Monday, 13 April 2020

عن ماركس الإزيرق: هل يمكن قراءة رأس المال؟

هذه آخر صورة معلومة لكارل ماركس التقطها إ. دوترتري في الجزائر
 يوم ٢٨ أبريل ١٨٨٢ قبل عام من وفاته وقد زارها للاستشفاء

١
سألت قارئة عن كتاب 'رأس المال' لكارل ماركس وكيف يمكن التعامل معه؟ الحقيقة أن 'رأس المال' كتاب مركب صعب القراءة كثير المطبات، وربما جاز تشبيهه بحارة من حارات أم درمان القديمة، زقاقات متداخلة كأنها شبكة صياد طال بها العهد، بعضها ينتهي إلى داخل حيشان واسعة وبيوت تفتح على بعضها عبر أبواب ضيقة لا يدركها إلا من سبق ومر بها، وطاقات صغيرة تفتح هي الأخرى على عوالم أخرى، ودروب تنتهي إلى أركان عمياء لا مخرج منها. بالإضافة إلى ذلك، لكتاب ماركس هذا طبقات متداخلة، فهو يبدو لي مرات كطبق الكسرة وقد داخَلَها الملاح بعد أن خرقت ست الدار وسطها خرقا لانسيابه، والقارئة مثلها كمثل من مدت يدها إلى طبق كسرة كثير الملاح تنال في كل قراءة لقمة من عدة طبقات وملاح يدهن بعضه الأصابع باللايوق اللزج. لذا لا يهم قارئة إن لم تحقق منه في أول قراءة كفايتها فهي كما 'الخواجية' التي تجرب طبق الكسرة بأم رقيقة أول مرة دون سابق تجربة في الأكل بالأصابع، وذلك في زحمة من الخلق.  تنزلق طبقات الكسرة من بين أصابعها ولا تجتمع عندها لقمة يُعتد بها وقد يثنيها الإحراج والخجل من تكرار التجربة والعيون تتربص بها إن لم تضحك في وجهها إحداهن. لم أذكر مثال الطفل وفضلت الخواجية الغريبة، لأن معظم قراء ماركس من عندنا يقرأون تعريبا أو ترجمة انجليزية لأصله في الألمانية كما أنهم في الغالب يقرأون ماركس في عمر الرشد وبعد أن تراكمت لديهم معارف وقراءات من مصادر شتى، لكن الأقرب أن معظمها لا يعتد بالديالكتيك ولا يلقي له بالا. أما ماركس فهو ملك الديالكتيك كملك المنقة أو ملك الأقاشي إن شئت، والديالكتيك عدة شغله. قد يُعجز قارئة ماركس 'الخواجية' هذا الديالكتيك أكثر من مادة الكتاب الاقتصادية. قد تجد قارئة ماركس مختصرا يسيرا لمقولات ماركس الاقتصادية عند شُرَّاح ومعلقين لكن عادة ما تغيب في هذه المنقولات فعالية منهجه في تقصى أي قضية فذلك مما يتكشف بقراءة ماركس بغير وسيط، كما تغيب مهارات أخرى للشيخ الإزيرق (وربما جازت كتعريب لكنيته - the Moor - وسط الأسرة والأصدقاء وتعني المغاربي أو الأندلسي وتفيد البشرة الداكنة نسبيا بالمقارنة مع الشحوب الأوروبي)، منها سخريته وجزالة عبارته وإحالاته المتواترة لمعارف عصره والأدب في كل ضروبه، وهي إحالات وإشارات غنية بالمعاني والصور التي تغيب نصا لكنها تثري منطق ماركس وخطابه، فهي مثل 'المونة' في البناء وبدونها لا يتماسك طوب ماركس ودُرَّابَه الكثير.  
٢
'رأس المال' في الحقيقة مخطوطة طويلة غير مكتملة فماركس لم يكمل صياغة المجلد الأول حتى، وهو الجزء الوحيد الذي عاش ليراه منشورا، أما الثاني والثالث فصاغهما وحررهما فردريك انجلز من مخطوطات كارل ماركس بعد وفاته. أعاد ماركس كتابة عدة فصول في المجلد الأول مع كل طبعة وكتب في كل مرة مقدمة جديدة وفي نهاية حياته كان مستعدا لتمزيق الكتاب كله وكتابته من جديد. لذلك 'رأس المال' ليس كتابا مكتمل الصياغة حسن التحرير وذلك أحد أسباب عُسره الأسطوري. لذلك ربما، أهمية 'رأس المال' ليست بالضرورة في خلاصاته فقط، على نصاعة معظمها، لكن في منهج ماركس، الذي هو بتعبير اليوم متعدد العلوم ومتزاوجها (multidisciplinary/intersectional) فمن نظر في ثبت مراجع ماركس، وكان قارئا صبورا وكاتبا حريصا عفيف القلم، وجد كتبا ودراسات ووثائق في كل العلوم الانسانية والطبيعية من الأنثربولوجيا حتى الكيمياء الصناعية والأحياء الدقيقة، بما في ذلك علوم استجدت في عصر ماركس وألزم نفسه بالتعلم منها كمثل الجيولوجيا والكيمياء العضوية ونظرية النشوء والارتقاء. كان ماركس بالدرجة الأولى جامع معرفة عظيم وتميز بقدرة هائلة على أن يكشف علاقات وينسج أخرى بين ضروب شتى من المعارف والعلوم في سبيل أن يفهم الإنسان وعالمه، كل ذلك بعدة الديالكتيك وكانت أداته الفلسفية للتكثيف والتجريد قصد الوصول إلى تصورات كلية تنهض على أساس معارف ملموسة للعالم. كتاب رأس المال هو جانب من مشروع ماركس الكلي، الذي لم يكتمل، والكتاب نفسه جمع مسودات كُتبت في أزمان مختلفة وخضعت لدرجات متفاوتة من الفحص والتحرير، بعضها هو نفسه غير مكتمل. سوى ذلك دخلت متن رأس المال خطابات كان ماركس كتبها لأصدقاء ومحاورين يعالج فيها قضية أو أخرى أو يخطط لذلك أو يشرح مسألة ما. لذلك تجد في هذا الكتاب العظيم أثرا من أرق الليالي الطوال ومتاعب الكاتب مع المصادر ومع الوثيقة ومع الترجمة (كان ماركس يقرأ بجانب لغته الألمانية الأم الفرنسية والانجليزية بإجادة الكاتب، كتب بالفرنسية النصوص التي باتت تعرف بمخطوطات باريس ١٨٤٤ وبالانجليزية مقالاته الصحفية في نيويورك ديلي تربيون، كما تعلم الروسية في عمر متأخر ووفر له تعليمه المدرسي معرفة باللغات الأوروبية القديمة اللاتينية والاغريقية) ومع الصياغة ومع تنظيم النص وتدبير انسيابه من قضية إلى أخرى. 
٣
ماذا يمثل هذا الجزء المكتوب من 'رأس المال' إذن؟ هو محاولة كارل ماركس الباسلة لإدراك المجتمع الرأسمالي بكامله في حال حراكه وتطوره. اجترح ماركس في هذا السبيل نسيج من المفاهيم المتصل بعضها ببعض وفاز فعلا إذا ما عُدنا إلى تشبيه شبكة الصيد أعلاه بلآلئ لا حصر لها هي مطلب قارئة 'رأس المال' وعليها الصبر على تعقيد هذه الشبكة وأحيانا فوضاها الخلاقة لتصل إلى مطلبها. بدأ ماركس الانشغال بالاقتصاد في باريس وكتب وقتها ما بات يعرف باسم 'المخطوطات الاقتصادية الفلسفية' أو 'مخطوطات باريس' (١٨٤٤). تُشكل هذه المخطوطات في الحقيقة لبنة من لبنات 'رأس المال' وطبقة باطنية من طبقات مشروعه الكبير. لكن الطريق إلى 'رأس المال' لم يكن متيسرا، وأكبر محطاته لا شك الكراسات السبع المعروفة ب Grundrisse  - اللفظة الألمانية التي تعني أسس أو خطوط عريضة وكانت عنوان ماركس الجامع لها وتعريبه 'أسس نقد الاقتصاد السياسي'، مقارنا بعنوان 'رأس المال' الجانبي 'نقد الاقتصاد السياسي'. هذه المخطوطات غير المنقحة وغير المكتملة والتي لم يعدها صاحبها للنشر أصلا هي دِغال فكر ماركس لا شك وكتاب 'رأس المال' بالمقارنة فسحة فيها، وضعها في الخزانة عام ١٨٥٨ ولم تجد طريقها إلى النشر حتى العام ١٩٣٩. اشتبك ماركس في Grundrisse مع قضاياه الرئيسة، رأس المال والعمل والإنتاج وعلاقاته والسلعة والتوزيع والتكنولوجيا والتراكم البدائي وأنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية والشروط اللازمة للنهوض الثوري، وانتخب من هذه الكراسات ما أعاد صياغته في 'رأس المال'. 'الأسس' هي أوسع ما كتب ماركس من حيث القضايا والمواضيع فهي تضم من جهة تراكيب فلسفية معقدة ومن أخرى معادلات حسابية استعان بها صاحبها لفض أسرار الرأسمالية. كتب ماركس لأصدقائه في آخر العام ١٨٥٧ يعد بقرب اكتمال مبادئ نقده للاقتصاد السياسي وكتب في منتصف ١٨٥٨ يقول العقدة أن المخطوطة بحالها جبة درويش ومعظم ما كتبت حتى الآن موقعه السليم في آخرها، ثم كتب في آخر ١٨٥٨ يقول نجحت في شرح تصور للعلاقات الاجتماعية بطريقة علمية، كتب وقتها أن المحتوى قد اكتمل لكن تبقت الصياغة ولم يجد طريقا بعد للأسلوب المناسب. اختار ماركس عند هذه المحطة أجزاء من المخطوطات نقحها وارتضى صياغتها وأسلوبها ونشرها منفصلة كجزء أول عام ١٨٥٩ تحت عنوان "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي"، لم تر الأجزاء التالية التي وعد بها ماكينات الطباعة أبدا وتقع على عاتق من طلبتها مهمة استكشاف 'الأسس' بحثا عن معاني ماركس. 
