Sunday, 12 January 2020

وللحرية أبواب.. الصحافة الحرة ميدانها

أثار قرار "لجنة تفكيك نظام ٣٠ يونيو" حجز أصول وممتلكات صحيفتي الرأي العام والسوداني وكذلك قناتي الشروق وطيبة التباسا شديدا في الرأي العام بين مؤيد ومعارض. رأى المؤيدون في القرار الذي نفذته القوى الأمنية، البوليس والدعم السريع، يوم ٧ يناير الجاري انتصارا لخط الثورة وبسالة في مواجهة مؤسسات العهد البائد بينما رأي المعارضون أن القرار استباح حرية الصحافة وهي عنوان للثورة ومن مكاسبها. قدم وكيل أول وزارة الإعلام رشيد سعيد يعقوب منافحة عن القرار في مقابلة تلفزيونية يوم ٨ يناير استعرض فيها حيثيات عن كل حالة كان مصدره في جميعها تقرير من ٨٠٠ صفحة تقدم به جهاز الأمن حسبما قال. صرح رشيد سعيد أن القرار "لم يأت علي خلفية خطها التحريري بل بناء على مصادر التمويل"، مضيفا أن "الدولة لم تصادر أي قناة أو صحيفة بل حُجزت إلى حين اكتمال المراجعة، وسيتم تعيين لجان تسيير للقنوات التي تم إيقافها." من جهتهم استنفر المعارضون مبدأ حرية الإعلام، استغربت الصحفية بجريدة السوداني لينا يعقوب أن يتم إغلاق صحيفة بالاشتباه وقالت مصيبة أن "الحرية هي حماية الرأي غير المرغوب فيه لأن المرغوب فيه لا يحتاج إلى حماية"، تساءلت لينا يعقوب: "ألا يملكون ما يمكن أن يدين قبل البدء في الإجراء"؟ 
كيف يمكن إذن تحرير الخلاف حول قضية البضاعة فيها الحرية ملتبسة بحرية من ولفعل ماذا؟ محل الصعوبة ربما هو تشخيص نظام ٣٠ يونيو، فعند اللجنة التي تولت أمر تفكيكه النظام هو حزب المؤتمر الوطني وحاضنته الحركة الإسلامية وكل ما اتصل بها من منظمات وتكوينات ومنصات إعلامية، وبهذا المنطق جاز اعتقال على الحاج وإبراهيم السنوسي والحجر على الصحف بينما ظل بكري حسن صالح في دار أبيه في الكلاكلة لا يضره شيء. بذات التقدير انخرط قادة المثلث العسكري والأمني البرهان وحميدتي ودمبلاب في سكة الثورة بأمارة الانحياز وعفى الله عما سلف. جب الانحياز الجاهلية من قبله على سنة أبي سفيان. بل فاق معارضون فصيحون للإنقاذ مثل محمد حسن بوشي سواهم في هذا المضمار واستلوا قائد الدعم السريع من خبوب فض الاعتصام ببهلوانيات ثرة من نسيج المؤامرة، اختصارها أن قائد الدعم السريع الحريف "دقس" والشر كله أنس عمر الإسلامي. 
لكن، أيحيط هذا التشخيص بنظام ٣٠ يونيو فعلا؟ لهذه المناقشة سابقة في تاريخنا السياسي. احتج المرحوم عبد الخالق محجوب في "الماركسية وقضايا الثورة السودانية" على منهج الشيوعيين في معارضة نظام عبود، وقال كانت معارضة للسلطة الديكتاتورية وكفى دون النظر في منابتها الاجتماعية والطبقية. كان الإسلاميون ضلعا من أضلاع حكم البشير الطويل، وفيه سواهم الجيش وجهاز الأمن وطبقة من رجال الأعمال ورجال الدين وزعماء التكوينات القبلية. وكانت هيمنة القوى العسكرية والأمنية على شركاء "الإنقاذ" سببا في انشطار الحركة الإسلامية ثم ذهاب ريحها تحت حكم البشير حتى صارت ما رأي الناس في اجتماعات العيلفون وبثته قناة العربية مؤخرا: شلة من المعارف والأصدقاء المخضرمين لا يملكون سوى التثاؤب الممتد في وجه تنوير يتلقونه ممن يخافون عقابه ولا يثقون في قيادته، البشير كان أم علي عثمان. اليوم، وقد انكشف غطاء الشراكة وانفضت أصبح من مصلحة القوى العسكرية والأمنية أن تحشو الجثث جميعا في دولاب الحركة الإسلامية وتكتفي هي بهجاء "الدولة العميقة" ما دامت هذه الدولة العميقة هي ما أصاب عود الجيش والأمن من سوس الإسلاميين ومتى انحت عاد شرف الجندية وانسترت عورة جهاز الأمن. 
في دفاعه عن قرارات لجنة العطا والفكي قال رشيد سعيد أن المعلومات التي استندت إليها اللجنة وردتها من جهاز الأمن في تقرير من ٨٠٠ صفحة حول إدارة قوى الحكم على عهد عمر البشير للإعلام وسوقه. لم يعلق رشيد سعيد أكثر من ذلك على تقرير الأمن واعتبر محتواه حقائق أكيدة ما دام خرج من بيت الكلاوي. لم يتطرق رشيد بالتعليق على دور جهاز الأمن نفسه في رسم وتنفيذ السياسة الإعلامية للنظام الذي كان حارسا له عبر السنين فقد تحول الجهاز بسحر الانحياز كما يبدو إلى شاهد ملك مؤتمن ومحصن. لكن، ألم تكن شكوانا من جهاز الأمن ويده الطويلة التي امتدت إلى طي النفوس؟ ألم تكن دعوانا أن جهاز الأمن تكبر وتجبر لا يجد من يشكمه؟ تريد لجنة العطا والفكي تفكيك النظام بأدوات النظام نفسها وجعلت لذلك صيغة إدارية استثنائية هي قانون التفكيك المعلوم الذي اجتمعت للجنته سلطات التحقيق والقضاء والتنفيذ وأوكل للجنة أخرى يكونها مجلس السيادة والوزراء الفصل في الاستئنافات دون أن يعطل الاستئناف تنفيذ قرارات التفكيك. 
لمن السلطة إذن؟ ولمن الحصانة؟ السلطة كما أعلنت الوثيقة الدستورية قسمة بين قوى الحرية والتغيير وجهاز الدولة القسري، الجيش والأمن والمليشيا، والجهاز القسري بذلك شريك في حكومة الثورة التي أطاحت بسلطان البشير وليس هدفا لها. يعيد أقطاب الجهاز القسري هذا المعنى في كل مناسبة وبغير مناسبة فنزاعات الفترة الانتقالية عند حميدتي "فورة لبن" والقوات المسلحة بعبارة البرهان صبرت على "الاستفزاز" وما كانت الإرادة الشعبية لتنتصر لولا الانحياز النبيل. في صيغة المبايعة هذه، يقدم الجهاز القسري دوشكاته لخدمة الحكومة الانتقالية دون أن تخضع لمجلس وزراءها فهي في واقع الأمر معارة حتى إشعار آخر، تضرب بها قوى الحرية والتغيير وتبل من تشاء وتمسك بالمقابل عن منازعة الجهاز القسري في الولاية إلا مباصرة على سنة الإصلاح من الداخل. حساب القوات المسلحة وجهاز الأمن والدعم السريع والبوليس بهذا القياس لا كتاب له، هو شأن يخصها وحدها ولا تخضع فيه لرقيب على هلاك النفوس أو إهدار المال العام، وقد كان زعم معارضين عظام للإنقاذ حتى عهد قريب أن ثلثي ميزانية الحكومة مخصصة للجهاز القسري يسرح ويمرح كما يحلو له. 
