نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١٢٨ بتاريخ ٢٥ يونيو ٢٠٢٦.
عاش المرحوم عيسى الحلو (1944-2021) حياتَه على مَوجدةٍ، اختارته ربما في واقع الأمر وتعهَّدَها بوفاءٍ في ندرةِ العنقاء حتى فارق الفانية وقد اكتمل بَدْرُه ثمّ انحسَر. وشَكرَه العالم الذي توحَّشَ مِن حوله شكراً ربما استبشَرَ به دلالةً كوميديةً على هذه «الغربة». والكوميديا مزدوجُ التراجيديا الديالكتيكي.
نقلَت ابنتُه «نون» للإعلام في أغسطس 2025 خبر تخريب مكتبته العظيمة، 5 آلاف كتاب ونيف، في داره بحي الجامعة في أم درمان. وكانت عناصر من الدعم السريع اتخذت الدارَ مركزاً لها، واتّخذت من الكتب وأرشيف الصحف والمجلات التي اجتمعت عنده، عبر أكثر من نصف قرن في خدمة الثقافة من موقع الكاتب والمحرّر، وقوداً للطهي، تحرق ما يقع في يدها، بالزاك، الطيب صالح، باسترناك، أدونيس، وصفيّه ذاكَ سارتر سِيد الشِّيْ. كما أحرق جنود الدعم السريع صوراً كانت تزيّن جدران الدار جمعت عيسى وأصدقاءَه وأبطالَه الشّعراء والأدباء والكتّاب، ممّن كانوا سكّان حوشه الذهني.
وقالت نون، أطلق دعّامي مسلّط الرصاصَ على صورةٍ اختار لها صاحبُها أعلى رفٍّ صغير في صالة الدّار، لكنْ ظلَّ البرواز في محلّه لم يتهشّم كلياً، شاهداً من سيرة الحلو على عُقدة الشكل والمضمون التي طالما ألهمَت شُغله الغزير. قالت نون: «هذه الطلقة كأنها اخترقت صدري». وثالثة الأثافي، قالت نون، بَشْتَن الدعّامة ما تبقى من الكتب في حوش عيسى واتخذوها مسقطاً للبراز، وللقارئة أن تتصوّر فصاحة محمود درويش تلك، أو خطابات كافكا الكئيبة، أو سطور رواية سارتر «الغثيان»، وقد أمطرها الإسهال من الإفراط في «القَدُو قَدُو».
لن تفلت هذه الفكاهة التراجيدية من عقل عيسى، وقد تحرَّر في أفق الأبدية نثاراً من زُمرّدٍ منيرٍ وكأسٍ سطّالٍ من شراب عقلنا العمومي، أحَّيْ عليه. لم يبلغ المرحوم عيسى هذا الموقعَ الجليلَ بفلتةٍ أو فلتات أدبية عبقرية على حُسن رواياته ومجموعاته القصصية العديدة، «ريش الببغاء»، «الوهم»، «وردة حمراء من أجل مريم»، «قيامة الجسد»، «عجوز فوق الأرجوحة»، «حمى الفوضى والتماسك»، «صباح الخير أيها الوجه اللامرئي الجميل»، «مداخل العصافير إلى الحدائق»، «الجنة بأعلى التل»، «البرتقالة»، «عنوان الورد وكوابيس الليل»، «أختبئ لأبحث عنك»، «رحلة الملاك اليومية»، «نسيان ما لم يحدث».
كما لم يكن المرحوم عيسى صاحبَ بصمةٍ كثيفةٍ بالكاريزما، تلك التي تُعَمِّد الناسَ والأشياءَ من حولها بوَسْم ورَسْم، من هنا مَرَّ عيسى الحلو! فضلُه ومأثرتُه في اتصال «الدأب»؛ ناضَلَ على مسألته في خدمة الثقافة يدأب عليها حتى استقبل الفناء، وبشارَتُه في هذا النمط من «الانتباه»، انتباهٌ طويلٌ لم ينقطع مُذ كان مُعلّماً، وهو ابن بخت الرضا التي تخرَّج فيها عام 1971، واكتشف نفسَه أديباً بمجموعته القصصية الأولى «ريش الببغاء» (دار الحياة، بيروت، 1963)، ومترجماً للثقافة العليا في سجلِّ الصحافة السيّارة منذ أن قامَ على القسم الثقافي في جريدة «الأيام» عام 1976. وقد أحسَنَ المرحوم عيسى هذه الترجمةَ المُمتدَّة للجمهور مُذ ألزَمَ بها نفسَه إحساناً شاهدُهُ هذا الأرشيف العظيم الذي احترق تحت حِلَل الدعّامة تجقجق.
