Sunday, 25 September 2022

Social Diversity, Political Systems, and Geopolitics: A History of Sudan

 

Wed 14th September 2022 | 17:00-19:00 London | 19:00-21:00 KRT

The History panel is framed around acknowledging pre-colonial (and colonial) social and political systems that make the foundations of Sudan and the Sudanese people. Topics may include the contextual history of the current political sphere (political parties or identity); history of military and armed forces (i.e., Inqaz), military economy and the politicization thereof; the role of the military during and post-transitional periods vis-à-vis political parties.

The envisioned outcome of this panel is to draw on the particularities of the history of Sudan in terms of social diversity and military-political history, as well as geopolitics. With reflection on the ongoing revolution and mobilizing forces, this panel aims to contextually “set the scene” for the subsequent panels to build upon. The panel is intentionally general in that speakers can pick up any historical period and social actors in Sudanese history. We think that this creates a broader dynamic of continuous history.

Dr Nada Ali, SOAS University of London (moderator)

Professor Ahmed Abou Shouk | Qatar University

Dr Magdi el-Gizouli | Rift Valley Institute

Dr Edward Thomas | Intrac for civil society


Sunday, 7 August 2022

الشيخ الازيرق: ماركس صلاة النبي فوقه - ٢

هذا الجزء الثاني من كلمة عن ماركس والمسلمين. جاء في جزءها الأول اقتراح لتوطين عبارة ماركس الشهيرة "الدين أفيون الشعوب"، والتي راجت عنه معتلة السياق، في قضايا عصره وأدبه. من ذلك نقل تعريبها من سياق الشعوب بمعنى القوميات إلى سياق غمار الناس المساكين كما في قصيدة هينريش هاينه وربطها كذلك بأمل الخلاص من الاضطهاد كما في عقيدة المهدي الإسلامية وعقائد مشابهة. يعرض الجزء الثاني من هذه الكلمة لمجهودات ماركس تعريف قراءه بتاريخ آخر لصراع القوى الأوروبية على ورثة الإمبراطورية العثمانية، يصدح فيه بصوت فريد لا يقبل بإطلاق الاستقطاب الديني "غصب كي" ويجرجر الكبرياء الدينية في جحور التاريخ.  

ماركس العثماني

لم ينشغل ماركس في الذي كتب بالإسلام كمقولات عقدية، لكن انشغل بالمسلمين كما ظهروا على مسرح الصراع بين القوى الدولية. طال اهتمامه بالدولة العثمانية ضمن متابعته الدقيقة للحروب العثمانية الروسية التي دارت رحاها في ١٨٥٣-١٨٥٦ ثم في ١٨٧٧-١٨٧٨ وانعكس هذا الاهتمام في خطابات زوجته جيني. كتبت في ٢١ يناير ١٨٧٧: "زوجي مشغول هذه الأيام بالمسألة الشرقية ومأخوذ بحماس بهبة المحمديين (تقصد المسلمين) المشرفة والصلبة ضد الأفاكين المسيحيين ورسل الفظائع". جمعت ابنة ماركس الصغرى اليونور، وكانت شديدة البر بوالدها الشيخ وثورية ذات شأن، في ١٨٩٧ مقالات ماركس التي كانت تصدر كعمود دوري في صحيفة نيويورك ديلي تريبيون عن حرب شبه جزيرة القرم في ١٨٥٣-١٨٥٦ في مجلد عظيم من ٦٥٠ صفحة تحت عنوان "المسألة الشرقية". دافع ماركس في كتاباته الصحفية عن الدولة العثمانية ضد اعتداء روسيا القيصرية دفاعا شرسا من موقع العداء للإمبريالية الروسية والتسفيه لازدواجية المعايير الأوروبية. كتب في ٣٠ ديسمبر ١٨٥٣: "لا يمكن إنكار أن تركيا، الدولة الأضعف، أظهرت شجاعة حقيقية وحكمة سياسية تفوق كل من حليفتيها القويتين (بريطانيا وفرنسا). لقد وقفت تركيا شامخة في مستوى التحدي بينما تواضعت حليفتاها دون ذلك. رفضت تركيا مطالب خصمها التقليدي (روسيا)، ليس بعجرفة فارغة، لكن بجد وكرامة."  

لكن ماذا كان محتوى دفاع ماركس عن العثمانيين؟ عبر ماركس من موقع الجاهل بالشرق إلى موقع العارف ببعض أموره بحافز حرب شبة جزيرة القرم. كتب في خطاب إلى صفيه فردريش انجلز في ١٨٥٣: "تبدو لي المسألة الشرقية برمتها كأنها رطانة (بعبارته اسباني)" وقال سيقرأ ما تيسر من الكتب عن تركيا وقد سمع أن نادي الأثناوم في لندن به عدد منها. شرح ماركس موقفه في طرف من خطاب كتبه إلى كارل ليبكنخت، الثوري الألماني، في ٤ فبراير ١٨٧٨: "نقف بحزم إلى جانب الأتراك لسببين: الأول لأنا درسنا الفلاحين الأتراك أي الأقوام الأتراك، وخلصنا إلى أنهم بلا منازع مثال ناصع القوة والاستقامة للفلاحين في أوروبا. والثاني أن هزيمة روسيا ستسرع من وتيرة التحول الاجتماعي في روسيا وبذا في أوروبا برمتها". قد يقول قائل إن ماركس كان يحدثه غرضه، لكن ماذا كان هذا الغرض؟ كتب ماركس  قبلها بعدة أشهر، في سبتمبر ١٨٧٧، خطابا إلى فردريش سورج، ثوري آخر استقر به المقام في الولايات المتحدة الأميركية: "هذه الأزمة هي نقطة تحول في التاريخ الأوروبي. لطالما كانت روسيا تقف على حافة الانتفاضة، فكل عناصرها متوفرة. لقد درست الأوضاع من المصادر الروسية الأصلية، الرسمية وغير الرسمية (وصلتني بعضها من أصدقاء في بطرسبرج). عجلت ضربات الأتراك البواسل الموجهة ليس فقط نحو الجيش الروسي والمالية الروسية بل بشكل فردي وشخصي جدا نحو الأسرة الحاكمة التي تشكل قيادة الجيش (القيصر، وولي عهده وستة قادة من أسرة رومانوف) من الانفجار في روسيا بسنين. سيبدأ الانفجار كما تقول قواعد اللعبة بتحولات دستورية وخصومات معتبرة. إن أمهلتنا الطبيعة شيئا ما ربما عشنا لنشهد هذا العيد. أما الهراء الذي يقوم به الطلاب الروس هذه الأيام فهو عرض، لا يعني شيئا في حد ذاته، لكنه عرض؛ كل فئات المجتمع الروسي في حال تفسخ تام اقتصاديا وأخلاقيا وفكريا." 

خاض العثمانيون والروس بين العامين ١٦٨٣ و١٨١٣ ستة حروب حول السيطرة على البحر الأسود كان من تبعاتها تمدد السيطرة الروسية على أقاليم كانت عثمانية بما في ذلك شبه جزيرة القرم بعد انتصار الجيوش الروسية تحت إمرة كاثرين العظمى في حروب ١٧٦٨-١٧٧٤ و١٧٨٧-١٧٩٢. تحول ساحل البحر الأسود الشمالي والسهل الزراعي الواسع من خلفه إلى جبهة جديدة مربحة للتجارة في الحبوب، كانت أوتاد السيطرة الروسية عليه سلسلة من المدن بأسماء ذات جرس اغريقي منها أوديسا وخيرسون وماريوبول، جندت لها كاثرين العظمى المهاجرين الإغريق من الأناضول والقرم. استجاب الآلاف من الإغريق لدعوة كاثرين العظمى تحت العلم الروسي وحققوا قدرا من الثراء من التجارة في الحبوب والفراء بين البحر الأسود والشام. كان من آثار انتصار كاثرين العظمى على جيوش الباب العالي تهديد السيطرة العثمانية على الأقاليم البعيدة وتسرب السلطة من يد الدولة المركزية إلى الأعيان المحليين والمقاتلين المغامرين الذين وقعت عليهم مسؤوليات جمع الضرائب والتجنيد العسكري، بل صار بعض هؤلاء الأعيان بحلول القرن التاسع عشر سلاطين محليين يحكمون دويلات تتوزع بين اليمن والقوقاز وداخل الأناضول، من ذلك تواضع السيطرة العثمانية على البلقان، حيث ثار على طول الدانوب رؤوس عشائر صرب ضد السلطة العثمانية وتبع مثالهم أمراء حرب ألبان. انتشر ثلاثة ملايين من الاغريق في شريط واسع ممتد من الجزر اليونانية ثم قبرص وآسيا الصغرى حتى اسطنبول نفسها.