٤
هل يمكن قراءة 'رأس المال' إذن؟ نعم لكن لا بد من الدبارة وقد أصبحت قراءة 'رأس المال' في حد ذاتها موضوعا للبحث والتأمل، على سبيل المثال كتاب الفيلسوف الفرنسي لويس آلتوسير 'قراءة رأس المال' (١٩٧٠) ومؤخرا كتاب ديفيد هارفي 'المرشد إلى كتاب ماركس رأس المال' (٢٠١٠)، هذا إلى جانب الآلاف من الملخصات والتفسيرات والمباحث التي تتناول كتاب 'رأس المال' بصورة أو أخرى إن لم يكن مئات الآلاف متى ما أخذنا في الاعتبار ما صدر في المكتبة السوفييتية، كان ذلك في الاتحاد السوفييتي أو في الدول الاشتراكية الأخرى ناهيك عن الصين الشعبية.  
٥
يبدأ ماركس كتاب 'رأس المال' بالفصل المشهور والشاق عن السلعة وهي نقطة انطلاق تحليل ماركس الأولى وأساس كل تشخيصه للمجتمع الرأسمالي. يفقد عدد كبير من قراء ماركس أعصابهم عند هذا الحد وتصدهم أمثلة ماركس الحسابية عن القمح والكتان فيولون الأدبار وتنتهي مغامرتهم مع ماركس قبل أن تبدأ وإن احتفظوا بإعجابهم الغامض به وهللوا بالماركسية صباح مساء. لذلك، جاز ربما والنصيحة من آلتوسير، ألا تبدأ قارئة ماركس بالقسم الأول عن السلعة والنقد وإنما بالقسم الثاني من الكتاب 'تحول النقد إلى رأس مال'. يمثل هذا الجزء الثاني قلب الكتاب في الواقع وفيه يستعرض ماركس مفهومه لفائض القيمة وأساس الاستغلال الطبقي في المجتمع الرأسمالي. من هذا الموقع الاستمرار في القراءة يسير نسبيا فالقسم الثالث 'فائض القيمة المطلق' والرابع 'فائض القيمة النسبي' يتصلان بالثاني ويفصلان فيه. ينجم فائض القيمة المطلق عن ساعات العمل وفائض القيمة النسبي عن زيادة الإنتاجية عبر تجنيد التكنولوجيا. الجزء الخامس من الكتاب 'فائض القيمة المطلق والنسبي' تكثيف للقسمين الثالث والرابع ولا ضرورة ملزمة لقراءته في هذه المرحلة. الطريق من القسمين الثالث والرابع ممهد نحو القسم السادس عن الأجور. يجابه ماركس في هذا القسم من الكتاب دعاوى الرأسماليين أن الأجور التي يتلقى العمال هي قيمة ما يبذلون من عمل ويفحص بدقة الأجور وتركيبها وأنواعها، زمانية ومقطوعية. ما يخلص إليه ماركس في هذا القسم هو أن الأجور أو سؤال مستوى المعيشة هو آخر الأمر قضية صراع طبقي ولا صلة له بإنتاجية العمل والأرباح التي يجنيها الرأسماليون. 
٦
من هنا تصل قارئة 'رأس المال' جوهرة الكتاب، القسم السابع عن تراكم رأس المال والثامن عن التراكم البدائي. يتطرق ماركس في القسم السابع بالتفصيل إلى نزعة الرأسمالية تحويل فائض القيمة إلى رأس مال دون هوادة في دورات متوالية كأنها "كرة الثلج" بعبارته. يستعرض ماركس هذا القانون الثابت للرأسمالية بمثال تراكم رؤوس الأموال في بريطانيا خلال الأعوام ١٨٤٦ إلى ١٨٦٦. من هذا القسم الطريق معبد نحو كتاب لينين 'الإمبريالية، أعلى مراتب الرأسمالية' (١٩١٧) وفيه يبين لينين أنه ومنذ نهاية القرن التاسع عشر اتخذت إعادة إنتاج رؤوس الأموال الصيغة الامبريالية وفيها اندمج رأس المال المصرفي والصناعي لينشأ رأس المال المالي (finance capital) الذي تولى مهمة الاستغلال المتهيج والمباشر لكل العالم عن طريق الاستعمار وتبعاته، الحروب الاستعمارية والحروب بين الدول الإمبريالية. أما القسم الثامن والأخير من الكتاب فيضم مناقشة ماركس الضافية للتراكم البدائي وهي العملية المفتاحية في نشأة الرأسمالية وكذلك العملية المستمرة للاختراق الرأسمالي في جغرافيات اجتماعية كانت في كنف الكفاية المعيشية ولم ينل منها التسليع. يفض ماركس في هذين الفصلين الأخيرين من رأس المال "التدليس" الذي يلف رأس المال ويكشف خباياه وخطاياه وقراءاتهما تأخذ بلباب الذين أتوا ماركس بشكوى الاستعمار والهيمنة الامبريالية. يجندل ماركس الخطاب البرجوازي حول نشأة رأس المال، الخطاب الذي يرد هذه النشأة إلى الاجتهاد والبذل وفضائل الادخار والعصامية الفردية. في مقابل هذا التدليس الذي يتكرر صداه في سير رجال وسيدات الأعمال حتى اليوم يشرح ماركس أن نشأة الرأسمالية كنظام اجتماعي في الدول الأوروبية كانت نتيجة تراكم عظيم للمال في يد أسر تجارية كبرى وأن هذا التراكم كان خلاصة قرون من البلطجة والغزو والنهب والقتل الوحشي والجماعي لشعوب بحالها حيث حط الاستعمار الاستيطاني. كتب ماركس في الفصل ٢٤ 'ما يسمي بالتراكم البدائي': "إن اكتشاف مناجم الذهب والفضة في أميركا، واقتلاع سكانها الأصليين من مواطنهم واستعبادهم ودفنهم أحياء في المناجم، وبدايات غزو الهند الشرقية ونهبها، وتحويل افريقيا إلى ساحة محمية لصيد ذوي البشرة السوداء، إن كل ذلك يميز فجر عهد الإنتاج الرأسمالي. وتؤلف هذه العمليات المدرة للريع العناصر الرئيسة للتراكم البدائي. ثم جاءت في أعقابها الحرب التجارية التي خاضتها الأمم الأوروبية متخذة من الكرة الأرضية ساحة لها. فقد اندلعت بانفصال هولندا عن اسبانيا، واتخذت أبعادا هائلة في حرب انجلترا ضد اليعاقبة، ولا تزال مستعرة في حروب «الأفيون» ضد الصين، وهلمجرا."
٧
بهذا تكون قارئة ماركس قد خبرت ما يكفي من أسلوبه وتقنيته الفكرية لاستيعاب القسم الأول وفتوحه الديالكتيكية، السلعة وما أدراك ما السلعة. يدشن ماركس كتاب 'رأس المال' بالجملة الثرية التالية: "تبدو ثروة المجتمعات التي يسود فيها نمط الإنتاج الرأسمالي وكأنها تكدس هائل من السلع، والسلعة المفردة هي الشكل الأولي لهذه الثروة، وعليه لا بد لبحثنا من أن ينطلق من تحليل السلعة". يختار ماركس كلمة "تبدو" فهو يقول منذ البداية أن الأمر ليس كما يبدو عليه وظاهر السلعة، أي سلعة، يخفي باطنا عميقا ومعقدا، هي ما يجري خلف ستار الإنتاج الرأسمالي. في هذه الجملة الأولى أشار ماركس إلى أولى المتقابلات التي تشكل عدة شغله الديالكتيكي، الشكل والمضمون. ستلتقي قارئة ماركس في صفحات هذا الكتاب الباسل شخصيات شكسبير وحبكاته وعباراته منثورة في الصفحات وستلتقي بالزاك وجوتة وشيلي والإغريق، فلاسفة وشعراء وأمراء، وكذلك الأحاجي والأساطير ومصاصي الدماء والذئاب الضارية والساحرات، هذا إلى جانب المفكرين السياسيين وعلماء الاقتصاد السياسي والأنثربولوجيا والصحفيين وبطبيعة الحال الفلاحين والعمال والسخرة والرقيق والمضطهدين من كل سحنة ولون. قراءة سعيدة!

