Saturday, 15 August 2026

بليلة مباشر ولا ضبيحة مكاشر: مسح الفقر متعدد الأبعاد ٢٠٢٣

 نُشرت هذه الكلمة المشتركة مع الدكتورة سارا معاوية في مجلة «أتر»، العدد ١٣٥ بتاريخ ١٣ أغسطس ٢٠٢٦.

نَشَر الجهاز المركزي للإحصاء في يونيو الماضي تقريراً من مائة وأربعٍ وأربعين صفحة بعنوان «تقرير السودان: مسح الفقر متعدد الأبعاد 2023»، ثمرة جهد مشترك بين الجهاز المركزي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية. الجهاز المركزي للإحصاء معلوم، فهو ضلع من البيروقراطية السودانية قام بهيئته المعاصرة في نوفمبر 1995 بقرار من مجلس الوزراء تحت سلطان وزير المالية والاقتصاد الوطني، ثمّ تحوّلت تبعيّته في العام 2000 إلى مجلس الوزراء وما زال؛ ومهمّته في وثيقة إنشائه «جمع البيانات والمعلومات الإحصائية وإعدادها وتجهيزها ونشرها وإعطاء الطبيعة الرسمية للأرقام الإحصائية».

لم يَنشأ مثل هذا الضلع البيروقراطي المكين «كن فيَكون»، إنما هو نتاج تحوُّل وئيد من قِسْم في مصلحة الجمارك تحت الحكم الثنائي الإنقليزي المصري عام 1903 مهمّته جمع إحصاءات التجارة الخارجية، وسبَق بذلك قانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1925 وقوة دفاع السودان في 1925 أيضاً. ثمّ تحوَّل في العام 1932 إلى قسم تحت إدارة اللجنة الاقتصادية تحت سلطان السكرتير المالي، ثمّ في العام 1934 إلى قسم مستقلّ في مصلحة الاقتصاد والتجارة، ثم صار في العام 1953 هيئة مُستقلَّة ضمن وزارة الشؤون الاجتماعية التي تولّى مسؤوليتها بعد انتخابات الحكم الذاتي السيد يحيى الفضلي، وظلَّت كذلك حتى العام 1969، حين قُرِّر تحويلها إلى مسؤولية وزارة التخطيط الاقتصادي.

أما برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فقد انضمّ إلى هذه الشبكة البيروقراطية عام 1965، وهو العام الذي أُسِّس فيه بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة بمهمّةٍ معجزة: الرفاه للجميع وتعزيز الحكم وضمان كوكب سليم الصحة. وترجمة هذه الأهداف العظيمة برامجياً هي ما يُتعارف عليه في رطانة الأمم المتحدة بـ «أهداف التنمية المستدامة»، والدائم الله. الشريك الجديد نسبياً هو «مبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية» التي أُسّست عام 2007 بيد كلٍّ من البروفيسورة سابينا الكير (مواليد 1969 في غوتنغن، ألمانيا)، وهي أكاديمية أمريكية وأستاذة جامعية وقسيسة إنجيلية، وبروفيسور جون هاموك، القائم كذلك على سوفيا أكسفورد، وهي بحسب ديباجتها هيئة غير ربحية موكولة بالتطبيقات التجارية للأبحاث التي تقوم بها المبادرة، نشأت منها شركات فرعية أخرى منها وايز ريسبوندر القابضة الحارسة لابتكارات جامعة أكسفورد.

نفَّذ الجهاز إذن، ما يليه من مهامّ التقرير بدعمٍ ماليٍّ و«فنيّ» من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبدعمٍ «فنيّ» من مبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية، وكتبت مديرتُها سابينا ألكاير إحدى مقدّماتِه. جابَ مئتان وثلاثة من الباحثين ثماني عشرة ولاية من 26 ديسمبر 2022، فطرقوا أبواب 39,318 أسرة في 185 محلية من 189. وقُطبُ الرحى في التقرير هي عبارة «فني»؛ فضِمْن هذه «الفنية» تقع التبعات الأيديولوجية التي يقوم بها كلُّ تكويرٍ للمعلومات والبيانات وكلُّ استنطاقٍ لها وتفسير، فالبيانات الاجتماعية لا تقوم في حرَم مُحايد، مِيس خال من الصراع، إنما هي موضوع الصراع إذا صحّ التعبير. ويبدأ هذا الصراع في تحرير ما يُقبَل كبيِّنة ومعلومة وما يَسقط. على كلّ حال، اندلعت الحرب بعد آخر استمارة بأقلّ من أربعة أشهر، وظلّت البيانات في الخوادم الإلكترونية ثلاث سنوات ونصفاً تخضع للجرح والتعديل «الفني»، أي «الأيديولوجي»، قبل أن تخرج أمّ العروس بعروسها: 82.8% من السودانيين فقراء قبل أن تُطلَق رصاصة واحدة.