ربما صح إذن تحرير المناقشة حول قرارات لجنة العطا والفكي في سياق الخدمات المتبادلة بين الشق المدني في الحكم والشق العسكري، أمسك لي وأقطع ليك، خاصة والنداء الثوري على أشده لتفكيك سلطان الجهاز القسري للدولة واستبدال كل ذلك بمدينة أخرى من حرية وسلام وعدالة. تهديد الثورة الجليل أنها فتحت الباب لإخضاع الجهاز القسري للدولة للإرادة المدنية الديمقراطية تحصي ماله وترصده وتجيزه وتصدر أوامر تحركه وتحبس عن المواطنين "الملكية" شره. إن غاب هذا التهديد عن ذهن قراء تقارير الأمن الجدد فهو لم يغب عن ذهن القوى الأمنية التي صارت تمن بنداء "مش دي المدنية القلتو دايرنها". هذا هو ميدان الصراع الذي طرح فيها جهاز الأمن زبائن الأمس زكاة من بل اليوم. تحررنا الحقيقة، فليطرح من بيدهم تقرير الأمن لأصحاب المهنة، يشفون ما بها، وللجمهور والرأي العام يفحص أعمال جهاز الأمن وأعمال زبائنه وشركائه.  


Saturday, 28 December 2019

Xenophobia in Sudan: what is at stake?

A joint piece coauthored with Abraham Zere @ abraham_zere. An edited version of this piece appeared on Aljazeera online

Sudan’s new rulers are in festive mood in the midst of celebrations marking the first anniversary of the popular revolt that dislodged former president Omar al-Bashir from power. Television crews are busy devising propaganda mantras from the rich cultural world of the months long sit-in around the headquarters of the Sudan Armed Forces (SAF) in Khartoum. Politicians of the transitional authority led by Prime Minister Abdalla Hamdok are refining their rhetorical skills in now routinised broadcast interviews rich with political subtleties, pleasant anecdotes, fiery condemnations of the old regime and promises of deliverance. Today’s victors, long suppressed by Omar al-Bashir’s security apparatus, are now in a position to dictate new rules and devise a world according to their self-image. 
A few kilometres away from the seat of power on the bank of the Blue Nile in Khartoum, police squads are deployed with the force and animosity of old to clear the city of alleged “polluters and elopers.” Since the first week of December, the police have been given license to round up the poorest and most vulnerable of Khartoum’s refugee and migrant residents. Eritrean, Ethiopian and Syrian refugees and migrants, to name the most conspicuous in the current wave of persecution, are open game for a demoralised and ill-reputed police force eager to reclaim its diminished authority. Under arrest, refugees and migrants are forced to bail themselves out of detention with hefty fines ranging from 50,000 to 100,000 Sudanese pounds ($1,100-2,200) in what is by all means an extortion campaign. Not all migrants are the same, a Syrian restaurant owner is far above a Syrian tiler who is a step ahead of an Eritrean barber still superior to an Eritrean day labourer or female Eritrean domestic worker in search of employment. 
Throughout the long months of demonstrations against the former regime the police were the target of popular anger. Teams of defiant protesters organised in the famed ‘resistance committees’ outmanoeuvred and wearied out an outstretched police force across Khartoum’s urban jungle. 
Today, police vengeance is directed against the habash of al-Deim. While a benign label at first glance that translates smoothly to Abyssinian, habashiya and habashi (singular female and male forms) are employed in daily use as derogatory terms with repugnant racist prejudice denoting servitude and sexual availability. Under the colonial British administration, al-Deim was a dumping ground for emancipated slaves, “detribalised negroes” in the colonial dictionary, an excess population deemed essentially vile, criminal and morally corrupt, and subject to incessant policing and persecution, but critically a pliable labour force. 
Emancipated slaves became the policemen, nurses, midwives, soldiers, railwaymen and importantly musicians, performers, actors and entertainers of the independent Sudan. Enabled by their skills many sought employment during the first waves of expatriate outmigration during the 1970s in the booming economies of the Arab Gulf, some returning back as small proprietors and rentiers. Impoverished refugees and migrants from the Abyssinian peninsula, many undocumented and effectively stateless, started arriving in urban Sudan in the second half of the 1960s and the first half of the 1970, many fleeing persecution, guerrilla warfare and military conscription, push factors compounded by the 1984/1985 famine which drove more than 300 thousand herders and farmers from the Abyssinian peninsula into eastern Sudan. The overthrow of the Derg and the independence of Eritrea offered no reprieve as thousands more sought to escape armed conflict, military conscription and immiseration. In Khartoum, many settled in places like in al-Deim, vacated by an outmigrant labour force and in the densely populated working-class areas of al-Sahafa, Gireif East and West and al-Kalakla. Their presence however in Sudan is as old as the urban centres of the country. European travellers observed slave caravans from Abyssinia in al-Obeid in 1836 and identified Abyssinians among the inhabitants of Khartoum in the 1850s.
According to the UN refugee agency UNHCR, more than 123 thousand Eritrean refugees currently reside in Sudan, the majority in remote camps along the border in Kassala State. With or without documentation they are generally subject to recurrent waves of harassment and violence from the Sudanese authorities, are at considerable risk of human trafficking and women and girls are exposed to sexual exploitation. Short of options, many depend on smuggling networks to reach Europe and only the very few actually make it. At the height of the migration push towards Europe in 2015 around 40 thousand Eritreans managed to reach the shores of Greece, Italy and Spain. The UN estimates that around 400,000 Eritreans have fled the country in recent years at a rate of 4000 per month, almost 9% of the country’s total population. The UNHCR puts the number of Ethiopian refugees at around 14 thousand while Syrian refugees count at around 95 thousand. In total, Sudan is host to around 1.1 million refugees and asylum seekers, of which around 900 thousand are South Sudanese. 
Through the ‘Khartoum Process’ - the European Union (EU) Horn of Africa Migration Route Initiative - established in November 2014 the EU outsourced the tasks of ‘managing’ migrants seeking to reach Europe along the said route to state actors and non-state actors in exchange for financial support. The Sudanese government under Bashir was keen if not thrilled to provide its services in enforcing the externalisation of the EU border well into al-Deim and al-Kalakla. Implementation of the EU’s border militarisation policy was entrusted to Sudan’s security authorities and militias, notably the Rapid Support Forces (RSF) under Mohamed Hamdan Daglo ‘Himedti’. The diplomatic labels of these arrangements appear rather benign, for instance the ‘High-Level Dialogue on Migration with Sudan’ and the ‘Better Migration Management’ (BMM) programme launched in 2016, but their content is effectively a militarised campaign to apprehend, punish and deport migrants. 