نشأت ضمن هذه الحركات المعارضة للسلطة العثمانية أخويات سرية وسط التجار الإغريق في أوديسا التي صارت مركزا تجاريا ضاجا بالحركة منذ اعتمادها ميناءً للتجارة الحرة في ١٧٩٤، بالدرجة الأولى في القمح، أبرزها جمعية الصداقة التي كان هدفها تحرير الجزر اليونانية من سلطة العثمانيين، الأمر الذي تحقق بحرب الاستقلال اليونانية في ١٨٢١ وإعلان الجمهورية الأولى في ١٨٢٢. كان رد فعل الباب العالي على التحدي اليوناني مرتبكا. زار رجال البلاط المكتبات بحثا عن تفسير لما يتهدد سلطانهم من تفكك ووجدوا بعضا من ذلك عند ابن خلدون، فيلسوف التاريخ من القرن الرابع عشر، والذي قال تنشأ الامبراطوريات وتزدهر ثم تتدهور في دورة متكررة بعلة الشوكة البدوية ثم الخمول الحضري. أعلن السلطان محمود الثاني في صيف ١٨٢١ مستلهما ابن خلدون: "تجرأ الكفار على التمرد لأنهم عرفوا أن الحكام والمسؤولين العثمانيين يستغرقهم الفسوق.. ولا طاقة لهم لرد الفعل". أمر السلطان رجاله بوقف التدهور وإعادة التعرف على جذورهم البدوية و"سعي الخيول بدلا عن إهدار المال في الشالات الفاخرة". لكن لم يستطع اكتشاف السلطان محمود لحكمة ابن خلدون وقف هذه الدورة الخلدونية إذا جاز التعبير بل صار مصير الأقاليم العثمانية والدولة العثمانية برمتها عنوانا في العلاقات الدولية – "المسألة الشرقية". جذبت ماركس خصيصة البأس البدوي التي قرظها السلطان العثماني، ما قد يقع في دائرة الظنون الاستشراقية، وانعكس ذلك في رسائله الأسرية. كتب مثلا خطابا من الجزائر التي زارها مستشفيا في عام حياته الأخير: "إن العرب البدو (وقد تهافت أمرهم في كثير من شؤونهم لكنهم ما زالوا يحتفظون بخصائص صلدة تربوا عليها من خلال صراعهم من أجل البقاء) يذكرون أنه خرج من بينهم في وقت ماء فلاسفة عظام وعلماء...إلخ بينما يسفههم الأوروبيون في الوقت الحاضر لجهلهم." 

أقليات دينية في عينكم

لم يمنع هذا الغشاء الاستشراقي ماركس الصحفي من أن يرصد بحساسية نادرة وسط معاصريه نفاق ومكر القوى الأوروبية المتصارعة على ورثة الجاه العثماني والنفاذ بجرأة إلى أحابيل المطامع الامبريالية التي تسربلت بالدعوة إلى تحرير الأقليات الدينية في الأقاليم العثمانية من سلطان المسلمين الجائر، وهذا بعض مما تفوز به قارئة "المسألة الشرقية". 

كان ماركس ثبط منذ وقت بعيد صوت التعميم بغير علم بالوقائع في فكره، وضرب لذلك مثلا بالإسلام في كتابه الآيديولوجيا الألمانية (كتبه في ١٨٤٥ – ١٨٤٦) الذي عرض فيه لتصوراته الباكرة حول المفهوم المادي للتاريخ وفرز كومه من "شباب حول هيغل". كتب ماركس ضمن نقد طويل وساخر للتصورات الفردانية التي نادى بها ماكس شتيرنر، بطل الشباب الهيغلي، في كتابه "الفرد وما له" (صدر في ١٨٤٤) ما يلي: "بحسب سانشو [ماكس شتيرنر] فإن فرادة وأصالة وخصوصية تطور كل فرد لا تشمل كل نشاطات الإنسان (...) وهذه الفرادة، في عرف سانشو، لا تنطبق في مسائل العقائد الدينية والسياسية، رغم أنه من الجلي أن بين كل المؤمنين بالإسلام لا يؤمن واحد منهم بذات الطريقة التي يؤمن بها غيره، وبهذا المعنى فإن كل منهم فريد." سخر ماركس من ماكس شتيرنر فدبجه بلقب القديس ماكس وكذلك باسم سانشو، يقصد شخصية سانشو بانشيز في رواية ميغيل دي سيرفانتز "دون كيشوت"، وهو المزدوج الديالكتيكي للبطل دون كيشوت، مساعد حلة في عبارة القائد مني مناوي، فلاح قصير بكرش ناتئ، عظيم الشهية، فاحش اللسان لكنه عارف بحكمة الحياة اليومية يحول دون تورط سيده الفارس النبيل في مغامرات انتحارية. أخرج الكاتب بصوته أمثالا ناصحة وحكما مرسلة. لكن للإنصاف، ربما تسرب من شتيرنر إلى ماركس مفهوم "الطيف" في افتتاحية المانفستو الشيوعي (صدر في فبراير ١٨٤٨) الباهرة: "ثمة طيف انتاب أوروبا – طيف الشيوعية"!  

ميز ماركس بين ثلاثة أقاليم عثمانية كبرى، توابع تركيا في افريقيا وسمى مصر وتونس، تركيا الآسيوية وتركيا الأوروبية. اختار مصر في الإقليم الأول وقال تخضع لبريطانيا في واقع الأمر. وعن الثاني قال هو مركز الثقل التركي ومصدر جند الإمبراطورية العثمانية وقوتها، لا تشذ فيه سوى فلسطين ووديان لبنان المسيحية لأنها تقع في عين الاهتمام الأوروبي. أما عظم المسألة الشرقية في رأي ماركس فهو تركيا الأوروبية، يقصد شبه الجزيرة جنوب الدانوب التي تقطنها شعوب متفرقة، ١٢ مليون من البشر تحت سيطرة مليون من الأتراك. لم يقبل ماركس بهذه الثنائية هكذا وطلب تمحيصها فكتب أنه لا يمكن بجد الزعم أن الأتراك يشكلون الطبقة الحاكمة في تركيا لأن علاقات القوى الاجتماعية في الأقاليم التركية أعقد من ذلك، بل مختلطة كما اختلاط الأجناس فيها. التركي بحسب الظروف المحلية مزارع ومالك صغير وتاجر وإقطاعي رجعي في أدنى صور الإقطاع وأكثرها تخلفا وإداري مدني وجندي. لكنه في كل هذه الهيئات والمواقع الاجتماعية ينتمي إلى القومية المختارة، فهو لوحده من يحق له حمل السلاح، وأعلى المسيحيين مقاما عليه أن يخلي الطريق لأدني من يقابله من المسلمين. ثم أضاف تحول نبلاء السلاف في البوسنة والهرسك إلى الإسلام بينما ظل العامة على النصرانية والحكم في هذا المقاطعة للبوسني المسلم الذي يتساوى مع التركي من دينه.  