وقد تجد القارئةُ في بعض نواحي التقرير ما يُدهِش، من ذلك عدد من المسلّمات التي يَقبلها كأركان الصلاة فلا يخوض في تأهيلها، وهي أيديولوجيته الباطنة، الكرير الذي يمور خلف سطوره وبينَها، معجوناً في الحبر بل في الورق. سنُعدّدها ثم نُفصّل: أُولاها أنّ الفقرَ نقصُ حيازةٍ لا موقعٌ في علاقات الإنتاج؛ وثانيتها أنَّ مَن لا يمكن عدُّ ثروته لا ثروة له؛ وثالثتُها أنّ تشخيص الفقر يصحّ جماعياً، والعلاج لا يكون إلا فردياً مستهدَفاً؛ ورابعتُها أنّ الحرب حدٌّ فاصلٌ يفسِّر ما بعده ويُعفي ما قبله.

المسلّمة الأولى: الفقر نقصُ حيازةٍ لا موقعٌ في الإنتاج

في جدول تعريف الحرمان بندٌ يستحقُّ أن يُقرأ مرّتين. تُعدّ الأسرة محرومةً في الأصول إنْ لم تملك اثنين مِن: هاتف، راديو، تلفاز، حاسوب، ثلاجة، غسّالة، أسطوانة غاز، دش، مكيّف، دولاب، ركشة، دراجة، قارب، حيوان. ويَرِد أولاً في صفحة 7.

«حيوان» بند واحد، بمرتبة الدولاب. أسرة رعوية تملك مائتي رأس تُحسَب مالكة أصل واحد، وينقصها مذياع كي تكتمل.

والأدقّ أنّ اللجنة السودانية قد حاولت، وقائمة المؤشّر العالمي لا تعرف الماشية أصلاً؛ بندُها الوحيد ذو الحيوان هو الكارّو، وسيلة النقل. أضاف السودانيون «حيوان» فسدّوا الثغرة بمسمار: صار القطيعُ أصلاً واحداً بين أربعة عشر. ثمّ في صفحة 13، حيث يشرح التقريرُ المؤشِّرَ نظرياً، تعود القائمة العالمية كما هي، بالكارّو وشرط العربة، مسنودةً إلى مرجع من إنتاج مبادرة أكسفورد. الوثيقة الواحدة تحمل تعريفين: سودانياً في الجدول، ومستورداً في المتن الذي يشرحه.

والاختزال بعُذره: القطيع يتحرّك ويتوزّع ويكبر وينقص بالموسم والوباء، وصاحبُه يعرف أنّ جواب «كم عندك؟» مقدِّمة جباية؛ عَدُّه عملٌ فنيّ شاقّ، والمنطق والواقع يقولان إنه من المستحيل عليه، فالعجز عنه ليس تهمة، لكنّ العجز أنتج نتيجة، والنتيجة موضوع هذا المقال.

المسلّمة الثانية: من تَعَذّر عدُّ ثروته فلا ثروة له

يَخرج الرحّل من المسح أفقرَ فئةٍ في السودان: انتشار الفقر 99.9%، وشِدّته 65.6%، أعلى أرقام التقرير الثلاثة. ثم تأتي في الفصل الثالث جملة حرفية: «لا توجد فروق ذات دلالة بين مؤشّر الرحّل والنازحين واللاجئين».

