Thursday, 27 July 2017
Sudan - the second time as farce
A piece in Africa is a Country.
Wednesday, 19 April 2017
حق الجيش الشعبي في تقرير المصير
لم تخف الحكومة شماتتها في الحركة الشعبية (شمال) التي فتك الصراع الداخلي بضراعها السياسي بعد أن تآكلت قدراتها العسكرية بتطاول الحرب في جبال النوبة والنيل الأزرق والانسحاب الفعال لأصحاب السلطة في جنوب السودان من حلفها، وقبل ذلك عجزها أن تتصور نهاية لصراعها المسلح سوى النصر أو الشهادة. حتى الرئيس البشير، ويا له من واعظ، نصح المتخاصمين في الحركة الشعبية بترك التشاحن والاقبال على وثيقته “الوطنية”، ذلك أمام اجتماع تنشيطي للحزب الحاكم في ولاية الخرطوم.
لكن، ما الخصومة بين رفاق الحركة الشعبية؟ طرح عبد العزيز الحلو في خطاب استقالته (مؤرخ ٧ مارس ٢٠١٧) المطول جملة قضايا، بعضها خاص بنزاعات بيروقراطية داخل هياكل الحركة القيادية وبعضها بالأهداف التي تريد تحقيقها عبر صراعها العسكري والسياسي ضد حكومة الخرطوم، والأصح بعبارة عبد العزيز “المركز العروبي الاسلامي” والمستفيدين منه وفي صيغة أخرى وردت في خطابه “دولة الجلابة”، وكثير منها دفوعات براءة من عثرات نضال النوبة تحت قيادته.
عرض عبد العزيز على مجلس تحرير جبال النوبة الذي توجه إليه بخطابه “حق تقرير المصير” كهدف نضالي لشعب جبال النوبة يحل محل هدف بناء سوداني علماني ديمقراطي موحد وقد استحال تحقيق الأخير. احتج عبد العزيز لهذه الخلاصة بتقرير التناقض بين المستفيدين من “المركز العروبي الاسلامي” والمهمشين المتضررين منه ثم باستحالة تغيير هذا المركز جذريا بالمظاهرات والعصيان المدني لوحدهما وعليه تهافت التحالفات التي عقدتها الحركة، أو الأصح عقدها ياسر عرمان، مع أطراف هذا المركز المعارضين لحكومة البشير. لم تنجح ثورة أكتوبر ١٩٦٤ أو انتفاضة أبريل ١٩٨٥ سوى في تغيير الوجوه الحاكمة بحسب تقدير عبد العزيز فحلت دكتاتورية مدنية محل أخرى عسكرية لا غير، ومن ثم لا خير للمهمشين يرجى من نضال مشترك مع قوى المركز القديم غض النظر عن تفاوتاتهم فالجاك يا هو الجاك أو كما قال.
جرت استقالة عبد العزيز على الحركة مصاعب أخرى فمجلس تحرير النوبة انتصر لعبد العزيز وأصدر قرارا بحل الوفد المفاوض للحركة الشعبية واعفاء ياسر عرمان من منصبه كأمين عام للحركة. منذها والحركة الشعبية في شغل بنفسها. زار مالك وياسر كاودا وأصدر كل منهما بيانا وآخر يؤكدان فيه أن “كله تمام” ويردان جملة القضايا التي طرحها عبد العزيز على صاحبها بالقول أن العنوان غير صحيح فمجلس تحرير النوبة غير مخول بالنظر في أمور جلل كهذه، ويتهمان في صياغة أخرى جهات ما بالتآمر على الحركة مع تقرير ألا تغيير في هياكل الحركة أو خطها السياسي أو وفدها وموقفها التفاوضيين، ثم يعلنان فتح جبهة قتالية جديدة في دارفور، كده بس.
لم تنجح محاولات مالك وياسر على طريقة “باركوها” في طي الصفحة وقد اندلق كتاب. نقلت تقارير صحفية أن قيادات عليا في جيش التحرير عبروا عن تأييدهم لقرارات مجلس جبال النوبة ثم صدرت بيانات النفي. كرر عبد العزيز اعتراضاته على منهج رفيقيه مالك وياسر في حوار طويل شرح فيه ملابسات استقالته التكتيكية ورد على مآخذ مالك البيروقراطية عليها، إلى من توجه وما شابه. فوق ذلك، فتح مجلس النوبة قناة اتصال بالآلية الافريقية، وسيط المفاوضات مع الحكومة، لينقل إليها قراره سحب الثقة من ياسر والوفد المفاوض فردت عليه بحسب خبر “الجماهير” (١٣ أبريل ٢٠١٧) تطلب تسمية قنوات رسمية. مهما كانت التفاصيل. قيادة الحركة اليوم قيادتان، مالك وياسر وجقود مكوار، رئيس هيئة أركان جيش التحرير، من جهة وعبد العزيز ومجلس تحرير جبال النوبة ومن رأى رأي عبد العزيز، رئيس هيئة الأركان السابق، من قيادات الجيش من جهة أخرى.
الثابت بطبيعة الحال في حركة عسكرية أن الفأس سيقع حيث تصوب البنادق فوهاتها فاتجاهات الحركة المستقبلية تحددها خيارات ضباطها بالدرجة الأولى، أما مجالس التحرير ففي مرتبة تالية. شاهد ذلك الأكيد انقسام الناصر في الحركة الشعبية الأم بين فصيل جون قرنق وفصيل رياك مشار في ١٩٩١ والذي ما زالت عقابيله حية في الحرب الأهلية المشتعلة في جنوب السودان بين فصائل الجيش الشعبي الموالية للرئيس سلفا كير والفصائل المعارضة لحكمه وبينها من يأتمر بأمر رياك. بالإشارة إلى هذه التجربة الماثلة لا نجاة لمالك وعبد العزيز وياسر من المسؤولية عن تهديد صف المقاتلين تحت راية الحركة ومن في ذمتهم من شعب النوبة بحرب داخلية فوق حربهم ضد الخرطوم لن يملك أي منهما لها قيادا إن اشتعلت واكتسبت دفعا ذاتيا كمثل ما فشل ثلاثتهم في الاتفاق على منهج واستراتيجية لنضال النوبة التحرري.
لم يخترع عبد العزيز جديدا بطلبه تقرير المصير لشعب النوبة الذي جعله صنوا لمطلب “الجيشين”، إذ يتوخى عبد العزيز بعبارته أن يظل جيش التحرير “واقفا” لمدة عشرين عام ضمن أي اتفاق مع حكومة الخرطوم، ذلك لضمان تنفيذ الاتفاق والتحول الديمقراطي. ختم عبد العزيز استقالته بغزل في البندقية قائلا أن الاستعمار البريطاني سمح للنوبة بحمل السلاح علنا دون سائر شعوب السودان. لم يعتبر عبد العزيز أدنى اعتبار في حقيقة أن الاستعمار البريطاني صاحب الهيبة كسابقه التركي تعامل مع جبال النوبة كمستودع للمقاتلين بناء على تصور عرقي يقول باستعداد النوبة الفطري للقتال فهم بحسب حاكم كردفان يكتب في ١٩٠٣ “متخلفون متكاسلون ويعوزهم الطموح لتحسين أنفسهم بل لا يخطر لهم على بال”. الواقع أن السلطات الاستعمارية أجبرت النوبة بالقوة على الاندراج في سلك الجندية بعد ما ظهر لها ممانعة مكوكهم مثل مك كادقلي المك رحال، واتخذت التجنيد القسري وسيلة لمعاقبة وتأديب أكثر النوبة ممانعة للسلطة الاستعمارية كالميرى والجمنق فأحبطوا أملها باقبالهم ضمن الكتيبة السودانية الحادية عشر في تلودي على المشاركة في ثورة ١٩٢٤. عادت السلطات الاستعمارية بقوة إلى تجنيد النوبة خلال الحرب العالمية الثانية لتعزيز قدرات قوة دفاع السودان، ذلك بعد أن أمسكت عن تجنيد النوبة خارج الجبال صدا لاستعرابهم ضمن سياسة المناطق المقفولة (صالح ٢٠٠٥، سياسة التجنيد العسكري الاستعمارية البريطانية في اقليم جنوب كردفان، السودان، ١٩٠٠ - ١٩٤٥، الدراسات الشرق الأوسطية، م. ٣١، ع. ٢، ١٦٩-١٩٢). اقتراحي عبد العزيز، تقرير المصير والجيش “الواقف”، ينتهيان عند مفارقة الجيش الذي يملك الأرض المحررة ومن عليها ويفتحان الباب واسعا لمصير مثل مصير شعب جنوب السودان تحت إمرة الجيش الشعبي، جيش التحرير المنتصر الذي جعل جغرافية الدولة الطبيعية والبشرية التي حلت له بالاستفتاء على تقرير المصير ساحة للاحتراب بين ضباطه فهزم نضال امتد، بحسب رأي باقان أموم، منذ دخل محمد علي السودان وعبرت سفنه الحربية سدود النيل الأبيض.
إن لشعب جبال النوبة حقا لا خلاف عليه في تقرير مصيره، وقد أفحم لينين كل محتج في هذه القضية منذ أكثر من مائة عام خلت (لينين ١٩١٤، حق الشعوب في تقرير المصير؛ منشور ضمن لينين ١٩٧٢، الأعمال الكاملة، م.٢٠، ص ٣٩٣-٤٥٤، دار التقدم، موسكو). استعرض لينين في كتابه رأى ماركس القائل أن الحرية لن تتحقق للطبقة العاملة في انجلترا ما لم تقف إلى جانب حق الطبقة العاملة الآيرلندية في تقرير مصيرها وتدعم حق آيرلنده في الانعتاق من الاضطهاد الانجليزي. سخر لينين ما استطاع من موقف الذين تأخذهم الرهبة من تعديل حدود تأسست بعنف الطبقات المسيطرة للشعوب الغالبة وفي خدمة ما تجني من مصالح. عاد لينين إلى ذات القضية مرة أخرى في رسالته إلى مؤتمر حزبه البلشفي عام ١٩٢٢، الرسالة المعروفة بوصية لينين الأخيرة. دافع لينين في رسالته باستماته عن حق الشعوب الواقعة تحت سطوة القومية الروسية في تقرير مصيرها واتهم ستالين بحكم تدخله الدموي في جورجيا للحيلولة دون التطبيق الفعال لهذا الحق باتباع ذات السياسة الشوفينية الروسية لدولة القيصر البائدة (لينين ١٩٢٢؛ ضمن لينين ١٩٧٢، الأعمال الكاملة، م. ٣٦، ص ٥٩٣-٦١١،…).