Coinciding with the 2016 EU migration dialogue RSF units were redeployed in northern Sudan where they carried out patrols up to the Libyan and Egyptian border. The RSF leader Himedti claimed that 23 thousand of his troops were scattered across the desert on the watch for migrants. Himedti, given to hyperbole, asserted in a press conference held in the Sudanese Ministry of Defence in August 2016 that his forces had apprehended some 20 thousand migrants to the benefit of the EU. He revised the figure in January 2017 to 1500 migrantsarrested somewhere between Sudan and Libya over the last seven months. In early 2018 RSF units were deployed in eastern Sudan along the Eritrean border. Inevitably, ‘managing’ migrants became another lucrative RSF trade; smugglers and migrants were intercepted to be taxed and released repetitively along the desert route. 
The EU plan involved the establishment of a regional intelligence and operation hub in Khartoum, dubbed the Regional Operation Centre in Khartoum (ROCK), run by the French state-owned security company Civipol to coordinate and streamline the efforts of its state and non-state partners in the Khartoum process. The EU was embarrassed by a barrage of criticism to announce the suspension of its migration-related security cooperation projects in Sudan. In the post-truth world that we inhabit, “RSF troops did not massacre protesters in Khartoum in the early hours of 3 June but some imposters who were actually planning a coup,” as the RSF commander Himedti asserted recently. And the EU does not really equip the Sudanese security authorities to crack down on migrants before they even embark on their treacherous travels to the European citadel, rather “the participant lists of BMM's training courses are closely coordinated with the [Sudanese government] National Committee for Combating Human Trafficking (NCCHT) to prevent RSF militiamen taking part in training activities”. The Sudanese Ministry of Foreign Affairs announced in November 2019 that the African Union (AU) Specialised Committee on Refugees, Returnees and Internally Displaced Persons had approved the charter establishing a regional operation centre for the combat of irregular migration and related crimes in Khartoum. The EU was not mentioned. Under whatever title and through whatever convoluted funding routes, policemen and militiamen under the authority of the Sudanese government carry out a European minted policy to intercept, apprehend and punish migrants on suspicion far away from the EU’s physical borders with impunity. 
Duplicitous European diplomats and official prefer Saharan silence over the issue but the RSF’s commanders have all the reasons to publicises their services. Speaking in Khartoum on 1 December the RSF spokesman, Jamal Jumaa, said his militiamen apprehended during 2016 and 2017 some 2500 migrants. The RSF rescued 61 people from traffickers sometime during 2018 and 2019 and arrested 70 others in Darfur’s Kulbus as traffickers were getting ready for the trip across the Libyan border, he said. The RSF, he declared, is willing to cooperate and coordinate with the international community to put an end to this troubling phenomenon. The RSF leader Hemedti simply stated that his troops were “working in place of the EU”.
Within this context, the ongoing campaign against foreign refugees and migrants in greater Khartoum is the police’s attempt to enact a decree issued by the Transitional Minister of Trade and Industry, Madani Abbas Madani, on 11 November 2019. The blanket order prohibits foreigners from engaging in trade but exempts foreign investors operating under the Investment Act or by special agreement with their governments. The ministerial order includes all import and export activities, mere presence in marketplaces and local trade whether directly or through an intermediary and aims according to the Minister at “sudanising” commerce in the country. It draws on and expands previous government decisions from the Bashir-era including a 2015 Ministry of Justice decree banning foreigners from establishing or holding a share in import and export firms and a 2017 decree prohibiting licensed investors from trading in the local Sudanese market. At the time the treasurer of the Chamber of Exporters said foreigners controlled 16% of the export sector, many operating behind a Sudanese interface. 
The rationale of the November 2019 decree, it seems, is a haphazard effort to reign in a runaway market. The government is particularly challenged regarding the foreign exchange rate, now well beyond the 80 Sudanese pounds mark for the US dollar. To demonstrate resolve, the government decree, whether by intent on not, frames foreign refugees and migrants as a scapegoat to be blamed for the suffering of its citizens. By design, the ministerial decree targets primarily the petty traders and small business owners of the suq, shopkeepers, food-sellers, peddlers and so on. The police interpretation of the decree is somewhat broader and extends to a racial profile of unwelcome foreigners who engage in any form of livelihood, labourers, handymen, barbers, rickshaw drivers and domestic workers. It remains a mystery however how punishing Eritrean domestic workers and shopkeepers is supposed to rescue the national economy. 
The ministerial campaign against foreign peddlers and domestic workers misses out on the voluminous profits of Arab Gulf land-grabbing agrobusinesses, telecommunication firms and commercial enterprises funnelled out of the country and the generous tax and customs exemptions they enjoy. It is but a populist and in fact racist propaganda claim to lay the distortions of the market at the feet of vulnerable often stateless and hapless refugees and migrants. Instead of cashing in on the meagre means of a foreign labour force by extortion it might be worthwhile considering the workings of commercial capital plugged into Arab Gulf treasure cases that catapults packaged Saudi dairy products into the refrigerators of retailers far and wide in Sudan deep into its broad pastoral belt. 
When probed about his decree, the Transitional Minister of Trade and Industry offered an argument that could have been plucked out of the mouths of Messrs Trump and Johnson. He emphasised the importance of safeguarding the Sudanese identity, suppressing the marketing of the Sudanese passport to foreigners and rescuing job opportunities and commercial profits from intruding foreigners. The review and control of internal and external trade is a legitimate objective of government but should be carried out in a manner that secures the human rights and dignity of foreigners, he stated further adding that violations will be considered on a case by case basis, inshallah. What such a promise translates into for an undocumented Eritrean teenage girl caught up in a police raid and huddled on the back of a truck or thrown into a detention cell is to say the least a matter of speculation. 
Sudan’s new ministers were raised to their positions of power by a resolute revolutionary surge infused with passionate patriotism. Brutalised Syrians from afar sent their blessings. Eritrean residents of the country, now hounded by the police, joined the protest movement promising their own dictator a day of reckoning. Destitute Eritreans, who are the main targets of the raid for lack of agency do not expect any help from their government. Sudanese delegates led by Prime Minister Hamdok and Deputy Chairman of the Sovereignty Council Himedti visited Eritrea in November. Having gotten rid of Bashir, whose mercurial relationships have been waning during the final days, President Isaias Afwerki is courting the two forces separately. Unless to use as pawns for negotiations, no one hopes an advocacy from the state. It is to be recalled that President asked for $50,000 for each if Israel wants to deport back Eritrean asylum seekers. 
In al-Deim, the resistance committee activists who defeated former president Bashir’s security apparatus, reportedly protected Eritrean migrants from the police onslaught. The solidarity on display is a cherished lesson of the Sudan’s revolutionary season and it is today an urgent duty of its champions, a test of their fidelity to the ideals that motivated the uprising against former president Bashir. Sudan’s protest movement is grounded in the agonies of the downtrodden and benefitted from an Internationale of solidarity. Absent the solidarity that protects vulnerable refugees and migrants, the lofty patriotism of its heroes is at risk of being transcribed into a rhetoric of chauvinism and racial hierarchy.

Sunday, 13 October 2019

أخواني الشهداء: العيون السود في البطانة كتار

انهضوا لبوا يا شبابنا هموا 
شهيدنا الطاهر ضحى بدموا 
أخواني الشهداء الزايد شوقهم 
مناى يا الله أسير في طريقهم 
أصبر قلبي وراجي لحوقهم 
هنالك في الجنة أبقى رفيقهم.. 

