نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١٣٨ بتاريخ ١٣ أغسطس ٢٠٢٦.
سكت قلب المرحوم جعفر خضر (1970-2026) السكتةَ التي اكتمل بها صاحبُ القلب بدراً، يوم 23 أغسطس الماضي وذلك في مدينته القضارف، لا تحت سماءٍ غريبة. ضمَّ ترابُ القضارف، وفيها نشأ وعاش، جثمانَ هذا الرجل الجبل الذي لم تقطعه المعيشة أو تفصله الديكتاتورية أو تقتلعه الحرب من هذا السكون إلى القضارف وأهلها، فهي مدينته أو بعبارة «دهَباية» الشعر الروسي المرحومة آنا أخماتوفا (1889-1966):
لم أكن أرتعد تحت سماء غريبة، مذعورة،
تحفّني أجنحة غريبة،
وإنما بين أهلي، حيث
احتشدوا، وللأسف محتسِبين.
سكونُ المرحوم جعفر للقضارف وأهلِها وفاءٌ مُمتدّ، ومِن مِثْل هذا الوفاء تقوم الروحية التي ينعقد عليها كلُّ نضالٍ حَقّ. وجاء المرحوم من هذا السّكون المطمئنّ إلى بيئةِ نضاله واجتماعه بقضاياه التي انكبّ عليها من منبر «شروق». وهو المنبر الذي نضج فيه هذا النضال واستوى بعد مسرح الصبا؛ جامعة الخرطوم، حيث تمرَّن على لغة السياسة، وسط الجيل الأول من «حركة الطلاب المحايدين». لم يَفسد ذوق المرحوم جعفر بهذا التمرين، وجُلُّه كما هو معلومٌ ينتهي باكتساب اللياقة، والتميُّز في بهلوانيات الكيد البلاغي وأصناف من «الرَّدِم» بعبارة اليوم. لكنّه نَقَل من هذا المسرح طرازاً من التنظيم الديمقراطي؛ وحاسَّةً للعمل الجماعيّ هي من تراث الحركة الديمقراطية الممتدّة منذ ثورة 1924. ولا تجد لقضايا المرحوم جعفر صدىً يُعتدّ به في أطلس السياسة العليا التي استعدّ لها «الحركيون» من كلّ فئة في مسرح الجامعة وبها تدور كؤوسهم ويئنّ النديم: الدنيا ليل، غربة ومطر. فقضايا جعفر، على خلاف كرير علمانيَّتي وعلمانيَّتِكَ، قضايا حيّة، ممَّا تَعَارَف اللغو السياسي على تبويبها تحت عنوان «محلية»؛ حُكم القضارف وإدارة مال أهلها ومعاشهم وزراعتهم وماء شُربهم وصحّتهم وتعليمهم، ومناهج التعليم التي نفذ إليها بقوةٍ نادرةٍ مُدرِّساً، وفرَزَها فرزاً دقيقاً تحت عنوان «التعليم السوداني: لا وحدةً بلَغ ولا ديناً أبقى». وممرّ جعفر إلى هذه القضايا العلم الدقيق بها، «التحليل الملموس للواقع الملموس» في العبارة اللينينية، ذلك على خلاف الانطباعات التي يقوم بها شغل «الرَّدِم»، ولذلك تجد خلاصاتِهِ من هذا العلم محدّدةً بيّنة الحدود لا تشرئبّ بعنق طويل عُوقَة إلى «مجلس الأمن» ترطن عند سلاطينه، ولا تتقافز بين عواصم الطغيان الدولي بقَرْعَة ممدودة، لكنها تُمسِكُ بمسألة وتردُّها إلى أهلها، القائمين على أنفسهم أصالةً، ببسالة الحياة اليومية، «الضَّكْرَنة» تلك المشكورة في النساء والرجال حين ينعقد عزمُهم على النصرة في غائلة أو التعاون على بِرّ.
