نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١٢٦ بتاريخ ١١ يونيو ٢٠٢٦.
انسلّت أم درمان من «أيام الحرب» ببَركة الجماعة، كما في قول أهْلِك: «موت الجماعة عرس»، بل ربما انتقل هذا المجاز إلى الواقع في انقلابٍ بلاغيّ؛ فأعراس البقعة «شُغُل بِختَلف»، إذ تَنْفُضُ «السيرة» تلك، على قطار الحافلات، ليلَ شارع الوادي، نفضاً بالزغاريد والهجيج والأوك أرروك! والدّالّة ربما أنّ شارع الوادي استُنفِر بالحرب، فرَكَّب مكنة نمرة 2، بتدفُّق الأرباح من مَوْردين رئيسَيْن، الطعام للعزّابة وجيهة العرس للعزّابة أيضاً، أو بعبارة أخرى مسيخة «إعادة الإنتاج الاجتماعي»، يتنقّل البصر على طوله بين المطاعم ومحلات التجميل ومحلات الذهب المشغول. وعُهدة المدينة، وأيّ مدينة، هي صيانة هذا الاجتماع وتجديد حياته، للدّايرنا والمابِينا.
يهلك الاجتماع بغير الغذاء والتناسل، لكنْ لا يقوم بهما حصراً سوى، ربما، كاجتماعِ الأنعام في زريبة، فآزِرَة الاجتماع وأمْنُه في الثقافة، وعبيرُها الشفاهيّ ما نرتجل في «الوَنَسة». كذلك استعادَت «وَنَسة» الصفوة نفسَها في موقعٍ مخدومٍ للشاي والزلابية، برَندة وحوش، يعجّ بالزوار وتتراصّ أمامه العربات، أوباما ودبدوب. وربما أفلح الحوار الوطني، أو الحوار الدايرنّو ليك، أو الحوار السوداني – السوداني، أو التفاوض بلا زعل، أو ربما أفلحت حتى «العملية» السياسية المُفضية إلى التحوّل المدني الديمقراطي إنْ أخَذَت ببعض دروس هذه الثقافة من صاج الحرب.
تجد زائرةُ هذا الحوش أطرافاً من تقاسيم هذا الاجتماع متجاورةً غير مندغمة: هذا عَلَم من أعلام لجان المقاومة ولجان الطوارئ في حاشيةٍ من الأهل، أطفال ونساء ورجال؛ وأولئك بعضٌ من أعلام «البراء ابن مالك» بين لبسة على الله وجلابية بيضا مكوية، في إخوانية ذكورية؛ وذاك مسؤول في حركة مسلّحة في بدلة أفرنجي وكرفتة خنق، يستقبل سلامَ جمهوره قائماً بابتسامة عريضة؛ وهؤلاء مجدِّدو شِعر البادية، نجوم «طرب الغبش» و«حوشنا»، في جلاليب سكروته بيضاء وسمنيّة، كلٌّ لفَّ رأسَه بشال قصير، موضة، استغنَى به عن العِمّة، تندى خدودهم بالنعمة؛ وذاك اجتماع الصحافيات والصحافيين المنعقد يوماتي بين الصخب والهمس، يسلخون جلد الإشاعات والأقاويل سلخاً، عسى ولعلّ؛ وذا هو المحامي المفتّح، يُبطِن أكثر مما يُظهِر من أسرار المال والأعمال ويتكشَّم؛ وتلك رمّانة المسرح الجوز ديك، من انعقدت بأيديهما مهمة الجيل القادم، وقالا بسم الله، مزدوج البت السمحة والولد الشِّفِت، بعبارة الشاعرة سلمى الحسن، في أقشب الثياب، يقفز الحبّ من أعينهما «كائن حي» ويلهو «أولادي في عيونك» أو كما قال.
لكنّ حوشَ اجتماعِ الصفوة هذا، على جاذبية الموزاييك فيه وفتنتِه، ميدانُ تبادلٍ يَستر أكثر مما يكشف، فشُغل الاجتماع وإعادة إنتاجه لا يجري على خشبة المسرح، وإنما خلف أكثر من ستار، مثله مثل «محلّ الإنتاج المحجوب» بعبارة الدكتور كارل ماركس وهو يَعِدُ قارئتَه بعبور مَلَجة السوق، حيث يشتري السيد «كاشات» مدخلات الإنتاج وأدواته وكلّ ما يلزم، حتى الحنّة والسُّرَّتية، كذلك يشتري مقدَّماً قوة عمل العامل، التي صارت بذلك سلعةً مرهونةً في المستقبل، وصار صاحبُها أجيراً. ثمّ يعبر الاثنان عتبة المصنع التي تعلن عنها لافتة عظيمة «ممنوع الدخول إلا للأغراض الرسمية» ويَلِجَان مخبأ الإنتاج، حيث الفَتِك والمَتِك، وقد انتفَت ندّية التبادل، يستر الله ويفتح الله، وقامت بينهما علاقة شوكة، علاقة سلعية.