هذه الجملة نرفضها؛ فتقارب الرقم لا يصنع تقارُباً في الحال. الراعي صاحب القطيع يملك وسيلة إنتاج يعيد بها إنتاج حياة أسرته؛ والأسرة التي خرجت من دارها بثيابها جُرّدت من كلّ وسيلة وتعيش على ما يوزَّع عليها. جمعُ الحالين في خانة واحدة حكمٌ على أداة القياس، لا وصفٌ للناس؛ هو تحويل مالكي ثروة إلى معدَمين في السجلّ. والجهاز وأكسفورد والأمم المتحدة صاحبة مال التقرير «عارْفِين».

دفتر الصادر

في الربع الأول من 2026 بلغت صادرات السودان 697.9 مليون دولار، بحسب موجز بنك السودان المركزي. جاءت الثروة الحيوانية ثانيةً بمائة وخمسين مليوناً، أي 21.5% من جملة الصادر؛ منها الضأن 126.9 مليون، 719 ألف رأس معظمها إلى السعودية.

لا يُنتج الرحّل وحدهم هذا الصادر؛ الثروة موزَّعة بينهم وبين زراعة مختلطة ومُلّاك يستأجرون رعاة، ولا تفصل الجمارك بينهم. لكنّ الرحّل عمود هذا الاقتصاد وحمَلَته الأشدّ، وهم في المسح 3.8% من السكّان، وأفقرُ أهلِه. أي أنّ خُمس النقد الأجنبي خرج، في ربع واحد، من القطاع الذي تقول الأداة إنّ أصحابه لا يملكون شيئاً. العجز عن عدّ القطيع مسألة فنية تُقبَل؛ أما ألا يَرى دفترُ الصّادرِ الصّادرَ عن بنك الدولة نفسه، فذلك استهبال!

والمشهد يتكرّر. سمسمُ الربع نفسه 82.9 مليون دولار، أوّل منتَج زراعي في القائمة، ونحو ثمانين في المائة من مساحته في القضارف وشمال كردفان والنيل الأزرق مع نصيب مُعتبر لدارفور، بحسب تشاتام هاوس. مؤشّرات هذه الولايات: النيل الأزرق، شمال كردفان، القضارف، كلّها في الحرمان المرتفع أو على حافته.

أما الذهب، 53.1% من الصادرات، فريعٌ استخلاصيّ يُنتِج التعدينُ الأهلي 83% منه بمعدّات بدائية ودَخْلٍ كفاف، لا يمرّ بالسكّان ومعظم العاملين في قطاع التعدين لكنه يمرّ بجغرافيتهم.

الاستمارة: ساعة عمل واحدة

كيف يقيس المسحُ هؤلاء ولا يرى ما ينتجونه؟ الجواب في الاستمارة: تسعة وخمسون سؤالاً، وقسم التشغيل فيها يَسأل واحداً: هل عمل أحدٌ من الأسرة بأجر أو عيناً أو لحسابه ساعةً واحدة في الأسبوع الماضي؟

لا سؤال عن محصول أو موسم، ولا عن ملكية الأرض، ولا عن سعر أو حلقة تسويق أو دَين، ولا عمّن يشتري وبكَم. تُسأل عن حيازة المسكن وعن الحساب المصرفي، ولا يدخل الجوابان في المؤشّر، وتُقاس أطوال أطفالها وأوزانها ومحيط أعضادها بدقة سنتيمترية.

بهذه العدّة يدخل العاملُ الزراعي بالفشقة، ومالك العشرين ألف فدان بالقضارف، الجدولَ في الخانة ذاتها: يَعْمل. والفرق بينهما تحديداً فائض القيمة.

وقد شرَح ماركس هذا الفَرْق قبل مائة وتسعة وخمسين عاماً، في قاعة مطالعة تبعد تسعين كيلومتراً من مقر مبادرة أكسفورد (كارل ماركس، رأس المال، المجلد الأول، 1867. كُتب معظمُه في قاعة المطالعة بالمتحف البريطاني في لندن، لا في مانشستر التي ارتبطت بفريدريك إنجلز). وقد يُقال إن فائض القيمة مثارَ اهتمامٍ شيوعيٍّ وليس مسألةَ إحصاء؛ حسناً لكن السؤال لا يحتاج إلى ماركس: من يأخذ الفَرْق بين ما ينتجه العامل وما يتقاضاه؟ أداة تُسمِّي نفسَها مؤشّرَ فقرٍ أنسَب لها أن تشيل اسم الفقر وتبقى تنمية بس.