كتب ماركس أن مصدر قوة الأتراك في أوروبا بخلاف جيش الاحتياط من أتراك آسيا هو جمهور القسطنطينية (تشغل محل بلدية في اسطنبول المعاصرة) وبعض المدن الكبيرة الأخرى. هذا جمهور بالأساس تركي لكن رزقه بيد رأسماليين مسيحيين ويحرس بغيرة شديدة تصور للتفوق وحصانة ملموسة من العقاب متى ما أفرط، هي امتيازاته بفضل الإسلام بالمقارنة مع المسيحيين. أما بقية القوميات في أوروبا العثمانية فأقلية منهم من أتباع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية التي تكتب بالحرف اللاتيني والغالبية من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية التي تكتب بالحرف السيريلي، الأمر الذي ثبط من نمو هوية قومية سلافية في كامل هذه الجغرافية. قد لا يستطيع أحدهم في بلغراد أن يقرأ كتابا في لغته الأم بل قد يستنكر حرفها المخالف ويعتبره "رطانة" لكنه يستطيع بيسر أن يقرأ كتابا طبع في موسكو باللغة الروسية لتقارب الأبجديتين ولاعتماد الروسية على الأبجدية الأصيلة. لا يتوفر أغلب السلاف من أتباع الكنيسة الشرقية حتى على الإنجيل أو كتب الصلاة في لغاتهم الأم لأن في عقيدتهم أن ثمة قداسة وأصالة في الذي تطبعه موسكو أو سانت بطرسبرج. استخلص ماركس من هذا الورطة اللغوية ما صار لاحقا على يد بنديكت آندرسون علما في نشأة القومية على أساس تخيل هوية مشتركة من مادة المطبوعات. كتب ماركس: رغم كل مجهودات أنصار الهوية السلافية فإن الصربي أو البلغاري أو البوسني أو السلوفيني يتعاطف قوميا ويلتقي ويتبادل ثقافيا مع الروسي أكثر منه مع السلافي الجنوبي الذي يدين بالكاثوليكية الرومانية رغم اشتراكهما في لغة واحدة. يتوق السلافي من أتباع الكنيسة الشرقية إلى سانت بطرسبرج راجيا عودة المسيح لتحريره من كافة الشرور. القسطنطينية عند السلافي الأرثوذكسي هي المدينة الملكية بامتياز إذ ينشد فتحها على يد القيصر الأرثوذكسي القادم من الشمال لاستعادة الدين الحق كما كان عليه الحال على العهد البيزنطي قبل أن يستولي عليها العثمانيون. اتخذت روسيا في حربها على تركيا العثمانية أحوال رعايا الدولة العثمانية من المسيحيين الأرثوذكس منصة هجوم وطالبت بالولاية على كل أتباع الكنيسة الشرقية تحت السلطان العثماني. وزادت المطالب الروسية لتشمل في ١٨٥٣ حقا حصريا يمنع تدخل الباب العالي في تعيين أو صرف رؤوس الكنيسة الشرقية في القسطنطينية والقدس والإسكندرية وسواها إلا في حال الخيانة العظمى ضد روسيا وشرط موافقة قيصر روسيا، أي شرخ سيادة الباب العالي بالمرة.  

عاب ماركس على دبلوماسية أوروبا الغربية وأميركا جهلها بتركيا العثمانية سوى الانطباعات الأسطورية من مثل "ألف ليلة وليلة" وقال عدموا أي معرفة جادة بأحوال البلاد واجتماعها ومؤسساتها، واكتفوا بمؤامرات البلاط العثماني وما ينقله لهم طابور خامس من الإغريق. قارن ماركس ذلك بما تيسر لروسيا القيصرية بحكم آسيوية روسيا في عموم أحوالها ومؤسساتها وعادات أهلها. وأضاف أن تسعة أعشار رعايا الدولة العثمانية الأوروبيين يعتقدون في ديانة الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية كما الروس والروسية تقارب لغات سبعة ملايين من السلاف الواقعين تحت سلطان الباب العالي. بث الروس بحسب ماركس المئات من العملاء في تركيا يبشرون وسط الإغريق الأرثوذكس بالقيصر الروسي باعتباره رأس الكنيسة الشرقية وحارس حوضها، كما يبشرون وسط السلاف بأن قيصر روسيا هو منقذ كافة الشعوب السلافية وسيدها الطبيعي الذي سيقودها إلى النصر على العثمانيين والغلبة في أوروبا. تولى رجال الكنيسة الأرثوذكسية الترويج لهذه الأفكار وأثمرت ضمن ما أثمرت التمرد الصربي في ١٨٠٩ والثورة اليونانية في ١٨٢١ ولم يكن المال الروسي عن الواقعتين ببعيد، بل كتب ماركس كان النفوذ الروسي في الخلفية في كل واقعة واجه فيها الباشوات العثمانيون عصيانا على سلطانهم في الأقاليم الأوروبية. عدد ماركس ما فازت به روسيا بفضل هذا النفوذ، كتب حثت الصرب على التمرد، وساعدت اليونان على الاستقلال، وضمت إليها مولدافيا وأجزاء من أرمينيا، بينما وقفت كل من إنجلترا وفرنسا على الرصيف تتفرجان سياستهما "الحفاظ على الوضع القائم". علق ماركس أن هذه تقية رخيصة، خاصة والصحافة البريطانية تضرب الطبول لتفكيك الدولة العثمانية وطرح أقاليمها للتقسيم بقرائن عنصرية كمثل رأي جريدة التايمز اللندنية أن "الأتراك لا يصلحون كعرق لحكم هذا الجزء الجميل من أوروبا". 

نقل ماركس عن التايمز ترويجها المتكرر لحملة صليبية جديدة تطيح ببقايا "الساراسين". والكلمة للتسفيه، تعود إلى القرون الوسطى الأوروبية استعملها الرومان والإغريق لوصف سكان الأقاليم العربية على حدودهم – بادية الشام وسيناء، ثم توسع استعمالها ليشمل أهل الصحراء العربية واستقر في القرون الوسطى في محل المسلم، بخاصة العدو المسلم في الحروب الصليبية. وأصل الكلمة بحسب بعض من فسرها من سرق وسارق. مثل الساراسين في القرون الوسطى الأوروبية في وجه من الوجوه صورة الآخر الشيطاني، مضاد الفارس الصليبي المغوار. كتب ماركس أن غرض بروباغاندا التايمز ما هو سوى تهيئة الرأي العام لتلك اللحظة التي تتحقق فيها الفقرة الرئيسة من وصية بطرس الأعظم، قيصر روسيا من ١٦٨٢ حتى وفاته في ١٧٢٥ وشائد نهضتها الأوروبية، بالسيطرة على البسفور. كذلك تأفف ماركس من احتفال الصحافة الليبرالية في بريطانيا بتركيا العثمانية باعتبارها كما إنجلترا دولة رعاية حميدة يهنأ فيها الجميع بحرية العبادة والتجارة. نقل ماركس عن الديلي نيوز تخوفها من تدمير التجارة عبر البحر الأسود وتهديد التجارة البريطانية مع تركيا التي هي في حساب الجريدة أكبر حجما من التجارة مع النمسا وروسيا مجتمعتين. كتب ماركس أن ازدهار التجارة عبر البحر الأسود ليس كسبا تركيا خالصا وتساءل "من التجار في تركيا؟" ليجيب ليس الباشوات الأتراك فشأنهم المغالاة في فرض الرسوم والضرائب بقوة جهاز الدولة وإنما طبقة وسطى من الإغريق والأرمن والسلاف الذين توطنوا الموانئ على البحر الأسود. وأضاف بطريقته التهكمية "استبعد جميع الأتراك من أوروبا ولن تعتل التجارة لأي سبب"! بهذا التقدير، كتب ماركس أن الباشوات الأتراك لم يتبق في يدهم سوى احتكار القوة ولا بد من التخلص منهم، لكن هذا لا يعني أن يحل محلهم الروس والنمساويون.  

جرد ماركس لسانا لاذعا لفضح مباطن الاستكبار الأوروبي بالدين، ومن ذلك تعليقه على مناقشات مجلس العموم البريطاني في فبراير ١٨٥٤ بخصوص الصرف على الحربية على خلفية "المسألة الشرقية". نقل ماركس عن النائب كوبدن قوله إن اللوم واقع على فرنسا في هذه الورطة، لأن فرنسا من ابتدرت ابتزاز الباب العالي باسم رعاياه من المسيحيين الكاثوليك ثم اتبعت روسيا هذه السنة باسم الأرثوذكس. قال كوبدن بحسب نقل ماركس: "لا يمكن في واقع الحال أن تتحقق المساواة للمسيحيين تحت السلطان التركي مع أقرانهم المسلمين إلا بالتخلي الكامل عن قانون القرآن". علق ماركس: "لنا أن نسأل السيد كوبدن إن كان في الاحتمال تحقيق المساواة بين العمال في هذه البلاد وبين أمثاله في وجود كنيسة الدولة الرسمية وقوانين إنجلترا"! قال كوبدن أن عدم رضا المسيحيين في تركيا عن أحوالهم ينذر بتمرد واسع، وكتب ماركس: "ألا تسود حالة من عدم الرضا وسط جميع شعوب أوروبا عن حكوماتهم وطبقاتهم السائدة تنذر هي كذلك بثورة عامة". اتبع ماركس تقنية تتكرر عنده في شأن الإسلام، فهو يرد الاستكبار الاستشراقي إلى أصحابه "عكس ما إنك" بوسيلة أسلمة الكنيسة الإنجليزية والتشريع "العلماني". يقول لسان حال ماركس كيف يتجرأ رجال الحكم في إنجلترا على إدانة العثمانيين وفيهم الكنيسة الانجليكانية، كنيسة الدولة الرسمية، يقوم عليها طائفة من علماء الدين يبشرون بقرآن انجليكاني. وقدل شيخي لي رباعتو مهيل!  