استفدت في هذه الكلمة إلى جانب 'رأس المال' لكارل ماركس ، المجلد الأول، كارل ديتز فرلاغ، برلين، طبعة ٢٠٠٩ و'أسس الاقتصاد السياسي' لكارل ماركس، كارل ديتز فرلاغ، برلين، طبعة ١٩٧٤ من كتاب سفن-إريك ليدمان 'عالم للفوز به: حياة وأعمال كارل ماركس'، دار فرسو، لندن، ٢٠١٨ وكتاب ديفيد هارفي 'المرشد إلى كتاب ماركس رأس المال'، دار فرسو، لندن، ٢٠١٠ وكتاب لويس آلتوسير وإتيين باليبار 'قراءة رأس المال'، دار فرسو، لندن، ٢٠٠٩ وكتاب لينين 'الإمبريالية، أعلى مراتب الرأسمالية' [١٩١٧]، أعمال مختارة، المجلد الأول، دار التقدم، موسكو، ١٩٦٣.  

Wednesday, 8 April 2020

صباح العام التالي على الثورة - حوار مع مجموعة قدام، منصة لليسار الجذري في السودان وجنوب السودان

بعد عام علي سقوط نظام البشير وتسعة أشهر علي تشكيل الحكومة الانتقالية لا يزال طريق الانتقال في السودان متعثرا. اجتماعيا، لا زالت الدوافع التي حدت بالسودانيين الخروج إلى الشوارع  شاهرين سلميتهم ومطالبين بحقهم في معيشة أكثر يسرا وعدلا وكرامة لازالت هذه الدوافع كما هي من ارتفاع مضطرد في أسعار السلع والخدمات الأساسية فضلا عن ندرتها. سياسيا، لم تترجم استحقاقات الاتفاق السياسي مع المكون العسكري لتصبح واقعا ملموسا فلا اكتملت هياكل السلطة الانتقالية ومؤسساتها ولا التشريعات والقوانين التي من شأنها أن تحقق العدالة  وتقتص ممن قتل بنات السودان وأبناءه ونهبهم وأفقرهم. للحديث عن سودان ما بعد الثورة وحكومتها الانتقالية وسياساتها وقواها السياسية وانحيازاتها الاجتماعية يمينها ويسارها حاورنا الكاتب والباحث مجدي الجزولي فكانت المساجلة التالية: 
خرجت الجماهير في ثورة ضد سياسات التقشف، أسقطت حكومة وأتت بغيرها والمفارقة هنا أن حكومة الثورة الآن تبشر بالمزيد من سياسات التقشف والإفقار، برأيك ما الذي اوصلنا إلى هذه المفارقة؟ 
هذه صياغة ممتازة - ثورة دافعها التقشف تأتي بحكومة ثورة تبشر بالمزيد من التقشف - لسؤال معقد يجب أن يأخذ موقعه السليم في قلب المناقشات الدائرة حول الثورة. وهنا أسمح لي أن أساعد المناقشة بمصطلح التدليس كتعريب mystification والمصطلح من قاموس ماركس. يوظف ماركس هذا المصطلح في ثلاثة معاني، منها تزوير الوقائع التاريخية عن طريق التبشير بصياغات مغايرة لذات الوقائع تُصَانِع القوى المهيمنة وتُوافِق مصالحها. مثال ذلك سرد ماركس لتاريخ نشأة الرأسمالية كتاريخ من الاستكشاف والاحتلال والاستغلال الغربي للعالم بالمقارنة مع التدليس الذي تقوم به البرجوازية التي تصور نشأة الرأسمالية كسيرة من العمل الشاق والادخار الأوروبي. 
كيف يساعدنا هذا المفهوم إذن؟ 
كان الاحتجاج على التقشف بالفعل محركا أساسيا من محركات الثورة لكن لم يجد ذلك ترجمة تذكر حتى في الدعاية التي بشرت بها الهيئات الفئوية والسياسية التي تولت التعبير عن مطالب الثورة. فضلت هذه القوى تصوير الثورة كساعة لنهضة الوطنية وكفى، زينت بياناتها الفصيحة بالأدب القومي من ديوان مؤتمر الخريجين، أقصد بصياغات أدبية للوطن، وهنا موضع التدليس الأساس. صورت هذه القوى الثورة ساعة للوطن كمحل لجماعة عضوية مترابطة ومتآخية وصورت استعادة الوطن كمسألة رهينة بالتخلص من طاغوت عمر البشير وكفى. بذلك، استوى الصراع كتضاد بين الجماعة الوطنية التي استعادت حسب تصوير هذه القوى لُحمتها المفقودة بالثورة وبين جماعة "الكيزان" الخارجة على هذه الرابطة الوطنية. يغيب في هذا التدليس القومي الصراع الاجتماعي الذي هو محل سؤالك، وهو صراع أحسن تصويره المسطول في النكتة حيث قال أن أقصى أمانيه "سحبة" في عالم زين كما تصوره الدعاية. يطال التدليس ضمن ما يطال التناقضات التي تتمايز بها الطبقات الاجتماعية، فالتصور القومي علي طريقة مؤتمر الخريجين وعلى سنته تجمع المهنيين، لا يميز بين عاملة الموسم في كنابي أم كراع التي تعمل ١٢ ساعة في اليوم ويؤرقها ارتفاع سعر جركانة الماء وبين مورد القمح العظيم الذي تتدفق أرباحه مدرارا بفضل الدولار الجمركي؟ 
هل من الممكن أن يؤدي رفع الدعم وإجراءات التقشف إلي إسقاط الحكومة الحالية ومن ثم إلى انقلاب أو انهيار الشراكة الحالية ؟
القوى المدنية في الحكم ليست على اتفاق حول هذه القضية وأصبح الدعم مسألة صراعية بالدرجة الأولى. تعذر على القوى التي ترفض رفع الدعم أن تقترح برنامجا اقتصاديا بديلا متماسكا وتورطت في حرب كلامية مع وزير المالية بدت فيها غير منطقية ومتناقضة وأحيانا طفولية. العقدة ربما أن حتى هذه القوى التي ترفض رفع الدعم أعجزها تصور طريق يعتد به للتطور الاقتصادي بالتقشف أو بدونه فبدت كأنها لا تطالب بشئ سوى الحفاظ على الوضع القائم، بجانب أحاجي تبدأ بلفظة "استعادة" كمثل استعادة مشروع الجزيرة واستعادة السكة حديد واستعادة سودانير كأن عجلة تاريخها تدور إلى الخلف. من موقعه يطرح وزير المالية خطة بينة للتخلص من رفع الدعم على المحروقات والقمح في مقابل زيادة في الدعم النقدي المباشر للأسر "الفقيرة" بعبارته. هذه روشتة معلومة لصندوق النقد والبنك الدوليين وقد سلخ كل من وزير المالية البدوي ورئيس الوزراء حمدوك القسط الغالب من حياتهما المهنية في التبشير بها في القارة الافريقية، فهي عند الإثنين الحبة السوداء تشفى كل داء. 
أما سؤالك عن الانقلاب،  يميل ميزان القوى في الشراكة مع الوقت لصالح القوى العسكرية وحلفائها وقد لا تحتاج لانقلاب بأغنية وشعار على الإطلاق ما دامت الحكومة المدنية غير قادرة أو غير راغبة في منازعة الجيش والمليشيا السيطرة على الجيوب المربحة في الاقتصاد فمن مصلحة الجيش والمليشيا أن تستمر الحكومة المدنية كغطاء لحكمها ما دامت تضمن استمرار مصالحها دون أن تتأثر بالهوى الجماهيري. في الحقيقة، وجه الخطورة أن تصبح القوى السياسية المدنية مجرد واجهة لحكم الجيش والمليشيا، أى أن تتولى ذات موقع المؤتمر الوطني في عهد البشير المتأخر.
وهذه الوضعية الشائكة هي ما تعود جذورها لطبيعة الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية بطبيعة الحال... الذي يرى الكثيرون أنه ترجمة لتوزنات قوى بين قوى المركب العسكري الأمني وحلفاءه الخارجيين وقوى الشارع ،وتجنبا لسيناريوهات أصعب تكلفة وأكثر لا-يقنية.. إلي أي مدى تتفق ؟ 
يعود بالدرجة الأولى إلى توازن القوى ساعتها كما ذكرت، لكن ما أجد صعوبة في قبوله هو هذا التلويح بسيناريوهات أصعب تكلفة إلخ. هذا في الحقيقة تهديد مبطن للحركة الجماهيرية وإرهاب لا أكثر. ما هو السيناريو الأكثر تكلفة على وجه التحقق؟ ربما الإفقار المنظم لعامة الناس لصالح مراكمة الأرباح في يد رأس المال التجاري. هذا هو العنف الهيكلي والمستمر والذي لا ينقطع. يطابق التلويح بالإرهاب والسيناريوهات الأكثر تكلفة مخاوف الطبقة الوسطى من تحول حاسم في علاقات القوى الاجتماعية وبذلك تجد نفسها في حقيقة الأمر تقف إلى جانب رأس المال التجاري في مطالبته بإعادة الأمور إلى نصابها عبر حل وسط ما، أى عودة كل شئ إلى ما كان عليه. هذه الحجة كانت في قلب دعاية الطبقة السياسية للجم مطامح القوى الجماهيرية التي أخذت في بلورة مواقف تقدمية بخصوص توزيع الثروة الاجتماعية. والمسألة الاجتماعية في واقع الأمر تقع موقع القلب من مطالب القوى الشعبية التي أطاحت بسلطان البشير؛ وواجهت منذ البداية دعاية مضادة كانت صيغتها التساؤل البذئ، هل الثورة ثوري رغيف أم ثورة وعي؟
أشرت سابقا إلى الطريقة التي يتم بها تصوير الصراعات الاجتماعية في السودان قبل وأثناء وبعد الثورة السودانية باعتباره صراعا بين شعب يصور كما لو كان كلا واحدا ومتجانسا غير قابل للتمايز في مواجهة جماعة مارقة هم الكيزان من قبل القوي المدنية كما انتقدت ضمنيا القوي السياسية المناهضة للتقشف ولم تنجح في تطوير بدائل متماسكة وقابلة للحياة تحل محل السياسات النيوليبرالية ...بالاضافة لهذين المعضلتين ما الذي ينقص اليسار السوداني حتي يصبح جديرا حقا بالدفاع عمن يفترض به ان يدافع عنهم؟