تُفصح عناوين المرحوم عيسى الحلو، بغير كثير تعليق، عن هذه «النديهة» التي لم تنقطع في رأسه قطّ، وقد تلتقط حتى قارئةُ عصر الإنستغرام، مَن يغزو التّشتُّتُ حوشها ويبَشْتِنه بَشْتَنَة الدعّامة حوش عيسى، ثراءَ محاولةِ القبض على طرفَيْ كلِّ تناقض والصّبر على صراعهما، فالقيامة قيامة الجسد وليست قيامة الروح، والعجوز هي التي تتأرجح وليس الطفل، والوجه الجميل لا يَبلُغه البَصَر لكنه جميل، والمَلاك في رحلة، والنسيان واقعٌ على ما لم يحدث لا على ما حَدَث، وحتى العصافير تحتاج مدخلاً لسكنى الحدائق، ويا أيّتها الحقيقة، كيف أبحث عنك؟ أبحث عنك بالاختباء.
والعِبرة، لعصرنا هذا: كيف يمكن تجديد هذا «الانتباه» الطويل، سعيه ورعايته، في عالمٍ غير الذي عاش فيه المرحوم عيسى؟ وكيف يمكن صيانة هذه «العُهدة» التي تولَّى لخمسين عاماً ويزيد بغير أُفٍّ أو شحتفة. لم أعرف المرحوم عيسى معرفةً شخصيةً بأيّ درجة من الدرجات، لكنْ قطعتُ طريقَه لمرّة واحدة، وفزتُ منه بإجازة هي التي أكتب بها حتى اليوم، وإن لم يطلبها أحد. تصدَّى المرحوم عيسى لمَهمَّة تجديد الملف الثقافي لأهله أوّل ما انفتح البابُ لإصدار الصحف؛ بحرفِ قانون «التوالي» لصاحبه المرحوم حسن الترابي عام 1998، بعد صيام طويل من الصحافة. وقد كانت حكومة الإنقاذ الوطني استغنت عن كلّ الصحافة عدا ثلاث صحف حكومية، «الإنقاذ الوطني» و«السودان الحديث» و«القوات المسلحة»، وإصدارات أخرى لصفّ نظام الحكم. تولّى المرحوم عيسى الحلو هذه المَهمَّة قائماً على الملف الثقافي لجريدة «الحرّية» قصيرة العمر لرئيسة تحريرها آمال عباس؛ الجريدة التي اندمجت لاحقاً وجريدتَي «الصحافة» و«الصحافي الدولي»، لتنشأ «الصحافة»؛ الشراكة الذكية. كانت هذه الجريدة بملفّها الثقافي عام 1998، العام الذي بدأ بقانون «التوالي» وانتهى بإرهاصات المُفاصَلة بين صفّ البشير وصفّ الترابي التي وقعت في آخر العام 1999، وهي سنين الطِرَح والقمصان الهزّاز لمن يذّكّر، بادئ اختراق التلفون الموبايل الحاسم لكلّ خِدْر، وقد سبقت شركتُه، الشركة السودانية للهاتف السيار (موبيتل، 1996) حرّية الصحافة على عهد التوالي بعامين.