يتبع. 


استفدت في هذه الكلمة من: 

Engels, Friedrich, and Marx, Karl. Marx and Engels Correspondence. United States, International Publishers, 1968.

Marx, Karl. The Eastern Question. United Kingdom, Taylor & Francis, 2014.

Mazower, Mark. The Greek Revolution: 1821 and the Making of Modern Europe. United Kingdom, Penguin Books Limited, 2021.

Engels, Friedrich, and Marx, Karl. The German Ideology. United Kingdom, Lawrence & Wishart, 1970.

Stirner, Max. Der Einzige und sein Eigentum. Germany, Hofenberg, 2016.

Anderson, Benedict. Imagined communities. United Kingdom, Verso, 2006.

Cohen, Jeffrey Jerome. "On Saracen enjoyment: Some fantasies of race in late medieval France and England." Journal of Medieval and Early Modern Studies 31.1 (2001): 113-146.

Sunday, 26 June 2022

الشيخ الازيرق: ماركس صلاة النبي فوقه - ١

 
File:Marx1869.jpg - Wikimedia Commons
ماركس وابنته الكبرى جني كارولين (تاريخ الصورة ١٨٦٩)، مدرسة اللغات والصحفية التي ماتت بالسرطان في عمر ٣٨
اقترح عبد الله العروي في ١٩٦٧ عبارة "الماركسية الموضوعية" للتعبير عما استقر في الفكر السياسي العربي من مفاهيم وأدوات ماركسية أخذ بها المثقفون حتى الذين يناهضون الماركسية، فقد صاغت وجدانهم وأصبحت من مرسل لسانهم. بشر العروي بهذا الضرب من الماركسية وميزه من الماركسية الذاتية، التي يتبناها الشيوعيون العرب وقال عنها جامدة واعتقادية. فاصل العروي بهذا التصور بين ماركس نافع وآخر ضار، الأول عنده المؤرخ والاقتصادي والأخير هو المحرض والآيديولوجي. ما هي هذه الماركسية النافعة إذن؟ يقول عنها العروي أنها تعليمية تربوية تقرب إلى الإفهام غير الأوروبية تطور العالم الحديث. لكن أي ماركس قرأ العروي ليفاصل بين الشاب والكهل، المؤرخ والمحرض، الاقتصادي والسياسي، ويا دار ما دخلك شر.  

الأقرب ربما أن ثمة وجاهة لتأصيل ماركس في علومه دونا عن الكهنوت تحت عنوان الماركسية، بخاصة الماركسية التي كانت ماثلة فعلا على نهج الاشتراكية التي كانت ماثلة فعلا في الاتحاد السوفييتي وأقماره الأوروبية. قال مكسيم رودنسون، مؤرخ المسلمين من موقع ماركسي، أن عقيدة "ديامات" السوفييتية، مختصر المادية الديالكتيكية، نموذج للماركسية الضارة باعتبارها دعوى كلية محيطة تشمل البشر والحجر وتقترح إجابة على كل سؤال ولا تتيح تقدما للمعرفة سوى بمقدار ما يسمح بذلك كهنة مقامهم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي أو بالأحرى المكتب السياسي. بقياس عقيدة ديامات كل ابتكار تحريف كما كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وكذلك كان نهج نقاد كثر للماركسية السوفييتية فارقوا التاريخ أيضا بتصويرها الكاريكاتوري كضلالة أولى. 

عند رودنسون، نضجت على يد ماركس مقولات سوسيولوجية منتجة، أبرزها رفض التصور المثالي للتاريخ، التصور القائل أن البشر تصنعهم الأفكار التي يتبنون دونما أثر للظروف المحيطة بهم على هذه الأفكار. اتخذ التصور المضاد الذي بشر به ماركس اسم "المادية التاريخية"، لكن الأصوب لدى رودنسون أن مبدأ ماركس مبدأ سالب، يرفض المثالية التاريخية ويفتح الطريق لأكثر من خيار علمي. لذا لا غرابة أن تجد لمبدأ ماركس صدى وسابقة عند مؤرخين كثر، لزموا العقيدة الدينية بتأكيدهم على الإرادة الإلهية كمبدأ أول بينما قبلوا عللا ثانوية للاجتماع البشري وقوانين كذلك شأنها كشأن قوانين الطبيعة. ضرب رودنسون مثلا بتفسير ابن خلدون للنبوة كضرورة تاريخية وتفسير أبي يوسف في كتاب الخراج للفتوح الإسلامية بأنها انتصار قومي للعرب الذين أعزهم الله بنبي الإسلام بعد أن كانوا أذلة. فصل في هذه النزعات المادية حسين مروة في كتابه المشهور وتميز. زكى رودنسون للمؤرخ المسلم قوة منهج ماركس لكشف التاريخ وقوانينه دونما حرج مع الاحتفاظ بعقيدة أن إرادة الله تتجلى في التاريخ كما تتجلى في الطبيعة عبر هذه القوانين. 

قوم مؤمنون أم فئران؟

استقر منهج ماركس منذها في العلوم الاجتماعية وسكن، لا يخالفه ربما سوى خوارج طغاة مثل فلاسفة "الحرب على الإرهاب" الذين يرون العنف خصيصة ذاتية فوق تاريخية للمسلم بما هو مسلم، تلحق به مع الشهادتين في استقلال عن وقائع الاجتماع والاقتصاد من جهة والاستعمار والاستكبار من جهة أخرى. استقبل مسلمون من غير الشيوعيين مفاهيم لينينية بحماس وافر، في مقدمتها مفهوم وشرح "الاستعمار" على طريق لينين وأخضعوه للأسلمة فاستولدوا مفاهيم قرينة مثل "الاستكبار" و"الاستضعاف" صارت عناصر لفكر النهضة الإسلامية في القرن العشرين. كما صاغوا في مراحل مختلفة تصورات لاشتراكية إسلامية تحفظ الدين وتعادي الرأسمالية في آن واحد، صيغ بدت لرودنسون كنوع من "الكونكوردات"، عقد التفاهم بين الدولة والكنيسة الكاثوليكية.  

أما كارل ماركس، سيد الشي، فقد خلعت عليه الدعاية المعادية للشيوعية ذات المنبت الأميركي، وبالدرجة الأولى التي تولت القيام بها حركة الإخوان المسلمين، عباءة الإلحاد دونا عن مفكري الحداثة الأوروبية. من نجاح هذه الدعاية أن اقترن اسم ماركس في خيال العموم والصفوة كذلك بعبارة صمدية "الدين أفيون الشعوب" على نسق "ولا تقربوا الصلاة (..)"، وكانت يا عرب. تخلى الحركيون الإسلاميون سوى القليل النادر منهم بخفة عن نصير أكيد جندل دعاوى الاستكبار الأوروبية بفقه مضاد وحمرة عين.  

لكن، ما هو الأفيون، ولما تيسر هذا التشبيه لماركس ودخل قاموسه؟ الأفيون مادة مخدرة يتم استخلاصها من نبات الخشخاش، وهي على الطبيعة لزجة لبنية ذات لون أصفر باهت تسيل من كبسولة الخشخاش عند تجريحها أول الصباح ثم يغمق لونها مع الوقت وتتجمد. يشكل المورفين المخدر حوالي ١٢٪ من سائل الأفيون، وسوى ذلك يحوي مواد الكودايين والثيابين المخدرة أيضا. شاع الأفيون في أثينا القديمة كمخدر وكمحفز للهلوسة ضمن طقوس دينية وكذلك كسم قاتل كما رسخ أطباء العصور الإسلامية الذهبية استعمالاته العلاجية كمثبط للألم وكمخدر جراحي. على سبيل المثال، وصف الرازي الأفيون كعلاج للكآبة في كتابه "من لا يحضره الطبيب". ووصف ابن سينا في موسوعته "القانون في الطب" الأفيون كأقوى المخدرات وعدد ضمن استخداماته سوى التخدير التنويم وتثبيط الكحة كما فصل مصيبا في آثاره البيولوجية كتثبيط التنفس والاضطراب العصبي والجنسي. نقل الأطباء الأوروبيون القانون إلى اللاتينية في حوالي ١١٧٥وظل مصدرا موثوقا حتى القرن التاسع عشر.  