من أخسر ما خاض فيه المرحوم حسن الترابي بعد انفضاض حلفه والبشير في ١٩٩٩ تبكيته على شباب "الإنقاذ" الذين زهقت أرواحهم في سبيل "المشروع الحضاري"، لم تبق منهم سوى شذرات أسطورية وأحزان في قلوب الأهل والأحباب بجانب أراجيزهم المنشورة في الشبكة العنكبوتية استعادت صوتها الخاص ربما عن ماكينة الدعاية بسقوط الإنقاذ. فمن يذكر اليوم فضل المرجي وعبد الخالق من الذين "قضوا نهارهم صمود وشجاعة"، في عبارة الشاعر، و"ليلهم كله دموع وضراعة"؟ يقول شاعر الأرجوزة أن اخوانه قبل رحيلهم "شافوا بشاير"، وقد كلنا لهم من موقع المعارضة كل الكيل وأطلنا السخرية في مواردهم الروحية دون تقصي كاف لاقتصاد الشهادة السياسي الذي أدار حبله حول ذواتهم الشابة. سقط شباب الإنقاذ في مقتلة سياسية وكانوا وقودا وهاجا لدمار بالغ، طال أول من طال الآلاف المؤلفة من المدنيين في جنوب السودان الذين كانوا هدفا للنار الجهادية، كما طال حركتهم السياسية ورابطة الأخوة التي آلفت بينهم على أساس العقيدة المشتركة فتباغضوا بينهم بغضا شديدا صار قتلا مثل ما أصاب داؤود بولاد وخليل إبراهيم. 
لكن، ما الذي دفع فضل المرجي وعبد الخالق لمثل الصمود الذي تغنى به شاعر الأرجوزة، وماذا كان مطلب هؤلاء وأي دولة كانوا يرتجونها؟ استعد شباب الإنقاذ لدولتهم التي قامت فعلا بطلب الشهادة وكان جهادهم في أعوامها "الثورية" تصديقا لشعارهم إراقة الدماء في سبيل واحدية الدين والدولة فمضى منهم مثل فضل المرجي والمنشد أبو القاسم أحمد العيدروس وابن العشرين مصطفى ميرغني ومئات سواهم، كانوا في أوار الثورة منارات، فمن لا يذكر صور الشهداء على طول شارع الجامعة وكذلك في محيط جامعة السودان وجامعة النيلين وغيرها. ومن لا يذكر تبختر الطلاب المجاهدين بالدولة التي وصفها المرحوم حسن الترابي بأنها أول دولة إسلامية في العالم السني منذ سقوط الخلافة فاستثنوا أنفسهم أول ما استثنوا من اضطهاد الامتحانات والتصحيح، فما الامتحانات والشهادات بإزاء تسامي "الشهادة في سبيل الله". 
نشأ بين أفراد هذه الطبقة من المجاهدين أدب لما يدخل حيز التاريخ بعد، فقد أحالته "في ساحات الفداء" إلى بروباغاندا محضة ثم استعاضت عنه أوان حرب الإنقاذ في دارفور وحروبها اللاحقة ما بعد نيفاشا بشوفينية أولاد البحر القومية. كان المثال الأبرز لهذا الأدب صيغة الرسالة إلى الأم المكلومة، يشرح فيها المجاهد قضيته ويوصي على نسق "أماه لا تجزعي"، أو الرسالة إلى الصديق الذي مضى من قبله يناجيه فيها ويطلب سرعة اللقاء. انتخبت من النوع الأخير فقرات من رسالة الشهيد الفاتح حمزة، رئيس اتحاد طلاب جامعة أم درمان الإسلامية في أول التسعينات، إلى صديقه الشهيد الذي سبقه مصطفى ميرغني وآخرين (التشديد من عندي): 
"الكتابة إليك مرة مرارة القدر في طريق القاعدين والكتابة إليك لا تعفي عن لقاء ورؤية وجلوس والسفر إليك يثني ويرهق والطريق إلى داركم قتال والنزول إلى ساحكم خشن المداس. تركتنا كربات الخدود نعبد القطيفة والحطام والدينار ما رضيت بمقعد خلاف رسول الله وما وضعت عنك هم أمة تسعى إلى المذلة في قعر التاريخ كالهمل والهوام. (...) أتيت ربك بالنصر والجرح والشهادة وجئنا بالحطام والجبن والقمامة جئنا كبائعي الفقر نشكو قرصة الأيام وغيظ الحر وعورة الدار. جئنا عراة تضحك علينا ذيول النساء وسفهاء المجالس من الماجنين والعاجزين بلا ذكر ولا تاريخ. أخي مصطفى تركتنا كتماثيل الكرتون نندب الحظوظ في طول الحياة لتسيمنا خسفها وترينا كل يوم من أمرنا ذلا ونحن كأجساد العبيد لا نزداد منها إلا قربا وإخلاصا وتوددا (...) بربك هل ذكرت بؤسنا والفقر والسذاجة والانحطاط. هل ذكرت تماثيل الطين والخوالف والقاعدين. يا لك من فتى في السابقين قليل. عشرون كهذه أخي يقضونها حربا على المظلومين وعبادة لأرباب الخزائن والأموال وحق الفيتو. عشرون كهذه عندهم نوما في فراش الغانيات والحانات وأندية العراة ومجالس القطيعة. (...) صحيح أن من الحب ما قتل، حب التراب والغابة والمدائن والعرائس. سعدتم أيها الملك من نيران المجاذيب شمالا وحتى بلاد الورش والألواح. وأرى طيبا من أرض دقنة والقاش وبيتاي حتى مراتع النوق والفرس والشعر من بلاد الككر والسيف والدرقة والخيرات حتى ديم الزبير والعاج والحوش والأعاجيب، بلاد في سعة الأمل العريض تمددت في عينيك مثل حلم الليالي البكر من عمر الزمن الوليد. التاريخ يتجذر في عمقك من غير حدود والمستقبل في الأرض بعينيك من غير أمد. (...) من أنت أيها الفتى. الدنيا كلها لا تسوى عندك أوضع الأمل ولا أضعف الإيمان. خبرت الدرب كأنما عمرت القرون وشهدت مصرع الآجال والأجيال. أمثالكم يعدل أمة بمساجدها وتاريخها وبترولها. عشرات الخائنين أدعياء الحرية وحقوق الإنسان والأوطان يتناجون بالإثم والعدوان والغزو يجرجرون الخيبة من كل منتدى ويبيعون الفضيلة بكل دولار ودرهم.  أيها المصطفى حدثهم بأن الرسول حاضر وجبريل والقعقاع وأن البحر ذات البحر يشق الأرض شاهدا وأن الجبل ذاته يمتد في التاريخ ينبه أن الأيام دول وأن الكتاب هو 'هو وأهل البقرة وآل عمران'. يا من جئتم من كل صوب وتناديتم من كل شعب كأنكم على موعد وكأنكم إلى لقاء، ألف تحية والسلام."