من السهل نقد اليسار السوداني من هذا الباب، لكن من المهم ألا يتحول هذا النقد إلى تبكيت مجاني، فاليسار عبر العالم يواجه هذه المعضلة، أي طرح بديل متماسك وقابل للحياة لسياسات التقشف وطرح صيغ تنظيمية صالحة للصراع الطبقي، بدرجات متفاوتة من الفشل. خذ كمثال المتاهة التي وجد فيها حزب سيريزا اليساري في اليونان نفسه بعد وصوله إلى الحكم حتى استسلم أمام القوى الأوروبية العظمى ليفرض ذات السياسيات التي نشأ لمقاومتها أو التعقيدات التي عطلت حزب بوديموس في اسبانيا بعد أن ولج العمل النيابي أو الهزيمة التي حاقت بحزب العمال تحت قيادة جيريمي كوربين في الانتخابات البريطانية الأخيرة وهو يبشر بمانفستو أساسه مقاومة التقشف بسياسات بديلة. في كل، كان العامل المشترك، ولعل مثال سيريزا هو الأبرز، هو أن القوى الرأسمالية تعاقب بشراسة كل من يتجرأ على مناهضتها بقوة شعبية ظاهرة حتى لو تطلب ذلك تعطيل الإرادة الديمقراطية لناخبين أكفاء بصورة أو أخرى. 
عطل اليسار السوداني منذ أمد نقده لما يسمى في أدبيات الحزب الشيوعي "طريق التطور الرأسمالي" في محطة "الرأسمالية الطفيلية" وتعذر عليه دمج هذا النقد حتى في خطابه السياسي سوى بالهتاف ضدها. فوق ذلك، انقطعت الصلات التي كان الحزب الشيوعي قد وطدها بالطبقة العاملة أو بحركة المزارعين ووقف مشدوها أمام العنف الريفي في أطراف السودان ليكرر مقولات الاضطهاد الثقافي والعنصري دون أن يلج إلى باطنها في الاقتصاد السياسي. كذلك وقف مشدوها أمام التحولات العظيمة في المدينة السودانية منذ النزوح العظيم إلى الحواضر في عقابيل المجاعة الكبرى التي ضربت حزام الساحل الافريقي كله ومن ضمنه كردفان ودارفور والبحر الأحمر عامي ١٩٨٤ و١٩٨٥. وجميع ذلك صدى عنيف ودموي للاختراق الرأسمالي الذي فرض التسليع بالحديد والنار على مجتمعات كانت حتى عهد قريب في كفاية الاقتصاد المعيشي على طريقة "نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع" ووجدت نفسها في معمعان التراكم البدائي من حيث لا تحتسب. صدقت الأرجوزة الشعبية هذا المعنى بتبجيل رأس المال التجاري وممثليه بعبارة سهلة ممتنعة: "حنان ما بدوها رمتالي.. حنان إلا تاجر إجمالي". كذلك، لم يجد اليسار ما ينتصر به في كراساته القديمة لهضم التحولات في علاقات رأس المال على مستوي الإقليم، أقصد بذلك، واقع أن البرجوازية السودانية كمثيلتها المصرية وكذلك الأردنية واللبنانية وغيرها في المنطقة العربية صارت رهينة لرأس المال الخليجي يعتمد بقاؤها عليه ولذلك تبعات سياسية، بعضها ظاهر في تقلبات وتناقضات الفترة الانتقالية والنزاعات اليومية بين أطراف الحكم وأفراده، صلاح مناع وأحمد ربيع ولجنة التمكين وطاقم رئيس الوزراء الخ. 
هذه القضايا ليست مسائل للمماحكة النظرية والسلام، هذه قضايا ال praxis إذا أجزت لي الاستعانة بمفهوم آخر من قاموس ماركس ويقصد به الفكر الذي يرفد من الواقع ليعين على تغييره. ما أريد قوله، للخلاصات النظرية بخصوص هذه القضايا تبعات مباشرة في الصراع الاجتماعي تدليسا كان أو وعيا كاذبا إن أردت أو فتحا ثوريا. 
على سبيل المثال، متى ابتدرت بفكرة الجماعة الوطنية الموحدة والمتجانسة انتهيت إلى نفي الصراع الاجتماعي وتصوير الاقتصاد الوطني كقائمة للموارد المهملة التي لم يحسن سابقوك استغلالها أو ساحة للفرص المهدرة. من هذه المقدمة يتوطد التصور الليبرالي للاقتصاد الذي يسكنه أغنياء أحسنوا الاستفادة من الفرص التي أتيحت لهم بفضل الشطارة والدبارة وفقراء ضعفاء فشلوا في هذه المهمة. يتصل هذا التصور من ثم بالخطط التي تطرحها، فالجماعة الوطنية واجبها أن تتنادى للبذل كما في صندوق "القومة ليك يا وطني" بحمية قومية لكن يطوي الصمت التدابير المعلومة لإدارة الثروة الاجتماعية عن طريق نظام ضريبي تصاعدي وضريبة يعتد بها على رؤوس الأموال. 
تسود الخطاب العام حاليا نغمة ساخطة علي الأحزاب السياسية  يسارها ويمينها ومعادية لها أحيانا من قبل الكثير من "الشباب" خاصة... في الوقت نفسه تبدو الحاجة ملحة لصيغة تنظيمية ما تستوعب الإمكانيات (potential) و الأسئلة الإجتماعية التي فتحتها ثورة ديسمبر، في رأيك ما هو المخرج من هذه المعضلة ؟
ما تصف جانب من تشخيص الأزمة السياسية، "القديم في سكرات الموت والجديد في مخاض الولادة، وفي هذا الانتقال تتعدد الأعراض المرضية". هذه العبارة مأخوذة من قاموس غرامشي وقد تعين على طرح الأسئلة الصحيحة في ساعة التحول الطويلة هذه. ما يتداعى هو النظام السياسي الذي خلف الدولة الاستعمارية وتقسيمات العمل بين أطرافه من حيث علاقتها العضوية بالقوى الطبقية التي تمثلها. على سبيل المثال، لم يعد حزب الأمة هو ممثل رأس المال الزراعي الأول ولا الحزب الاتحادي الديمقراطي ممثل رأس المال التجاري الأول في البلاد كما لم يعد الجيش صنيع الدولة الاستعمارية يحتكر القوة الحربية، كل ذلك مقروءا مع التحولات الاجتماعية العميقة والمتسارعة في صلة مع الاختراق الرأسمالي والانتقال العنيف من الاقتصاد المعيشي إلى الاقتصاد السلعي لمجتمعات بحالها. أما ما يلم يولد بعد فهو الصيغ التي تتساءل عنها، لكن التاريخ لا يتعطل على الإطلاق وإن تعطل إدراكنا له، وشرط الإدراك السليم هو تقصى الحقيقة بأي ثمن. في هذا الشأن يسعفنا غرامشي مرة أخرى وهو القائل أن ننطق بالحق وأن نتحرى الحق معا هو عمل شيوعي، عمل ثوري بامتياز. لماذا أصر على ضرورة هذه المعرفة، لأنه بدونها نقع في التدليس، من ذلك مثلا الحديث عن "الشباب" كجماعة سياسية أو فاعل سياسي موحد، وهو كمثل الحديث عن الشعب والجماعة الوطنية، غتغتة تستدعي الأجوبة الخطأ. 
ماذا طرحت ثورة ديسمبر من أسئلة إذن؟ 
تطرح بقوة السؤال عن السلطة لمن؟ ونشأت لبرهة في هذا السياق سلطة مزدوجة، أولى محلها جهاز الدولة القسري وثانية مضادة محلها الحركة الجماهيرية والأشكال التنظيمية التي نشأت عنها، وفي مقدمتها لجان المقاومة. يتصل ذلك بمدى سلطات الجهاز القسري للدولة وحدود نفوذه، وقد كانت ديسمبر ساعة "أدبة" للجهاز القسري تلقى فيها ضربات شعبية متتالية هددت مشروعيته وهيمنته. هذا السؤال أجابت عليه القوى السياسية بصيغة التحالف الراهن وتولى سياسيون ومثقفون حاذقون مهمة تسويق هذا التحالف بأنه أفضل ما يمكن تحقيقه وليس بالإمكان أفضل مما كان ما دام الهدف المشترك هو التخلص من طاغوت عمر البشير، وقد كان. يظهر عوار هذا المنطق المحافظ إذا قارنته بما كان يروج له البشير نفسه والأرض تميد تحت أرجله بقوله أن مصير اليمن وسوريا ليس ببعيد عن السودان ولذا فالشيطان الذي تعرفه خير من الذي لا تعرفه.. الخ. تطرح ديسمبر بقوة، وفي اتصال مع السؤال الأول، قضية الثروة الاجتماعية وتنظيم الاقتصاد، لصالح من؟ وهذا ما تحاول الحكومة الانتقالية، كذلك عبر جوغة من المثقفين والدعائيين، طمسه بعزل قضية دعم السلع الاستهلاكية عن سياقها وتصويرها الجند الوحيد في شبكة اقتصادية معقدة هي في واقع الأمر التبادل العضوي بين جهاز الدولة ورأس المال التجاري ومراكز رأس المال الإقليمية. كذلك تطرح سؤالا حادا ولا مناص منه عن العلاقات القهرية في الحياة اليومية، كان ذلك في علاقات النساء والرجال أو السلطات الأبوية داخل الأسرة، أو التفويض الأبوي للأساتذة في المدارس أو السلطة الروحية لرجال الدين الخ. في كل ذلك أجابت ديسمبر بممارسات غيرية تحررية، وجدت التعبير عنها في الحياة اليومية داخل ميدان الاعتصام فكأنما كان طيفا من المستقبل أو بصياغة أفضل بابا لبعد مثبط في الحياة اليومية، بعد تحرري جنيني تقمعه هذه السلطات المتراكبة، لكنه والحمد لله مد لها لسانا طويلا. هذا إن أردت فار ماركس الحفار، كشف بوذه كما فهل في الثورة المصرية، أم الثورات في عصرنا.

