Friday, 6 November 2026

الفاشر: ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١٤٤ بتاريخ ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦.

مرَّت هذا الأسبوع سَنةٌ على أعمال الدعم السريع القتالية، التي أخْلَت بها الفاشر من أهلها بالقتل والتهجير، في 26 أكتوبر 2025، بعد حصار مرير، فورثت موقعاً عسكرياً وخلاءً من الناس، عدا ما يُخلّفه الموت من مادة بيولوجية تَكثّف منها الدم على التراب أحمرَ قانياً، حتى برز للعيان عبر السماوات برصد الأقمار الصناعية، فبأيّ آلاء ربكما تكذّبان؟ لكن لا يَفنى الاجتماع بالقتل حصراً مهما تكاثر. وقد رحلت الفاشر التي اغتصبتها الدعم السريع بقيح وجروح إلى مساكن أخرى، يَحملها في أجسادهم وأفئدتهم والأنفاس الأحياءُ ممَّن تيسَّر لهم الفرار من آلة القتل المنصوبة لصيدهم. وانتقلت هذه المدينة التي فارقت جغرافيّتها، من بُعدٍ في الزمان تسيطر عليه الدعم السريع بآلتها الحربية المُمتدَّة عبر البحار، إلى بُعدٍ لا يَقدر عليه لا زبانية الدعم السريع ولا الأمير خفيض الصوت في أبي ظبي، ولا وكيلته الفصيحة في دهاليز الأمم المتحدة لانا نسيبة، ولا حتى أربابه في تل أبيب وواشنطن، كما لا يستطيع السجَّان في نيالا أن يحبس الخيالَ عن ذهن معمّر إبراهيم وإن عَدَّ عليه أنفاسه.  

الزمان، كما يعَرف كُلُّ عاشق، لا يَفرَغ بمرور الوقت. وساعات الليل البهيم عند معمّر غير ساعة أكل المقانص في حبور، في سوق الشوايات بنيالا، غير ساعة التكريم بلقب فارس وفرس، تكريم يتلقاه صاحبه بخفر الغانيات؛ ولا شكّ غير تلك الساعة السريعة التي تمرُّ على المتحدّث في ستديوهات سكاي نيوز مثالية التكييف، لا تغلِّطْ عليك ولا على «الميك أبْ» الذي يطلي وجهك، وغير الساعة اللانهائية التي تمتد في المكان والزمان بصراخ يتيم جائع في العفاض.  

تنتظر النازحة مرور الوقت حتى تعود ربما، أو يقضي ربك أمراً كان مفعولاً؛ لكن يتحنَّط الزمان الذي يُحيط بها في تلك «البرهة القليلة» التي تفصل بين عالَمين: العالم الذي كان به الاجتماعُ حياةً في مدينة الفاشر والعالم الذي صار فيه هذا الاجتماع هدفاً للإعدام. ولهذه البرهة في نفْس كُلِّ من خبرها وخياله صوتٌ وصدى، ملمسٌ ورائحةٌ، ربما صوتُ زعيقِ الجنود عند الباب، أزيزُ رصاصةٍ استقرَّت في رأس أحدهم، ارتطامُ الجثة على الأرض، جلبةُ الأواني المعدنية تتطاير بوقع انفجار، ملمسُ الدم الدافئ يجري من عيني طفلٍ قتيلٍ أو مجرى العَرق أسفل الظهر تحت دفع الأدرينالين، كيمياءُ الأجساد التي تتفوَّق على الموت وتغرف منه. والزمان بهذا المعنى ما ينطبع في الوقت بالاجتماع، وزمان الفاشر لمَّا ينقطع، يسري لا يزال في الأنفاس.  