يطرح هذا الموقف تناقضا طالما أرق بال المثقفين الشماليين من “بيت الجاك” الذين يريدون بشوكة الحركات المسلحة أن يتحقق مطلب التحول “الديمقراطي” لكن يفزعهم حق تقرير المصير، فهؤلاء يستحون الساعة من انتقاد عبد العزيز علنا وهو من هو في مقام القتال كما لا يمكنهم الاتفاق معه وقد بكت حلفهم مع الحركة الشعبية بمن فيه، إمام وتاركين الصلاة. كذلك صمتوا عندما تحول أمل السودان الجديد في جنوب السودان كرات من نار وانسحبوا بلا إعلان من كل انشغال بالجنوب الذي كان حتى ساعة الاستفتاء الفاصلة مستودع القوة المادية والمعنوية للديمقراطية التي تأتي ولا تأتي. تستحق انتهازية كهذه استخفاف عبد العزيز البليغ الذي صور المركز العروبي الاسلامي تنويعات ثانوية على لحن واحد. لمجابهة هذا التناقض لا يكفينا التشديد على مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، فهو كما القوميات نشأ عن تاريخ. قدر لينين من التجربة الأوروبية أن الانتصار الحاسم للانتاج السلعي في مرحلة الانتقال من الاقطاع إلى الرأسمالية يتطلب أن تسيطر البرجوازية على السوق المحلي، وأن تسود لغة غالبة في جغرافية موحدة سياسيا. عند لينين لا مجال لتفسيرات تستثني الحق في انعتاق القوميات المضطهدة من القوميات المسيطرة بدولة منفصلة حين مناقشة حق تقرير المصير إذ رأي في الدفاع عن هذا الحق مدخلا ديمقراطيا لربط النضالات القومية بالصراع ضد النظام الرأسمالي. وإن نادى لينين بالقضية القومية بكياسته السياسية فقد عدمت ماركسية لينين تفسيرا بينا للنزعة القومية ما جعل منها قضية نشاز خاصة وقد اعتمد لينين حلها ضمن أممية الثورة الاشتراكية، أيان ميقاتها (لينين ١٩١٦، الثورة الاشتراكية وحق الشعوب في تقرير المصير؛ ضمن لينين، الأعمال الكاملة، م. ٢٢، ص ١٣٤-١٥٦).
تفادى ماركس تحدي القومية باستعمال عبارة “البرجوازية القومية” دون كثير تفسير لتقسيمات هذه الطبقة العالمية متى ما تم تعريفها بحسب علاقات الانتاج فكتب في المانفستو الشيوعي أن مهمة البروليتاريا في كل بلد هي، بطبيعة الحال، تسوية أمورها مع البرجوازية التي تليها. في تقصيه التاريخي عرف آندرسون القوميات بأنها مجتمعات متخيلة نشأت عند تضعضع الاعتقاد بأن لغة كتابية بعينها توفر المدخل المفضل للحقيقة المتعالية (الدينية) لأنها لا تنفصم عن هذه الحقيقة وأن المجتمع ينتظم طبيعيا تحت سيطرة سلطة متعالية (مقدسة) وسيادة روح علمانية انفصل فيها التاريخ عن الغيب. من رأي آندرسون أن الاعتبار المقدم في نشأة القوميات هو الأثر الناجم عن وقع الرأسمالية وتكنولوجيا الطباعة على التعدد اللغوي البشري حيث مكنت الطباعة الرأسمالية من اختراع الثقافة القومية عبر وسيلة اللغة المكتوبة. تتبع في كتابه نشأة اللغات الأوروبية الحديثة وكيف نافست اللاتينية حتى حلت محلها حيث شكلت مجالات موحدة للتبادل والاتصال دون اللاتينية وفوق اللهجات المحكية إذ استطاع المتحدثون بألوان من الانجليزية أو الفرنسية ممن لم يكن بمقدورهم التخاطب لاختلاف لهجاتهم التفاهم عبر الكلمة المطبوعة. في هذا السياق نمى إلى وعي هؤلاء القراء أنهم يشتركون مع ملايين آخرين في ذات المجال اللغوي ويجمعهم خيال مشترك هو فضاء القومية المتخيل (آندرسون ٢٠٠٦، مجتمعات متخيلة، ص٥-٤٤). ربما شغلت هذه القضايا ذهن محمد ابراهيم نقد وهو يتساءل أمام مؤتمر اتحاد الكتاب في ميلاده الثاني عام ٢٠٠٦ ماذا قدمت القوى السياسية المسلحة والنخب المرتبطة بها لخدمة لغات القوميات التي يناضلون من أجلها. الجواب أن الحركة الحاكمة للجبال قدمت الانجليزية على لغات النوبة، وعندما تساءل كمال الجزولي لما والعربية هي واقعا اللغة المشتركة بين النوبة أتته سهام الاتهام تترى على منوال “يا عروبي يا جبان”.
ما علاقة كل ذلك بتحرر جبال النوبة؟ عرض عبد العزيز في واقع الأمر لحق جيش التحرير الذي كان يتولى رئاسة أركانه لا حق شعب النوبة في تقرير المصير، فمقدمات عبد العزيز وخلاصاته لا تتسق إلا بتمرين ذهني بسيط يحل فيه جيش التحرير محل شعب النوبة المراد تحريره كل ما ورد ذكر الثاني. في ذلك يقتصر تصور عبد العزيز المطروح لحق تقرير المصير على ساعة الاستفتاء والسيادة السياسية التي قد تنجم عنه صافية للضباط. لم يذكر عبد العزيز بكلمة واحدة التجربة الماثلة أمامه، تجربة استقلال جنوب السودان عن المركز العروبي الاسلامي، حيث دعى الجيش الشعبي مواطنيه إلي تذوق طعم الحرية مرة واحدة وإلى الأبد، في ساعة الاستفتاء تلك، وما إن طلبوا المزيد حتى انقض عليهم بكل بأسه. هذا الغياب بطبيعة الحال مريب، بالذات ومرجع عبد العزيز الأساس في كل ما ذهب إليه هو مقابلة جون قرنق الصورية بين خياري الوحدة في إطار سودان علماني ديمقراطي متعدد القوميات والثقافات والانفصال عنه لتحقيق هذه المعاني في دولة مستقلة. صمت عبد العزيز عن العوامل التي حالت دون تحقق “السودان الجديد” في الجغرافية السياسية التي فاز بها الجيش الشعبي وتلك التي أدت إلى الانفجار الكارثي لقضايا القوميات في جنوب السودان، في واقع الأمر منذ ١٩٩١، كما صمت عن الموانع التي تحول دون أن يستأسد جيش التحرير في جبال النوبة على الذين في ذمته متى ما تحقق له فوز مماثل. للنوبة كل الحق في تقرير المصير، لكن كما بينت التجربة يقع هذه المصير ضمن شروط تاريخية وليس انتخابا بين احتمالات مجردة، فأي مصير يعرض عبد العزيز على شعب النوبة وفيهم تلفون كوكو وتابيتا بطرس ودانيال كودي، بل وفيهم الطيب حسن بدوي.
يبقى احتمال أن عبد العزيز جاء إلى سكة تقرير المصير تائها عن “السودان الجديد” لا باحثا عنه، فالسودان الجديد إن كان له من قوام يبدأ حيث تقف الحركة الشعبية هنا والآن وليس في غد الاستفتاء، يبدأ بالحرية التي حجبتها قيادة الحركة عن تلفون كوكو، ويبدأ بالأمصال التي تنتظرها أمهات النوبة منذ ستة أعوام، بالنوبة والمصائر التي يصنعون لمجتمعاتهم، وليس فقط بجيش التحرير وكيلا عنهم.
Monday, 27 February 2017
License to marry: who cares?
Mohamed Mahjoub, a member of the leadership council of the opposition National Consensus Forces (NCF) alliance, spoke dismissively of the proposal forwarded by the Popular Congress Party (PCP) regarding reform of the requirements for marriage. The issue which has proven to be the most hotly contested among the proposals that came out of President Bashir’s national dialogue process, was described by Mahjoub as a diversion from the ‘serious’ business of public freedoms. The comment is a sorry demonstration of politics missing its point.
The PCP put forward a series of proposals which it said were drafted by the late Hassan al-Turabi and dubbed ‘the freedoms document’. One of Turabi’s points affirms the freedom of “men and women to marry by consensual contract directly between them or through agency”. The Salafi establishment in Sudan was aghast. Turabi’s apparently benign formulation essentially proposed abolition of the requirement for a male guardian over a woman to consummate marriage. Another Turabist line that proved similarly contentious granted “every human being the right of choosing the views he wishes to subscribe to by way of religious belief or doctrine, besides the right to practice any worship rituals, celebrate religious festivities and establish places of worship. Nobody shall be coerced to believe in a certain religion or creed, and none shall be prevented from engaging in debate according to his belief and opinion”. In this typically convoluted formulation the sheikh was attempting to strike the apostasy charge and related provisions off the law book.
The religious establishment immediately recognised what was coming its way. The Islamic Jurisprudence Academy, a semi-governmental body of Islamic scholars, announced its opposition to the proposals. Members of the council said the proposals constitute a legal permission of apostasy and will only lead to discord and conflict. The council issued a formal fatwa saying the proposals were in contradiction with sharia and are effectively in the realm of haram. The Wahhabi Ansar al-Sunna said the same stressing that the requirement for a guardian over a woman in marriage actually preserves the dignity of women. Ismail Osman al-Mahi, the leader of the group, said the permissive proposals would “open the door wide for shiite proselytisation, atheism and the establishment of temples in the country”. Star preachers from the Salafi bloc announced from their mosque pulpits a campaign against Turabi’s document. Abd al-Hai Yusif raged against the proposals. “They want to amend what the Prophet’s traditions have approved”. Of course, he was particularly venomous when it came to marriage. “They want to amend and change and blasphemy as they please and they want the imams to remain silent”. The Salafi preacher ignored Muslim etiquette and directed his anger at the dead Turabi. “These proposals were made by some who have since died and are in the grave. Some parties want to force the ideas of the dead on the community of Muslims, blasphemous ideas born out of fraud, distortion, acceptance of some holy dictates and the dismissal of others.”