الحرب تعيش على هذا الإنتاج

قد يُقال إنَّ الحرب الجارية تُجْهِز على نمط الإنتاج الرعوي وتُزيحه. الأرقام تقول غير ذلك. في 2023، أول سنوات الحرب، بلغت صادرات الثروة الحيوانية إلى السعودية زهاء 715 مليون دولار، بزيادة 77.4% على عام ما قبل الحرب، بحسب الإحصاء السعودي. وقال وزير المالية قبل عامين إنَّ السودان لن يفلس لأن الذهب والماشية يسندانه.

والتنسيق بين الجيشين غير قائم؛ القائمُ اضطرارُ كلٍّ منهما وتجارةُ آلافٍ غيرهما. الجلّابة يخيطون الطريق من نيالا إلى الشمالية وبالعكس بالرشاوى والمعارف، يدفعون لقائد ميداني هنا وحاجز جباية هناك، وبعض القادة صارت لهم تجارتهم. يحتاج الجيش إلى القروش الآن فيصدّر من موانئه ما وصل إليها، ويقصف في الوقت نفسه أسواق الماشية في مناطق الدعم السريع وفي مقدّمتها سوق المويلح، أكبر أسواق البلاد، حتى يجفّف مورد خصمه. تصديرٌ هنا وخنقٌ هناك، والمنطق واحد.

والفرق بين الجيشين في نمط رأس المال. رأسمال الجيش مؤسَّسي داخلي: منظومة الصناعات الدفاعية وشركتها «الاتجاهات المتعددة» للصادر الحيواني، معفاةٌ من ديوان المراجعة بالقانون، وعائدُها لحسابات قيادته، وتشارك الخارجَ حين تحتاج. ورأسمال الدعم السريع عائليّ ممتدّ خارج الحدود: شركات آل دقلو وماليّتها تمرّ بالإمارات، وذهبُ مناطقه يَخرج من غير السجلّ؛ دفتر بنك السودان يقيّد صفراً من صادر الذهب الرسمي إليها. وما يتشكّل بهذين سودانُ جزيرةِ الاستخراج: خام رخيص يُربَّى بلا رأسمال يُذكر، على مرعى مفتوح وعمل أسرة، يتحقّق فائضُه عند غير منتجيه، تسميناً وذبحاً في جدة وإعادة تصدير من مصر إلى أوروبا بوصفه لحوماً عضوية، بينما يَستورد البلد قمحَه بما يفوق عائد سمسمه.

وهنا خبثُ تصنيفِ الرحّل أفقرَ أهل البلاد. حين يجعل المسحُ حَمَلة خُمس الصادر أفقر أهل البلاد، ثم لا يَعرض عليهم غير خدمات متنقّلة تُلحقهم موصولةً بإدماجهم في قواعد البيانات، بلا سطر عن القطيع ولا سعره ولا سوقه، فهو يحفظ نمط إنتاجهم كما هو: قطيع يُدار قبَلياً وفردياً وفائض يتحقّق خارج الحدود. يُدْعَم الاستهلاك وتُترك علاقة الإنتاج، وواحد وعشرون في المائة من الصادر شأنٌ قوميّ لا قبَليّ. وبرجوازية ثورية كانت ستضيّق الخناق على الرعي لمصلحة زراعةٍ تتراكم، بيطرةً وعلفاً وتسميناً وسككَ تسويق تُخضِع القطيع لدورة إنتاج. الذي حدث أنّ شركات منظومة الصناعات الدفاعية أخذَت هامشَ التجارة من فوق؛ وقادة الدعم السريع جبايةَ الطريق من تحت؛ كلاهما يجبي التداول ولا يمسّ الإنتاج، والراعي الذي يفقد قطيعَه يخرج أجيراً موسمياً أو مجنّداً.