في كل واقعة سياسية حقة لمس من اليوتوبيا، ومن ذلك اليوتوبيا الإسلامية التي تراءت لشباب الإنقاذ فغذت جهادهم الذي قال عنه الشهيد أبو القاسم أحمد العيدروس أنه يوجب على وجه التحقيق "أن نقاتل كل الكفر في كل العالم، ولولا أنه من الحكمة أن نقاتل الذين يلونا من الكفار فإننا إن شاء الله سنطير طيرانا إلى القدس فنقاتل اليهود..". عقد الفاتح في رسالته المقارنة بين عالم البطولة الذي انضم إليه مصطفى بفداءه فحاز الفردوس وجوار الأنبياء وعالم الوضيعة حيث الفقر والانحطاط وعبادة المال والبترول، وبين الإثنين جعل مسافة من الأمل العريض تتمدد في عين الشهيد. على خلاف عالم البطولي المتسامي جعل الفاتح للأمل العريض جغرافية وطنية وعدد من ذلك عناصر، كما ألحق الأمل المتجدد بتاريخ المهدية التحرري يصل هذا بذلك. تأفف الفاتح من العالم الماثل وعلاقات القوى فيه التي أعادها ضمن تبكيت على الخصوم إلى أصل مادي مبين مثل له بعبادة أرباب الخزائن وحق النقض في مجلس الأمن من جهة وميسم الفقر الحارق من جهة أخرى. البطولة، بالصيغة التي بشر بها الفاتح، مهرب من يتسامى على وضاعة الدولار والدرهم في طلب اليوتوبيا. 
من السهل، من موقع الحاضر، فضح ما انقلبت إليه يوتوبيا الفاتح حمزة ومصطفى ميرغني والأمل العريض الذي سهموا به لكن تلك حكمة بعدية لا تغني عن فهم الواقعة السياسية في لحظة نهضتها بل تنفي السؤال عنها بالمرة. ميز الفاتح في رسالته بين فئتين من العوازل: تماثيل الطين والخوالف والقاعدين من جهة والخصوم من أدعياء الحرية وحقوق الإنسان الذين يتناجون بالإثم والعدوان من جهة أخرى. الفئة الأولى كما يبدو من السياق هم رفاق الحركة الإسلامية الذين تفرغوا لمصالح عالم الوضيعة وتقاصروا عن نداء الجهاد إلى عالم البطولة. أليست هذه صفات البيروقراطية الحزبية أو النومنكلاتورا، من يعودون بالثورة القهقرى إلى عقلانية توازنات القوى التي تحفظ السلطة وتكرس السياسة باعتبارها فنا للمكن وليس طلبا عنيدا للمستحيل على طريقة "سقطت ما سقطت صابنها". 
وجه التفاضل بين "الواقعة الثورية" وبين "الشغب التحرري" أو قل الثورة والانتفاضة في عبارتنا عند فيلسوف الثورة آلان باديو هو العمل الشاق الذي لا بد من للإخلاص لمعاني الثورة في الصباح التالي بعد أن تنقضي ساعة النشوة. فالانتفاضة تفقد طاقة دفعها متى ما واجهت المسؤوليات غير البطولية والراكدة التي لا غنى عنها لإعادة البناء الاجتماعي، عندها يدخل عليها الخمول وترتد بلولب التاريخ الماكر إلى ما مضى من عادة وتقليد. بهذا التقدير تردى وفق عند باديو حتى البلاشفة ساعة نصر الثورة الروسية في أكتوبر ١٩١٧. قال باديو أن البلاشفة خانوا ثورتهم وقت استولوا على سلطة الدولة في أكتوبر واستغنوا عن تركيزهم الأول على التنظيم الثوري للجماهير بجهاز الدولة. لكن، ما تفسير النشاط المحموم الذي انغمس فيه البلاشفة في العشرينات لاكتشاف الحياة القادمة؟ من يوميات الاتحاد السوفييتي تقرأ مبادرات وأسئلة لتثوير الحياة اليومية بما في ذلك كيف يكون الحب والزواج وتربية الأطفال وطقوس الموت والدفن في ظلال الاشتراكية. 
ضمن هذه النهضة الثورية اجتهاد الكساندرا كولونتاي بعث الحب والمتعة الجنسية والعلاقة بين الجنسين على أساس من المساواة. معلوم مثلا أن لينين كان من مناوئي نظرية "كوب الماء" وعبر عن ذلك في لقاءه المشهور مع كلارا زتكين في ١٩٢٠. مفاد هذه النظرية أن تلبية الغريزة الجنسية والرغبة في الحب في المجتمع الشيوعي ستكون في بداهة شرب الماء. اعترض لينين على هذا التصور وعده ابتذالا. أما كولونتاي فقد أدانت من جهة صيغة الزواج البرجوازي بأحاديته الإجبارية الدائمة ونفاقها كما قاومت التصور البيولوجي المحض للعلاقة بين الجنسين وقالت نشأ في ظروف كانت تخوض فيها الطبقة العاملة نضالا ضاريا في ميادين أخرى استهلكت جل طاقتها الاجتماعية والفيزيولوجية، ولذا طغت وسطها علاقات جنسية عابرة وروتينية. بشرت كولونتاي بعلاقات جديدة بين الجنسين، قالت بزغت وسط الشباب السوفييت غراميات جديدة قاعدتها التضامن الذي ينشأ عن مصالح مشتركة ويعتمد على العلاقات الفكرية والعاطفية بين أعضاء المجموع والروح الرفاقية التي تسري وسطهم. كولونتاي كأبكار البلاشفة مستها يوتوبيا الاشتراكية وكان الأمل العريض لديها تصفية الرأسمالية كسلطة سياسية وكذلك كسلطة اجتماعية وطريقة للحياة. 
ما ورطة الفاتح حمزة إذن، وما العقدة البلشفية التي تعذر على شباب الإسلاميين حلها فكان المخرج الوحيد لإنقاذ اليوتوبيا الإسلامية ألا تغرق في وحل البؤس والفقر والسذاجة والانحطاط تحت ظل تماثيل الطين هو البطولة تحت زخات الرصاص؟ تسعفنا في هذه القضية مسألة من الثورة الثقافية في الصين في الأعوام ١٩٦٦ إلى ١٩٦٩. أعلن ماو تسي تونغ في ١٦ مايو ١٩٦٦ أن البرجوازية قد اخترقت صفوف حزبه الشيوعي وأن الواجب العاجل هو اجتثاثها ودعى من موقعه الشباب الصيني إلى إنقاذ الثورة بالانقلاب على قيادة الحزب الشيوعي واقتلاعها، أي الانقلاب على البيروقراطية الحزبية، على تماثيل الطين في صياغة الفاتح حمزة. دشن ماو بهذا الإعلان عهدا من الفوضى الخلاقة. انطلقت مجموعات الحرس الأحمر من طلاب الجامعات والمدارس في كل أنحاء الصين تهاجم رموز السلطة من كل شاكلة، المعلمين ومدراء المدارس والإداريين المحليين والمسؤولين الحزبيين باعتبارهم جميعا من تركة البرجوازية والإقطاع. أذل الطلاب السلطة وبشعوا بها كما حطموا كلما وقع في أيديهم من التراث المادي من تاريخ الصين الطويل، ما كان في المتاحف والمعابد أو ضمن ما احتفظت به الأسر، باعتبار كل ذلك رجسا إقطاعيا. شل شباب الحرس الأحمر الحياة اليومية وعطلوا التعليم والإدارة وأعمال الدولة. قال عنهم آلان باديو أنهم أعلنوا نهاية دولة الحزب في تخريجها اللينيني كمحصلة للنشاط الثوري. انتهت الثورة الثقافية إلى مهرجان من العنف واجهت فيه فصائل من الحرس الأحمر بعضها البعض، كل يتهم الآخر بخيانة "الثورة الثقافية البروليتارية العظمي" والانحراف عن خط ماو السليم، يمينا ويسارا. استجمعت دولة الحزب قواها وقت التقطت الطبقة العاملة القفاز الثوري في إضرابات عمال شانغهاي وعمال السكة حديد وتأكد ألا بد من ضربة حاسمة للثورة المضادة عندما طال التهديد وحدة جهاز الدولة القسري بعصيان قيادة جيش ووهان في يوليو ١٩٦٦، وقد كان. 
