Thursday, 18 June 2026

جورنال من البلد: بشوف أولادي في عيونك أو كما قال

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١٢٦ بتاريخ ١١ يونيو ٢٠٢٦. 

انسلّت أم درمان من «أيام الحرب» ببَركة الجماعة، كما في قول أهْلِك: «موت الجماعة عرس»، بل ربما انتقل هذا المجاز إلى الواقع في انقلابٍ بلاغيّ؛ فأعراس البقعة «شُغُل بِختَلف»، إذ تَنْفُضُ «السيرة» تلك، على قطار الحافلات، ليلَ شارع الوادي، نفضاً بالزغاريد والهجيج والأوك أرروك! والدّالّة ربما أنّ شارع الوادي استُنفِر بالحرب، فرَكَّب مكنة نمرة 2، بتدفُّق الأرباح من مَوْردين رئيسَيْن، الطعام للعزّابة وجيهة العرس للعزّابة أيضاً، أو بعبارة أخرى مسيخة «إعادة الإنتاج الاجتماعي»، يتنقّل البصر على طوله بين المطاعم ومحلات التجميل ومحلات الذهب المشغول. وعُهدة المدينة، وأيّ مدينة، هي صيانة هذا الاجتماع وتجديد حياته، للدّايرنا والمابِينا.

يهلك الاجتماع بغير الغذاء والتناسل، لكنْ لا يقوم بهما حصراً سوى، ربما، كاجتماعِ الأنعام في زريبة، فآزِرَة الاجتماع وأمْنُه في الثقافة، وعبيرُها الشفاهيّ ما نرتجل في «الوَنَسة». كذلك استعادَت «وَنَسة» الصفوة نفسَها في موقعٍ مخدومٍ للشاي والزلابية، برَندة وحوش، يعجّ بالزوار وتتراصّ أمامه العربات، أوباما ودبدوب. وربما أفلح الحوار الوطني، أو الحوار الدايرنّو ليك، أو الحوار السوداني السوداني، أو التفاوض بلا زعل، أو ربما أفلحت حتى «العملية» السياسية المُفضية إلى التحوّل المدني الديمقراطي إنْ أخَذَت ببعض دروس هذه الثقافة من صاج الحرب.

تجد زائرةُ هذا الحوش أطرافاً من تقاسيم هذا الاجتماع متجاورةً غير مندغمة: هذا عَلَم من أعلام لجان المقاومة ولجان الطوارئ في حاشيةٍ من الأهل، أطفال ونساء ورجال؛ وأولئك بعضٌ من أعلام «البراء ابن مالك» بين لبسة على الله وجلابية بيضا مكوية، في إخوانية ذكورية؛ وذاك مسؤول في حركة مسلّحة في بدلة أفرنجي وكرفتة خنق، يستقبل سلامَ جمهوره قائماً بابتسامة عريضة؛ وهؤلاء مجدِّدو شِعر البادية، نجوم «طرب الغبش» و«حوشنا»، في جلاليب سكروته بيضاء وسمنيّة، كلٌّ لفَّ رأسَه بشال قصير، موضة، استغنَى به عن العِمّة، تندى خدودهم بالنعمة؛ وذاك اجتماع الصحافيات والصحافيين المنعقد يوماتي بين الصخب والهمس، يسلخون جلد الإشاعات والأقاويل سلخاً، عسى ولعلّ؛ وذا هو المحامي المفتّح، يُبطِن أكثر مما يُظهِر من أسرار المال والأعمال ويتكشَّم؛ وتلك رمّانة المسرح الجوز ديك، من انعقدت بأيديهما مهمة الجيل القادم، وقالا بسم الله، مزدوج البت السمحة والولد الشِّفِت، بعبارة الشاعرة سلمى الحسن، في أقشب الثياب، يقفز الحبّ من أعينهما «كائن حي» ويلهو «أولادي في عيونك» أو كما قال.