راج استعمال الأفيون للترويح في الحواضر العثمانية في القرن الرابع عشر ومنها انتقل إلى أوروبا التي أدمنته كما يبدو في القرن التاسع عشر. خلف مدمنو الأفيون سيرا أدبية لعوالمه، أشهرها ربما وصف أوسكار وايلد لأوكار الأفيون اللندنية في روايته "صورة دوريان غراي" (١٨٩١): "كانت هنالك أوكار للأفيون يمكن للمرء فيها أن يشتري السلوان، أوكار رعب يسحق فيها جنون الذنوب الجديدة ذكرى الذنوب القديمة". نشر توماس دي كوينسي، الكاتب الصحفي، في ١٨٢٣ سيرة ذاتية تدور حول إدمانه الأفيون بعنوان: "اعترافات شارب أفيون انجليزي" يجد فيها القارئ هذه الفقرة الموحية في وصف روحانيات الأفيون: "آه، الأفيون جبار ولطيف، البلسم الشافي لقلوب الأغنياء والفقراء على السواء، للجروح التي لا تسكن أبدا وللآلام التي تغري النفوس بالهياج، الأفيون الفصيح الذي يجرد الغضب من دوافعه بحجته النافذة، يرد للشيخ المذنب ولو لليلة آمال شبابه وأياد غُسلت نقية من كل دم."  

ذكر دي كوينسي في كتابه الفريد أنه عندما بلغ إدمانه الأفيون قمته توجه لقراءة كتب الاقتصاد السياسي بخاصة كتاب ديفيد ريكاردو "مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب": "وجهت اهتمامي للاقتصاد السياسي بغرض التسلية وأنا في هذه الحال من البلاهة. لم يكن بوسع إدراكي، الذي كان في عهد مضى نشط سريع كضبع، أن يذبل بالكلية. أتاح الاقتصاد السياسي ميزة لمن هو في حالي. فرغم أنه علم عضوي (يبحث في أثر الجزء على الكل ومن ثم أثر الكل على كل جزء) تبدو الأجزاء المتعددة متناثرة منقطعة عن بعضها ويمكن التأمل في كل واحد منها بمفرده."  كتب دي كوينسي من وحي قراءته لريكاردو مساهمته الخاصة في الاقتصاد السياسي ومنها كتاب بعنوان: "مقدمة نقدية لكل مدارس الاقتصاد السياسي في المستقبل"، صدر له ساخرا: "أملي ألا يجد فيه القارئ عبق الأفيون مع أن قضية الكتاب نفسها بالنسبة لمعظم الناس مخدر بالغ الفعالية".  

كان ماركس كاتب عفيف القلم أيما عفة، لا يغمط مصدرا، وتجد عنده ذكر دي كوينسي في أكثر من موضع ضمن نقده لريكاردو وشيعته. درس ماركس كتاب دي كوينسي "منطق الاقتصاد السياسي" ونقل عنه في مجلده الموسوعي "أوليات الاقتصاد السياسي" الذي اشتهر بأول لفظة في عنوانه بالألمانية Grundrisse  وتعريبها أوليات، الكتاب الذي خرج من عباءته "رأس المال". لذا يبرز دي كوينسي مرة أخرى في "رأس المال" ضمن خلاصات ماركس حول نظرية فائض القيمة عند ريكاردو. 

إذن، دخل الأفيون قاموس ماركس من باب ثقافة مدينة صناعية طامحة وجدت فيه مسكن سريع لآلام الأجساد ومحرر عطوف من مشاق النفوس. اقتنصت الدعاية المعادية للشيوعية عبارتها الأثيرة "الدين أفيون الشعوب" من نهاية فقرة وردت في مقال بعنون "نقد فلسفة الحقوق عند هيغل" كتبه المرحوم ماركس أواخر عام ١٨٤٣ونُشر في العدد اليتيم من "الحوليات الألمانية الفرنسية"، المجلة التي أصدرها ماركس وآرنولد روج في باريس عام ١٨٤٤.  كتب ماركس: "الشقاء الديني هو في وجه منه تعبير عن الشقاء الدنيوي المعاش وفي وجه آخر احتجاج على هذا الشقاء المعاش. الدين زفرة المخلوق المضطهد، روح عالم خال من الرحمة وأحوال غابت عنها الروح، هو أفيون المساكين".  

ظلم معربو ماركس النص بتعريب Volk الألمانية التي أوردها ماركس إلى الشعب ثم الشعوب، وقد استقرت لفظة الشعب في العربية كمفهوم سياسي بينما يؤشر سياق ماركس إلى ظل آخر للكلمة، فهي نشأت في الألمانية عن معنى العوام في مقابل الخواص، الجمهور في مقابل النخبة، ذلك قبل أن تطغى على استعمالها الدلالة القومية والشوفينية. يتجلى معنى شقوة العوام في قصيدة الشاعر الألماني الكبير وصديق كارل ماركس في شبابه هاينريش هاينه بعنوان Kleines Volk "صغار الناس" من العام ١٨٥١: 


جاء سابحا في مبولة

يشق الراين في زينة عريس 

قال عندما حل في روتردام: يا صبية، أتكونين لي؟ 

سأقودك يا محبوبتي الجميلة إلى قصرى، إلى مخدع العروس

حيطانه من نشارة الخشب وسقفه قش 


دار ظريف وقشيب

ستعيشين فيه كملكة

مرقدنا قشرة الجوز وغطاءنا من خيوط العنكبوت 

نأكل كل يوم بيض النمل مقليا في الزبدة وسلطة الديدان، 

وسأرث لاحقا من السيدة والدتي

ضراط ثلاث راهبات حلو المذاق


لدي جلد خنزير ودهن

وكشاتبين نبيذ

ينمو في حديقتي بنجر

ستكونين سعيدة حقا  


جرت دعاية وغواية

ثم تنهدت العروس: يا إلهي، يا إلهي! 

قالت بصوت مثقل كأنها ساعة الموت

ثم قامت آخر الأمر وانزلقت في المبولة


من هم أبطال هذه القصيدة؟ قوم مؤمنون أم فئران 

لم أعد أدري

فقد سمعتها هرهرة في ديار البيفر (شمال الراين)، 

منذ ثلاثين عام مضت  


يقع قارئ قصيدة هاينه على معنى لكلمة Volk لا يحيط به التعريب إلى شعب بل يغيبه، وهذا المعنى هو الأقرب إلى سياق ماركس الذي عناصره "الشقاء المعاش" و"المخلوق المضطهد". يضيف ماركس في الفقرة التالية: "إن تجاوز الدين كسعادة كاذبة للمساكين يكون بالمطالبة بالسعادة الفعلية. إن المطالبة بالتخلي عن الأوهام عن أوضاع ما هي عين المطالبة بالتخلي عن الأوضاع التي تتطلب هكذا أوهام". إن نقد الدين هو في جوهره نقد الأحزان التي يمثل الدين هالتها المقدسة". ماذا يقول ماركس إذن، يقول إن الدين في جانب منه مرآة للوقائع الاجتماعية التي يعانيها المؤمنون، فهو لغتهم للتعبير عن شقاءهم المعاش وصرختهم ضد هذا الشقاء في آن واحد.  