Turabi is no longer around to respond. He usually did not anyway to such verbal aggression. Abd al-Hai Yusif, educated in the dogmas of Wahhabism, is incensed by Turabi’s creole approach to sharia. Whatever Turabi’s specific motivations for putting forward what he definitely knew would be threatening proposals, the sheikh is proving the capacity to rattle things from the grave while Mohamed Mahjoub and his likes rejoice in the exercise of futility. For the past ten years or so of his life, Turabi went to great lengths to rework his understanding of liberties in the private and public spheres from an Islamic perspective. Following his own sunna in ignoring details that do not exactly fit his standpoint on any particular issue, Turabi did not deliver a cogent ‘theological’ argument to back his proposals. From the viewpoint of Abd al-Hai and his associates they are nevertheless dangerous, in the first instance because they emanate from within the Islamic rank and not from the barricades of the defeated secular intelligentsia. Turabi’s strand of ‘Islamic’ feminism is a more a political initiative than a body of thought through postulates.
In keeping with his legal training, Turabi’s approach to emancipation has always been a legal one, and his current proposal on the reform of the 'marriage contract' as he preferred to say is his posthumous contribution to the issue. What the late sheikh threw at the religious establishment is an attempt at reversing by letter of law centuries of patriarchal oversight over women’s choices. The Islamic Jurisprudence Academy did not frontally challenge Turabi’s theological innovation but chose instead to argue that his proposal contravenes “sharia-supported established custom in Sudan”. Even Abd al-Hai, the self-proclaimed puritan, could not but surrender to some of Turabi’s logic. He argued that sharia already conditions marriage with a woman’s consent. “The law and the Prophet’s Sunna both determine that no (marriage) contract is valid without consent,” he told worshippers in Khartoum’s Jabra last Friday. Turabi’s proposal of course, al least formally, takes the patriarchal cap off that consent. Mohamed Mahjoub and the NCF politicians in their haste could not grasp the ‘revolutionary’ element in Turabi’s posthumous poke at rijal al-Din (men of religion). I fear that they probably agree with the conservative position of their fellow rijal from the religious establishment on this one issue and would not be exactly happy if their womenfolk, bareheaded or in a hijab, suddenly had the right to marry themselves off to the next lover without recourse to patriarchal license.
Sunday, 26 February 2017
Merowe bookshop - an obituary
Thanks to Raphael Cormack I came to understand yesterday that Merowe bookshop in downtown Khartoum has been forced by dire finances to permanently close its doors. My list of habitual places to visit is down by one. Over the past years, I have observed how the Khartoum I knew is withering away. Death and dispersion across the globe has taken away mentors, comrades and friends, and the wear and tear of time is burying places. Merowe bookshop is particularly dear to me. This I suppose is an obituary of a bookshop.
A passion for books in Khartoum of the 1990s was a difficult instinct to satisfy. Politically, books other than the yellow paged hardcovers of Islamic figh were shunned, and in trade terms what was a book when people could not get enough bread. I recall foraging through the collections of used books on sale in Omdurman’s market along the walls of the main post office for readable and affordable texts and returning home with a copy of Heikal’s journalistic books or some random Egyptian novel after tiring cycles of bargaining. It was in one of those foraging rounds that I discovered Sudan’s most prominent Marxist historian, the late Mohamed Saeed al-Gaddal. I later came to know Gaddal in person and benefit from his pedagogy. It was thanks to Gaddal’s works on the Mahdiyya that I came to appreciate some elements of the operations of Sudanese political economy. Merowe bookshop was the place to find Gaddal’s masterpieces. The bookshop was organised around the principle of chaotic timescale and a distinction between Sudanese authors, Egyptian authors and translations from foreign languages. To find a certain book you had to diligently search for it through the stacks and piles. Whether a title was available was a relevant question to only recent acquisitions.
As we entered the 2000s the situation improved somewhat judging by the number of employees and increasing new prints. Merowe bookshop was the place to find a rarity like a collection of the poems of Haj al-Mahi, the passionate 19 century madih (praise writer) of the prophet Mohamed. Haj al-Mahi was born around 1789 in al-Kassinger close to Kareema and died in the same village around 1871. His poems, when read in their full length, provide an impressive record of social life in northern riverain Sudan in his time and age, including the devastation brought by capitalist penetration onto an ancient way of life. Artistically, Haj al-Mahi is a largely ignored pioneer of Sudanese music. His elaborate tunes are yet to be captured in their musical elegance but are thankfully perpetuated by generation after generation of Awlad Haj al-Mahi, in the rule a trio of performers from his bloodline who have managed to keep this noble tradition alive and well. The continuity is baffling when contrasted with the convulsions that have ravaged al-Kassinger, Kareema and Sudan since.
As a schoolboy it was in Merowe bookshop that my father bought me children’s books from the series Al-Maktaba al-Khadraa (the green library), creative Arabic translations of fables from around the world by an Algerian publisher. The collection as far as I can remember totalled 63 titles. The trip was a favourite because it involved crossing the bridge from Omdurman to Khartoum, the city proper, and more often than not included a trip to the zoo or to the national museum. From those times I recall a children’s book by a Sudanese author who managed to turn the history of the Napatan (25th) Kushite dynasty into fabulously inspiring adventures. The book begins with a blitzkrieg account of King Piankhi’s campaign to conquer Egypt and the restitution of the worship of Amun. The description of King Taharqa (reigned from 690 to 664 BC) crossing the Nile on his black horse at the lead of a Kushite army as he advanced to meet the Assyrian aggressors at the historic battle of Eltekeh still fills me with awe. The black and white illustrations of the book were no less impressive. Merowe bookshop was where we found this gem. Taharqa died in Thebes and was buried in Nuri, a pharaoh. It took my father a lot of explaining to reconcile in my mind this depiction of a ‘good’ pharaoh with the ‘evil’ pharaoh of Moses in the Quranic tale. At that time I simply concluded that Sudanese pharaohs were good and Egyptian ones evil. I spent hours trying to recreate these battle scenes with clay and thus saved my working mother, a school teacher, precious time where I needed next to no attention, all thanks to Merowe bookshop. I was however unsatisfied with my colours, since ash was simply not enough to turn the black of clay into white and thus give me the halab Egyptians I needed to defeat with my Kushite heroes.
Another memorable title from Merowe bookshop was Ali al-Mak’s translations of selected short stories and poems of African-American authors. A solid Omdurmanian, Ali al-Mak died in 1992 in New Mexico. As a child I recall resisting sleep at all costs to be able to listen to his voice on late night television programmes while pretending to be long asleep hidden under my covers. His deep stable hypnotising voice and outstanding storytelling skills were a lesson in the dialectic of form and content. I am since convinced that the most profound insights are lost when transmitted in poor form. I struggled with the issue terribly when reading Arabic translations of Lenin, obviously hastily fashioned and poorly edited by the mostly Syrian and Lebanese Arabic translators of the Soviet era publishing house Mir. To find Lenin you had to forage through the used books on display on the back wall of Khartoum’s Grand Mosque. My first was ‘The State and Revolution’, a haunting read despite the unsatisfactory translation.
In Merowe bookshop of the late 1990s I stumbled upon an Arabic translation of Bayart’s ‘The State in Africa: the Politics of the Belly’ published by the Cairene Third World Press. I asked the owners of Merowe bookshop whether they had any more books from the same publisher, and they kindly complied with my special request. At an extra price they supplied me with translations of Badie’s ‘The Imported State’, Latouche’s ‘The Westernisation of the World’, Bourdieu’s ‘Sociology in Question’ and Burqat’s ‘The Islamic Movement in North Africa’. It was in a dusty corner of Merowe bookshop that I found an entertainingly sharp rarity, a copy of Ali al-Mak and Salah Ahmed Ibrahim’s 1958 collection of short stories: ‘The Petty Bourgeoisie’. Thank you Merowe bookshop for giving me an education.
Monday, 13 February 2017
Abd al-Majid Bob has died
Another Sudanese communist of calibre and friend passed away this Friday, Abd al-Majid Bob. Losses abound and friends are few. Rest in peace ya Majid.
Monday, 16 January 2017
حوار مع جريدة التيار
هذا النص الكامل لحوار مع جريدة التيار منشور في عدد اليوم ١٦ يناير ٢٠١٧، اختار المحرر أن يستبعد بعض فقراته لضيق الحيز أو كما قال.
س. بدءا، كيف تقيم الأوضاع التي آلت اليها البلاد بعد وأد الديمقراطية الثالثة؟
سؤالك يتضمن الاعتقاد أن انقلاب الجبهة الاسلامية في ١٩٨٩ مثل انقطاعا مع النظام السياسي البرلماني الذي نجم عن الانتفاضة ضد حكم جعفر نميري، وهو افتراض يصح لدرجة التحول من حكم برلماني إلى حكم سلطوي عسكري. لكن إن نظرت أبعد من ذلك قليلا، وهو زعم قد يستغربه الكثيرون، ستجد أن الانقلاب يفقد دلالة الانقطاع هذه عند اختبار محتواه الطبقي والاجتماعي.
س. ممن نزعت السلطة إذن في ١٩٨٩ ولمن آلت؟
بأي حال، لم تنزع من قوى الانتفاضة، القوى الجماهيرية التي خرجت من أطراف الخرطوم لتطيح بعرش نميري. فهذه لم تجد للسلطة طريقا بعد أن استأثرت بالقيادة العناصر المهنية النقابية من البرجوازية الصغيرة التي بدورها وجدت نفسها خارج دائرة النفوذ تماما وقد أسلمت الأمر والنهي للمجلس العسكري، أي أنها فشلت في تحقيق أهداف الانتفاضة التي نهضت لها الجماهير الشعبية وفضلت المساومة مع المجلس العسكري، أي فئة الضباط ذات نفس المنشأ الطبقي، على حلف هذه الجماهير غير مضمون العواقب.