لكنّ حوشَ اجتماعِ الصفوة هذا، على جاذبية الموزاييك فيه وفتنتِه، ميدانُ تبادلٍ يَستر أكثر مما يكشف، فشُغل الاجتماع وإعادة إنتاجه لا يجري على خشبة المسرح، وإنما خلف أكثر من ستار، مثله مثل «محلّ الإنتاج المحجوب» بعبارة الدكتور كارل ماركس وهو يَعِدُ قارئتَه بعبور مَلَجة السوق، حيث يشتري السيد «كاشات» مدخلات الإنتاج وأدواته وكلّ ما يلزم، حتى الحنّة والسُّرَّتية، كذلك يشتري مقدَّماً قوة عمل العامل، التي صارت بذلك سلعةً مرهونةً في المستقبل، وصار صاحبُها أجيراً. ثمّ يعبر الاثنان عتبة المصنع التي تعلن عنها لافتة عظيمة «ممنوع الدخول إلا للأغراض الرسمية» ويَلِجَان مخبأ الإنتاج، حيث الفَتِك والمَتِك، وقد انتفَت ندّية التبادل، يستر الله ويفتح الله، وقامت بينهما علاقة شوكة، علاقة سلعية.

«إنّ ميادين التداول، أو تبادل السلع، التي غادرناها، والتي يجري فيها بيع وشراء قوة العمل، هي، في واقع الأمر، جنّة عدن فعلية لحقوق الإنسان الطبيعية، فلا يسود فيها غير الحرية، والمساواة، والملكية، وبنتام [جيرمي بنتام (1748-1832) فيلسوف ومشرّع إنقليزي، مؤسِّس المذهب النفعي]. الحرّية! لأنه ما من قوة تُرغم بائعاً وشاري سلعة من السلع، ولتكن قوة العمل، غير الإرادة الخاصة الحرّة التي يتمتعان بها معاً. فهما يُبرِمان عقداً ثنائياً بوصفهما شخصين حُرّين متكافئين حقوقياً. والعَقد الذي يتوصّلان إليه، ليس سوى الشكل الذي يُسبِغان فيه على إرادتهما الموحَّدة طابعاً قانونياً. المساواة! لأنّ كلاً منهما يُقِيم علاقته مع الآخَر بصفته محضَ مالكٍ لسلعة، ويُبادِل مُعادِلاً لقاء مُعادِل، المِلكيّة! لأنّ كلّ واحد لا يتصرّف إلا بما يملك، وبنتام! لأن كلاً منهما لا يكترث إلا بذاته».

وبعدين يا دكتور بحصل شنو؟

«وبعد أن نغادر ميدان التداول البسيط، أيْ ميدان تبادل السلع، الذي يزوِّد داعية التجارة الحرّة السوقيّ بوجهةِ نظَره ومفاهيمِه ومعيارِ حُكمه على مجتمعٍ يرتكز على رأس المال والعمل المأجور، نلمح، على ما يبدو، تغيّراً في سحنة شخصياتنا الدرامية. فذلك الذي كان مِن قَبلُ مالكَ النّقد، يتبختر الآن في المقدّمة كرأسماليّ، ومالكُ قوّة العمل يسير في أعقابه كعامل تابع. الأوّل يبتسم بتكلّف وتبدو عليه سيماء رجل أعمال خطير الشأن مستغرق في شؤونه، والثاني مذعور متردّد مثل إنسان يأتي بجلده إلى السوق وليس أمامه سوى المدبغة» (كارل ماركس، «رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي»، المجلد الأول، تعريب فالح عبد الجبار، دار الفارابي، بيروت، 2013، ص 228-229).