على كلّ حال، قصدتُ المرحوم عيسى الحلو، القيِّم على الملف الثقافي لجريدة «الحرية» أول صدورها في العام 1998، وكنتُ أترصّدها في مكتبةٍ جوار الكومندانية في بيت المال، إذ لم يعبأ بها صاحب الكشك القريب في ود أرُو، ولا أصحاب الأكشاك في الهجرة، ولا أصحاب الأكشاك في سوق الشجرة، سوء ظنّ منهم ربما بفُرَص توزيعها، وقد كانت صغيرة القِطْع رخيصة الورق مضطربة الطباعة، «على قدر الشوق» إذا صحّ التعبير. قصدتُ المرحوم عيسى، المحرِّر، بما يكتب المبتدئ المغرور، عسر الصياغة ورعونة الرأي والخجل المُبطَّن من الكساد، في هيئة كلمة قصيرة عن شُغل فيلسوف لا أذكر اسمه اليوم ولا الكتاب الذي أفدْتُ منه. ولم يكن في الصحافة الحبيسة حتى ذلك العهد من مكانٍ لمثل هذه المشاغل سوى في ملفّ المرحوم عيسى الحلو الذي يصدر الجمعة. استقبلَني، بمهارة المُعلّم، استقبالَ القرين، هاشّاً باشّاً مُستبشراً، ودخلنا في نقاش مُستفيض عمَّا بين «الماركسية» و«الوجودية» من وشيجةٍ، وعن مغزى الأدب، هل «ملتزم» أم «مطلوق»؟ قرأ المرحوم الكلمة في مجلسنا ذاك، واحتفظ أغلب الظنّ بمآخذها الظاهرة في سرِّه، لكنه قرّظ المَهمّة المُنتظرة من كلّ شاغل بالفلسفة كفرض كفاية، وقال موعد نشرها الجمعة، وقد كان. خرجتُ من مجلس المرحوم عيسى يومَها بالإجازة واستلمتُ الشهادةَ الجمعة من المكتبة جوار الكومندانية وما احتجتُ في هذا الباب إلى سواها.
أما المرحوم عيسى، فظلّ على ثغره حارساً لأكثر من عشرين عاماً بعدها لا يبرحه، وإن كان كلّ يومٍ في وادٍ ووادٍ، مثله مثل الحجيج الذين شبَّه بهم مكسيم غوركي بطلَه ليو تولستوي ممّا تجده القارئة في الكتاب اللؤلؤة «ذكريات تولستوي» (1919). التقى الاثنان، غوركي وتولستوي، لأوّل مرة بوساطة تشيخوف في العام 1900، وكان غوركي وقتها في الحادية والثلاثين وتولستوي في الحادية والسبعين، صداقة تشهد عليها الصورة العجيبة من ذلك العام في دار تولستوي، ياسنايا بوليانا، بكاميرا زوجة تولستوي الشابّة سوفيا آندرييفنا تولستايا، ويشهد عليها هذا الكتاب الفريد الذي يقترب، في حساسيته لرسم الشخصية وتشكيلها، من مثل أدب الجاحظ والمقريزي ولا يدركه.
«يذكّرني بأولئك الحجّاج الذي يجوبون الأرض طول حياتهم بعَصَا في يدهم، يُسافرون لآلاف الأميال من دير إلى دير، من أثر قدّيس إلى آخر، بلا وطنٍ يُعتدّ به، حصيلتُهم غربة عن الناس والأشياء من حولهم. لا العالَم لهم ولا الله حتى. يتعبّدون بدافع العادة، لكنْ يكرهون الله في سرِّهم؛ فِيمَ يدفعهم حول الأرض من طرفٍ إلى آخر؟ ولأيّ غرض؟ والناسُ لديهم علاماتٌ على الطريق، جذوع أو جذور أو صخور في طريقهم، تزلّ بهم خطوتهم أو يلحقهم منهم الأذى. يمكن الاستغناء عن مثل هؤلاء الغرباء، لكن قد يُسَرّ المرء أحياناً بشدّة اختلافه عن هذا الغريب، بإظهار ما يفرّق بينهما» (مكسيم غوركي، «ذكريات تولستوي وتشيخوف وآندرييف»، دار نشر هوغراث، لندن، 1948، ص 17-18).
لا أدري إنْ كان المرحوم عيسى سيَقبل مثل هذه المقارنة، لكنه ربّما قَبِلَ، كرجل من كوستي تعرَّف على مصيره في عمر العشرين في صورة الشيخ المَكَّاوي يصف مثل هذا «الانتباه» الذي شَغَله العمرَ كلَّه: «السَّاريْ قَامْ مِن دارُه، وضَرَب الخَلا وصَفّارُه، خِتا واتعَقَب طيّارُه، الكرَّ وزامْ بِقَى جارُه. السَّاريْ جافَى أوطانُه، ضرَب الخلا وصَنّانُه، الفِيلْ سَرَخ في أضَانُه، ترْجَم طَلَقْ فنّانُه»، وصَدَق، كلّ ذلك بين بقعة المهدي وخرطوم الأرباب.