي صيغته الأصفى. استقبل حميدتي في يوم صورة الرئيس رجالات الإدارة الأهلية والزعامات القبلية من كافة جهات البلاد ضيوفا عنده، منامهم في معرض الخرطوم الدولي الذي تحولت صالاته إلى ديوان عظيم. خاطب حميدتي ضيوفه حيث انتهى البشير، كسلطان ناجز الوعد يطلب النصرة. قال حميدتي لضيوفه أنه حريص على تشكيل الوزارة في أسرع وقت ممكن خوف الفراغ في مركز السلطة واتهم جهات لم يسمها بتوريط قواته في مجزرة القيادة فقال كانت فخا كما لوح بالتراجع عما انتهت إليه المفاوضات مع قوى الحرية والتغيير ليعد رجالات الإدارة الأهلية بمقاعد برلمانية ومكرمات نافذة متى نصروه. كان حميدتي قد اجتمع بأطراف من الإدارات الأهلية في ٤ مايو الماضي حيث أشار وقتها إلى ضرورة مشاركة "الجميع" كون "الشعب" السوداني هو الذي أحدث التغيير وانحازت إليه القوات المسلحة. 
كسابقه البشير، يتدثر حميدتي بصيغة شعبوية من الوطنية لحشد قاعدة للحكم من مواقع الرجعية الريفية. لم يكتشف حميدتي في هذا الخصوص جديدا فقد جرب قبله الاستعمار الإنجليزي في آخر عهده أن ينشئ تحت رعايته حزبا للنظار والعمد والمشايخ على يد إبراهيم بدري، الحزب الجمهوري الاشتراكي الذي عده الناظر إبراهيم مادبو وسيلة لصون مصالح الإدارات الأهلية في مقابل حلف الأفندية والسيدين، علي الميرغني وعبد الرحمن المهدي. موقف النظار اختصره الشاعر محمود الفكي في قوله الفكه: ناظر العموم مادبو الحكم الثنائي بحبه، ما برضى شيتا يقلبو. 
يريد الفريق حميدتي تأديب المدينة السودانية، وقد خرجت لمقاومة الدولة الأمنية، بصف ريفي، المليشيا من جهة والبطريركية القبلية من أخرى، ذلك تحت راية بونابارتية إذا جاز التعبير. والمقصود نابليون الثالث، لويس بونابارت الذي اقتنص الحكم في فرنسا بالقوة العسكرية في العام ١٨٥١ في أعقاب ثورة ١٨٤٨ التي أطاحت بحكم لويس فيليب ودشنت عصرا من الصراع الطبقي المفتوح كان أوجه انتفاضة يونيو التي حصد فيها الجيش أرواح الثوار الراديكاليين من عمال باريس عند المتاريس. تصدى لويس بونابارت لفتوح ١٨٤٨ بالانقلاب العسكري تحت شعار "الدين والأسرة والملكية هم الأساس الأبدي للنظام الاجتماعي" وقاعدة اجتماعية ريفية قوامها الملاك الزراعيين وصغار الفلاحين المتضررين من ارتفاع الأسعار وأصحاب الحوانيت، أو كما قال ماركس في تحليله المانع للأزمة الثورية في ١٨٤٨ وما انتهت إليه. عند ماركس لم تستطع أي من الطبقات الاجتماعية فرض إرادتها السياسية، لذا لم تمثل ديكتاتورية بونابارت أيا من الطبقات الثلاث الرئيسة التي خاضت الثورة، البرجوازية والبروليتاريا والبرجوازية الصغيرة، بل مثلت قوة جهاز الدولة القسري في حد ذاته واستقلاله البادي عن المجتمع وسيطرته عليه.


 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.