Thursday, 18 June 2026

جورنال من البلد: من تفسير حضرة الصول للتاريخ، زي ما بقولك كدا

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١٢٥ بتاريخ ٤ يونيو ٢٠٢٦. 

آثَـر بعضُ أهل بقعة أم درمان طيَّ سِجلِّ الحرب كواقعةٍ انحسَر ظلُّها، فالحربُ عندَهم كانت «أيام الحرب»، أما هذه الأيام فبرزخٌ عسيرُ التعريف، لا هو الحرب الناريّة التي كانت «أيام الحرب» ولا هو العالَم الذي كان قائماً قبل ذلك، ما انجَلَت قسَماته بَعد، إلا أنَّ الرغيفات الأربع فيه بألف جنيه، والدفع بنكك، فالكاش في ندرة الوفاء، و«حقيقة مافي» بعبارة صاحب الركشة الذي مَلَّ الجغم السرديّ المتبادَل، وفِتِر. يقابِلُ الناسُ تحدّيات هذا العالم البرزخيّ بصُوَر من التلاؤم والتعايش والابتكار: محلَّ مُحوِّل الكهرباء الميري حلّت ألواح الطاقة الشمسية والإنڤرتر؛ فرديةً لمن استطاع إليها سبيلاً، وجماعيةً لمن تعاونوا على البرّ والتقوى، ومحلّ عربية «الوساخة» حلَّ الحريق بالجاز في الخور، ومحلّ قوّة البوليس الحارسة حلّ مستنفَرون ومقاومة شعبية؛ ومحلّ الدكتورة ديك، ستّ العيادة، حلّت الدكتورة أونلاين وصوَر الفحص في واتساب.

لكنْ لا يحلّ محلَّ الونسة شيء، فهذه لا تنقطع. وتزدهر في هذا البرزخ صيَغٌ من «أيديولوجيا» الحياة اليومية التي يَرُوم بها المتونّس ترتيبَ دلاقين «أيام الحرب» وكبح شياطينها في دولاب يقبل الإغلاق، ولملمة ما أصابته البَشْتَنة من عناصر حياته العقلية في كومٍ ما، ينتظر بها ربَّما ساعةَ هيغل تلك، إذ تَفْرِد بومة الحكمة أجنحتَها عند الغسق؛ ساعة تأتي ولا تأتي. تقتطف المستمعةُ من هذه الوَنَسة مثلَ تفسير حضرة الصول للتاريخ.

رتّب حضرة الصول «أيام الحرب» في رأسه بتفسير فعّال وطريف، فهو يُعْلِم ويُسلّي، تشقّ به الضحكاتُ ليلَ العباسية الذي انقطعت عنه الكهرباء وتُدمع العيون:

انت يا دكتور قايل محمد بن زايد دا مشكلته معانا شنو بالزبط؟ الموضوع دا معروف! هو أصلاً في جماعة سودانيين اتشبّكوا مع الحاجّة أمُّه. الجماعة ديل كانوا شغّالين ليها تنزيل، زي ما بقول لك كدا. أصلاً محمد بن زايد ده عنده أخو فيه شوية هبالة كدا، والأم عايزة الأخو دا يورث الحكم، الكلام دا قبل ما يموت شيخ زايد. بعدين طبعاً الشغل دا كلّه سحر وطلاسم. أها، الحاجّة أم محمد بن زايد دي جابت ليك الجماعة ديل اللّمَارات، معروفين هم، جابتهم وقعَّدتهم في اللّمَارات دي، ودَوَّرُوا ليك سفلي عديل، كلّ مرة يجوا ليك للحاجّة دي بي طلب، قروش تقيلة، بقولوا ليك شالوا مليارات عديل كدا على أساس أنه يشتغلوا ليها الشغل دا. وبعدين يا دكتور، زي ما انت عارف، الشغل دا كلّه حرام في حرام.

ويَنْحَتُّ السأم عن النفوس كغبار النهار بضحكٍ مجلجل: لا ياخ؟ ما بصدّق!

والله يا دكتور زي ما بقول ليك كدا، نحنا عندنا قرايبنا شغّالين في اللّمَارات دي بالسنين جابوا القصة دي بالتفاصيل، منهم ناس في القصر ذاته. يا زول! وحاتك يا دكتور، دا موضوع معروف، البلد دي كلها عارفة القصة دي، إنت بس عشان طوّلتَ بره. محمد بن زايد من يوم عرف الحكاية دي، طبعاً جابوا ليه الكلام ناس الاستخبارات، والناس ديل كجَّنُوا ليك حاجة اسمها السودان وأم أهل السودان. والجماعة الملاعين ديك هربوا، قام قبَض ولد واحد فيهم ختّاه في السجن، لحدّي اليوم ما معروف ذاتو حي ولا ميت، أها قُول دي برضو ما سمعت بيها. الراجل أخد الموضوع شخصي، هم ذاتهم بالغوا يا دكتور. تقول شنو بس، يعملوها ديل وتقع فينا نحنا المساكين ديل.

قد تسخر السَّاخرة من تفسير حضرة الصول للتاريخ بحلقة نَصْب من مشعوذين وجدوا دَوراً في بلاط أميري يضجّ بالمؤامرات، لكنه تفسير يصوِّر شيطانَ الحرب علّةً برّانيةً على الاجتماع الذي عَهِده، مهما اشتدّت تناقضاته؛ علة اعترضت مجرى النيل فاضطرب أيّما اضطراب، لكنه يجري. في المقابل، تجدَّدَ، في أفئدةٍ كثيرةٍ عزيزةٍ جرَحتها بَشْتَنة الحرب والانتهاك الجماعي لحرمات البيوت ورُكن المِلكيّة الخاصة الركين، شبحٌ قديمٌ جديدٌ كان المتحدِّث باسمِه في آخر صُوَره، ما قبل عهد الدعاية الجماهيرية أونلاين، تيك توك، لايك، شير، فيسبوك لايڤ، المرحوم الطيب مصطفى.

