نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١٢٧ بتاريخ ١٨ يونيو ٢٠٢٦.
«شوف يا ولدي، السّوق ده كلّه، القيامة القايمة دي، ما فيهو زول ببيع ليك مكيالك. الشوّال مقفول، مكتوب عليه خمسين كيلو، توزنه تلقاه خمسة وأربعين، ستة وأربعين. أكياس الكيلو المَرَصْرَصة دي، كان وَزَنْتَها تلقاها ناقصة. كيلو تام كدا دا ما في. والربح الفي جيوب الناس، دا يدِّي دا، ودا يشيل من ده، يا هو مِن التطفيف دا. وربنا قال شنو: «ويلٌ للمطفِّفين. الذين إذا اكتالوا على الناس يَستوفون. وإذا كالوهم أو وَزَنوهم يُخسِرون». والبِقَت علينا دي ما ياها الويل. تصبر بس».
امتدّت تجارة «الحاج يوسف» عبر الزمان والمكان لستة عقود أو نحو ذلك، خَبُر فيها ضروباً من التجارة والخدمات؛ دكّان الجملة والقطاعي والعصّارة والطاحونة، بصَبْر وجَلَد أجرَى على يده الرزقَ حلالاً طيباً بغير ذُلّ الماهية، رزق قامت به «الأسرة» التي أوصى بها المصطفى تكاثراً بين الأمم، الأسرة التي تحشد القوى للسُّترة، وتكابد العالم المتغيّر من حولها دون أن تتمزّق لها قماشة، تزفّ عرسانها وتُنشئ أطفالها وتدفن أمواتها وتَجري دموعها فرحاً وحزناً، ولا تتأخّر.
عاش الحاج عبر هذه السنين تاريخ السودان الحديث من موقعه تاجراً تقيّاً، الاستقلال وآباءه، الحكم الوطني وصراعاته وسياساته، فازدهر المال في يده وكسد بمدّ وجزر التضخّم وقيود التسعيرة وكوابح التصدير والاستيراد وزقاقات الدولار الجمركي وانقلابات تغيير العُملة. كما شهد ترجمة ذلك كلّه في محيطه، عمران عالم الماهية بمدارسه ومستشفياته ومشاريعه وموظّفيه، وتجارة العُملة وهول أرباحها، والمضاربة في السلع الضرورية، حتى بيع الكسر، والجوكية، والشيكات الطايرة، ورأس المال الذي تجري به العربات البوكو، وهو مُلازمٌ مسبحتَه التي بها معيارُه، ودفترَ الحسابات الأزرق ذاك بضَلفَتيه. لفَحَت تجارتُه من كلِّ غائلةٍ لفحةً حيثما هو، حتى بلغت الغوائلُ مبلغَ مدفعية الدعم السريع ومُسيّراتها تحاصر مدينتَه بعد أن فتكت بِرِيفها.
وتشخيص الحاج، كما شرح بعبارته، من كرّاس المادية التاريخية، «من واقعنا ما من أكتر»، أنَّ مَرابضَ مدفعية الدعم السريع قائمةٌ في السوق وتطفيفه. وبلَغ بتفسيرِه للتاريخ موقعاً جوّانياً في الاجتماع لم يجد له تسجيلاً في شرح «حضرة الصول»، بطل العباسية، الذي فضَّل أن يَزْقُل الكبّة برّة وبعيد، والعياذ بالله، أو في تفسير حزب عمسيب، رَمَتني بِدائها وانسلَّت بجيناتها، بت ملوك النيل. فما خريطةُ هذا التفسير الذي انتهى منه إلى شعار: «تصبر بس»؟
افتتح وزير الداخلية الأسبق، على عهد الحكومة الانتقالية، عز الدين الشيخ، في 17 يونيو 2021 سجناً عظيماً في جهة سوبا جنوب الخرطوم، بسعة 3600 نزيل ذكوراً وإناثاً، وكان الثالث في الحساب المعاصر، إذ سبقت الداخلية بإنشاء سجنَيْن عظيمَيْن أيضاً في القضارف والنيل الأبيض. وقتها قال ضابط في البوليس إنّ هذه السجون الجديدة برحة التصميم حتى أنها تستقبل زوجات النزلاء في ساعات خاصة، فالسجن لا يجب أن يَقطع النسل.
كان تقدير الداخلية وقتها أنّ سكّان سجون السودان بلغوا في عددهم 36 ألف نفس، بما ذلك الرئيس المخلوع عمر البشير وصحبه، عدد تضاعف أضعافاً من 7 آلاف نزيل عام 1990، ثم حوالي 20 ألف نزيل عام 2011. وقد أطلقت السلطات في مارس 2020، ضمن عفو واسع، سراحَ 4 آلاف سجين من المحبوسين في الحقّ العام، بالدرجة الأولى شيكات طائرة ومخدّرات، فكان ردُّ فعل زملائهم مِن الذين ظلّوا في الحبس أن تمرّدوا خلف الأسوار، تمرُّدات شملت سجوناً في الخرطوم وبورتسودان ونيالا.
حدّد القانون الجنائي لعام 1991 عقوبةَ الإعسار بالغرامة أو الحبس أمداً قد يصل إلى خمس سنوات ثم سبع سنوات لمن تكرّرت جنايته. لكنْ جابَهَ القانونُ بحَرْفِهِ ظاهرةً اقتصاديةً من تبعات التحوّل الحاسم نحو اقتصاد السوق وتعاظم غول التضخّم الذي يكسر المال في خزائنه. لذلك، بلغ عدد المحبوسين تحت عنوان «السّجن حتى السّداد» في سجن الهدى غرب أم درمان وحده حوالي 4 آلاف مُعسَر غريم، تُقابِلهم في النظام المصرفي نسبة إعسار بلغت في العام 2007 حوالي 26%.