Wednesday, 25 March 2020

An assassination attempt in Khartoum

An edited version of this piece was published on Middle East Eye.

Sudan’s interim prime minister, Abdalla Hamdok, was pictured a short while after the jumbled attempt on his life on 9 March with a beaming smile on his face behind his desk in Khartoum. The photographer made sure to capture the television screen in his office in the same frame with news of the assassination attempt from an Arabic television channel. In his trademark uplift style Hamdok issued a statement saying “What happened will not stop the march of change and will only be an additional splash in the high wave of the revolution.” 
The government spokesman, Faisal Mohamed Salih, immediately labelled the attempt a “terrorist attack”. Two days later, on 11 March, Salih announced the arrest of several suspects including foreigners and confirmed the arrival of a team of US security experts who will join the investigation effort. He willingly adopted the narrative of the US war on terror saying: “The government has requested the help of the [Federal Bureau of Investigation] FBI due to its experience and the modern technologies it has, especially as Sudan is a country that has no experience in dealing with this kind of incidents,” adding that “international anti-terrorism treaties obligate states to make use of various experiences to address these issues”.
Salih drew attention to events back in February 2020 when the Sudanese police announced the arrest of members of a “terrorist cell” headed by an Egyptian national who allegedly confessed ties to the Egyptian Muslim Brotherhood. The authorities claimed that members of the cell who carried forged Syrian passports had received training in explosives and were plotting a series of assassinations targeting Sudanese officials tasked with dismantling institutions of the deposed regime of former president Bashir. Interestingly, the lot of Egyptian Muslim Brothers who had sought shelter in Sudan following the July 2013 coup d'état under Bashir’s rule was not particularly better. They were equally traded for favours from the Egyptian dictator
Bashir’s regime had laboured strenuously to shed off its earlier record of Islamist adventures, foremost the 1995 botched attempt on the life of deceased Egyptian autocrat Hosni Mubarak in Addis Ababa, and relocate itself in the terrain of US subservience. It happily advanced cooperation with US intelligence in the aftermath of the September 11 but the reputation of Sudan’s security cabal made open normalisation of ties an expensive political choice domestically for successive US administrations. Nevertheless cooperation did continue and the CIA was pleased with the performance of its Sudanese clients under Bashir right up to the end of his rule. 
Sudan’s new rulers are evidently keen to prove their worth in the US security architecture for the immediate purpose of slipping off the US state sponsors of terrorism list and the strategic choice of alignment with their powerful Arab Gulf patrons, Saudi Arabia and the United Arab Emirates (UAE), in the regional political order. Sudan’s Abd al-Fattah al-Burhan stated as much when arguing his case for normalisation of ties with the Israeli occupation after his surprise meeting with Benjamin Netanyahu in Uganda’s Entebbe early February. The meeting was allegedly arranged by Abu Dhabi with the involvement of Riyadh and Cairo. 
The facts of the attempt on Prime Minister Hamdok’s life remain murky. A bomb planted in a parked car exploded as his convey passed by in the Kober district of Khartoum North, and a volley of bullets was heard. Accounts vary however, some claim a projectile was fired against the convoy from a high building. The political consequences if not benefits of the attempt unfolded in quick succession. On the same day, Egypt’s security chief, Abbas Kamel, was received by Sudan’s calm and composed military rulers and held separate meetings with the head of state Abd al-Fattah al-Burhan and his deputy Mohamed Hamdan Daglo, leader of the Rapid Support Forces (RSF) militia. A few days later, Daglo flew to Egypt despite a flight ban in relation to the coronavirus pandemic, for meetings with Egyptian officials including President al-Sisi, partially to smooth out a loud disagreement regarding the Grand Ethiopian Renaissance Dam (GERD); Sudan had opted out of an Arab League resolution supporting Cairo’s position in the dispute with Addis Ababa drawing official Egyptian disdain
Domestically, the assassination attempt drew the civilians of the tenuous transitional authority closer to their military allies. A joint meeting of the cabinet, the sovereignty council and the leadership organ of the Forces of Freedom and Change (FFC), resolved to establish a new internal security organ separate from the General Intelligence Service (GIS), with the mandate of tracking, monitoring and pre-empting the actions of members of terrorist organisations or any organisation with objectives opposed to the [2019] revolution. 
The generous formulation is borrowed directly from the dictionary of repression and I assume would come to haunt the very women and men who toppled Bashir the dictator. Indeed, Sudan’s new rulers have struggled to counter or absorb the independent and multiple organisational forms of Sudan’s protest movement, foremost the ubiquitous resistance committees. The new security organ, with designs likely to be fashioned following Egyptian example, will probably serve the dual function of appropriation and repression through incorporation of willing recruits into the new security apparatus and the subjugation of others who defy the will of the state. Meanwhile Prime Minister Hamdok, it must be said, risks deterioration into the mantle of Adly Mansour, the perfect placeholder. 