بثَّ المرحوم الطيب صيغتَه الخاصّة للعقائد العنصرية لأهل السودان النيلي عبر جريدته الناجحة «الانتباهة» وهدفها التبشير بانفصال جنوب السودان كمطلب شماليّ. أجرى المرحوم الطيب حبراً غزيراً لهذا المقصد في بابه المقروء «زفرات حرّى»، وكانت خطته بالأساس خطة «دفاعية» تقوم على أنَّ قومية وسط وشمال السودان العربية المسلمة مُهدَّدة بحصار القوميات غير العربية وغير المسلمة التي اجتمعت عليها تحت راية الحركة الشعبية لتحرير السودان، وأوّل خطوات الخلاص من هذا الحصار هو التحلّل من أغزر هذه القوميات عدداً وأشدّها شوكةً، بانفصال جنوب السودان، بَلا وانْجَلا. وهَزَم المرحوم الطيب مصطفى بهذه الخطة، من حيث لا يحتسب، العقيدةَ في نفاذ الثقافة العربية الإسلامية إلى السودان النيلي وقدرتها على استيعاب التكوينات القوميّة الأخرى أو التعايش معها في دولة واحدة متعدّدة القوميات.

وَقَع حميدتي وجيشه ضمن هذا التفسير العِرْقي للتاريخ موقعاً حسناً؛ وقتما كان سلاحُه موجَّهاً نحو حركات دارفور المسلّحة، واجتمع في حلف الطيب مصطفى محترفو دعاية مثل إبراهيم بقال وعبد المنعم الربيع، من كادر المؤتمر الوطني، اللذين انقلبا لاحقاً سعاةً في «القضية»؛ قضية الدعم السريع الفاشية، و«انْشَغَّ» الأول منهما عائداً إلى حضن الوطن. انفرط هذا التفسير العِرْقي للتاريخ بحرب الدعم السريع على كامل التكوين الاجتماعيّ الذي خاف عليه مثل الطيب مصطفى من خطر القوميات غير العربية وغير المسلمة، وقام في محلّه تفسيرٌ أكثر فانتازيةً من تفسير حضرة الصول على طرافته. لكنَّ الفانتازيا وإنْ سَدَرت هي حقيقةٌ للاجتماع البشري؛ حقيقةٌ يَصْدُق عليها إعلان صاحب الركشة أنْ «حقيقة مافي»، فهي حقيقة لا حقيقة لها، إذا صح التعبير، اختلاس من المخاوف والوساوس المشوَّشة التي تنشأ من وقائع ملموسة.

تفرَّغ للتعبير عن هذه الوساوس والمخاوف حزب عبد الرحمن عمسيب أونلاين، المغترب في «اللّمَارات» التي ساء ذِكْرُ مؤامرات بلاطها عند حضرة الصول. وخطّته اختلاس شذرات من التاريخ والاجتماع، وصياغتها لجمهور «ما بعد الجريدة» كخريطة لصراع ممتدّ منذ الأزل وإلى الأبد بين نهريِّين وغير نهريِّين سقط عنهم الإسلام كوسيلة لجبر الاجتماع، عِبادتهم بيضة العِرْق. إنْ كان المرحوم الطيب مصطفى قد أسقط العقيدة في نفاذ الثقافة العربية الإسلامية وهَزَمها «من الداخل»، فقد أسقط حزب عمسيب، بطفرة في ذات الخطة الدفاعية، ما بين الإسلام والعربية من وشيجة، كَسَر بيضة الدِّين وأقام محلِّها وثن العِرْق لا شريك له. فالعدوّ عند حزب عمسيب جميع أقوام السودان، خلا قومية «النهريّين» من الذين تَحقَّق لهم الوعي بذاتهم الجديدة ورأوا نور النهر والبحر ساطعاً. جندي الدعم السريع وجندي الحلو من غير النهريّين، ومثلهم جندي المشتركة وجندي عقار وجندي القوات المسلحة، وإن استشهد مرابطاً عند مدفعِه صادَتْه الذخيرة «اللّماراتية» وهو يذود عن «حضن الوطن».

لا خلاصَ بهذه الوثنية، ولكنها حتحتة من ابتلاء الاجتماع، انتحالاً لقول المرحوم الدكتور حسن الترابي بابتلاء الحداثة، فالقومية النهرية التي يبشِّر بها حزب عمسيب «بَيْع بالكَسِر» للثقافة العربية في السودان النيلي، ترتدّ بها من خريطة «أنا أم درمان»، التي أبطالُها مثل حضرة الصول في العبّاسية، إلى جُحْر ضبٍّ خرِبٍ لا نفاذ إليه سوى بالفحص الوراثي. شوف يا حبيب! جيناتك دي ما بتأكِّلك عيش، يعني إنت كده يا دوبك 10% نهري، البعْدُو! هذه فانتازيا فاشيّة، وككلّ فانتازيا تنقلب بالضرورة كابوساً متى قامت لها في الواقع شوكة، والشاهد قائم «أيام الحرب»، لذلك، ربما أصاب حضرة الصول من حيث أخطأ.

No comments:

Post a Comment

 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.