وليس إعسار القروض المصرفية سوى طرف محدود من أرخبيل الديون هذا، الذي تحوَّلت به الشيكات في واقع الأمر إلى «كمبيالات» المسلسل المصري ذاك؛ وَعْد بالسّداد في حلقات متّصلة من الاستدانة تبتلع الذين لَفَظَهم تدهور الاقتصاد الإنتاجي في الريف، وخَشُّوا السوق برأس مال محدود: حصيلة بيع البقرة وبقرتين، والفدّانين تلاتة، وتقريشة بضع سنين في السعودية بإقامة راعي، وكلّ ذلك قدِّر ظروفك وشِيل من الأخوان. يشتري هذا المستجدّ من تاجر الإجمالي بضاعةً بقليلِ مالِه ودَيْنٍ عظيمٍ من فوقه طاقيّة، نسبة ربويّة تَخْلع، حصانة لصاحب المال من مُركّب التضخم والركود، ويُعْجِزه توزيعها، فيعود ليبيعها – بأقلّ من سعر السوق، بالكَسِر، حتى يتحاشى الإعسار – في كثير من الأحيان لصاحب المال الأوّل نفسه المُمسك بالشيكات سلاحاً في يده، أو متآمراً معه.
ونشأت بذلك تجارة باطنية في الديون، يتناقل بها سماسرة الدَّيْن، الجوكيّة، الشيكات الطائرة بينهم. يشتري الجوكي الديون في صورة شيكات طايرة، بأقلّ من المبلغ المرسوم عليها من المَدِين الذي تلفت أعصابه يلهث وراء «الكاش» كي يحفظ نفسه خارج الحبس. ويدخل الجوكي بهذه الشيكات حلقة ثانية من الشراء، إما بضاعة حارّة، أو ديون أخرى أعظم، أو أرض عقارية تمسك المال في التراب. توسَّع هذا الأرخبيل بخاصّةٍ في تجارة العربات، إذ يشتري الجوكي عربيّة اشتراها صاحبُها بقرض بنكي عجز عن سداد أقساطه، أو بشيكات مؤجَّلة لا يملك لها غطاءً، بكَسْرٍ من سعرها، ويبيعها من جهته في مقابل شيكات مؤجَّلة بربح واسع، وتتحوَّل هذه الشيكات في يده إلى سلاح في وجه المَدِين يَقبَل الكسر من جديد. والجوكي، بهذا المعنى، طفرةٌ في السَّمْسَرة أمْسَكَت بضَرْع الديون، حتى أنَّ المراجع العام قدَّر الثقلَ الماليّ للشيكات الطائرة في العام 2019 بحوالي 45 مليار جنيه، ما كان يساوي وقتها 100 مليون دولار، بما في ذلك حوالي 7 مليارات جنيه (8 ملايين دولار)، بيَد مصلحة الضرائب لا تعرف لها صرفاً ولا عدلاً، حبس حتى السّداد.
انبَشَق سوق الديون هذا في الفاشر عام 2010 داخل حوش الحكومة، إذ واجهت السُّلطات 3700 غريم باعوا مالاً سائلاً وبضاعةً قائمةً أو عقاراً، تلقاءَ وعودٍ بالسّداد في صورة شيكات طائرة. تظاهَرَ روَّاد سوق التطفيف وتَصدَّى لهم البوليس بما يُعْرَف، فأطلق الرصاص. قضى أربعةٌ بديونهم، وعاد خمسون آخرون بحلوقٍ جافّةٍ وجروحٍ وشيكاتِهم تلك. تحوّلت عملية تجفيف هذا المستنقع المالي إلى عَورة سياسية، فبعض كبار الجوكيّة كانوا حلفاء لوالي شمال دارفور وقتها، محمد عثمان كِبر، وأعضاء في البرلمان الولائي بجلابية «المؤتمر الوطني».
توسَّع أرخبيل الدّيون بأكثر من ذلك منذ حوالي العام 2015 بسلعتين سامَّتين: المخدّرات، والعربات البوكو حرام المهرَّبة من حريق ليبيا وما وراءها ببوابة تشاد. وغذَّت هاتان السلعتان دَوراتٍ أخرى متعاظمة من تجارة الديون، حتى أنّ السلطات قدَّرت عدد هذه العربات الطايرة في فبراير 2021 بحوالي 300 ألف عربية، فماذا كانت حمولتها؟ سلاح، مخدرات، دهب، النجمة، وبنلِفّ على كيفنا.
راقَبَ الحاج يوسف ذلك كلَّه من كرسيّ خشبيّ على مسطبة الطاحونة. ذَكَر الله كثيراً واستغفَرَ ما استطاع، جدَّد وضوءَه، تُبحلِق الزّنّانة فوق رأسه بقرون استشعار لا يدركها، لكنْ يَطرُق مسمعَه برقّة النسيم: «يا عمو ما عندكم دقيق بالكيلو؟»، «بالحيل، بالحيل، عايزة كم؟»، فمكياله حيٌّ بين يدي المشتري لا يدسُّه كيس.
No comments:
Post a Comment