س. من فاز إذن؟
فاز الجيش الذي ظل محتفظا بالحصانة من جنس المساءلة التي خضع لها جهاز الأمن القومي، بل ربما جاز أن المجلس العسكري وافق راغبا على مطالبة الجماهير بحل جهاز الأمن نظرا للحزازة الناشبة بين المؤسستين خاصة بعد عزل نميري للفريق عبد الماجد حامد خليل في ١٩٨١ وتعيين رئيس جهاز أمن الدولة اللواء عمر محمد الطيب في موقع نائب الرئيس بدلا عنه. يذكر طبعا أن عبد الماجد عاد وزيرا للدفاع في حكومة الصادق المهدي، لا سدنة ولا يحزنون! فاز مؤقتا الحزبان الأمة والاتحادي، ثم فازت الجبهة الاسلامية بالضربة القاضية في ١٩٨٩. لماذا؟ في هذا الخصوص يجوز الاسترسال في تكنولوجيا الحكم تحت الحكم الوطني إذا جاز التعبير. ورثت البرجوازية الصغيرة، في عبارة جون قرنق الصفوة البيروقراطية المتبرجزة، طرفا من السلطة السياسية كحليف أصغر للقيادات الطائفية من كبار الملاك الزراعيين والبرجوازية التجارية، ولم ترض بطبيعة الحال بحكم موقعها الأثير في جهاز الدولة بهذه القسمة فكان مسعاها التحرر من هذه العلاقة القابضة في صور مختلفة، أولها ربما التناقض بين صفوة الخريجين والختمية الذى انتهى إلى انقسام الوطني الاتحادي واستقلال قيادة الختمية بحزب يخصها، وأهما بطبيعة الحال اتصال النسب الطبقي في صور تنظيمية بين الصفوة المدنية والصفوة العسكرية - ضباط الجيش، أو خريجي كلية غردون وخريجي الكلية الحربية. بل يمكن القول أن مساهمة البرجوازية الصغيرة الأساسية في تكنولوجيا الحكم في بلادنا كانت اختراع “الانقلاب الثوري”، وفيه يقوم العسكريون بالانقلاب ويرتجل المدنيون ثورة من عل لا يعكر نقاءها التخليط الجماهيري، خاصة وأي تخليط فعال قد يحمل في طياته انقلابا على علاقات القوى التي تحفظ للبرجوازية الصغيرة من “أولاد البلد” موقعها المتميز في جهاز الدولة. شخص عبد المرحوم عبد الخالق محجوب نزعة حرق المراحل هذه في إطار صراعه مع البرجوازية الصغيرة في الحزب الشيوعي وقال ستفضي إلى طريق من الآلام والشرور، وقد كان. بحكم تذبذبها الشهير توزعت البرجوازية الصغيرة في ولاءاتها الآيديولوجية، يسارية، قومية عربية واسلامية وخلافه. لكن، اشتركت جميع فئاتها في عقيدة الانقلاب، إذ لا طريق يصل بها إلى السلطة سواه فصناديق الانتخابات تفرض عليها سلطة القيادات الطائفية وطريق “العمل الجماهيري الصبور والدؤوب” طويل وغير مضمون العواقب.
س. ماذا حدث في ١٩٨٩ إذن؟
هاجرت فئات واسعة من البرجوازية الصغيرة إلى الجبهة الاسلامية، التي غدت وقت عقدت صلحها مع جعفر نميري حزب هذه الطبقة الاجتماعية بامتياز. لم يعد الحلف مع القيادات الطائفية يكفيها كما لم تعد تجذبها الآيديولوجيات التي راجت في عصر التحرر الوطني، الاشتراكيات بتخريجاتها القومية العربية والناصرية وكذلك الشيوعية الأممية. يطول شرح أسباب هذه التحول لكن بعض ذلك ربما تحول طموحات فئات واسعة من هذه الطبقة الاجتماعية من ميري السودان فقير الخزائن إلي سوق العمل الخليجي. بانقلاب ١٩٨٩ استأثرت هذه الفئات من البرجوازية الصغيرة بالسلطة السياسية صافية لنفسها، لا يشقها سوى الحلف المتوتر بين المدنيين والعسكريين والذي انتهى كما هو متوقع بغلبة العسكريين وتضعضع المؤتمر الوطني إلى حزب بيد الرئيس. ما تبع ذلك يقرأ بالإشارة إلى هذا الموقع الطبقي فقد أخذت هذه الفئات تصنع دولة على صورتها، بما في ذلك تدهور الاقتصاد الريفي والاعتماد شبه الكلي على الريع، إن كان ريع البترول أو الذهب أو الأرض، فالبرجوازية الصغيرة تشغل موقعا ثانويا في عملية الإنتاج لا هي تزرع وهي لا هي تصنع لكنها تأكل وتلبس!
س. في السياسات التي انتهجتها حكومة الانقاذ منذ 27 عام هي العمل علي تفكيك وضعضعة القوي الاجتماعية هل هنالك قوة إجتماعية معينة يمكنها أن تحدث التغير الان بعد هذه التطورات؟
عملت السلطة على تفكيك القاعدة المادية للقوى الاجتماعية التي يمكن أن تشكل تهديدا لها، بعض ذلك ما كان سياسات منهجية وفق خطة التمكين وبعضه كان ارتجالا فرضته موجبات البقاء السياسي. لن استرسل في هذا الموضوع كثيرا لكنه مهم حينما يطرح مثل سؤالك عن ماهية القوى الثورية التي يمكن أن تحدث التغيير بحسب عبارتك. منتهى هذا التحولات كان ضعضعة الأساس المادي وكذلك الآيديولوجي الذي كان يسند نفوذ القيادات الطائفية. في هذا الخصوص التزم الاسلاميون المادية التاريخية أكثر من خصومهم الشيوعيين بمراحل ونفعتهم. لم تبدأ هذه التحولات عام ١٩٨٩ بطبيعة الحال..لكن تسارعت بشدة حين أصبحت الدولة بيد الاسلاميين أداة للهندسة الاجتماعية. أرخ الأستاذ كمال الجزولي لها بتاريخ انشاء بنك فيصل عام ١٩٧٧. تصديقا لذلك، تحدث حسن الترابي في نادي مكة في نوفمبر ١٩٨٤ بمناسبة مرور عام على تطبيق الشريعة الاسلامية في السودان فكان تركيزه بالدرجة الأولى على أسلمة البنوك. عبرة ذلك ليس في المقام الأول في منع الربا، فقد وجد الفقهاء الاسلاميون عبر العصور تخريجات مبدعة لتجاوز هذه التفصيلة الشرعية بما يراعي مصالح كبار التجار وأصحاب رؤوس الأموال. قدم مكسيم رودنسون في كتابه “الاسلام والرأسمالية” حججا كافية في هذا الصدد وانتهى إلى أن المبادئ الاسلامية لم تمنع التطور الرأسمالي للعالم الاسلامي وليس فيها ما يتعارض مع التحول نحو الاشتراكية، فالاسلام كدين لم يصدر عنه نظام اقتصادي بعينه. قضية الربا قضية دعائية بالأساس لجذب المدخرات نحو القطاع البنكي الإسلامي ووضعه في موقع تحل فيه محل البنوك التقليدية، هي دعاية مثل قولهم “شيخ المصارف”. المهم أن الفئات الرأسمالية الصاعدة وجدت في رأس المال الخليجي مصدرا جديدا للتمويل جعلها في موقع المنافس الشرس للبرجوازية التجارية والزراعية المرتبطة بالقيادات الطائفية والتي كان لها الموقع المتقدم في السوق حتى أزاحتها بالكلية. كما ترى اليوم، أبناء الصادق المهدي يستثمرون في سوق الليموزين وبعض آل المهدي الأقل حظا استأجروا أجزاء من حيشانهم الواسعة في الملازمين مطاعم، أي هبطوا في السلم الطبقي من مواقعهم الأولى في صدر البرجوازية السودانية إلى التواضع الحالي، بينما اختار التاجر الشاطر بينهم، مبارك الفاضل المهدي، منذ فترة طويلة البحث عن حل ما مع الانقاذ يتيح له ومواليه العودة إلى السوق فتكس ورجع. لم يتأخر تجار الاتحادي ورجال أعماله عن ذات السنة. عبروا من مواقع المعارضة إلى حلف البشير فصيلا تلو الأخر حتى “الأصل” بقيادة الميرغنية.
س. هل يعني هذا أن المؤتمر الوطني نجح في قيادة البرجوازية السودانية؟
عبر الرئيس البشير عن طموحاته في هذا الصدد بوضوح شديد حين اقترح قبل عامين اندماج حزبي الأمة والاتحادي مع المؤتمر الوطني في حزب واحد تحت مسمى “مؤتمر الأمة الاتحادي”. المعنى هنا أن المؤتمر الوطني تحققت له بدرجة كبيرة قيادة البرجوازية السودانية ويسعى لتكتمل له قيادتها السياسية بضم الفئات التي ما زالت تحتفظ بصوت سياسي مستقل عنه. تتكرر هذه المساعي بصيغ عديدة، كتحالف أهل القبلة وكذلك حوار الوثبة وحديث رجالات المؤتمر الوطني المتكرر عن ضرورة التوافق على ثوابت “وطنية” تصون الدولة مهما تغيرت الحكومات. مما سبق يبدو واضحا من هي القوى ذات المصلحة الموضوعية في تحول ثوري، وليس انتقال ديمقراطي وكفى الله المؤمنين شر القتال. في الواقع، يسعى حتى الاسلاميون، وطني وشعبي وسلام عادل والاصلاح الآن، إلى صيغة من التحول الديمقراطي مأمون العواقب يحفظ المصالح طويلة المدى للقوى الاجتماعية التي تحقق لها التمكين منذ إنشاء بنك فيصل في ١٩٧٧.
س. هل تبخس التحول الديمقراطي؟
لا أقصد بهذا التمييز تبخيس التحول الديمقراطي كهدف مباشر لكن تكررت علينا التجربة في ١٩٦٤ وفي ١٩٨٥ بهزيمة الديكتاتورية ثم عودتها دون نظر في القوى الاجتماعية التي تفرخ هذه الديكتاتوريات كقانون للثورة المضادة إذا جاز التعبير. عبر مسطول عن علاقات القوى السائدة بأمنية معقدة، قال يريد أن يعيش في “عالم زين”، هذا العالم الجميل زاهي الألوان الذي يطل عليه عبر الدعاية من خلال شاشة التلفزيون لكن لا يجد إليه سبيلا. هذا في رأيي خط الصراع الاجتماعي في بلادنا، بين ساكني عالم زين وبين الذين انسدت أبوابه أمامهم. هؤلاء هو أصحاب المصلحة الأولى في الإطاحة بعلاقات السيطرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإعادة تركيبها بما يجعل للتحول الديمقراطي محتوى يتجاوز انتقال السلطة بين فئات متنافسة تشترك في الواقع في مصالحها الطبقية وليس في امكانها حتى تخيل مناهج لإدارة موارد البلاد وتوزيع ثرواتها وانتاجها خارج الصندوق الرأسمالي.