لا يتبلّى المرحوم جعفر على النظام القضائي في مدينته القضارف، إنما يَعْرض للجمهور، الجماهير في البلاغ الشيوعي، ما ثبت عنده بالخبر من الدرجة الأولى والوثيقة، لا القُوَالة، من دقائق وتفاصيل نزاع حول قطعة أرض سكنية، المحكّ فيه وثيقة تنازُل مزوَّرة تورَّط في تدبيجها المحامي والآخر، وتاه محضر البلاغ عن التزوير في شبكة مصالح وعلاقات اجتماعية وسياسية. كما لا يتبلَّى على إدارة السجون، أو حتى «المنظمة السودانية لرعاية النزيل» التي تعبُّ من مال المنظمات الدولية، وهو يعرض أحوال نزلاء سجن القدمبليّة بتفصيل المُشاهد، فالسجن وشهرته «الزّريبة»، يتحلّل فيه المحكومون بعقوبة السُّكر بشراء السوط، فيدفع أحدهم للجلّاد عشرين جنيهاً لقاء جَلْد مخفّف، نومُهم على الأرض «البادُوبَة» بغير وسيطٍ وأحسَنُهم من يجد خيشاً للنوم عليه، وطعامُهم «جِرَاية»، خبز الذرة مع القرع أو الفول، أما الغسيل والحمّام فمفردات من «حلم الأماسي»، والمريض منهم يُربط في دنقل العربيّة مكلبشاً إلا أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. ومثل هذه المعرفة الباطنية نادرة في لغو السياسيين والناشطين -تكفيهم القُوَالات- لكنَّ جعفر غير، جعفر جبل، ومثله يَحقّ له أن يَسأل «المنظمة السودانية لرعاية النزيل» أين المال الذي حصدَته من منظمة العون البريطاني الإسلامي والهيئة الخيرية العالمية الإسلامية ومنظمة قطر الخيرية والهلال الأحمر السعودي ومنظمة السلام العالمية وديوان الزكاة ومنظمة البر والتواصل وصندوق الدعم الكويتي الخيري ومنظمة الرعاية والإصلاح وهيئة الإغاثة العالمية وجمعية مسلمي افريقيا ومنظمة سبيل الرشاد ومنظمة ذو النورين وشركة النيل للبترول وشركة الكهرباء والمفوضية السامية للاجئين وفندق السلام روتانا ومنظمة اليونيسف ومنظمّتين أعجميتي اللسان اختصارهما CHF وRSS؟ ولماذا لم يَبلغ بعضُه سجناء القدَمبليّة؟.
ومن هذا الموقع، استفاد المرحوم جعفر حكمةً واسعةً سمحت له أن يكتب بمثل هذه الخلاصة التي تصحُّ يوم جاء بها وتصحُّ اليوم أكثر: «مشكلة أغلب المنظومات المعارِضة ومنسوبيها هي تقديس التكتيكات. لذلك عندما تنتقل من تكتيك إلى تكتيك آخر يصيبها الحرج. ولأنّ القرارات في الأغلب فوقية غير متصلة بالقواعد فهي تصيب منسوبي الأحزاب بالارتباك والطُّمام أو تُحيلهم إلى أتْباع يهلِّلون للاتجاه الجديد، ولو لم يكن مفهوماً على طريقة «هو عاد كلام سيدي بتفهم؟». لقد أسرَفَ الذاهبون للحوار في لعن من التحق به في بداياته لذلك تلاحقهم اللعنات الآن. وفي رأيي كلّها تقديرات سياسية ينبغي أن تستند على الترجيح وليس القطع اليقيني. الذاهبون إلى الحوار والتسوية السياسية رؤيتهم صحيحة إذا توفرت شروط منها: (1) أن يكون لهم تصوّر لكيفية توظيف التكتيك لمصلحة تغيير النظام وبناء الدولة الديمقراطية والمواطنة والتنمية المتوازنة؛ (2) أن تكون القواعد مشاركة في اتخاذ القرار وبناء التصور؛ (3) أن يتضمّن تصوّرهم كيفية مناهضة حيل المؤتمر الوطني وحيل الانتهازيين داخلهم (ديل حيكنكشوا في السلطة)؛ (4) أن يكون لهم الرغبة والقدرة على الاعتراف بخطأ تقديرهم جزئياً وكلياً متى اتّضح لهم ذلك. والمتمترسون في خيار الانتفاضة رؤيتهم سليمة لو توفرت لهم: (1) خطة لكيفية تحريك الشارع وليس فقط خطة بلا عمل؛ (2) إشراك قواعدهم في صياغة الخطة وتنفيذها؛ (3) تتضمن الخطة كيفية مناهضة قمع جهاز الأمن؛ (4) أن يكون لهم الرغبة والقدرة على الاعتراف بخطأ تقديرهم جزئياً وكلياً متى اتضح لهم ذلك. النقد الموضوعي مطلوب أما المهاترات الفارغة فهي تخدم النظام بل وجهاز الأمن مجتهد في صنع هذه المهاترات».