Tuesday, 25 February 2020

وجهاز الدولة: هل من حل وسط؟

كنا في كلمات سابقات تلمسنا مفهوم "السلطة المزدوجة" لتقصى صراعات الفترة الانتقالية ورهاناتها. والمفهوم من اختراع لينين، وصف به التعايش العسير والمعقد بين الحكومة المؤقتة التي تولت الأمور في روسيا في أعقاب ثورة فبراير ١٩١٧ التي أطاحت بحكم القياصرة وبين السوفييتات (جمع سوفييت)، وهي المجالس أو اللجان التي نشأت وسط عمال المدن والجنود وتحولت بالممارسة إلى سلطة حية مضادة. كانت السيادة بيد حكومة كيرنسكي المؤقتة أما السيطرة على الرأي العام وتنظيم الحياة اليومية فقد فازت بها السوفييتات الديمقراطية حتى انتصار سلطتها في أكتوبر ١٩١٧.  كتب لينين في أبريل ١٩١٧ ببساطة "إن السؤال الأساس في كل ثورة هو سلطة الدولة. لا يمكن المشاركة بذكاء في أي ثورة، دع عنك قيادتها، دون فهم هذه القضية"، مضيفا "إن السمة الرئيسة لثورتنا هي أنها أفضت إلي سلطة مزدوجة. لا بد من إدراك هذه الحقيقة وإلا لن نستطيع التقدم قيد أنملة". 
نشأت في تقدير لينين "بجانب الحكومة الانتقالية.. حكومة أخري، ضعيفة، بدائية لكنهت موجودة واقعا وتنمو..". في تشخيصه لهذه الحكومة الضعيفة والبدائية قال لينين أنها "نشأت على أساس المبادرة المباشرة من الناس من أدنى وليس بقوة قانون أصدرته سلطة دولة مركزية، وهي بذلك سلطة مختلفة بالكلية.. وهذا لب القضية" فمصدر سلطة هذه الحكومة المضادة ليس قانونا ناقشه نواب برلمان وأجازوه وإنما الإرادة والمبادرة الشعبية، كل في منطقته وبوضع اليد. أضاف لينين من التجربة الثورية الفرنسية في ١٨٧١ سمات أخرى للسلطة المزدوجة، قال حلت القوى الشعبية المسلحة تسليحا ذاتيا محل الجهاز القسري للدولة، الجيش والبوليس، هذا الجهاز المنفصل والمنقطع عن الإرادة الشعبية والمناوئ لها. كما تحولت طبيعة البيروقراطية فإما استعيض عنها بالإرادة الشعبية المباشرة والتنظيم الذاتي أو تم وضعها تحت سيطرة العموم؛ وتحول موظفيها من جماعة خاصة ذات امتيازات إلى عاملين منتخبين يمكن الاستغناء عنهم متى ما أراد الناس. 
فيما تفيد العودة إلى لينين هذه الساعة إذن؟ أليس في كوارث الاتحاد السوفييتي ثم انهياره ما يكفي من الشواهد على ألا رجاء من هذه السكة الخطرة؟ أليس كل طريق سوى الطريق الرأسمالي سراب يظنه الظمآن ماء. ألم تثبت التجربة مع الحركة الإسلامية أن كل فكر سياسي يحيد عما استقر من عقائد عالم السوق الرأسمالي الذي انقضى تاريخه محض جنون أو مراهقة؟ من جهة أخرى، ألا تطرح الثورة كل ذلك على الطاولة وأكثر، ليس من موقع الكاتب المتأمل الذي يقارع فكرة شاردة، صالحة أم طالحة، لكن من واقع الممارسة الحية والتجريب الماثل. ألا تطرح مجابهة الخميس ٢٠ فبراير في مركز الخرطوم بين قوى الجهاز القسري من جهة والجمهور الثوري الذي انعقدت إرادته لدى لجان المقاومة من جهة أخرى مسألة السلطة بالمباشرة والآنية التي تفرض مقارعتها الآن وإدراك كل جوانبها والوصول إلى خلاصات سياسية حولها، استراتيجية وتكتيكية، وإلا تعذر التقدم. 
لا يمكن بطبيعة الحال انتزاع تاريخ لينين من ركام القرن العشرين وتكراره لكن يمكن الاعتبار في المغامرة السياسية التي اخترعها للثورة وقد كانت حتى ميزها تعد مستحيلا. اكتشف لينين سانحة للثورة تبدت بين رفث ودم وقال هذه هي، حل السلطة المزدوجة لصالح الجماهير بالعمل الحاسم على تحقيق "كل السلطة للسوفييتات". خالف لينين بتقديره هذا غالب الرأي في حزبه، فلم يوافقه علم من أعلامه كما أعلنت برافدا الناطقة باسم الحزب أن تقديرات لينين التي اشتهرت لاحقا باسم "مقولات أبريل" تخصه وحده ولا تمثل موقف الحزب ولا موقف جريدته. بل شكك كثيرون في صحته العقلية؛ قال الكساندر بوغدانوف أن لينين يهذي ولا بد فقد عقله وقالت زوجته ناديا كروبسكايا أصابه مس. أدرك لينين أن ظروفا وملابسات فريدة قد اجتمعت، والفرصة سانحة لفتح ثوري، لكنها متى مرت ولم يتم اغتنامها انحبست ربما لعقود قادمات. دافع لينين للمجازفة على طريقة "الرهيفة التنقد" كان الرعب من الآثار الكارثية للإمساك عن المغامرة، للصبر على الوضع القائم، للسهو في حضرة التاريخ. 
صدع المتظاهرون يوم الخميس بقضية في صميم المسألة الثورية، هل ولاء الجندي لضابط عظيم يأمره أم للإرادة الشعبية التي هي محل خدمته الحقة. جابه المتظاهرون المنطق الصوري لضباط القوات المسلحة العظام الذين صرخوا بعقيدة "الزبط والربط" بمنطق مضاد قوامه الإخلاص للشعب لا نقابة السلاح. وقع الضباط العظام في تناقض ظاهر أشار إليه المتظاهرون بأصابع ممدودة، أقالوا ضباطا مختارين بشبهة مخالفة الأوامر وأعفوا أنفسهم فما فعله الملازم محمد صديق مخالفات لقانون القوات المسلحة وما فعله كبار الضباط، البرهان وسواه، انحياز يستحقون به حسن الجزاء. فضح المتظاهرون كل ذلك بالمبادرة الحرة وقد ارتبك إعلام القوات المسلحة يبحث عن الأعذار والواقع أنه فقد السلطان على العقول والأفئدة الذي كان يحفظ له قدسية "ممنوع الاقتراب والتصوير"؛ وسيرة وانفتحت. 
ينطوي مطلب الخميس إعادة الضباط المستبعدين من الخدمة وما يتصل بذلك تباعا، إعادة هيكلة القوات المسلحة وتفكيك المليشيات وبناء جيش قومي وطني، على مسألة أولية هي "استعدال" العلاقة بين الجيش والناس. إذ لم يعد مقبولا بعد التجربة الطويلة التي انصرمت منذ الاستقلال بين انقلاب وثورة شعبية أن يستقل الجيش بسيادة تخصه وتعلو على إرادة المواطنين بل صار المطلب الذي تسرب من شعارات الخميس أن يخضع الجيش للإرادة السياسية المدنية ويتواضع أمام الشرعية الشعبية. قابل البرهان من جوبا هذا المطلب الثوري الأكيد بكلام لزج عن أهمية الوصول إلى تراض تام بين المدنيين والعسكريين للوصول إلى اتفاق سلام يعبر بالمرحلة الانتقالية إلى بر الأمان. لكن، أي أمان وأي بر يقصد البرهان؟ أهو أمان العنف الذي تشدقت بقانونيته الشرطة تريد تكبيل حرية التعبير والتظاهر التي فاز بها الناس عنوة لا منحة، أم هو أمان تعويم الجنيه وتحميل غمار الناس عجز الميزانية باختراع الصيغ لإطلاق يد السوق دون قيد أو شرط بينما يتمتع رأس المال التجاري بالدولار الجمركي والاستثناءات الجمركية ال "من لبن الرضيع مدفوعة" وتنفرد مؤسسات الجهاز القسري الاقتصادية بالحصانة. مقابل ذلك، غز الثوريون عودهم في ود عين هذه السلطات المتراكبة فبوصلة الخميس تؤشر في اتجاه ما يبدو اليوم مستحيل موضوعيا لكن جاءت الثورة بإحداثيات إمكانه. 


Thursday, 13 February 2020

Mobilization and Resistance in Sudan’s Uprising: From neighbourhood committees to zanig queens

A long read published by the Rift Valley Institute.