والفاشر نموذج؛ النموذج الذي تحاكي مثالَه تكتيكاتٌ حربيةٌ تتكرَّر اليوم على نطاق أوسع. تمتدُّ عبر الحوض الزراعي، تكتيكات تشمل استعدادات عالية التقنية لرصد المحطات الكهربائية ومستودعات الوقود واستهدافها بضرب المُسيّرات. شملت هذه الحملة التدميرية ضمن ما شملت حتى صدور هذا العدد، تندلتي ومشكور وأم دباكر في النيل الأبيض، والحواتة والفاو في القضارف والجنيد في الجزيرة، وسنجة في ولاية سنار، والمرخيات في أم درمان. قدَّرت حكومة السودان أنّ هذه المُسيّرات انطلقت من الأراضي الإثيوبية، وليس من مواقع الدعم السريع في كردفان ودارفور، وهي بذلك ضلعٌ من أضلع المجهود الحربي الواسع الذي لا تُشكِّل الدعم السريع وصاحبها حميدتي وأنصاره سوى عنصر متواضع نسبيّاً من عناصره؛ عنصر لا يملك من أمر الخوارزميات التي تحكم حركة المُسيَّرات الدقيقة وتصويبها عبر مئات الكيلومترات شيئاً. 

ويقع ضربُ مستودعات الوقود في ودمدني والمناقل ضمن هذا النموذج الذي يقصد تخريب الحوض الزراعي وإعدام هذه الاجتماع الذي لحمته وسداه الزراعة، فحصاد موسم الصيف شحيح الأمطار هذا العام منتظر في نوفمبر. وقد قدّرت منظمة الفاو، برصد الأقمار الصناعية، أنّ حوالي 55% من المساحات المزروعة في سنار، و70% في القضارف، عانت هذا العام من الجفاف بمعدّل أمطار حوالي 20 إلى 30% أقل من المتوسط طويل المدى. هذا مع العلم أن إنتاج موسم العام 2025 من الحبوب الغذائية (الذرة والدخن والقمح)، الذي اكتمل حصاده في مارس 2026، بلغ حوالي 5.2 مليون طن، ما يقلّ بنسبة 22% عن محصول العام 2024؛ و19% عن متوسط السنوات الخمس الماضية. وقدّرت «شبكة أنظمة رصد المجاعة المبكر»، ضمن توقعاتها للفترة سبتمبر 2026 إلى يناير 2027، أنّ خطر المجاعة يتهدَّد مناطق النزوح شرق الجبل في جنوب دارفور وأم بارو وكرنوي والطينة وكتم وريف الفاشر ومليط وطويلة في شمال دارفور ثم الدلنج وكادقلي والريف مِن حولهما في جنوب كردفان. فما هو هذا النموذج الحربي الذي يتحوَّل به أهل البلاد إلى رهائن في يد قوة باطشة، تقتل النفوس وتُفسد الزروع والضروع، حتى يتحقَّق لها الإذعان.

ولمن أبى المجاعة، قد تكفي قارئةَ هذه الكلمة القصيرة زيارةٌ أقصر إلى سيل الأخبار الواردة منذ 7 أكتوبر 2023 من غزة، عاصمة الحرية في عالمنا، لتتعرَّف على خريطةٍ للجوع بلغت في أغسطس 2025 حدّ المجاعة في غزة المدينة والمحافظة ضمن الحصار الذي فرضه الجيش الإسرائيلي على القطاع والحملة العسكرية الجوية التي قضت منهجياً على مستودعات الوقود ومخازن الدقيق والمطاحن والمخابز. لكن، أعلنت وزارة التربية والتعليم في غزة انطلاق العام الدراسي الجديد في القطاع في 19 سبتمبر الماضي بهيكل يشمل التعليم حضورياً وافتراضياً، وأنشأ أهل غزة بما تيسَّر لهذا الغرض مواقع تعليمية مؤقتة في خيام أو جملونات أو كيفما اتفق. وقدّر المسؤولون عن التعليم أنّ عدد الطلاب حضورياً لا يقل عن 540 ألف طالبة وطالب، كل منهم يحيا على طريقته، فلمن الموت ولمن لحن الحياة.  

No comments:

Post a Comment

 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.