ما بين البت السمحة والولد الشِّفِت صراعٌ معلومٌ لا ينقطع حتى في حلبة التناسل مع المودة والرحمة، يهيج أحياناً في ستر العربية المظلّلة، وتكشف عنه في أحيان أخرى الصَّرّة تلك، و«لو كنتَ مهتمّ كان عرفت». وورطة المحامي المفتِّح قد ينبئ عنها التكشّم، أحَضَر أمامه فعلاً طرفا العقد؟ أم القانونُ ترجمةٌ للشوكة وإن ارتدَى زي الحقوق؟ وقسْط كبير من وَنسَة الصحافة سواقة بالخلا، وبعلّمني السّواقة، دخان ومرايا الألاعيب السلطانيّة على ذمّة «المصدر». ونَدَى خدود الشعراء من شُغل البلاط، نمرة ونقطة. واعتدالُ بدلة المسؤول من سُخامِ كاكي مراهقين على متن تاتشر يرقب أحدُهم ساعةَ «الجَغِم». وإخوانية ذكور «البراء بن مالك» لحظةٌ من وَسَن الشباب وبتتعلَّم من الأيام، فمن الذي يفوز بزوجة الشهيد تلك؟ ولجنة المقاومة يُهدِّدها «الهسيس» بعبارة المرحوم كمال الجزولي، هسيس الفَنْد والبروبوزال، فمن الذي يسافر إلى كمبالا بتفويضك الخايف عليهو؟ ولا تثريبَ، فالحياةُ ميدانُ الصراع، وكذلك الحوار السوداني السوداني، صراعٌ وليس عملية.

جورنال من البلد: من تفسير حضرة الصول للتاريخ، زي ما بقولك كدا

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١٢٥ بتاريخ ٤ يونيو ٢٠٢٦. 

آثَـر بعضُ أهل بقعة أم درمان طيَّ سِجلِّ الحرب كواقعةٍ انحسَر ظلُّها، فالحربُ عندَهم كانت «أيام الحرب»، أما هذه الأيام فبرزخٌ عسيرُ التعريف، لا هو الحرب الناريّة التي كانت «أيام الحرب» ولا هو العالَم الذي كان قائماً قبل ذلك، ما انجَلَت قسَماته بَعد، إلا أنَّ الرغيفات الأربع فيه بألف جنيه، والدفع بنكك، فالكاش في ندرة الوفاء، و«حقيقة مافي» بعبارة صاحب الركشة الذي مَلَّ الجغم السرديّ المتبادَل، وفِتِر. يقابِلُ الناسُ تحدّيات هذا العالم البرزخيّ بصُوَر من التلاؤم والتعايش والابتكار: محلَّ مُحوِّل الكهرباء الميري حلّت ألواح الطاقة الشمسية والإنڤرتر؛ فرديةً لمن استطاع إليها سبيلاً، وجماعيةً لمن تعاونوا على البرّ والتقوى، ومحلّ عربية «الوساخة» حلَّ الحريق بالجاز في الخور، ومحلّ قوّة البوليس الحارسة حلّ مستنفَرون ومقاومة شعبية؛ ومحلّ الدكتورة ديك، ستّ العيادة، حلّت الدكتورة أونلاين وصوَر الفحص في واتساب.

لكنْ لا يحلّ محلَّ الونسة شيء، فهذه لا تنقطع. وتزدهر في هذا البرزخ صيَغٌ من «أيديولوجيا» الحياة اليومية التي يَرُوم بها المتونّس ترتيبَ دلاقين «أيام الحرب» وكبح شياطينها في دولاب يقبل الإغلاق، ولملمة ما أصابته البَشْتَنة من عناصر حياته العقلية في كومٍ ما، ينتظر بها ربَّما ساعةَ هيغل تلك، إذ تَفْرِد بومة الحكمة أجنحتَها عند الغسق؛ ساعة تأتي ولا تأتي. تقتطف المستمعةُ من هذه الوَنَسة مثلَ تفسير حضرة الصول للتاريخ.