Grooming a dictator: al-Burhan calls on Netanyahu

An edited version of this piece appeared on Middle East Eye.
The chairman of Sudan’s sovereign council, General Abd al-Fattah al-Burhan, challenged the Sudanese political establishment on 3 February with a daring political manoeuvre that none saw coming. He travelled unannounced to Uganda’s Entebbe where he met the embattled Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu. Khartoum’s regional patrons, the United Arab Emirates (UAE), Saudi Arabia and Egypt, were reportedly informed and involved in arrangement of the meeting but the prod came directly from the mighty US. The US Secretary of State, Mike Pompeo, who had apprehensively invited General al-Burhan to talks in Washington two days earlier, commended the Sudanese army’s commander in chief for his bold step as did Netanyahu and the Israeli press. 
In Khartoum, the Minister of Foreign Affairs denied prior knowledge of Burhan’s adventure as did the cabinet and the Forces of Freedom of Change (FFC), the coalition of political parties and professionals’ associations that forms the civilian component of the transitional authority in Khartoum in alliance with the military-security establishment. Stunned and dazzled, coalition members of the FFC issued a statement denouncing Burhan’s violation of the Constitutional Document that defines the division of authorities between the cabinet and the sovereign council on the grounds that foreign affairs are the prerogative of the uninformed cabinet. A cool Burhan told the press corps that he had notified Prime Minister Hamdok two days ahead of his trip. The cabinet was effectively forced to respond and issued a statement in the early hours of 6 February denying Burhan’s claim and condemning his diplomatic advances as outside the purview of the transitional government, definitely not the business of the sovereign council, foul of a foreign policy legacy of solidarity with the Palestinian cause and at odds with the ideals of the December 2018 revolution that toppled former president Bashir. 
General al-Burhan, backed by an unapologetic declaration of support from the Sudan Armed Forces (SAF) command read out by a somewhat embarrassed and prostrate officer who seemed to avoid looking up at the camera, delivered a pragmatic explanation of the turnaround in Khartoum’s position vis-à-vis the Zionist occupation of Palestine as he would imagine it unfolding in Sudan’s favour. General al-Burhan invoked ‘national security’ and ‘national interests’ to pronounce a doctrine of ‘there is no alternative’ other than normalisation of relations with the Israeli occupation as a route to shedding off Sudan’s pariah status, gaining Washington’s favour, slipping out the US list of state sponsors of terrorism and eventually securing a write off of Sudan’s Sisyphean burden of debts from donor countries and the international monetary system. The hollow rhetoric and sloganeering of yesteryear will not give us wheat or fuel, Burhan rationalised. The same hopes were reiterated ad nauseam in the media by a chorus of supportive commentators and politicians, some from within the FFC coalition and many begrudging outsiders, who now sang the praise of the General and theorised a chauvinist notion of Sudanese nationalism along the Trumpist sunnah; something like ‘Sudan First’ to paraphrase the philosopher-king of Washington. 
Burhan is no pioneer and his Zionist adventure is reminiscent of the toying of another Sudanese military ruler with Israeli favours. Back in May 1982 president Nimayri and his security chief Omer Mohamed al-Tayeb, with the assistance of the Saudi billionaire arms dealer Adnan Khashoggi, held a clandestine meeting with Ariel Sharon, Defence Minister in Menachem Begin’s Likud government, in Kenya and agreed in principle to facilitate the transfer of thousands of Ethiopian Jews though Sudan to the promised land, an operation that eventually became Netflix material. Nimayri was compensated in cash and the promise of turning Sudan into a huge arsenal for Israeli weapons. King Fahad of Saudi Arabia, claimed Khashoggi, agreed to finance the project with 800 million US dollars and if necessary 1 billion US dollars. Nimayri gave his consent late 1984 in response to US pressure and the promise of 200 million US dollars in economic aid. Once uncovered ‘Operation Moses’, became a scandal of the first order and contributed to the denudement of Nimayri’s regime. The ‘no alternative’ doctrine that General al-Burhan now espouses dates from that era and arguably carries as today an American stamp. 
Nimayri came to power in a Nasser-style coup but soon switched sides in the Cold War under mentorship of Egypt’s Sadat to land Sudan firmly in the US camp. When Anwar Sadat made his peace with the Israeli occupation Nimayri loyally cheered along. The Sudanese military, emulating Egyptian example, became a component of the US global security regime. Sudanese officers, including prominent figures like the late John Garang and the security tsar al-Fatih Urwa were trained in US military colleges. Urwa was one of two liaison officers from the Sudanese side in Operation Moses, served as Bashir’s defence minister, ambassador to the United Nations (UN) and national security advisor and enjoys today a generous retirement scheme as CEO of the Sudan franchise of the Arab Gulf telecommunications giant Zain. Sudanese army units took part in joint drills with the US army with exciting titles such as Operation Bright Star and were happy to pounce around the military hardware they received from their US patrons. When the 1985 intifada broke out in Khartoum in 1985 in response to a harsh regime of budgetary and subsidy cuts by diktat of the International Monetary Fund (IMF), the dictator was in Washington for audience with president Raegan. To Burhan it can be assumed, these are the good old days of Sudan’s integration in the global order. 
From the Israeli perspective Sudan features prominently in its ‘Periphery Doctrine’, a security and foreign policy concept laid out by the Reuven Shiloah, the founding father of the Mossad. The ‘Periphery Doctrine’ evolved out of the Israeli confrontation with revolutionary Nasser and relies on two related rings of encirclement that from the Israeli point of view constitute a threat to Arab nationalism and share in Zionist antagonism to the pan-Arab ideology: non-Arab nations and religious and ethnic minorities within Arab countries. Initially, Khartoum was a candidate to join the first ring of non-Arab nations that included Iran, Turkey and Ethiopia and contacts between the two sides reached a peak at the August 1957 clandestine meeting between Sudanese Prime Minister Abdalla Khalil of the Umma Party and Israeli Foreign Minister Golda Meir in Paris. Abdalla Khalil was overthrown in a military coup in November 1958. Among the components of the second ring identified by Shiloah were southern Sudanese long tyrannised and brutalised by Khartoum’s rulers. Indeed, the Israeli Mossad provided southern Sudanese insurgents battling the Khartoum government with supplies, weapons and training between 1969 and 1972. Israeli arms deals continue to funnel weapons into the country today fuelling the gruelling civil war in the independent South Sudan. 
Burhan’s overtures come at opportune moment for the Netanyahu side and it is no surprise that the Israeli Prime Minister, indicted on charges of fraud, bribery and breach of trust in a series of long-running corruption cases, advertised his meeting with Burhan as a success story. Admittedly it was, Sudan had months before already allowed flights heading to Israeli airports to cross its airspace. The issue was raised last in November 2018 on behalf of Kenyan Airlines by an emissary of President Kenyatta to former president Bashir and rejected. Khartoum received similar appeals from the airlines of Chile, Seychelle and South Africa. “With Sudan we are now establishing cooperative relations,” Netanyahu said in a campaign speech on 6 February. “We will overfly Sudan.” What Sudan would effectively gain falls in the realm of speculation. The issue that bother Sudan’s rulers, primarily the removal of Sudan from the US list of state sponsors of terrorism, is “not flipping a light switch. It’s a process” the US assistant secretary for African Affairs, Tibor Nagy, stated in November 2019. If and when it does take place, the step is unlikely to prove a panacea to Sudan’s financial woes. 
In fact, the state sponsor of terrorism designation does not prohibit or criminalise foreign investment nor is it the only obstacle facing debt relief. The International Monetary Fund (IMF) and the World Bank policies on arrears would still prohibit lending to Sudan. “We cannot provide them with financing because they are still incurring arrears, and until they address this arrear issue, in our bylaws, we cannot provide them with additional lending,” the IMF’s Jihad Azour, director of the IMF’s Middle East and Central Asia department, told reporters in April 2019. Sudan’s arrears to the IMF are estimated at 1.3 billion US dollars out of a total foreign debt of around 59 billion US dollars. Later in the year, Sudan’s Minister of Finance, Ibrahim al-Badawi, said Khartoum had agreed a roadmap to rehabilitate the country with the IMF, the World Bank and the African Development Bank which does not involve paying its lenders debt arrears. What the removal of Sudan from the US list of state sponsors of terrorism does allow however is an agenda of military patronage, defence exports, intelligence and and weapons sales to Sudan. 
With Israeli and US assistance Burhan could evolve into the archetypical compliant dictator of US strategy in the region, a Sudanese Sisi of sorts. The power-sharing agreement between the civilian government of Prime Minister Hamdok and the military-paramilitary-security bloc led by Burhan formalised what is effectively a situation of dual power in Sudan. With US/Israeli wind in his sails, Burhan is actively recrafting this tenuous arrangement with pronouncements of sovereign power from the SAF command and the seductive promise of a consumer paradise on the Nile. The counter-revolution is being retweeted by Netanyahu.