س. كيف تشخص أزمة البلاد الحالية؟
عند تشخيص أزمة بلادنا المركبة تتردد مقولات المركز والهامش وصراع الهوية وهي صحيحة لا شك لكنها لا تصف العلة، فتاريخ بلادنا الحديث هو في صورة من الصور قصة الاختراق الرأسمالي لمجتمعات انخرطت تدريجا في السوق الرأسمالي العالمي. لك أن تفكر في هذه التاريخ مثلا عبر بوابة “الكبانية”، جنس الشركات الخرطومية في القرن التاسع عشر التي كانت تدير تجارة الرقيق من مسارح الاسترقاق في جبال النوبة والنيل الأزرق وجنوب السودان إلى السوق الداخلي ثم سوق الصادر. ثم أنظر في تحولات “الكبانية” هذه عبر العصور يتغير مصدر التمويل وتتغير السلع، في الغالب مواد خام، لكن ظل جوهرها ساكن، ممول أجنبي يجني القسط الأكبر من الأرباح، وكيل محلي بما في ذلك السلطة الحكومية يجني القسط الأقل من الأرباح لكن يسيطر بفضل هذه العلاقة مع رأس المال الدولي على السوق الداخلي وعلى وسائل النقل ومنافذ التصدير كما يفرض بفضل السلاح الوارد إليه من مراكز القوة الأجنبية سيطرته على الأرض والموارد، مادية وبشرية، أو على الأقل يحاول فرض هذه السيطرة. تعمل “الكبانية” وفق أولويات الاستثمار التي يحددها السوق العالمي وليس وفق أولويات وطنية لتطوير قوى ووسائل وعلاقات الانتاج ونمو سوق محلي، ولا يعنيها في كثير أوقليل الخراب البشري والاجتماعي الذي تحمل معها أينما حلت. إذا اعتبرت في تاريخ الكبانية هذا، على سبيل المثال كبانيات الخرطوم المتخصصة في الرقيق في القرن الثامن عشر، شركة السودان الزراعية بتمويل بريطاني أول القرن العشرين، مشاريع الزراعة الآلية بتمويل سخي من البنك الدولي، بنك فيصل وأخوانه، كونسورتيوم النيل للبترول وأخوانه بشراكة صينية ماليزية هندية، الشركات الخليجية والتركية والصينية التي أخذت مؤخرا تستولى على الأراضي الزراعية في أقاليم البلاد المختلفة، قائمة الشركات الطويلة التي تنشط في تعدين الذهب، اكتشفت ربما حبلا من مسد يصل فصول تاريخ بلادنا الدموي بعضها ببعض. قوام هذا التاريخ الرئيس الاختراق الرأسمالي بوسيلة “الكبانية” والعلاقات السياسية والاجتماعية التي نجمت عن ذلك بين مركز السلطة، أي وكلاء الكبانية وأولهم السلطة الحاكمة، والمجتمعات صاحبة الموارد التي كانت هدفا للاستغلال الرأسمالي.
س. لماذا فشلت المعارضة طوال الـ27 سنة الماضية من إحداث التغير او بصيغة اخري لماذا لم تهزم حكومة المؤتمر الوطني؟
القوى المعارضة للانقاذ متعددة اللافتات لكنها بالقياس السابق قوى تمثل فئات من البرجوازية السودانية فقدت موقع القيادة الطبقية بتدهور الأساس المادي لسيطرتها، أي القيادات الطائفية، وهذه أصبح من الصعب جدا أن تستعيد هذا الموقع أو كما قالت فاطمة أحمد ابراهيم “ما بتشمها تاني قدحة”. ثم قوى المقاومة المسلحة في الريف، وهذه على عدالة قضيتها عاجزة حتى الآن ايديولوجيا أن تكتشف قانونا دخليا يوحد خط الصراع الاجتماعي كما نصح المسطول كما أن منظور قياداتها محدود بقضايا الاضطهاد القومي في كل اقليم حربي، دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، بما لا يتجاوز مطلوبات التجنيد للقتال. الأهم أن هذه القوى مثلها والجيش الشعبي لتحرير السودان غلب عليها منطق العسكرة دون السياسة فنجحت في تجنيد المقاتلين لكن فشلت أيما فشل في فض علاقات الاضطهاد في المجتمعات التي تنشط وسطها فلم تقدم محتوى تقدميا للتحرير المنشود. قارن مثلا محصلة التحرير في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحركة الشعبية شمال في جنوب كردفان أو في المناطق التي كانت تحت سيطرة حركة عبد الواحد أو حركة العدل والمساواة في دارفور بما استطاعت حركة تحرير شعب التقراي وحلفاؤها من تحقيقه في مناطق نفوذها قبل انتصارها على نظام الدرك في اثيوبيا أو ما استطاعت مؤخرا حركة التحرر الكردية من تحقيقه في روجافا شمال سورية فيما يخص قضية المرأة.
س. تعني أن الحركة الشعبية نجحت عسكريا نسبيا لكنها فشلت في بقية الجوانب الأخرى في المناطق المحررة؟
مثلها والجيش الشعبي في جنوب السودان كان جل اهتمام الحركات المسلحة تجنيد المقاتلين، طوعا وقسرا ولم تهتم إلا هامشيا بموارد الثورة سوى القتال في مجتمعاتها. في هذا الخصوص، تساءل المرحوم محمد ابراهيم نقد في كلمة بمناسبة الميلاد الثاني لاتحاد الكتاب السودانيين عن الموقع الذي تحتله قضية اللغات المحلية عند الفصائل المسلحة، هل اجتهدت بأي قدر في رعايتها وتطويرها أو التوسل بها للتعليم مثلا؟ في جبال النوبة، فضلت الحركة الشعبية أن تستبدل العربية باللغة الانجليزية كلغة تعليم مدرسي ولم تشغل نفسها كثيرا بتحرير لغات النوبة، فما التحرر القومي إذن؟ بالرغم من كل ذلك تظل مساهمة الحركات المسلحة الأولى أنها فرضت أسئلة جديدة على الطبقة السياسية لا يمكن بأى حال تجاوزها، أسئلة العلاقة بين مركز السلطة والأقاليم وقضايا القوميات وتوزيع الثروة القومية، وجميعها كانت غائبة عن النخب الحاكمة حتى عهد قريب، النخب التي صرخ في وجهها المرحوم حسن الطاهر زروق في برلمان الاستقلال بقضايا العدالة الاجتماعية فردت عليه بنقطة نظام. بهذا المعنى، لم يعد من الممكن تصور تحول سياسي يكنس هذه القضايا بعيدا عن الأنظار كما حدث بعد ثورة أكتوبر وانتفاضة مارس/أبريل ولا يمكن تصور عقد سياسي جديد يعيد تكوين مركز السلطة دون أن يفرد موقعا للقوى الاقليمية. بل إن أحد إسرار نجاح المؤتمر الوطني في البقاء هو ما حققه من توسع في الطبقة الحاكمة بادراج الطامحين من الأقاليم المهمشة في هياكله وفي تركيب السلطة متى ضمن ولاءهم. قال الطيب حسن بدوي، وزير الثقافة الاتحادي وابن جبال النوبة، في لقاء إعلامي بعد تعيينه أنه لو ظل على ولاء أهله لحزب الأمة لما أدرك من أمره شيئا فالنفوذ في حزب الأمة يحسب بالنطفة والعلقة بينما أتاح له المؤتمر الوطني الصعود السياسي. العبرة هنا أن المكتب السياسي لحزب الأمة صار تحت سيطرة الإمام الصادق المهدي هيئة عائلية لذريته وأزواجهم وقليل من أهل الثقة ولا يمكن تصور أن ينال الطيب فيه موقعا بأخوي وأخوك مهما بلغت مهارته بينما فتح المؤتمر الوطني سلم الصعود حتى الميس المعلوم للراغبين الموالين وفي ذلك يتنافس المتنافسون. قال الطيب في لقاء آخر أنه يرى نفسه امتداد للشهيدين مكي علي بلايل وعيسى ضيف الله. إن كان من أفق للمعارضة القائمة فهو يبدأ بفهم ما الذي وجده مكي وعيسى والطيب في الحركة الاسلامية ففاق عندهم ميزانا مر المظلمة القومية ولا بد ذاقوا منها ما ذاقوا كما فعل المرحوم يوسف كوة.
س. كيف تنظر لدعوات الشباب مؤخراً للعصيان المدني ومامدى فاعليته واسهامه في التغيير؟
بتشاؤم الفكر وتفاؤل الإرادة. بطبيعة الحال يصعب الحديث عن الشباب ككتلة سياسية واحدة فهم فئة عمرية تتوزع ولاءاتهم كغيرهم من الفئات العمرية. لا تنس أن الشباب هم أيضا من يقاتلون على الجبهات في كل جانب، في قوات الدعم السريع وفي الجيش الشعبي (شمال). بالتالي لا تستقيم هذه المناقشة بغير ضبط المقصود، في هذه الحالة فئات واسعة من الشباب الحضري التواقين إلى نظام سياسي يعبر عن طموحاتهم، وقد ابتكروا بوسائل التوصل الاجتماعي أنماطا من الدعاية وأساليب الحشد جربوا فاعليتها بدعوتي العصيان في نوفمبر وديسمبر من العام الماضي. بذلك أضافوا إلى علبة أدوات الاحتجاج وسيلة جديدة. المهم أنهم بذلك جذبوا إلى ساحة العمل السياسي فئات كانت غائبة عنها، بل عفت سياسة الأحزاب المستقرة بالمرة وفضلت عليها مشاغل مستقلة كمثل ما فعل “الحواتة” وشباب شارع الحوادث. العبرة أن الشغف بالعمل العام والخدمة الاجتماعية ما زال حيا لم تكتمه المحاولات المستمرة للتدجين في قوالب ثابتة ولن يعدم كل من حدثته نفسه بالنضال وسيلة إلى ذلك.