ليس أصدق على سلامة خلاصة ماركس من عقيدة "المهدي المنتظر" في التاريخ الإسلامي بفعاليتها المزدوجة، الدينية والسياسية. ازدهرت هذه الفكرة على يد الشيعة الراديكاليين (الكيسانية) وكان رائدها المختار بن عبيد الله الثقفي الذي قاد ثورة في الكوفة ضد الحكم الأموي وطالب بالثأر لدم الحسين وقتل من قتلة الحسين حتى حاصرته قوات للخليفة المضاد عبد الله ابن الزبير يقودها أخوه مصعب بن الزبير وصرعته في ٦٧ للهجرة. اتصل المختار بمحمد بن على بن أبي طالب (ابن الحنفية) وأعلن على لسانه دعوة مهدية. تباينت المصادر في شأن قبول هذا المهدي الأول باللقب. روى ابن سعد في كتاب الطبقات الكبير أن ابن الحنفية "كان يكره أمر المختار وما يبلغه عنه، ولا يحب كثيرا ما يأتي به" حتى غاب بعسله ومائه وغزلانه في جبل رضوى من جبال تهامة بالقرب من المدينة بحسب رواية الشيعة الكيسانية. منهم من قال مات وسيعود ومنهم من زعم أنه حي عنده عينان نضاختان، إحداهما تفيض عسلا، والأخرى تفيض ماءً، عن يمينه أسد يحرسه، وعن يساره نمر يحرسه، وأنه المهدي المنتظر حبسه الله هناك حتي يؤذن له في الخروج فيخرج ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا.  

أورد حسين مروة في "النزعات المادية" عن الكيسانية أنهم أول فرقة مغالية من فرق الشيعة، والاسم يعود إلى كيسان، مولى علي بن أبي طالب وتلميذه ثم تلميذ ابنه محمد بن الحنفية، وقال أصحاب كيسان هم من الموالي أيضا، أسفل قاعدة المجتمع الأموي، أو شعب ماركس إذا جازت العبارة. اشتط الكيسانية في تعظيم ابن الحنفية فنسبوا إليه علم الغيب بما كان وما سيكون وقالوا الدين هو طاعة رجل يحيط بالعلوم كلها ويعرف أسرار التأويل والأسرار الباطنية الخفية. زعم الكيسانية أن إمامهم الملتبس ابن الحنفية خالد وسيعود، ذلك بعد مقتل زعيمهم أبي عمرة في ثورة المختار بن عبيد الله الثقفي وبعد أن هادن ابن الحنفية نفسه الخليفة عبد الملك بن مروان وبايعه بالخلافة وكان قبل ذلك قد بايع يزيد بن معاوية. فسر الكيسانية موت الإمام الملتبس كغياب قسري فرضه الله عليه عقابا على مهادنته الأمويين.  

استنتج حسين مروة أن موالي الكوفة وجدوا "في أبناء علي وفي أنصارهم وفي طبيعة المعارضة للحكم الأموي التي يحمل رايتها حزب العلويين – وجدوا في ذلك أمل الإنقاذ لهم مما يعانون من اضطهاد واحتقار. وقد عزز المختار هذا الأمل في وعيهم الاجتماعي الخفي الذي ظهر في شكله الغيبي، حين تبعوا دعوة صاحبهم كيسان ثم صاحبهم أبي عمرة إلى إمامة ابن الحنفية. غير أن صدمة من اليأس أصابتهم، بعد ذلك، في قضيتهم الكامنة وراء إيمانهم بالدعوة الكيسانية ووراء اندفاعهم إلى القتال في سبيل هذه الدعوة. فقد رأوا أولا قيادتهم العسكرية تنهار بمصرع المختار نفسه، ثم مصرع أبي عمرة. ورأوا ثانيا قيادتهم الروحية تتخلى عن القضية بمهادنة إمامهم ابن الحنفية لصاحب الحكم الأموي عبد الملك بن مروان. وبذلك كله رأوا الأمل القائم في كهف من كهوف وعيهم الاجتماعي الغامض يهتز ويتضعضع ويكاد ينسحق تحت وطأة هاتين الصدمتين. وهنا رفض وعيهم الاجتماعي الانسحاق، فآل إلى نفق روحي غيبي ينسرب فيه هربا من مطاردة الشعور باليأس القاتل. وكان الاعتقاد بالرجعة، رجعة ابن الحنفية – متطهرا من خطيئة المهادنة للأمويين الظالمين – هو ذلك النفق الروحي الغيبي الذي لجأ إلى موالي الكوفة الكيسانية."  

ليست عقيدة المهدية ونهاية العالم الوشيكة حكرا على التاريخ الإسلامي، فهي تقدم في سياقات وتواريخ غير إسلامية كذلك نحوا للتعبير عن انغلاق الأفق ساعة الأزمة كما في تقدير ماركس. توقع الآشوريون القدماء أن ينتهي العالم في أي لحظة بعد أن فسد في رأيهم بالكلية وظن مسيحيو القرن العاشر أن الساعة ميقاتها في العام الألف بينما قال مسيحيو القرن السابع عشر لا بد في العام ١٦٦٦. يعتقد حوالي ٤١٪ من الأميركيين و٦٨٪ من المسيحيين التبشيريين البيض أن المسيح سيعود قبل العام ٢٠٥٠ ليقيم العدل. هذا بينما يعتقد حوالي ٨٣٪، ٧٢٪ و٦٨٪ من المسلمين في أفغانستان والعراق وتركيا عل التوالي أنهم سيشهدون المهدي في حياتهم. كما في التصور الإسلامي تسبق نهاية العالم في العقيدة الهندوسية فترة سلام ورخاء. يتجدد العالم، بحسب هذه العقيدة، بصورة دورية كل ٤ ملايين وثلاثمئة وعشرين ألف سنة ويمر بأربعة فترات من الفساد والتدهور خلالها. على سبيل المثال، ازدهرت في إنجلترا في الأعوام ١٧٩٣ و١٧٩٤ دعوات تبشر باقتراب نهاية العالم بعبارة انجيلية. تهيأ غمار الناس بوحي من الثورة الفرنسية ثم الجمعيات اليعقوبية التي عمت البلاد وبدفع عظيم من الانتشار الواسع لكتاب توماس باين "حقوق الإنسان" لعالم جديد. هاجم باين بجرأة غير مسبوقة "ثوابت" الأمة كما استقرت منذ المساومة الكبرى بين القصر والبرلمان التي انتهت عندها "الثورة المجيدة" التي أطاحت بحكم الملك جيمس الثاني في ١٦٨٨. 

يتبع. 

استفدت في هذه الكلمة من: 

Abdalla Laroui 1976. The Crisis of the Arab Intellectual: Traditionalism or Historicism. University of California Press, Berkeley. 

Maxime Rodinson 1982. Marxism and the Muslim World. Monthly Review Press, New York.

Karl Marx [1843] 1970. Critique of Hegel's Philosophy of Right. Cambridge University Press, Cambridge. 

Thomas De Quincey 1885. Confessions of an English Opium Eater. John. Alden Publisher, New York. 

Karl Marx 1897. The Eastern Question. Swan Sonnenschein & Co., London. 

Richard Walker 2007. Labyrinths of Deceit: Culture, Modernity and Identity in the Nineteenth Century. Liverpool University Press, Liverpool.  

محي الدين اللاذقاني ٢٠١٢. ثلاثية الحلم القرمطي: دراسة في أدب القرامطة. دار مدارك للنشر، دبي. 

صلاح الدين خليل بن ايبك الصفدي ١٩٩١. كتاب الوافي بالوفيات، ج ٩، ط ٣. دار فرانز شتاينر، شتوتغارت. 

حسين مروة ٢٠٠٨. النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، المجلد الثاني. دار الفارابي، بيروت. 

E.P. Thompson 1966. The Making of the English Working Class. Vintage Books, New York.


Wednesday, 11 May 2022

Monday, 25 April 2022

The Future of the Resistance Committees in Sudan

A roundtable with Abd Al Salam Mindas and Muzan Al Nil published in the journal Spectre. Thanks Sara Abbas and Shireen Akram-Boshar for the organisation and the editorial work. 

Thursday, 31 March 2022

Sudan’s rulers: “The people are suffering”

A slightly edited version of this piece was published on Middle East Eye. 