انتهت الثورة الثقافية بالتئام علاقة الاعتماد المتبادل بين الحزب والجيش وتصفية قوى الثورة الحية عبر الترحيل الجماعي للملايين من السكان إلى الأرياف البعيدة، خارت قواها دون أن تستطيع اختراع الحياة الجديدة الديمقراطية التي وجهت من أجلها الضربات المتتالية لأصنام الصين القديمة، العلاقات الأسرية والتقاليد الاجتماعية والسلطات الأبوية والعقائد الروحية والأدب والفن وكل ما به درن البرجوازية، فكانت شاهدا على عجز عظيم وبذات القدر على المستحيل الذي اقترب حتى كاد ثم انسحب.  بإعلانه الحرب الشعبية على الحزب الذي أنشأه فتح ماو الباب لعهد نادر من التجريب. ضمن هذه الطاقة السلبية، تدهور جهاز الدولة وانفرطت علاقات السلطة الاجتماعية المرتبطة به وحلت محله في كل موقع كيانات تجريبية قاعدية، لجان ثورية وكومونات شعبية متمردة على قيود جهاز الدولة وقواعده المرعية وتراتبه الهرمي؛ أعلن ماو أن التمرد حق للشباب وواجب، وقال الشعب لا ينتظر التعليمات بل يبادر بالأفعال. شجع ماو الملايين من شباب الحرس الثوري على الانتشار في كل بقعة من البلاد وبث الثورة عبر تحطيم البالي والقديم من الآثار والمعابد والتشهير بممثلي السلطة في أي ثوب أتوا، الأمهات والآباء وكبار القوم الرجعيين ورجالات الدولة وأعضاء الحزب الشيوعي المصاب عنده بداء البرجوازية فأزال بضربة ماهرة الشرعية عن كل أشكال السلطة، الدولة والدين المنظم والتنظيم السياسي والأسرة والمدرسة والجامعة. 
انهارت يوتوبيا الثورة الثقافية تحت ضربات التاريخ الماثل، وذلك مصيرها كواقعة تاريخية لكنه لا ينفي حقيقتها كشاهد على احتمال الحرية الجذرية بما يتجاوز حتى تكنولوجيا الحزب الطليعي وصفوفه المرصوصة، أي صيغة النشاط الثوري الأساس في القرن العشرين. تظل الثورة الثقافية بهذا المعني طيفا يسكن كل نهوض ثوري في انتظار البعث من جديد. دون هذا الاحتمال التحرري تنحدر كل يوتوبيا إلى الانحطاط الذي اشمأز منه الفاتح حمزة ولم يشهد منه سوي القليل. لم يعش الفاتح حمزة ليرى الإسلاميين وقد أذرى بهم الحكم حتى صاروا نشالين لجهاز الدولة لا غير مشروعهم الحضاري مبطوح مهترئ بين عمر البشير وطارق سر الختم يشهد على نفسه، ليس فيه من يوتوبيا مصطفي ميرغني ابن العشرين الذي تعفرت قدماه عند الفاتح "بفوح من غبار مواكب البدرين" شئ.
ما العبرة إذن؟ ربما ما نطق به ماكسميليان روبسبيير، زعيم التيار الراديكالي في عنفوان الثورة الفرنسية وهو يواجه المقصلة. كان لروبسبيير دورا مقدما في الدعوة للإطاحة بالملكية في ١٧٩٢ وقيام الجمعية الوطنية وانتخب نائبا فيها من موقعه كأحد قادة حكومة باريس الثورية. بشر روبسبيير بجيش شعبي من عمال المدن وأصحاب الحرف لحماية الثورة ثم تزعم لجنة السلامة العامة بهذا الاختصاص. صارع روبسبيير من موقعه كل ما اعتبره انحرافا عن خط المساواة الثورية بعنف مشهود حتى تآمر عليه خصومه وأطاحوا به في انقلاب الردة في ٢٧ يوليو ١٧٩٤، بداية عصر الثرمدور أو الثورة المضادة. استقبل روبسبيير مصيره بجلد عظيم قائلا إنه في غياب عذاب القلوب الشهمة وحبورها، في غياب الارتياع العميق من الاستبداد والهمة المرهفة نحو المستضعفين والحب المقدس للوطن وفوق ذلك الحب المتسامي والإلهي للإنسانية تصبح كل ثورة عظيمة محض جريمة صاخبة تستأصل جريمة أخرى. هتف روبسبيير بهذه المعاني وقال ما يزال الطموح المشترك في تأسيس أول جمهورية في العالم حيا. 
شمر الفاتح ومصطفي لنصر الدولة الإسلامية بالفداء، وأدركا ربما أن بين اليوتوبيا الإسلامية التي كانا ينشدان والواقع الماثل صحراء واسعة من الحقائق المادية والمصالح السارية وعلاقات القوى التي تأبى أن تنصاع للمطالب الثورية هكذا ضربة لازب. كما للفداء شهب، كذلك لصحراء الواقع ربان، تماثيل الطين والخوالف والقاعدين الذين وجه إليهم الفاتح سهامه النقدية. لم يخرج هؤلاء من صف الخصوم بل من بيت الحركة الإسلامية لإدارة السلطة وتسكينها حيثما تسري المصلحة. بذلك ترك الفاتح ومصطفى العدو خلفهما واستغنيا عن الجهاد الأكبر ضد الفقر والبؤس ببطولة القتال ضد مساكين مثلوا حاجزا كاذبا ضد يوتوبيا العدل الإسلامي بالمقارنة مع الحواجز القائمة فعلا، مصالح المالكين المتنفذين الذين حذر منهم الصوت القرآني بتشديد كثيف: "مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ." 
ثرمدور الحركة الإسلامية عند المرحوم حسن الترابي هو ما أتاها من صلف العسكر وطموحهم الانفراد بالسلطة وهذا مختصر كتابه "السياسة والحكم: النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع" (٢٠٠٣). لكن أيصح هذا التقدير والحركة ما شقت للمساكين طريق سوى الموت من أجلها أو في الصراع ضدها؟ والت الحركة منذ أن نهضت للحياة السياسية على يد حسن الترابي رأس المال وكان مكسبها في السلطة أن اخترعت للسودان الليبرالية الجديدة بحديد الدولة ونارها وكانت الأمينة على عناصر إجماع واشنطن، أرباب الخزائن في عبارة الفاتح حمزة، أيا كان الثمن الاجتماعي: التقشف في الإنفاق الحكومي على الخدمات العامة؛ خصخصة مؤسسات الدولة؛ تحرير تدفق الاستثمارات الأجنبية؛ تحرير سعر صرف العملة؛ تحرير وإلغاء القوانين التي تعيق عمل السوق وتقيد المنافسة؛ تحرير قطاع التجارة والقضاء على القيود الكمية كمنح التراخيص والامتيازات؛ تحرير الأسعار بحسب قوى السوق. لم يكن في علبة أدوات الفاتح حمزة ومصطفى ميرغني منظارا يكشف ما ببطن حوت الدولة، أكانت بيد أخ إسلامي أم خصم علماني، ونهضا إلى ما نهضا إليه بحمية العقيدة، خنق!