س. هؤلاء الشباب خارج الأطر التنظيمية هل هذا يعني ان القوى السياسية عجزت عن احتواء هذه الطاقات؟
نعم، لم تعجز فقط، بل تتخوف من هذه الطاقات وترتعد مما يمكن أن تحدثه في البنى الحزبية من تغييرات. تريد الأحزاب أن يأتيها المنتسبين خاضعين موالين لا مبتكرين مجددين. تريد منهم الرضى بالقسمة إذا جازت العبارة، وحتى هذه تتناقص كما تشهد بذلك مصاعب الحزب الشيوعي مع المناضلين الشباب الذين تجذبهم شعاراته ويلهمهم تاريخه ومتى ما اجتهدوا في اجتراح ما يتلاءم مع تجربتهم السياسية صدهم بحملات التأديب ولفظهم بدعوى الحفاظ على جسد الحزب، أي تمائم المحفوظات الحزبية كأن الحزب أيقونه لا يلحقها الزمان والمكان. قارن ذلك بفورة النشاط في حزب المؤتمر السوداني الذي أتاح للراغبين من شبابه فرص التجريب والخطأ والصواب فنهض ليصبح حزبا حيا يمشي بين الناس وليس فقط مكتبا سياسيا يصدر البيانات عند اللزوم. في هذا الخصوص يجب الانتباه إلى مسارعة الأحزاب والحركات المسلحة لحصاد فوائد النشاط المدني على مصاعبه. أصدر ياسر عرمان سيلا من الرسائل التعليمية إلي أصحاب دعوة العصيان المدني أيا كانوا في استعجال مقلق خوفا من أن يفوته اسقاط النظام أيان ميقاته فدعى إلى خلق مركز موحد للمعارضة، وهي دعوة ملتبسة لحركة سياسية ترى النشاط المدني حلقة ثانوية لعملها العسكري. فوق ذلك، وجه ياسر رسائل أكثر خطورة إلى ضباط الجيش يطلب منهم بلفظ مستتر اهتبال الفرصة والانقلاب على النظام فعاد من سكة ثورة أبطالها المظلومين المهمشين إلى سكة الانقلاب البرجوازي الصغير كأن لم يك شيئا، وهزم بذلك العصيان المدني قبل أن ينجح حتى. الحقيقة، حتى ياسر ربما يخشى الثورة التي يدعو لها فقد تأتي بقوى يجهلها وقيادات لا يعرف لها اسما وميزة كأصحاب دعوة العصيان المدني وأبطال سبتمبر ٢٠١٣ وتسحب من تحت أرجله البساط وقد استقر له بالحرب والتفاوض موقعا في الطبقة السياسية السائدة. صوب الواثق كمير زميله ياسر في رسالة قصيرة يطلب فيها من قيادة الحركة الشعبية شمال أن تعمل بما تنصح به وتوجه قدراتها إلى النشاط المدني بين الجماهير بدلا عن انتظار معادلة مفاوضات حربية ترسم حدودها في المقام الأول التوازنات الاقليمية ومصالح القوى العظمى مع حكومة السودان. ختم الواثق رسالته القصيرة ببلاغة موحيه فكتب لقراءه “والله أعلم”. أليس هذا هو الارهاق الخلاق الذي نصح عبد الله علي ابراهيم بالاعتراف به؟
س. يقارن منتسبو النظام الحاكم الدعوة للتغيير بالأوضاع التي آلت اليها بعض بلدان المنطقة كسوريا واليمن وليبيا هل تعتقد في حال حدوث تغيير يمكن أن تتحول أوضاع البلاد لهذا النموذج؟ولماذا؟
هذا ادعاء القصد منه بث الذعر في النفوس وتعميق الهوة بين حضر البلاد الذي لم تغشاه الآثار المباشرة للصراع المسلح والمجتمعات التي ظلت تزرح تحت نيران القتال منذ عقود وأوضاعها لا تختلف نوعيا عن أمثلة ليبيا واليمن. فعالية هذا الادعاء انه يعكس في جانب منه الانقسام الطبقي في البلاد كما شرحه المسطول بين “عالم زين” والعوالم غير الزين خارجه فالنظام يقول بذلك أن حشودا فوضوية ستطيح بهذا العالم الجميل ومصالح قاطنيه متى انفتحت أبواب التغيير السياسي. الرد على ذلك اللهم آمين. النظام يسوق نفسه كمدافع عن مصالح الطبقات الاجتماعية العليا في وجه الذين لا يملكون ما يخسرونه، ويجتهد في ابتكار التكتيكات لتعميق الانقسامات العرقية والقبلية التي تحول دون توحد قوى مضادة له من جمهور الخاسرين خارج عالم زين وبالمقابل توحيد وتوسيع قاعدته الاجتماعية بالدعاية القومية. انظر مثلا كيف أعاد في دعايته تدوير شعارات وسيرة الحركة الوطنية لتصب في تصوير السودان الذي يريد. تشاهد في الاعلام مثلا سيرة للعطبراوي خالية من أي شبهة تخريب ثوري عمالي، عطبرة فيها خلفية سياحية من الزمن الجميل وليس مستودع لتجارب ثورية رائدة، وتشاهد تخريجات مصورة للأغاني الوطنية على طريقة روتانا سينما لا مكان فيها للصراع الاجتماعي تأكيدها على الوحدة القومية وتقرأ أبيات محجوب شريف الملهمة على لافتات دعاية المؤتمر الوطني ترافق صورة الرئيس البشير.. حنبنيه والذي منه. رد الناس على مثل هذا التشويه الدعائي بسيل السخرية من النظام ورموزه الذي أصبح مادة يومية للتسلية في وسائل التواصل الاجتماعي ربما أضحك اللاذع منه حتى الرئيس البشير نفسه الذي أصبح عند شباب الأمن مجرد “عمك”.
س. كيف يمكن أن يحدث التغيير؟
كما تحدث الولادة، بعد حمل طويل.
س. بات الكثير من الشباب يضع الحكومة والمعارضة في خانة واحدة في رأيك لماذا هذا الادعاء وهل له مبرراته؟
نعم، له مبرراته فالمعارضة في غالبها تدعو الشباب إلي الماضي، تدعوهم إلي “زمن جميل” قبل ١٩٨٩ لم يشهدوه، وتكرر على أسماعهم صباح مساء ما هم فيه من بلاء، فتعليمهم عند المعارضة أي كلام وووعيهم ملتبس ونواياهم غير مضمونة بما أنهم جيل المشروع الحضاري. إذا كان للمعارضة الرسمية من رسالة فلا يمكن لوم مستقبلي الرسالة على عدم وصولها أو فشلها. لا يستقيم أن تصد الأحزاب قنواتها أمام المناضلين الشباب وتنتظر منهم في ذات الوقت أن يتقدموا للفداء من أجل استعادة ماض لم يعرفوه. تكرر المعارضة منذ انقلاب ١٩٨٩ حرفيا عبارة “استعادة الديمقراطية” كأن الديمقراطية القادمة هي ما عهدت القيادات الحزبية في ماضي سيرتها وليس ديمقراطية جديدة يشق طريقها مناضلو اليوم ويضعون لها اللبنات كما يناسب تغير الحوادث. نظر المعارضة مشدود إلي الخلف ونظر القوى الصاعدة مشدود إلى الأمام وبين الإثنين ما قال غرامشي أنه الأزمة الثورية، ماض لا يقو على الموت ومستقبل لم يولد بعد وفيها ترون الفظائع أو كما قال.
س. قال رئيس حزب الاصلاح الآن غازي صلاح الدين أن السؤال عن من هو البديل سؤال وقح كيف تنظر للامر؟
لم أقرأ سياق عبارة غازي ولذا لن أعلق عليها. لكن الواقع أنه سؤال يتردد منذ وقت طويل. نصح المرحوم التجاني الطيب في كلمة مهمة خلال عمله في قيادة التجمع الوطني الديمقراطي بإجابة شافية على سؤال ماذا هو البديل، أي ما المشروع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تبشر به المعارضة ليحل محل الانقاذ وأى سكة تدعو إليها الناس. الوقاحة أن تكون الإجابة هي ذات سكة التطور الرأسمالي، سكة الكبانية التي أوردتنا هذه الموارد، فما سكة غازي؟
س. كيف تنظر للذين يطرحون الاشتراكية في خضم واقع عالمي واقليمي رأسمالي؟
ما لم تقله في سؤالك أنه واقع عالمي واقليمي متأزم. أثبتت الرأسمالية قدرتها على التوسع والتجدد بينما انهارت التجارب الاشتراكية على النمط السوفييتي. هذه حقائق التاريخ. من ناحية أخرى ثبت أن علاقات الانتاج الرأسمالية على نجاعتها في تتفجر بالتناقضات.طرح المفكر السلوفييني سلافو جيجيك كأمثلة على ذلك ثلاثة قضايا حاسمة لا يمكن حلها في سياق الملكية الفردية وعلاقات الانتاج الرأسمالية وتتطلب في واقع الأمر حلا شيوعيا أمميا إذا جازت العبارة. الأولى قضية التدهور البيئي التي تهدد الكوكب بأجمله. في بلادنا كانت احدى انعكاسات هذه القضية تزايد حدة الجفاف والتصحر في حزام السافنا ما أفضى إلى سلسلة الصراعات المميتة حول الأرض بين المزارعين والرعاة. هذه قضية لا يمكن حلها بأي حال وفق علاقات الملكية الفردية للأرض وتتطلب كما ذكرت حلا اشتراكيا. الثانية قضية الملكية الفكرية بما في ذلك للمكتشفات الطبية والأدوية المستحدثة، وهي مكتسبات بشرية إن تركت نهبا للاستثمار الرأسمالي كانت النتيجة الانتشار غير المسبوق للاوبئة. استطاعات معاهد بحوث في الهند وجنوب افريقيا على سبيل المثال كسر حواجز الملكية الفكرية التي تفرضها الشركات الأوروبية والأميركية على مثل هذه المكتسبات العامة للبشرية التي لا يعقل حصرها بعلاقات ملكية فردية لتحقيق أرباح طائلة. الثالثة الثورة العلمية في مجال البيولوجيا الحيوية، حيث تنشد شركات ومؤسسات أميركية وأوروبية فرض الملكية الفردية على المكتشفات الجينية بينما المادة الوراثية للبشرية ملك للبشرية كلها ولا يعقل على الاطلاق تصور أن تملك شركة في كاليفورنيا حقوق الطبع لجينات يحملها كل البشر، عضو الكونغرس الأميركي والطفل الذي يدفع ترتارا غرب الحارات سيان. أضف إلى هذه القضايا على سبيل المثال قضية الهجرة التي تؤرق اليوم الحكومات الأوروبية وهي في جانب منها نتيجة للموجة المعاصرة من الاختراق الرأسمالي وشهرتها الليبرالية الجديدة. فرض التطور التكنولوجي في ظل علاقات الانتاج الرأسمالية تمركزا شديدا للنشاط الانتاجي ليترسخ الانقسام بين القوى الثمانية الكبرى التي اجتمعت فيها منجزات الثورة العلمية التكنولوجية وقوى العمل والإنتاج والخدمات المتصلة بها وبين بقية العالم. صارت وفق هذا الانقسام الكتلة البشرية خارج هذه الدول الثمانية وكذلك من لفظتهم علاقات الإنتاج في داخلها فائض من الحياة لا ضرورة اقتصادية لوجوده. بذلك صار إنسان طويلة أو الرقة أو بور أو كابول خارج دائرة الاستغلال المباشر إذا لا جدوى اقتصادية من عمله ولا ضرورة للاستثمار في حياته أقصى ما يمكن أن يبلغه أن يتحول إلى رقم في سجلات اللاجئين والنازحين التي ترعاها الأمم المتحدة نيابة عن العالم “الحر”. بعبارة روزا لوكسمبرغ العالم بين خيارين إما الاشتراكية أو البربرية، نحن في البربرية.