Mohamed Hamdan Dagalo, Sudan’s second in command and for all practical purposes’ effective ruler, told a press conference at the Khartoum airport upon his return from a long visit to Moscow on 2 March 2022 that Sudan’s embassies abroad have not received any funding for the past eighteen months. The 46 years old Dagalo, dressed in a statesman’s fine suit and reading glasses between nose and hand, was exasperated by the terrible state of affairs under his rule, a situation he is finding harder and harder to manage. “The people are tired, the people are suffering, the people have reached a hopeless stage,” he told his audience. “We are a disgrace in the world, our students are stranded, our embassies have stopped working.”
More than four months have passed since the 25 October 2021 military coup that cut short Sudan’s once praised transitional period, a unique model in civilian-military partnership in the words of the former transitional prime minister Abdalla Hamdok. The former UN official was initially placed under house arrest, reinstated as prime minister under the terms of short-lived arrangement with the coup leaders a month later, resigned in January 2022 and is since believed to be in Dubai. 
Sudan’s recent coup is also unique in its own way, a co-habitation of military officers, militiamen, security officers and former rebels with no formal structure to bind them together or publicly identifiable decision-making process to mediate their conflicting interests. When Dagalo left Khartoum for Moscow on 23 February rumour had it that General Abd Al Fattah Al Burhan, the formal first in command and head of state, complained to Egyptian officials of the manoeuvring of his deputy and expressed concerns that Dagalo was plotting to overthrow him with the aid of foreign parties. A few days earlier Dagalo and his brother were warmly received by the UAE’s strongman Mohamed bin Zayed. The day his deputy flew to Moscow Al Burhan toured the Shajara military camp south of the capital Khartoum stressing that the army would only hand over power to a transparently elected government or on condition of a national consensus between all stakeholders. 
Manufacturing such consensus is the chosen department of Volker Perthes, head of the United Nations Integrated Transition Assistance Mission in Sudan (UNITAMS). This special mission was established by resolution of the UN Security Council in June 2020 with the stated aims of sorting out the country. UNITAMS was supposed to help the political transition and achieve all good things: progress towards democratic governance, protection and promotion of human rights, sustainable peace, mobilisation of economic and development assistance, coordination of human assistance and so on and so forth. 
During the short duration of the ‘model civilian-military partnership’ the mission was content with a rather low-key performance, mostly in the background. Its chief, Volker Perthes, has however a passion for the public eye and makes a point of speaking in Arabic and offering a continuous education of sorts in state-building. He called for instance in a long speech to the press on 16 June 2021 for timely implementation of the August 2020 Juba peace deals and deplored the chronic delay in the formation of the transitional parliament and the stalled reform of the security sector stressing the importance of the formation of a unified national army that abides by the constitution. 
With the 25 October coup UNITAMS effectively lost its raison d'être and Volker Perthes had to invent one as it were. He assumed the role of mediator at large, becoming over night the most engaged ‘politician’ in the country. The UNITAMS chief launched a series of ‘consultations on the political process in Sudan’ and invited political actors of all stripes and types barring the former ruling National Congress Party (NCP) to visit his headquarters in Khartoum and express their hearts desires. 
The 36 pages summary report of the Perthes consultations has just been made public. A statement released on 28 February 2022 said it represents a summary of “the opinions and areas of convergence and divergence heard by the mission during 110 consultation meetings with over 800 participants, one third of them women – from various parts of Sudan, as well as those contained in over 80 written submissions.” One immediate lesson from the Perthes consultations is the terribly narrow composition of the political class as such considering an estimated total population of over 46 million people. 
The report, to no surprise, is indeed a wish list. The outcomes, highlighted in boxes, are well phrased appeals to an imagined status quo ante that are hard to dispute in principle, essentially performative utterances in an objective void: demands for stopping the killing of protestors, lifting the state of emergency and guarantee of accountability; agreement on the need to modify the effectively defunct 2019 Constitutional Document; abhorrence at the dominant role of the military in political life; speculations about the size, mandate and composition of a future sovereignty council and cabinet of ministers; agreement on the urgency of forming a future transitional legislative council; complaints about the delays in implementation of the Juba peace deals; agreement on the need to create a unified professional non-partisan army; recognition of the fundamental link between women’s freedoms and democracy; agreement on the urgent need for accountability for past crimes and a process of transitional justice; need for a constitution-writing process and free and fair elections in a suitable environment with international guarantees; and a continuous role for the international community in support of Sudan’s transition. 
Based on the above the Perthes report suggested the following procedural approach: prioritisation of critical steps, inclusivity and national ownership, comprehensive solutions, and effective facilitation and accompaniment. What these items actually mean is anybody’s guess but their tenor is clinical rather than political, picked out of a management handbook. What the Perthes report fails to see or does not want to see are the brute facts of power. As these consultations proceeded, more than 80 mostly young women and men were killed on Khartoum’s streets in a routine of regular demonstrations against military rule.
In another space and time, the space of humble homes and the time of daily life, hunger is biting into every third belly in the country. 14.3 million people require humanitarian assistance including 10.9 million people who are food insecure. The scale of food insecurity in humanitarian jargon ranges from uncertainty regarding the ability to obtain food through poor food quality and skipping meals to having nothing to eat for a day. An average food basket consumes up to 70% of a household’s total expenditure. One out of three children is stunted, too short for age, as a consequence of malnutrition. The government, unable to fund its own embassies, has resorted to a blanket increase of taxes and dues including on health care, medicines, cooking gas and telecommunications besides the abolition of fuel, electricity and bread subsidies applauded by international donors. The 2022 budget aims at a 145% increase in tax revenues and a 140% increase in revenue from commodities and services, effectively snatching the little available food from hungry mouths. 
Sudan relies in feeding its cities considerably on Russian wheat. Just this January, Sudan, Egypt and Iran received together two thirds of Russia’s wheat exports. The Russian invasion of Ukraine, together the two countries account for 29% of the global exports of wheat, is likely to translate into supply disruptions, higher wheat prices and greater hunger in Khartoum’s shanties. Dagalo, the merchant, believes he can endure the harsh months ahead by auctioning off Sudan’s coastline to his Russian hosts or higher bidders. Perthes with his report concluded might be looking for a promotion.

Thursday, 17 March 2022

‘Everything is bearable if you have bread’

Letters from Isohe: Life on the edge in a school in South Sudan
Elizabeth Hodgkin 2022
City of Words, London

Southern Sudan featured prominently as an item of exotic fascination in the mental world of literati from Sudan’s Nile Valley. The fantasy proved persistent even in the works of the small minority who had an immediate experience of southern Sudan as teachers or clerks or government officials of some sort, or may be particularly so. Mohamed Al Mahdi Al Majzoub (ca. 1919-1982), one of Sudan’s most gifted poets, voiced this sentiment in elegant verse. He found refuge from the suffocating censure of patriarchal heritage and religious obligations in a southern Sudan that appeared to him in 1954 as a welcoming theatre of passion, promiscuous mores, drink, dance, nudity and desire. 

The South satisfied me, what do I care
For those who condemn the naked and blame
They loved life and I mingled heeding passion not reason 
Were I a negro, a fiddle in hand
One step straight and the next asway 
Around my loins a belt of lavender
Stringed cowries decorate my brow
I drink marisa in the taverns 
And guffaw uncensured, nor do I blame
Free, uninhibited by Quraish, dignified pedigree or Tameem. 
What is heaven other than caprice contented 
And what is hell other than desire denied? 

Mohamed Al Mahdi Al Majzoub is a graduate of Gordon College and descendant of the grand Majzoub family of al-Damer with roots in Sudan’s heroic age. The family of religious scholars and sheikh-patrons counts amongst its modern heroes the late Abdalla Al Tayeb Al Majzoub (1921-2003), linguist and professor of Arabic literature. The religious order established by Mohamed Al Mahdi’s ancestors dates back to Hamad ibn Muhammad Al Majzoub Al Kabir (Sr.) (1693-1776). Hamad combined religious virtue and secular prowess to become an able mediator in the squabbles of local lords. Under the authority of the Majzoub family al-Damer evolved into a major educational centre and eventually a city-state in the early eighteenth century until its destruction by Mohamed Ali’s army following the murder of Ismail Pasha in Shendi.
Hamad’s grandson, Mohamed Al Majzoub Al Saghyir (Jr.), fled to Mecca where he was initiated into the teachings of Ahmed ibn Idris. When he returned to Sawakin he established an order of his own that attracted amongst others Ali Digna, the uncle of the prominent Mahdist commander Osman Digna. Al Majzoub Jr. eventually made it back to al-Damer where he died in 1833. The order he had established in Sawakin flourished under the guidance of Sheikh Al Tahir Al Majzoub. 
The dominant religious order in eastern Sudan was however the Khatmiyya, also a Sudanised offshoot of the teachings of Ahmed ibn Idris. The Khatmiyya lords did not share in the history of prosecution to which Sheikh Al Tahir Al Majzoub was an immediate heir. They preached obedience to the ruler of the day and proved reliable partners to the Turkish-Egyptian government throughout the Mahdist rebellion and thereafter to the invading British. Sheikh Al Tahir Al Majzoub drew different conclusions from the teachings of Ahmed ibn Idris. When Osman Digna arrived in Sawakin as envoy of the Mahdi, Sheikh Al Tahir Al Majzoub eagerly submitted to the Mahdist call. He became Osman Digna’s second in command and died in battle as did many of his family. 
Mohamed Al Mahdi Al Majzoub was acutely aware of this overwhelming record of tragic glory. His attempt to reconcile religious tradition and the trappings of modernity led him to sympathise with ideals and beliefs of Mahmud Mohamed Taha, at least in their early anti-colonial incarnation. Al Majzoub was not at home in doctrine though and a tension between the two poles of tradition and modernity permeates his verse as well as his strained grammatical constructions to those who can appreciate his Arabic composition. The poem continues: 