ما البوصلة إذن في صحراء الواقع التي انحطت حتى بالمثال الإسلامي ومطلبه المستحيل ردم ما بين الأرض والسماء؟ قد تسعفنا هنا حكمة كارل ماركس التي لا غنى عنها للثوري في الملجة الرأسمالية. أليس عنف اليعاقبة، جماعة روبسبيير، الطليق وثرمدور ستالين وهستيريا الثورة الثقافية في الصين وحتى قتال الفاتح ومصطفى ضد المساكين من مواطنيهم عرض للحجر على الصراع في ميدان الاقتصاد، حيث منشأ البؤس والفقر والانحطاط، وتزويره كصراع سياسي؟ عند ماركس، ما الصراع السياسي سوى مشهد مسرحي عظيم، شرح حركاته وسكناته في متاهة الاقتصاد.  بصارة ماركس وأذكى ما رفد به التنظير السياسي هي إصراره الأكيد أن مسألة الحرية، وقل السلام والعدالة، منسوجة في العلاقات الاجتماعية التي يصر الطنين الليبرالي على اعتبارها من طبيعة الأشياء وغير ذات صلة بالسياسة: من يملك ومن لا يملك، من يكدح بلا طائل ومن يحصد الأرباح. إن كان للحركة الإسلامية عبد الرحيم حمدي فالعيون السود في البطانة كتار!



استفدت في هذه الكلمة من كتاب سلافو جيجيك "لينين ٢٠١٧" (٢٠١٧) وكتاب كارل ماركس "برومير الثامن عشر للويس بونابارت" [١٨٥٢] (٢٠٠٧) وكتاب كلارا زتكين "ذكرى لينين" (١٩٣٤) ومقالة الكساندرا كولونتاي "افسحوا الطريق للغرام المجنح" (١٩٢٣) ومقالة مايكل لوي "شاعرية الماضي: ماركس والثورة الفرنسية" (١٩٨٩) وكتاب نيك نايت "إعادة التفكير في ماو" (٢٠٠٧) وكتاب بول كلارك "الثورة الثقافية الصينية" (٢٠٠٨). 

Friday, 30 August 2019

يا جركانة الموية: وجعلنا من الماء كل شئ حي

ابتدر رئيس الوزراء عبد الله حمدوك عهده بتصريح عن فجوة السودان المالية. قال رئيس الوزراء في مقابلة مع وكالة رويترز للأنباء أن البلاد بحاجة إلى ٨ مليارات دولار لتغطية حساب الواردات ووقف تدهور العملة خلال الأعوام الثلاثة القادمة و٢ مليار خلال الثلاثة أشهر المقبلة. كان الأستاذ فيصل محمد صالح قدم رئيس الوزراء الجديد للجمهور في مقابلة تلفزيونية دامت ساعة وبثتها قنوات التلفزة السودانية وبعض العربية يوم ٢٤ أغسطس الجاري. أفصح رئيس الوزراء عن كثير مما عن له من مصاعب الاقتصاد ومعضلاته لكن قليل عن الوسائل المتاحة لديه أو التي ينوي التصدي بها لهذه المعضلات. قال رئيس الوزراء نريد أن يتحول الاقتصاد السوداني من اقتصاد استهلاكي قائم على التوريد إلى اقتصاد إنتاجي، نريد أن يتوقف صادر المواد الأولية من الثروة الحيوانية والمحاصيل الزراعية ونريد استبداله بالسلع المصنعة. تحدث رئيس الوزراء عن الاقتصاد وصمت عن الاقتصاد السياسي المحيط بهذه الحقائق، صمت عن القوى الاجتماعية ذات المصلحة في تصدير المواد الأولية وموقعها من جهاز الدولة والعلاقات التي تربطها بالسلطة التنفيذية الجديدة وعن القوى الاجتماعية التي من مصلحتها التحول عن هذه الصيغة. 
صمت رئيس الوزراء كذلك، أو لم يسأله فيصل محمد صالح بما يكفي من التشديد، عن طبيعة ومقومات وحدود المساومة التي أوصلته إلى مقعد رئاسة الوزراء ومقتضيات التناقض بين الجهاز القسري للدولة، مثلث الجيش والأمن والمليشيا من جهة، وبين السلطة التنفيذية المدنية قيد التكوين من جهة أخرى، وكذلك عن التناقضات داخل كل من هذين الكتلتين. ربما جاز في هذا الخصوص الإحالة إلى النصوص الحاكمة للعلاقة بين اللجنة الأمنية التي تولت السلطة في انقلاب ١١ أبريل وقوى الحرية التغيير، أي الإعلانين السياسي والدستوري. لكن توفرت في تاريخنا الممتد والقريب ما يكفي من الشواهد على ثمالة النص في مقابل نصاح الوقائع حتى ندرك أن أي نص سياسي مهما بلغ حسنه، ودوننا اتفاقية السلام الشامل بتفاصيلها التي تخزي الشيطان، هو انعكاس لتوازن القوى في ساعة انعقاده، وتنفيذه من عدمه رهين بذبذبات أو تقلبات هذا التوازن وما يواتي أطرافه وما تفرضه المساومة المستمرة بينهما. فالتفاوض لا ينتهي بتوقيع الاتفاقيات وإنما يستمر كصيغة من العمل السياسي بين المتعاقدين وجمهورهما، بل قد تنسف تحولات في ميزان القوى أي اتفاق كان. 
تحدث رئيس الوزراء حمدوك بإعجاب عن نموذج "الدولة التنموية"، والعائد في تخريجه القريب إلى المرحوم الرئيس ملس زناوي في أثيوبيا بعد عهد اللجنة (الدرج). ما صمت عنه رئيس الوزراء أن نموذجا كالذي قام في أثيوبيا وتحققت بفضله معدلات نمو مذهلة يشترط بنص وممارسة الرئيس زناوي جهاز دولة مركزي قوي اليد تحت سلطة قوة سياسية مهيمنة على مدى طويل ويستطيع بموجب هذه السلطة وبقوتها السيطرة على الريوع الاقتصادية، أي الفوائض الناجمة عن أصول اقتصادية (أرض، رأس مال، قوة عمل، موارد طبيعية) بما يفوق ما هو ضروري اجتماعيا واقتصاديا، وكف يد المضاربين عن النشاط الريعي، ثم توجيهها لصالح أجندتها التنموية. لم يفصل رئيس الوزراء، ولم يلح عليه فيصل محمد صالح ليفعل، عن كيف سيتسنى لإدارته الانتقالية، بعمرها المحدود بثلاثة أعوام وثلاثة أشهر، والتي لا حول لها حتى الآن على الجهاز القسري للدولة وميزانياته وأصوله ولا ولاية انتخابية لها تحفظ لها الهيمنة، أن تقوم بمهام مثل التي يتطلب النموذج التنموي الأثيوبي. كما لم يذكر رئيس الوزراء على الإطلاق ما حكمه على الجمرة التسلطية في كل عقيدة تنموية، كان ذلك أثيوبيا زناوي أو رواندا كاغامي أو حتى سنغافورة لي كوان يو أو كوريا الجنوبية بارك جونغ-هي بل أم التنمية، كما في عبارة الاعتصام، الصين الشعبية. وهذه جمرة وصفها كاتب متعاطف حصيف العبارة بأنها تمثل "نظام سياسي مقيد لكنه شامل" وما حبذ الكاتب "شمولي". ضرورة هذه القبضة التسلطية عند المرحوم ملس زناوي هي منع انحراف الريوع الاقتصادية إلى تمويل شبكات المحسوبية السياسية. 