التربال مقياساً: من الجزيرة إلى القضارف

لمِنْ نقرأ هذا التقرير؟ في التراتب الماركسي، العامل الصناعي أولى من المُزارع، والمُزارع أولى من الراعي، بحسب موقع كلٍّ من فائض القيمة. لكنها ليست قاعدة نارية. في مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية: المنتجُ هو التربال، والتربال هو المقياس. فلنمرّر التقرير عليه: ماذا يَرى في التربال؟

للتربال جغرافيا. في مشروع الجزيرة كان لعلاقة الإنتاج شكلٌ معلوم: عقد ثلاثيّ، ودَورة زراعية مقرَّرة، وحصّة من عائد القطن معروفة سلفاً. كان الاستغلالُ قائماً، لكنه مرئيٌّ وقابلٌ للتفاوض، وحوله نقابة واتحاد وإضرابات.

اليوم، صادر القطن كله 22.1 مليون، أي 3.2% من الصادرات، ومؤشّر الجزيرة رابع أدنى المؤشّرات. يَقرأ المسح الجزيرة بخير نسبيّ لخدماتها، ولا يَرى قاعدة إنتاجية تفكّكت وتربالاً فقَد عقدَه.

وحلّت محلّها القضارف. نصف إنتاج السمسم شبه مُمَيْكَن على مزارع مؤجَّرة لتجّار وضبّاط، ونحو اثني عشر رجل أعمالٍ يملك كلٌّ منهم فوق عشرين ألف فدان بحسب تشاتام هاوس، وشركات المنظومة الدفاعية في القطاع. والعمل موسميّ مأجور، بعضُه عابر من إثيوبيا، بلا عقد ولا حصّة ولا نقابة. هذا الانتقال تحديداً ما لا يستطيع مؤشّرٌ وحدته الحيازةُ أن يسجّله.

المسلّمة الثالثة: تشخيص جماعي ووصفة فردية

في آخر التقرير، بعد مائة وثمانٍ وثلاثين صفحة بالإنقليزية، صفحاتُه العربية الوحيدة: قرارات المدير العام. يفتتح القرار رقم (15) الصادر في 21 أغسطس 2022 بعبارة «تماشياً مع أولويات المرحلة الانتقالية وأولويات العمل الإحصائي للعام 2020م»، بعد عشرة أشهر من انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر.

ويشكّل القرارُ اللجنةَ الفنية المسؤولة عن «كافة الأعمال الفنية المرتبطة بكل مراحل إجراء المسح»، وتضم عشرين عضواً من الوزارات والجهاز والمنظومة الأممية. وزارة العمل غائبة عن التشكيل، وأُلحقت بقرار تالٍ بعد شهر. وطبعاً لا توجد نقابة في القائمة، ولا اتحاد مزارعين، ولا تمثيل للولايات.

و «أولويات المرحلة الانتقالية» لها في لغة المالية معنى مُحدَّد. أقرّت الحكومة ورقة خفض الفقر في مايو 2021 وسلّمتها للبنك الدولي والصندوق استيفاءً لشرط مبادرة الديون، فبلغ السودان نقطة القرار في يونيو، ووقّع نادي باريس في يوليو. ومن شروط نقطة الإنجاز تنفيذُ الورقة عاماً كاملاً وتحسينُ الحماية الاجتماعية، والمسح أداة قياسها. وفي التوصيات جملةٌ تغلق الدائرة: تسريع تفعيل لجنة الإشراف على الورقة ووحدة تنفيذها بوزارة المالية.

وثمة رقم يستحقّ الوقوف عنده. أُطلق برنامج «ثمرات» في فبراير 2021 بخمسة دولارات للفرد شهرياً بتمويل من البنك الدولي، ووظيفتُه امتصاص أثر رفع دعم الوقود، وهدفه الوصول إلى ثمانين في المائة من السكّان، عبر سجلّ مربوط بالسجلّ المدني، وتوقَّف يوم الانقلاب. ثمانون في المائة هدفُ البرنامج، واثنان وثمانون فاصلة ثمانية نتيجةُ مسح الفقر. والتوصيات كلّها من عدّة الاستهداف: سجلات اجتماعية، ووسم للأسر، وخرائط أهلية واستحقاق، وربط صرف التمويل بانخفاض المؤشر. لا ترد كلمة «مجاني» ولا «شامل» مرة واحدة، مع أنّ المؤشر نفسه يقول إن 97.3% من السكّان محرومون من الخدمة الصحية. وحين تُبنى الأداة داخل هذا الترتيب يصير الإحصائي ترزي التنموي: يأخذ المقاس الذي يُعطى له، ويسلّم الثوب في موعده.