«إنّ ميادين التداول، أو تبادل السلع، التي غادرناها، والتي يجري فيها بيع وشراء قوة العمل، هي، في واقع الأمر، جنّة عدن فعلية لحقوق الإنسان الطبيعية، فلا يسود فيها غير الحرية، والمساواة، والملكية، وبنتام [جيرمي بنتام (1748-1832) فيلسوف ومشرّع إنقليزي، مؤسِّس المذهب النفعي]. الحرّية! لأنه ما من قوة تُرغم بائعاً وشاري سلعة من السلع، ولتكن قوة العمل، غير الإرادة الخاصة الحرّة التي يتمتعان بها معاً. فهما يُبرِمان عقداً ثنائياً بوصفهما شخصين حُرّين متكافئين حقوقياً. والعَقد الذي يتوصّلان إليه، ليس سوى الشكل الذي يُسبِغان فيه على إرادتهما الموحَّدة طابعاً قانونياً. المساواة! لأنّ كلاً منهما يُقِيم علاقته مع الآخَر بصفته محضَ مالكٍ لسلعة، ويُبادِل مُعادِلاً لقاء مُعادِل، المِلكيّة! لأنّ كلّ واحد لا يتصرّف إلا بما يملك، وبنتام! لأن كلاً منهما لا يكترث إلا بذاته».
وبعدين يا دكتور بحصل شنو؟
«وبعد أن نغادر ميدان التداول البسيط، أيْ ميدان تبادل السلع، الذي يزوِّد داعية التجارة الحرّة السوقيّ بوجهةِ نظَره ومفاهيمِه ومعيارِ حُكمه على مجتمعٍ يرتكز على رأس المال والعمل المأجور، نلمح، على ما يبدو، تغيّراً في سحنة شخصياتنا الدرامية. فذلك الذي كان مِن قَبلُ مالكَ النّقد، يتبختر الآن في المقدّمة كرأسماليّ، ومالكُ قوّة العمل يسير في أعقابه كعامل تابع. الأوّل يبتسم بتكلّف وتبدو عليه سيماء رجل أعمال خطير الشأن مستغرق في شؤونه، والثاني مذعور متردّد مثل إنسان يأتي بجلده إلى السوق وليس أمامه سوى المدبغة» (كارل ماركس، «رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي»، المجلد الأول، تعريب فالح عبد الجبار، دار الفارابي، بيروت، 2013، ص 228-229).
ما بين البت السمحة والولد الشِّفِت صراعٌ معلومٌ لا ينقطع حتى في حلبة التناسل مع المودة والرحمة، يهيج أحياناً في ستر العربية المظلّلة، وتكشف عنه في أحيان أخرى الصَّرّة تلك، و«لو كنتَ مهتمّ كان عرفت». وورطة المحامي المفتِّح قد ينبئ عنها التكشّم، أحَضَر أمامه فعلاً طرفا العقد؟ أم القانونُ ترجمةٌ للشوكة وإن ارتدَى زي الحقوق؟ وقسْط كبير من وَنسَة الصحافة سواقة بالخلا، وبعلّمني السّواقة، دخان ومرايا الألاعيب السلطانيّة على ذمّة «المصدر». ونَدَى خدود الشعراء من شُغل البلاط، نمرة ونقطة. واعتدالُ بدلة المسؤول من سُخامِ كاكي مراهقين على متن تاتشر يرقب أحدُهم ساعةَ «الجَغِم». وإخوانية ذكور «البراء بن مالك» لحظةٌ من وَسَن الشباب وبتتعلَّم من الأيام، فمن الذي يفوز بزوجة الشهيد تلك؟ ولجنة المقاومة يُهدِّدها «الهسيس» بعبارة المرحوم كمال الجزولي، هسيس الفَنْد والبروبوزال، فمن الذي يسافر إلى كمبالا بتفويضك الخايف عليهو؟ ولا تثريبَ، فالحياةُ ميدانُ الصراع، وكذلك الحوار السوداني – السوداني، صراعٌ وليس عملية.