اختصر الفريق أول محمد حمدان دقلو المأزق الماثل في المساومة الراهنه بعبارة سهلة ممتنعة صرح بها أمام جمع حاشد بعد أيام قليلة من انقلاب ١١ أبريل. قال الفريق محمد حمدان يحض الجمهور على ولاء الدعم السريع أن "التنمية نوعان، تنمية الدولة وتنمية الدعم السريع". سخر مراقبون من عبارة الفريق محمد حمدان، باعتبارها بعض من عقله الرعوي المزعوم، لكنها تشخيص ليس مثله لازدواج السلطة الراهن. أمام رئيس وزراء معضلة بينة، وهي أن جانب عظيم من الريوع الاقتصادية التي لا بد منها لتمويل "الدولة التنموية" التي زكاها طريقا اليوم بيد خصومه، أو قل شركائه بروح اتفاق كورنثيا، في القصر. اشتعلت في رأس رئيس الوزراء أفكارا ربما لم يفصح عنها جميعا ونال حسن ظن المجتمع الدولي وربما البنك والصندوق الدوليين لكن بيد حميدتي وحلقة الضباط من حوله وشبكة رجال الأعمال التي يتوسطها الجيوب المربحة في الاقتصاد، تجارة العنف بالدرجة الأولى، والتهريب العابر للحدود وتعدين الذهب وصادر الماشية. 
برزت حدود سلطة رئيس الوزراء وهو يتحدث في التلفزيونات بالدولة التنموية في النزاع الدموي الذي وقع في بورتسودان بين فئتين من المساكين علي حدود الإثنية، النوبة والبني عامر، حيث ارتفعت أصوات متهمة القوى الأمنية بمحاباة طرف على حساب الآخر والدماء تسيل. قال البوليس أن ١٦ شخص على الأقل سقطوا في دورة النزاع الأخيرة وقدر تجمع المهنيين العدد بضعف ذلك أو يزيد. أصدر مجلس السيادة برئاسة الفريق أول البرهان قرارا بفرض حالة الطوارئ في المدينة، القرار الذي يجب بحسب الإعلان الدستوري أن يصادق عليه برلمان لما ينعقد بعد، كما أعلن إقالة الوالي ومدير الأمن في الولاية. اتهم متحدث باسم المجلس جهات داخلية وخارجية لم يسمها بالتدخل و"تحميش" النزاع والعمل على توسيع خارطته، لكن صمت عن أسبابه ودوافعه إلا ربما "العين". 
بحسب الأخبار المبتورة من المدينة تعود الأسباب المباشرة للنزاع إلى خصومة مزمنة على أرض سكنية. ثارت هذه الخصومة في يونيو الماضي لتحصد أرواح الثلاثين أو يزيد. وقتها قيل أن قوات الدعم السريع زادت من وتيرة العسكرة بتجنيدها شباب البني عامر. مثل نزاع بورتسودان امتدادا لأحداث مشابهة وقعت في كسلا وخشم القربة وفي القضارف خلال الأشهر القليلة الماضية وتاريخ طويل من النزاع الاجتماعي يعود بعضه إلى ستينات القرن الماضي من ضمن تاريخه القريب مظالم ومظالم مضادة ما كان منها في سياق النزاع بين المهربين (وفيهم من البني عامر) والبوليس (وفيهم من النوبة) في كسلا في سبتمبر ٢٠١١ وفي القضارف في نوفمبر ٢٠١١ وكذلك نزاعات حول حيازات تعدين في ولاية القضارف في يوليو ٢٠١٣، سقط في جميعها قتلى بنار الدولة. 
استعجلت قيادات من الحرية والتغيير تعميد النزاع في بورتسودان كما جرى في القضارف نزاعا قبليا واتهمت عناصر غامضة من دولة البشير بتأجيجه ضمن خطة للثورة المضادة، وربما صح زعمها، ثم جددت الدعوة إلى الوحدة الوطنية عبر وساطة يقوم عليها زعماء من الإدارة الأهلية. لكن خارت الوساطة واستمر النزاع حتى دخلت وحدات من الدعم السريع بورتسودان دخول الفاتحين تبشر بهم أصوات زعماء الإدارة الأهلية من البني عامر. لكن، أليست وقائع بورتسودان والقضارف وكسلا، على الأقل ما بلغ منها الإعلام لدمويتها، بعض أعراض مزيج متفجر من تدهور الاقتصادي الريفي، حيث بز التهريب الإنتاج الزراعي ربحية في أقاليم السودان الحدودية، ومرافقه الإفقار الحضري لقوى عمل عاطلة عن الإنتاج ضاقت بها الأرياف الواسعة وازدحمت بها الحواضر دونما بنية تحتية لموجبات البقاء أو وقاية اجتماعية.  
كانت فاتحة العنف في القضارف في مايو ٢٠١٩ بحسب النقل الصحفي مجابهة يومية بين سيدة من النوبة وبائع مياه من البني عامر حول سعر الجركانة، أي مجابهة في السوق حول هامش الربح. استقرت مجموعات من المواطنين النوبة في حزام الزراعة الآلية وقلبه القضارف كعمالة موسمية التشغيل دائمة الوجود وهو انتقال مركب، مكاني وثقافي واقتصادي، من موقع الفلاحة صاحبة الأرض الأصيلة الساكنة في لغة وثقافة موروثة وعالم فيزيائي وروحي متسق المعاني إلى موقع بائعة العمل في سوق الله أكبر منزوع المعنى سوى ما كان نقدا في غربة عن الأرض وعن وسائل الإنتاج وعن الجغرافية والثقافة. في هذا العالم منزوع البركة يجابه النوبة والبني عامر الاقتصاد النقدي كل على طريقته ووفق شروط لم يختارها أي منهم وفرضتها وقائع سابقة لوجودهم الفردي، أورطة البوليس وفريق التهريب وعصابة السطو والعمل الزراعي الموسمي ومالك الأرض الزراعية وسوى ذلك. تصديق كل ذلك ما صدر قبل أيام عن ممثلين لمزارعين في القضارف وسنار اشتكوا مر الشكوى من عجز البنك الزراعي عن تمويل "الكديب" كثيف العمالة. لا غرو إذن أن فاق سعر جركانة الماء في سوق القضارف قدرة سيدة من النوبة على الشراء، قضت في نزاع على هامش الربح وليس في صراع قبلي.
 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.