س. هنالك مأزق حقيقي في حال ذهاب هذه الحكومة، فكيف يتم التعامل معها. هل يتم عن طريق التسامح كالنموذج الجنوب افريقي أم عن طريق المحاسبة العادلة؟
ليس هنالك مأزق على الاطلاق.. الطريقة التي ستذهب بها الحكومة ستجيب على سؤالك. لم يتنظر من قاتلوا القذافي أن يصلوا به قاعة المحكمة واقتصوا منه على طريقتهم. عامل الجيش المصري حسني مبارك كبطل مظلوم حبسه في سرير مستشفى حتى اكتملت الثورة المضادة وعاد علي عبد الله صالح إلى واجهة الأحداث بفضل الحرب السعودية على اليمن.
س. كيف يعود الجيش إلى ثكناته مرة أخرى في ظل الواقع السياسي المتخلف الآن نتيجة لكثرة المليشيات المسلحة في الحكم والمعارضة والتدفق الهائل للسلاح لدى المواطنين في مناطق الهامش؟
الجيش هو المسؤول الأول عن هذا الواقع المتخلف بعبارتك منذ أن اتبع سنة الحرب بالوكالة، وهو اليوم صاحب القدرة القتالية الأعلى صحيح لكنه غير قادر على بسط سيطرته على السلاح وربما إيضا غير راغب. حجة التهديد الأمني هي عين حجة الجيش في مد نفوذه السياسي وقد جاء الوقت بعد عقود من الحرب الأهلية في بلادنا لطرح الأسئلة الصحيحة عن الجيش وموقعه من السياسة. الطريف أن معارضين عظام يظلون رغم هذه التجربة الطويلة على عقيدتهم في طريق الجيش القصير فتراهم يرددون في كل واقعة احتجاج اللهم انقلاب اللهم انقلاب.. كأن انقلاب أحمد الذي ينتظرون سيأتي بالرايحه على عكس انقلاب حاج أحمد الذي يمقتون، وكما قال الواثق “الله أعلم”.
Friday, 30 September 2016
عند خارطة الطريق: أي الطريقين أرشد؟
تورطت فصائل قوى الاجماع الوطني بحماس شديد في منازعة حول الموقف من خارطة الطريق الافريقية حتى انقسمت فرقتين: الرافضة الذين يرون في خارطة الطريق خيانة ليس بعدها، فهي عين “الهبوط الناعم” سئ الذكر ومما لا يليق بقوى ثورية تريد الاطاحة بنظام المؤتمر الوطني عبر الانتفاضة الشعبية، والمؤتلفة مع قوى نداء السودان، المحاربة منها والمسالمة، التى أقرت خارطة الطريق بعد تردد وتنتظر أن تخرج من جولات التفاوض في أديس أبابا بما يخدم هدف التغيير السياسي في البلاد. تبادل الطرفان الاتهامات خاصة بعد أن أصدر روافض الاجماع الوطني قرارا بتجميد عضوية كل من قبل بخارطة الطريق، أي المؤتمر السوداني ومن في صفه. بل اتهمت قوى الاجماع بالداخل، أي المؤتمر السوداني والأمة القومي ومن في صفهما، قوى عروبية في الاجماع، أي البعث العربي الاشتراكي، بتفكيك المعارضة لهواجس عندها تجاه المجتمع الدولي زاد من حدتها انهيار شموليات البعث في الجوار العربي. عبرت قوى نداء السودان بالداخل عن أسفها على حال الحزب الشيوعي الذي انجر كما قالت إلى مناصرة “طواحين الهواء” في البعث العربي الاشتراكي حيث انعقد حلف غير معلن بين الشيوعي والبعث العربي الاشتراكي بعد صعود الخطيب إلى قيادة الأول، استقر وتعزز بما حقق الخطيب وكتلته في مؤتمر الحزب السادس، ثم أعلنت آخر الأمر اعتزالها حلف الاجماع الوطني بالكلية. قالت الحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) من جانبها أنها صدمت من قرارات روافض الاجماع وزادت أن مجهوداتها ومجهودات القوى الوطنية في توحيد المعارضة اصطدمت بتيار ايديولوجي معاد لقضايا التنوع والهامش يقوده حزب البعث العربي الاشتراكي لرئيسه علي الريح السنهوري الذي يتوارى في زعمها خلف ستار شعارات اسقاط النظام ومعاداة الامبريالية.
يمكن بيسر السخرية من الطرفين فنزاعهما على سمن سيأتي من لبن ليس لديهما إلى بقرته سبيل، لكن لا تنفع السخرية لوحدها في تقصي عظمة هذا النزاع على هزليته. بل ربما ساعد هذا النزاع على كشف دروب جديدة للتحرر لا تمر بنادي الصفوة السياسية، دروب تصل السياسة بمصالح الناس وفيها يلتقون لا على معارضة الانقاذ وكفى، بعون المجتمع الدولي أو برغمه، وإنما على الحياة المشتركة والنهضة الوطنية. من أعاد قراءة الفقرة أعلاه وجد منتهى الملاواة بين الطرفين حول الموقف من خارطة الطريق بعد أن اصبحت واقعا وانعقدت على أساسها جولة التفاوض السابقة في أديس أبابا في مساريها بين الحكومة والحركة الشعبية والحكومة وحركتي العدل والمساواة وتحرير السودان (مناوي). احتج البعث والشيوعي قبل ذلك على خارطة الطريق ورفضا التوقيع عليها بإسم قوى الاجماع لكن انهزمت خطوتهما بخروج المؤتمر السوداني على حلف الإثنين ومشاركته في اجتماعات نداء السودان التي انتهت إلى التوقيع على الخارطة، ثم انهزمت مرة أخرى بتواصل التفاوض بين الحكومة والقوى المسلحة على أساس خارطة الطريق. بذلك، أصبح احتجاج البعث والشيوعي الحالي على خارطة الطريق، وقرارهما تجميد عضوية كل من قبل بها من قوى الاجماع، قرارا غير ذي موضوع، فلا البعث ولا الشيوعي مناط بهما التفاوض مع الحكومة ولا بيدهما حيلة مباشرة في الصراع العسكري في المنطقتين، جنوب كردفان والنيل الأزرق، ودارفور، وليس لهما أن يقررا في مواضيع التفاوض أو منتهاه نيابة عن القوى المسلحة. بذلك فإن اصرار البعث والشيوعي على خارطة الطريق كموضوع للاحتجاج يدخل الإثنين في تناقض المطالبة بالحل السلمي التفاوضي للنزاعات المسلحة في البلاد، كما تقول بذلك أدبيات الاجماع، ومعارضة الحل السلمي برفضهما الأساس الذي يقوم عليه التفاوض في واقع الحال. قد لا يستغرب هذا الموقف من حزب حربي الطباع كالبعث العربي الاشتراكي لكنه مستغرب من الحزب الشيوعي الذي رعى شعار الحل السلمي الديمقراطي للنزاعات المسلحة ذات الأساس القومي منذ خمسينات القرن الماضي وبشر بالحكم الذاتي وتقرير المصير دون تلكؤ وقت كانت دعوته التقدمية نشازا على لحن “أمة أصلها في العرب”.
تشغل البعث والشيوعي البنود التي تتصل بالحوار الوطني، والتي تعترف بحوار الوثبة كبداية لعملية “الحوار الوطني السوداني” في عبارة الخارطة لكن تصفه بأنه لم يشمل جميع الأطراف، وتذكر تحديدا الأطراف الموقعة على الخارطة، كما تدعو لجنة ٧+٧ إلى اجتماع يلتئم في أديس أبابا مع فصائل خارطة الطريق للبحث في الخطوات اللازمة لتحقيق شمولية الحوار. انزعج البعث والشيوعي أيما انزعاج من ذكر حوار الوثبة في أي صيغة كانت بحجة أن خارطة الطريق تمهد لأن يلج الجميع قاعة الصداقة صاغرين، ومن ثم يفتح الباب واسعا لتحقيق خطة “الهبوط الناعم” المزعومة. وردت عبارة “الهبوط الناعم” هذه أول ما وردت على لسان المبعوث الصيني الخاص إلى دارفور، ليو غويجين،في اكتوبر ٢٠٠٨. وقتها، دعى المسؤول الصيني بعد سلسلة محادثات في باريس ولندن وواشنطن إلى “هبوط ناعم” يحول دون اصدار أمر إدانة ضد الرئيس عمر البشير من قبل المحكمة الجنائية الدولية. قفزت العبارة مرة أخرى إلى السطح في الفترة التي سبقت انتخابات ٢٠١٠. عبر مسؤولون في البيت الأبيض وقتها عن ضرورة تأمين “هبوط ناعم” للرئيس البشير والسودان الشمالي يحول دون أن تعرقل الخرطوم الاستفتاء المنتظر على مصير جنوب السودان. تكررت العبارة بذات المعنى على ألسن قادة كبار في الحركة الشعبية لتحرير السودان حينها أبرزهم ربما لوكا بيونق دينق، لكن لم تكتسب رنينها الحالي إلا بعد أن ضمتها مقدمة تقرير لمجموعة الأزمات الدولية صدر في مارس ٢٠١٥ حول مآلات الحوار الوطني. قالت مقدمة التقرير: “تتضاءل فرص نجاح الحوار الوطني الشامل الذى دعى إليه الرئيس البشير في يناير ٢٠١٤، ما يثير مزيدا من الشكوك في امكانية هبوط ناعم ينهي أزمات السودان. بذلك تأكدت مخاوف من حذروا من أن الحزب الحاكم غير راغب وغير قادر على القيام بالتنازلات المطلوبة”.