رتّب حضرة الصول «أيام الحرب» في رأسه بتفسير فعّال وطريف، فهو يُعْلِم ويُسلّي، تشقّ به الضحكاتُ ليلَ العباسية الذي انقطعت عنه الكهرباء وتُدمع العيون:

انت يا دكتور قايل محمد بن زايد دا مشكلته معانا شنو بالزبط؟ الموضوع دا معروف! هو أصلاً في جماعة سودانيين اتشبّكوا مع الحاجّة أمُّه. الجماعة ديل كانوا شغّالين ليها تنزيل، زي ما بقول لك كدا. أصلاً محمد بن زايد ده عنده أخو فيه شوية هبالة كدا، والأم عايزة الأخو دا يورث الحكم، الكلام دا قبل ما يموت شيخ زايد. بعدين طبعاً الشغل دا كلّه سحر وطلاسم. أها، الحاجّة أم محمد بن زايد دي جابت ليك الجماعة ديل اللّمَارات، معروفين هم، جابتهم وقعَّدتهم في اللّمَارات دي، ودَوَّرُوا ليك سفلي عديل، كلّ مرة يجوا ليك للحاجّة دي بي طلب، قروش تقيلة، بقولوا ليك شالوا مليارات عديل كدا على أساس أنه يشتغلوا ليها الشغل دا. وبعدين يا دكتور، زي ما انت عارف، الشغل دا كلّه حرام في حرام.

ويَنْحَتُّ السأم عن النفوس كغبار النهار بضحكٍ مجلجل: لا ياخ؟ ما بصدّق!

والله يا دكتور زي ما بقول ليك كدا، نحنا عندنا قرايبنا شغّالين في اللّمَارات دي بالسنين جابوا القصة دي بالتفاصيل، منهم ناس في القصر ذاته. يا زول! وحاتك يا دكتور، دا موضوع معروف، البلد دي كلها عارفة القصة دي، إنت بس عشان طوّلتَ بره. محمد بن زايد من يوم عرف الحكاية دي، طبعاً جابوا ليه الكلام ناس الاستخبارات، والناس ديل كجَّنُوا ليك حاجة اسمها السودان وأم أهل السودان. والجماعة الملاعين ديك هربوا، قام قبَض ولد واحد فيهم ختّاه في السجن، لحدّي اليوم ما معروف ذاتو حي ولا ميت، أها قُول دي برضو ما سمعت بيها. الراجل أخد الموضوع شخصي، هم ذاتهم بالغوا يا دكتور. تقول شنو بس، يعملوها ديل وتقع فينا نحنا المساكين ديل.

قد تسخر السَّاخرة من تفسير حضرة الصول للتاريخ بحلقة نَصْب من مشعوذين وجدوا دَوراً في بلاط أميري يضجّ بالمؤامرات، لكنه تفسير يصوِّر شيطانَ الحرب علّةً برّانيةً على الاجتماع الذي عَهِده، مهما اشتدّت تناقضاته؛ علة اعترضت مجرى النيل فاضطرب أيّما اضطراب، لكنه يجري. في المقابل، تجدَّدَ، في أفئدةٍ كثيرةٍ عزيزةٍ جرَحتها بَشْتَنة الحرب والانتهاك الجماعي لحرمات البيوت ورُكن المِلكيّة الخاصة الركين، شبحٌ قديمٌ جديدٌ كان المتحدِّث باسمِه في آخر صُوَره، ما قبل عهد الدعاية الجماهيرية أونلاين، تيك توك، لايك، شير، فيسبوك لايڤ، المرحوم الطيب مصطفى.

بثَّ المرحوم الطيب صيغتَه الخاصّة للعقائد العنصرية لأهل السودان النيلي عبر جريدته الناجحة «الانتباهة» وهدفها التبشير بانفصال جنوب السودان كمطلب شماليّ. أجرى المرحوم الطيب حبراً غزيراً لهذا المقصد في بابه المقروء «زفرات حرّى»، وكانت خطته بالأساس خطة «دفاعية» تقوم على أنَّ قومية وسط وشمال السودان العربية المسلمة مُهدَّدة بحصار القوميات غير العربية وغير المسلمة التي اجتمعت عليها تحت راية الحركة الشعبية لتحرير السودان، وأوّل خطوات الخلاص من هذا الحصار هو التحلّل من أغزر هذه القوميات عدداً وأشدّها شوكةً، بانفصال جنوب السودان، بَلا وانْجَلا. وهَزَم المرحوم الطيب مصطفى بهذه الخطة، من حيث لا يحتسب، العقيدةَ في نفاذ الثقافة العربية الإسلامية إلى السودان النيلي وقدرتها على استيعاب التكوينات القوميّة الأخرى أو التعايش معها في دولة واحدة متعدّدة القوميات.