Sunday, 9 February 2020

وجهاز الدولة: الديكتاتور المطيع

تحدى الفريق البرهان الحكومة الانتقالية بتكتيك مخاتل، التقى في عنتبي اليوغندية رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنجامين نتنياهو يوم ٣ فبراير ولا هماه شي. التأم اللقاء، بواسطة من الكفيل الإماراتي، وتشجيع شديد من واشنطن. أنكرت الحكومة الانتقالية وكذلك قوى الحرية التغيير أي معرفة مسبقة لها بمغامرة البرهان وأصدرت بيانات تشجب وتدين هذا الخرق للوثيقة الدستورية على أساس أن علاقات السودان الخارجية من اختصاص مجلس الوزراء وأن قضية مثل التطبيع مع الكيان الصهيوني تتجاوز حدود ما يمكن أن تقطع فيه الحكومة الانتقالية. أصدرت قيادة القوات المسلحة بيانا صريح العبارة في دعم البرهان وشرح الأخير خطوته لنخبة من الصحفيين محتجا بأمن البلاد ومصالح الشعب السوداني العليا. قال البرهان أن العنتريات القديمة والشعارات الخاوية لن توفر القمح أو الوقود كأن سلامه مع الكيان الصهيوني سيفعل وأكد أن طرقه باب تل أبيب سيفتح الطريق إلى رضى واشنطن ومن ثم إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وإعفاء ديون السودان المتراكمة لدى الدول المانحة والمؤسسات المالية الدولية، صندوق النقد والبنك الدوليين. ردد معلقون وسياسيون من بيئات فكرية متباينة، كان أفصحهم بيانا الدكتور النور حمد، عقيدة البرهان في التطبيع ورجحوا لذلك صيغة شوفينية من القومية السودانية على سنة ملك أميركا العريان دونالد ترامب لسان حالهم "السودان أولا" في لبوس الواقعية السياسية وبراغماتيه المتعقلين لا صناجة الثوريين. 
لم يخترع البرهان طريقا جديدا فقد سبقه في سكة "السلامة" الإسرائيلية ديكتاتور عسكري آخر. التقى جعفر نميري يرافقه مدير جهاز أمن الدولة عمر محمد الطيب في ١٣ مايو ١٩٨٢ آرييل شارون، وزير الدفاع في حكومة مناخيم بيغن، في كينيا بتيسير من تاجر السلاح السعودي عدنان خاشقجي. اتفق الطرفان على أن عدوهم المشترك هو ليبيا القذافي. وافق نميري مبدئيا في اجتماعه مع شارون على التعاون في تهريب اليهود الفلاشا من اثيوبيا إلى الكيان الصهيوني ووعده شارون بأن يجعل السودان مخزنا كبيرا للسلاح الإسرائيلي للاستعمال في عمليات خاصة. بحسب رواية خاشقجي، وافق الملك فهد أن يمول مشروع تخزين السلاح ب ٨٠٠ مليون حتى مليار دولار. عاد نميري إلى الخرطوم وتلكأ حتى أتاه الأمر الأميركي المباشر من وزير الخارجية وقتها جورج شولتز ومعاه كيكة قدرها ٢٠٠ مليون دولار تضاف إلى مبلغ المساعدات الأميركية لحكومة السودان. كان شرط نميري السرية لكن كما في هذا المرة رفع الإسرائيليون الحجاب عن اللقاء ووجد الخبر طريقه إلى الصحافة. لم ينتظر نتنياهو المحاصر بقضايا الفساد عودة البرهان إلى الخرطوم وغرد هو كذلك مسرورا بموافقة البرهان على فتح مجال السودان الجوي للطائرات التجارية المتجهة إلى المطارات الإسرائيلية. 
جاءت مغامرة نميري الإسرائيلية في سياق تبعية السودان وقتها للقطب الأميركي. كان نميري انتقل برشاقة يحسد عليها في عقابيل انقلاب ١٩٧١ من معسكر الدول الاشتراكية وحليفاتها من أنظمة التحرر الوطني إلى معسكر الولايات المتحدة بإرشاد من مصر السادات، وأصبح الجيش السوداني بذلك مكونا من مكونات النظام الأمني الأميركي في الإقليم. تلقى الضباط السودانيون التدريب في الكليات العسكرية الأميركية واكتسبوا الأسلحة الأميركية واشتركوا والجيشين الأميركي والمصري في مناورات دورية أبرزها عملية النجم الساطع التي تجري كل عامين وما تزال بين الجيشين الأميركي والمصري. لعل هذا المثال هو ما يلهم مساعي البرهان، فهذه صورة اندماج السودان في النظام الدولي كما تتراءى لضابط عظيم. من وجهة النظر الإسرائيلية، لطالما كان السودان مجالا للتدخل على أساس مفهوم الهامش العربي لصاحبه ريفن شيلواه، المدير المؤسس للموساد. نشأ هذا المفهوم في سياق المواجهة الإسرائيلية مع مصر الناصرية ومن والاها ويقوم على الفوز بحلف حلقتين من القوى: الدول غير العربية المحيطة بالعالم العربي (إيران وتركيا واثيوبيا)، والقوميات غير العربية المضطهدة داخل البلاد العربية. لربما جاز في هذا الإطار تفسير الاتصالات الإسرائيلية منتصف الخمسينات مع ممثلين لحزب الأمة بما في ذلك ضابط عظيم آخر، رئيس الوزراء البيه عبد الله خليل، فقد كان المسعى وقتها ضم السودان إلى الحلقة الأولى من الدول. 
كان ذعر حزب الأمة من احتمال الوحدة مع مصر خاصة بعد صعود جمال عبد الناصر إلى السلطة دافعا لنشاط دبلوماسي محموم لممثلين عن الحزب بهدف ضمان الدعم البريطاني. التقى محمد أحمد عمر الذي كان مديرا لتحرير جريدة النيل الناطقة باسم حزب الأمة في رفقة السيد الصديق المهدي عام ١٩٥٤ بدبلوماسيين إسرائيليين في لندن وطلبا دعم الكيان الصهيوني لقضية استقلال السودان خاصة في الولايات المتحدة والأمم المتحدة. تجددت الاتصالات في سبتمبر ١٩٥٦ حيث التقى محمد أحمد عمر برئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها ديفيد بن غوريون في اسطنبول لبحث إمكانية أن تقدم إسرائيل الدعم الفني في تطوير مشاريع آل المهدي الزراعية ومشاريع أخرى تختص بتحجيم النفوذ المصري في السودان. بلغت هذه العلاقات قمتها في لقاء البيه عبد الله خليل وهو رئيس للوزراء في أغسطس ١٩٥٨ بوزيرة الخارجية الإسرائيلية وقتها غولدا مائير وذلك في فندق بلازا أثينا في باريس ثم انقطعت سلطته بعد أسابيع قليلة بانقلاب نوفمبر ١٩٥٨. 
ماذا يريد البرهان من الإسرائيليين إذن؟ الظاهر ما قاله بخصوص إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب والمأمول من تبعات مالية واستثمارية. لكن كما قال تيمور ناجي، مساعد وزير الخارجية الأميركية للشؤون الإفريقية، ليست هذه القضية كمفتاح النور الذي يتش، بل عملية تتصل بقرار الكونغرس الأميركي الذي صدر في هذا الشأن عام ١٩٩٣. لا يمنع هذا القرار ولا يجرم الاستثمارات في السودان لكنه يمنع عن السودان العون الأميركي المباشر والأهم يحول دون التعاون العسكري بين البلدين وتصدير الأسلحة الأميركية إلى السودان. سوى ذلك أزالت الولايات المتحدة عام ٢٠١٧ العقوبات الواسعة التي كانت تمنع المعاملات البنكية والتجارة بين البلدين. أما مسألة ديون السودان الخارجية فقد سبق وأوضح صندوق النقد أن القضية المفتاحية التي تمنع الصندوق من إقراض السودان في الوقت الحالي ليست القائمة الأميركية وإنما متأخرات ما اقترض السودان سابقا من الصندوق والبالغة حوالي مليار ونصف دولار من مجموع ٦٠ مليار دولار تقريبا هي جملة ديون السودان الخارجية. ما يسعى إليه البرهان بهذا التقدير هو ما يسر ضباط الجيش الذين سارعوا لدعمه، يريد النصرة بالقوة الأميركية، يريد السلاح الأميركي والتدريب الأميركي والوصل الاستخباري الأميركي على سابقة نميري. يرشح البرهان نفسه لدور الديكتاتور المطيع كما سميه عبد الفتاح السيسي، جزار رابعة وسجان مصر الأول. لربما طاوع البرهان من قوى الحرية التغيير في هذا المسعى من أغرته فكرة "المستبد العادل" وحدث نفسه بضابط علماني من عندينا، يبل أعادينا. لكن، اجتمعت لدينا من التجربة مع حكم الجيش ما يحصن ضد إغراء الانقلاب هذا، ولذا خرجت لجان المقاومة بصوت الثورة تطالب الحكومة الانتقالية بشد الحيل فهذه ساعة تجمير الثورة من الثورة المضادة وامتحان ازدواج السلطة، لمن؟ 

استفدت في هذه الكلمة من دراسة جاكوب أبادي "السودان وإسرائيل: ملحمة علاقة مبهمة" (١٩٩٩)، مجلة دراسات الشرق الأوسط ومقال واصل على وعنبال بن يهودة "محمد أحمد عمر.. رجل إسرائيل في السودان أم مهندس علاقاتها مع حزب الأمة" المنشور في سودان تربيون ١١ ديسمبر ٢٠١٧ ودراسة يسري هازران "قوم يعيشون لوحدهم؟ هل كذلك فعلا؟ إسرائيل وحلف الأقليات" (٢٠٢٠)، مجلة دراسات الشرق الأوسط. 

 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.