لا عِلْمَ لي إن كان لحركة الطلاب المحايدين أو وريثتها «حركة بلدنا» كرّاس تمرين للاستراتيجية والتكتيك، لكنّ المرحوم جعفر استخلص من التجربة عقدةَ الاستراتيجية والتكتيك كما يُحسنها كلّ مدّبر لينينيّ الطراز. ولا غرابة إذن أن صعدت به «حركة بلدنا» أوان تأسيسها في أكتوبر 2019 إلى موقع القيادة، وجدَّد هذا الجبل العالي من هذا الموقع مهنة «المتفرّغ السياسي» كنُبل في العمل العام، وشَهِد المرحوم جعفر على نفسه شهادةً فأعلن للرأي العام أنه يتقاضى في مقابل هذا التفرّغ 70 ألف جنيه، تحصيله من اشتراكات الأعضاء، هذا بجانب سكن خاص في مقرّ الحركة تتوفر فيه مقوّمات الحياة المريحة. كتب المرحوم جعفر شارحاً: «ولكنّ حركة بلدنا تشدَّدت على نفسها، مقارنةً بمنظمات المجتمع المدني، برَفْضِها عرضاً بتمويل من إحدى المنظمات في مشروع يخدم توجه الحركة! كان رأيي الشخصي في بادئ الأمر أن نقبل التمويل بشرط أن نحسن الصرف وأن نمارس شفافية كاملة أمام الشعب السوداني ونخبره بكلّ مليم صرفناه، و[أن] نشدّد على أننا كحركة لن ندّخر جنيهاً واحداً لمصلحة الحركة من هذا التمويل. ولكن هياكل الحركة ممثلة في مجلسها المركزي رأت رفض التمويل، فرفضناه عن رضا وطيب خاطر. إنّ آفة الكثير من منظمات المجتمع المدني في السودان، التي تتلقّى تمويلات ضخمة، أنها تطبق على نفسها سرية محكمة، وتنعدم فيها الشفافية، إذ إنها تخرج رزمة الدولارات من سترة البدلة الداخلية وتعطي ظهرها للشعب، وتعدّ أنصبة المتنفذين، وترسل الفواتير الحقيقية أو الملفّقة للمنظمة الدولية، وهم يظنون أنهم بهذا يحسنون صنعاً! عندما تكون السرية ثقافة سائدة فإن ملايين الدولارات تضيع في دهاليز الفساد، وتتمظهر ضنكاً للشعب وأوجاعاً، ثم أننا لن نكون مؤهلين لبناء دولة المؤسسات التي تكون السلطة فيها للشعب. كيف تكون السلطة للشعب ونحن نحرمه من معرفة الأموال التي نجلبها باسمه!! عادةً لا أحمل همّ الرزق، أتقاضى الآن 70 ألفاً، مستقطعة من لحم الأعضاء، ستتوقّف عند نهاية التفرغ، عندها ربما أواصل في امتهان الكتابة الصحفية، ولو لم تسدّ الرمق، سأعود إلى التدريس، مهنتي الأولى».
ولأنَّ كلَّ جوهر يُعَرَّف بضدِّه، والجبل شاهق والحفرة عميقة، فبيانُ آيةِ المرحوم جعفر ومَضاءُ سهمِه في كلمة قديمة جاءت على لسان الدكتور النور حمد الذي كان ضيفاً، قبل أكثر من عشرة أعوام، على الأستاذ الطاهر حسن التوم في برنامجه «مراجعات»، وراجع وقتها الدكتور النور على الجميع.
“الطاهر حسن التوم: أنا قلت ليك قبل الفاصل، البعض رأى حتى في الاستعانة بالأجنبي، يعني النخب السياسية أكاد لا أستثني أحداً، الجميع كانوا في طرابلس ضد النميري، في أسمرا ضد الإنقاذ، كل القوى السياسية يعني، كلها كانت لا ترى في الاستعانة بالأجنبي، لا ترى في الاستعانة بالقاهرة أو بأسمرا أو بكمبالا أو بأي من هذه العواصم أي ضير وتلقّي السلاح منها. كيف بتعاين للقصة دي برضو في إطار حديثنا عن غياب الثوابت الوطنية، ضعف الإحساس بالانتماء للوطن. ودي نخبنا الحاكمانا ودي أحزابنا التي تسيطر على مقاليد الأمور في بلادنا.
النور حمد: أنا بعتقد إنو ده خلل هيكلي يعني في بناء الدولة الوطنية يعني. يعني التعامل مع الأجنبي وقبول الدعم والسلاح والمال أنا بعتبره خيانة عظمى على اعتبار إنه، طبعاً التبريرات ساهلة، عشان تبرّر أنا مقموع وأنا جاي عشان أحرّر الشعب. والشعب قاعد جوة. انت ناضل مع الشعب من جوة لمن تغير. يعني. لأنه البدعمك بره ما بدعمك زي ما بقولوا لسواد عيونك. بدعمك لأنه عنده أجندة وفي فاتورة انت بتدفعها بصورة أو بأخرى، يعني ما في دعم لوجه الله. في دعم لإنه، يا إنه هو عنده شي في الحركة اللي إنت بتقوم بيها دي بتخدم مصالحه أو إنك انت حتخضع لبعض الشروط أو لبعض الإملاءات أو لبعض أي شي”.
و «أي شيء»، كما قال الدكتور النور حمد صادقاً، واسعة. على كلّ حال، كان المرحوم جعفر فينا جبلاً، عرف نفسَه، ووقَف على مسألته، وحفظ بياض جلابيته حتى بلغ بها كفنه. وهو بعبارة بشرى الفاضل من جنس بلح السبيطة: «كانت كلّ بلحة وجدت نفسها ضمن أخريات في سبيطة بِهامة نخلة، كانت البلحاية أجمل صويحباتها وهي تعرف، منسّقة وهي تعرف، ولونها زاهٍ وهي تعرف، وطعمها حلو…»، وكذلك جعفر، لم يرتعد تحت سماءٍ غريبة.
No comments:
Post a Comment