وَقَع حميدتي وجيشه ضمن هذا التفسير العِرْقي للتاريخ موقعاً حسناً؛ وقتما كان سلاحُه موجَّهاً نحو حركات دارفور المسلّحة، واجتمع في حلف الطيب مصطفى محترفو دعاية مثل إبراهيم بقال وعبد المنعم الربيع، من كادر المؤتمر الوطني، اللذين انقلبا لاحقاً سعاةً في «القضية»؛ قضية الدعم السريع الفاشية، و«انْشَغَّ» الأول منهما عائداً إلى حضن الوطن. انفرط هذا التفسير العِرْقي للتاريخ بحرب الدعم السريع على كامل التكوين الاجتماعيّ الذي خاف عليه مثل الطيب مصطفى من خطر القوميات غير العربية وغير المسلمة، وقام في محلّه تفسيرٌ أكثر فانتازيةً من تفسير حضرة الصول على طرافته. لكنَّ الفانتازيا وإنْ سَدَرت هي حقيقةٌ للاجتماع البشري؛ حقيقةٌ يَصْدُق عليها إعلان صاحب الركشة أنْ «حقيقة مافي»، فهي حقيقة لا حقيقة لها، إذا صح التعبير، اختلاس من المخاوف والوساوس المشوَّشة التي تنشأ من وقائع ملموسة.

تفرَّغ للتعبير عن هذه الوساوس والمخاوف حزب عبد الرحمن عمسيب أونلاين، المغترب في «اللّمَارات» التي ساء ذِكْرُ مؤامرات بلاطها عند حضرة الصول. وخطّته اختلاس شذرات من التاريخ والاجتماع، وصياغتها لجمهور «ما بعد الجريدة» كخريطة لصراع ممتدّ منذ الأزل وإلى الأبد بين نهريِّين وغير نهريِّين سقط عنهم الإسلام كوسيلة لجبر الاجتماع، عِبادتهم بيضة العِرْق. إنْ كان المرحوم الطيب مصطفى قد أسقط العقيدة في نفاذ الثقافة العربية الإسلامية وهَزَمها «من الداخل»، فقد أسقط حزب عمسيب، بطفرة في ذات الخطة الدفاعية، ما بين الإسلام والعربية من وشيجة، كَسَر بيضة الدِّين وأقام محلِّها وثن العِرْق لا شريك له. فالعدوّ عند حزب عمسيب جميع أقوام السودان، خلا قومية «النهريّين» من الذين تَحقَّق لهم الوعي بذاتهم الجديدة ورأوا نور النهر والبحر ساطعاً. جندي الدعم السريع وجندي الحلو من غير النهريّين، ومثلهم جندي المشتركة وجندي عقار وجندي القوات المسلحة، وإن استشهد مرابطاً عند مدفعِه صادَتْه الذخيرة «اللّماراتية» وهو يذود عن «حضن الوطن».

لا خلاصَ بهذه الوثنية، ولكنها حتحتة من ابتلاء الاجتماع، انتحالاً لقول المرحوم الدكتور حسن الترابي بابتلاء الحداثة، فالقومية النهرية التي يبشِّر بها حزب عمسيب «بَيْع بالكَسِر» للثقافة العربية في السودان النيلي، ترتدّ بها من خريطة «أنا أم درمان»، التي أبطالُها مثل حضرة الصول في العبّاسية، إلى جُحْر ضبٍّ خرِبٍ لا نفاذ إليه سوى بالفحص الوراثي. شوف يا حبيب! جيناتك دي ما بتأكِّلك عيش، يعني إنت كده يا دوبك 10% نهري، البعْدُو! هذه فانتازيا فاشيّة، وككلّ فانتازيا تنقلب بالضرورة كابوساً متى قامت لها في الواقع شوكة، والشاهد قائم «أيام الحرب»، لذلك، ربما أصاب حضرة الصول من حيث أخطأ.

 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.