ولا لوم على الجهاز؛ جهاز فقير أُلزم شروطَ سياسةٍ لم يضعها، ويقيس لورقةٍ تشهد توصياتُ التقرير نفسُها أنّ لجنتها ووحدة تنفيذها بلا تفعيل.

المسلّمة الرابعة: الحرب حدٌّ فاصل

يفسّر التقرير سنواتِ التأخير بسطر واحد ضمن الدروس المستفادة: إطار عيّنة قديم من تعداد 2008، وضعف تقانة، و«اندلاع الحرب في مرحلة ما بعد العمل الميداني».

والحرب في هذا النصّ تؤدي وظيفةً أوسع من تفسير التأخير. يروي الفصل الأول اقتصاد البلاد بلا فاعل: نفط فانفصال فتضخّم يقفز من 35.58% إلى 359.09%، بلا رفع دعم ولا تعويم ولا تمكين ولا برنامج مراقَب من صندوق النقد. وشرَح تفوّق دارفور وكردفان في الحرمان بالصيغة نفسها: «التهميش المزمن، والنزاع، والنزوح».

وثلاث محليات بجنوب كردفان خرجت لأسباب أمنية قبل الحرب بأربعة أشهر؛ خريطة العمى الإحصائي في هذا البلد أقدَم من الحرب. وهكذا تصير الحرب ضَنَب الكَكُّو: الشيء الذي يُلوَّح به فيسكت السؤال. رقم هائل عمّا قبلها يخرج بعدها بثلاث سنوات، فيُقرأ وصفاً لعالم انتهى، ويتحوّل حجةً لتمويل إعمار بعيداً من حقيقته كلائحةِ اتهام.

باب المزاد

حين يصير الجميعُ فقراء بالتساوي، والرحّل مُصدّرو خُمس العائد في مرتبةِ من لا يملك شيئاً، والتربال وصاحب العشرين ألف فدان سطرين في عمود، تختفي العلاقةُ التي تنتج الفقر ويبقى الفقر وحده.

ولنختم من موقع التربال نفسه، الذي لا يهمّه من هذا كلّه إلا سؤال واحد: الموسم الجاي في شنو؟ ماذا يريد من الإعمار؟ تمويل مدخلات في موعده، وقناة مطهّرة يجري ماؤها في زمنه، وسعر يعرفه قبل أن يبذر، ومحلج يعمل وحلقة تسويق لا تأكله، وعيادة بلا دفع من الجيب ومدرسة لأولاده. فهل يجد شيئاً من هذا في التقرير؟ يجد نفسه بصفة واحدة: مستفيد يُسجَّل. سجلّ اجتماعي يَسِمُه بعلامة المؤشّر، وخريطة أهلية واستحقاق، وبطاقة تحويل مشروط تجيء وتنقطع بحركةِ مؤشِّرِه. أما صفة المنتِج الذي يُموَّل موسمُه، صاحبِ الحقّ في حصة، فلا وجود لها في التوصيات. هذا التقرير لا يخدم محمّد أحمد إنما هو يزيحه من مقعد الشريك إلى طابور الاستحقاق.

تقريرٌ كهذا لا ينتظر مساءلةً لمنطقه. أيْ نعم هو لا يغيّر شيئاً في حسابات تربال أو راعٍ، لكنه يعيد سؤال الإدارة، وباسمه تُكتب بطاقات دعوة المزاد للمستعمِر وللمستثمِر: السلام عليكم! شعبنا يصارع الويل! ونحن ناس عندنا موارد ضخمة تنقصها الكفاءة.

Sudan’s Revolutionary Ghosts

The second of two instalments published in Equator, a deserved word of thanks goes to the journal's team. 

https://www.equator.org/articles/sudan-revolutionary-ghosts-el-gizouli

Khartoum after the Storm

The first of two instalments published in Equator, a deserved word of thanks goes to the journal's team. 

https://www.equator.org/articles/khartoum-after-the-storm-el-gizouli


 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.