Inform the sheikhs on my behalf:
I am a sinner, judged by their rosaries
Raised in piety as a lad
Whose prospects permitted an accursed character
Fetters I left behind to my father for others
My restraints now are troubles and experiences 

Mohamed Al Mahdi effendi nursed his gloom and the deadlock of his accountant existence in idle habits. He rebelled by smoking, a major prohibition in the Mahdist behavioural code that equates to recanting the faith since it was such a distinctive habit of the colonisers. Mohamed Al Mahdi Al Majzoub said of himself that as a rustic schoolboy from al-Damer he was firmly convinced that smokers were infidels. By way of poetic conclusion, Al Majzoub’s recourse is eventually to the exercises of the self. 

I suckle at the cigarette, a female
It moans in my hand and dozes
The remainder of a distant star that I glimpse
At my side, ashes its clouds
I flick it to awaken 
And it slumbers as the ill from fatigue
What do I gain but futility?
The breeze more charitable to its dust than my foot. 

The merry southerner might have ignited Al Majzoub’s imagination but she never featured as a partner in communication, as someone who speaks. The southerner remained a zol sakit. Zol is northern Sudanese Arabic for person, sakit literally means silent but is deployed to suggest worthless, ‘unmündig’ or often ‘barred’. South Sudan is today an independent country and the fetters of Khartoum’s sovereignty that tied it to the people of Mohamed Al Mahdi effendi were cut in a bloody civil war that metamorphosed into multiple conflicts, a status of permanent war in South Sudan and the entrenchment of the rural militia as the technology of rule in the rump northern Sudan all the way up to Gordon’s presidential palace on the bank of the Blue Nile. Certain emirs of the Mahdiyya, Sudan’s 19th century insurrection against Turkish-Egyptian occupation, would probably recognise themselves in the persons of some of the country’s new rulers. 
Elizabeth Hodgkin self-deployed as a teacher in Isohe of eastern Equatoria in the independent South Sudan at the gentle age of seventy. She had been a teacher before between 1964 and 1967 in Kasama Girls’ Secondary School in the newly independent Zambia. Today, Kasama Girls’ is associated with the Confucius Institute, the cultural arm of the Chinese government abroad, and offers Chinese language classes at junior and secondary levels. The heady days of emancipation from colonialism are long gone but history has certain twists to it that simulate a return. Mr. Li Dong teaches Chinese at Kasama, says the school’s webpage. “Chinese as a teaching subject has four periods in a week per class”. In comparison, St Augustine Secondary School where Elizabeth Hodgkin was a teacher between February 2012 and December 2013 is stuck in another era, an English-speaking one in any case. 
The geopolitical moment of South Sudan’s independence is obliquely gleanable from Hodgkins’s twelve letters from Isohe but in no measure defines their time. Instead, the letters derive from the ordinary timelessness of upbringing, education, drunken rage, marital violence, theft, belief, worship, illness and above all the abiding need for food and the many functions of feasts. Hodgkin’s pupils are either hungry or threatened by hunger and a good portion of their efforts is dedicated to overcoming this most taxing of all needs. Elizabeth Hodgkin narrates the efforts of school pupils to achieve ‘food security’ for this term and then the next. A reader from riverine northern Sudan like myself would recognise in these tactics of a Catholic school in Equatoria the age-old strategics of a khalwa (indigenous Quranic schools) which doubles as an agricultural labour camp. Only in that light does the school newspaper headline “Uprooting Groundnuts was Started Two Weeks ago in Isohe Boma” make sense.
Elizabeth Hodgkin’s attentive eye is keen on contradictions and plucks their configurations in the everyday without flourish or exasperation reaching out tenderly for the hard rock of the materialist basis. Many fragments of her letters are concerned with physical violence in the community, in the school, physical violence as a structuring feature of social life in a small village cuddled by the Imatong mountains close to South Sudan’s border with Uganda. 
While she was in Isohe a former seminarian, inebriated, beat his wife into a status of coma and held vigil next to her bed threatening medical staff that he would kill them and kill himself if they did not save her. “November and December are generally violent months. Perhaps it is because there is less agricultural work to do. There is less money about and attacking trucks carrying goods on the road becomes tempting,” she then proceeds to explain. “A truck was shot at on the road from Uganda and the Senior Threes, doing school certificate next year, are worried that the Ugandan teachers will leave.” Without much ado the market shines its tooth through the thick niqab of violence, ching-a-ling! 
Elizabeth Hodgkin is a careful materialist. She listens to Isohians explain the ethnic write out of violence, tribal animosity between the Logir and Dongotono peoples. The head teacher, a Dongotono, claims that the Logir unlike the Dongotono like stealing and killing. The Logir were falsely accused of plundering the property of a member of parliament, the Catholic sister who relaunched the primary school in Isohe, a Logir, clarified. One student, a Dongotono, punched his teacher, also a Dongotono, distant relative, and former child soldier. A girl was beaten up by two boys, her relatives, as others watched. Another girl was kicked by a boy, again a relative. Elizabeth Hodgkin listened to the library prefect say he thinks that these incidents start with food. “Either prefects give large helpings and it runs out, angering people or they give small helpings and the complaint is of tribalism or favouritism.” This explainer from Isohe would work far and wide beyond eastern Equatoria. 
The author was vexed by the ubiquity of corporal punishment in school and demonstrated her case by reading the relevant clause of the transitional constitution of South Sudan to a teacher. Article 21 of the interim constitution of Southern Sudan enacted before independence under the Interim Government of Southern Sudan states: “Every child has the right…to be free from corporal punishment and cruel and inhuman treatment by any person including parents, school administrations and other institutions…”. Elizabeth Hodgkin reasons that the article was inserted by “wimpish” foreign human rights advisers. Her strategy was to boycott beatings and walk away but not make waves about it. 
She also does not make waves about the creativity of her interlocutors in refashioning English, and even elevates ‘drunkardness’, minted in southern Sudan, to describe a superior level of intoxication, a step beyond drunkenness en route to alcoholism. Drunk men fall to their death from cassia trees on parish grounds in Isohe. It is then perfectly reasonable that alcoholism deserves a staging a system in language. Arabic, the language of alcohol prohibition, prides several thick volumes dedicated to the lexical savour of alcohol and its visitations. A story on the culture pages of the BBC website from 2017 said English has 3000 words for being drunk.
My eponym Majd Al Din Abu Tahir Mohamed ibn Yagoub Al Fairuzabadi (1329-1414), the Persian lexicographer of Arabic and compiler of Arabic’s oldest dictionary Al Qamous Al Muhit, still in use today, penned a four hundred pages book to this end with the inviting title ‘The Amicable Companion on the Appellations of Vintage Spirits’. Al Fairuzabadi’s lexicon, devotional poetry, interpretations of the Quran and Sufi compositions had made it to Sudan through Sufi orders. My late paternal grandfather, a grain merchant, slave-owner and sheikh of the Tijaniyya tareeqa, found the name fitting for his newborn grandson. A visitor to the zawiyas of the Qadiriyya and the Tijaniyya, or a nerdy youtube searcher, can still today listen to Al Fairuzabadi’s clunky poem ‘Provisions for the Hereafter’ performed by teary chanters to a mesmerised audience in places like Um Dubban. 
Mohamed Al Mahdi Al Majzoub, alas, could not see through the fog of the booze he found so beguiling in southern Sudan, he was preoccupied with his ancestors. Elizabeth Hodgkin on the other hand watched and listened and talked and wrote a record of her time in South Sudan that is alive with people, conversations, events and concerns of world-historical significance as seen from the vantage point of Isohe.
 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.