اقترح التقرير الذي سبق الانتخابات العامة في أبريل ٢٠١٥ جملة خطوات قال أنها يمكن أن تعزز فرص نجاح الحوار اختصارها الضغط على الحكومة والمعارضة للمشاركة في اجتماع تحضيري للحوار الوطني تشغل فيه لجنة أمبيكي دور الوسيط؛ تشجيع المعارضة والقوى المدنية الأخرى على صياغة موقف موحد بتيسير من دولة ثالثة محل ثقة الأطراف (المبادرة التي ترعاها ألمانيا)؛ دفع الحكومة والمعارضة إلى التعاطي الايجابي مع استراتيجية لجنة أمبيكي الداعية إلى عملية تفاوضية متوازية ذات مسارين، المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) ودارفور؛ اقناع الصين بتوجيه استثماراتها في السودان لمخاطبة عدم المساواة الاقليمية التي تغذي الحروب. إن كانت هذه تقنيات الهبوط الناعم وقد تضاءلت فرصه فقد فصلت مجموعة الأزمات الدولية في تقرير نشرته في نوفمبر ٢٠١٢ بعنوان “السودان: اصلاح عميق أم مزيد من الحرب” رؤية للتحول السياسي في السودان لم ترد فيهاعبارة “هبوط ناعم” لكنها تعتبر القاعدة التي قامت عليها اقتراحاتها التالية. استعرض تقرير نوفمبر ٢٠١٢ توازن القوى آنذاك بين الحكومة والمعارضة، المسلحة التي اجتمعت في الجبهة الثورية والسلمية الحزبية، وخلص إلى أن ميزان القوى لا يسمح لأي من الأطراف بتحقيق مطالبه القصوى، ومن ثم زكى تسوية ما بصيغة تحقق تحول سياسي مقبول وتحول دون انتشار الحرب. في هذا السبيل اقترح التقرير على حكومة السودان أن تدعو المؤتمر الوطني الحاكم والقوى المعارضة إلى صيغة حكم مؤقتة بمواقيت محددة وعلى أساس مبادئ متفق عليها بهدف الوصول إلي وقف شامل لاطلاق النار وايصال المساعدات الانسانية إلي مناطق النزاعات إلي جانب صياغة خارطة طريق تنتهي بالوصول إلي سلام شامل؛ اطلاق عملية سياسية تجمع قوى المعارضة المسلحة والمدنية بهدف الاتفاق على نظام للحكم ينهي الصراعات المسلحة في البلاد ويؤدي إلى صياغة دستور دائم للبلاد؛ تنفيذ جملة من الاصلاحات القانونية والقضائية من ضمنها تعيين قضاة مستقلين بما ذلك في المحاكم الخاصة، ضمان استقلال القضاء ومراجعة اجراءات التحقيق والنيابة وسلطات التوقيف الشرطية والأمنية؛ محاسبة القوى النظامية على انتهاكاتها للقانون الدولي الانساني؛ تعديل بنود القانون التي تؤمن الحصانات لأفراد الشرطة والأمن. اقترح التقرير على أعضاء الجبهة الثورية كبح مصالحهم الخاصة لصالح التوصل إلى رؤية سياسية مشتركة تشكل اطارا للتحول السياسي والعمل على توسعة القاعدة الشعبية للمعارضة والدعم الشعبي للتحول السياسي. من جهة أخرى اقترح تقرير نوفمبر ٢٠١٢ على حكومة جنوب السودان تشجيع الجبهة الثورية وقوى المعارضة السودانية الأخرى على ادراك أن تحولا حسن الادارة أجدى من خطة الانقلاب أو التحول السياسي العنيف بما قد يصاحبهما من فوضى.
وجهت مجموعة الأزمات الدولية اقتراحاتها الأهم إلى الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الافريقي والجامعة العربية، وهي الاقتراحات التي تشكل عقدة “الهبوط الناعم” إذا جاز التعبير: العمل على حل موحد وشامل لنزاعات السودان المتعددة؛ عرض جملة من المحفزات على الرئيس عمر البشير وصفوة الحكم في المؤتمر الوطني لتشكيل حكومة انتقالية ووضع السودان بحزم في سكة التحول السياسي من ضمنها المساعدة في استقرار الاقتصاد، رفع العقوبات، التسريع باستفادة السودان من مبادرة الدول الفقيرة الأعلى مديونية واجراءات أخرى لاعفاء السودان من الديون بشرط تحقيق واجبات خارطة طريق التحول السياسي وتحقيق تقدم في المحادثات مع جنوب السودان حول قضايا ما بعد الانفصال، توجيه طلب إلى مجلس الأمن باستغلال المادة ١٦ من نظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية لتأجيل اجراءات مقاضاة الرئيس البشير لمدة عام ذلك بشرط أن تتخذ الحكومة اجراءات ملموسة في اتجاه الانتقال السياسي ومتى ما ظهر أن طلب توقيف الرئيس البشير يمثل عقبة حقيقية تمنع الانتقال السياسي، هذا دون الزام المجلس بتجديد هذا التأجيل إن تراجع الرئيس البشير عن التزاماته؛ دعم عملية الانتقال السياسي من خلال التدريب وبناء القدرات بما يمكن من تكوين ونمو أحزاب قائمة على القضايا تمثل مهمشي السودان وتعبر عن مطالبهم بما في ذلك سكان المناطق النائية والشباب والنساء وفقراء الريف والحضر.
يبدو من قرائن الأحوال أن قوى الحكم اهتبلت الفرصة المعروضة عليها فخرج البشير في خطاب الوثبة بما يعتبر شكلا صيغة للحوار الوطني، يحفزها تحذير الغضب الشعبي في سبتمبر ٢٠١٣. جذبت هذه الصيغة أول الأمر القسط الأكبر من قوى المعارضة الحزبية بمشاركة حزب الأمة، لكن سارت الأمور على غير ما يشتهي الصادق المهدي إذ أصرت الحكومة على مقعد القيادة في الحوار الوطني وتلكأت خطواتها فيه تنتظر جزرة المجتمع الدولي التي لم تعدو حتى الآن حد “الضواقة”. أصرت الحكومة في رعشة ديمقراطية على مساواة المشاركين في الحوار، من في صفها كمعارضيها كأسنان المشط، كل من آنس في نفسه كفاءة الحزب استحق صوتا، فرفضت صيغة الصادق المهدي القائمة على أفضلية “الأحزاب التاريخية” وتجريد أحزاب “الفكة” في عبارته من مواقعها. تصديقا لمطلوبات “الهبوط الناعم” سئ الذكر ائتلفت أطراف الجبهة الثورية وحزب الأمة وأحزاب الاجماع الوطني وقوى المجتمع المدني تحت لواء نداء السودان، فهي أيضا لم تملك سوى مسايرة المجتمع الدولي في الذي طلب أملا في التغيير. إن استعدت الحكومة لاستحقاق الحوار بتوسيع ساحة المناورة عدمت المعارضة الحزبية السبل لتجنيد القوى الجماهيرية خلف مطالبها، فوقفت في سبتمبر ٢٠١٣ موقف المتفرج ثم ما لبثت أن استكانت كلية إلى الخطة التي يسبها البعث والشيوعي اليوم باعتبارها مؤامرة امبريالية، تدعو إلى الحوار وتأنف منه وتدعو إلى الانتفاضة الشعبية ثم “تنط” كما فعلت حين جاءها تلاميذ المدارس بقمصانهم الدموية.
لماذا يخاتل البعث والشيوعي الآن بالثورة، وقد كانا ضمن قوى الاجماع الوطني طرفا في نداء السودان وشاركا في اجتماعات برلين وباريس التي دارت في عمومها حول خطة الانتقال التي بشرت بها تقارير الأزمات الدولية والتقى ممثليهم ومنهم الخطيب، سكرتير الحزب الشيوعي، ولا بد بالوسطاء الدوليين الذين تركزت مهمتهم في تسويق هذه الخطة وتحفيز القوى السياسية على القبول بها وقد عدموا سواها؟ لماذا بدت لهم عيوب هذه الخطة فقط في منعرج خارطة الطريق الافريقية؟ ألم تكن هذه العيوب ظاهرة للعيان منذ اجتماعات برلين ومن قبلها؟ الجواب الأكثر تفاؤلا ما قال المرحوم عبد الخالق محجوب وهو يراقب القوى الوطنية المناهضة للاستعمار في متاهتها القاهرية، قال عدمت النظرية التي تقابل بها التحدي الاستعماري فلم تر فيه سوى المقابلة بين الأجنبي والوطني وما تبع ذلك من ظلال دينية عقدية أو قومية، وكذلك قوى المعارضة الحزبية اليوم، بما فيها البعث والشيوعي، تناكف المؤتمر الوطني بالغبينة والغيظ تنتظر منه أن يتداعى من تلقاء نفسه بتكاثر الخطوب والعلل أو يصحو من سكرته السلطوية ليفشي الديمقراطية هكذا صدقة وكفارة ويسلم السلطة لمن صبر أطول في انتظارها. جارى كل من البعث والشيوعي خطة “الهبوط الناعم” ثم تحولا عنها تقية، وهذا الجواب الأكثر تشاؤما، وقتما برزت الفوائد المستفادة من التشنيع بها في حسابات الصراع الحزبي الداخلي. يذكر أن قيادة الحزب الشيوعي الحالية اتهمت الشفيع خضر بتسويق “الهبوط الناعم”، وهو الذي فصل نقدا مقروءا لحيثياته ودعى إلى توطين المعارضة في القوى الجماهيرية وصياغة استراتيجية فعالة للتعامل مع المجتمع الدولي لا تنتهي عند ردود الأفعال، إما الإذعان أو الحردان، بل جعلت هذا الاتهام في مقدمة الأسباب التي سوقتها بين عضوية المؤتمر السادس للحزب لفصله. وقتها، أعلنت هذه القيادة الانتصار على “الهبوط الناعم” وجددت رفضها له مرة بعد أخرى بما في ذلك في خطاب سكرتير الحزب في جلسة المؤتمر العلنية، ذات الرجل الذي تولى مهمة تمثيل الحزب الشيوعي في اجتماع برلين “الناعم” وليس الشفيع.
ها هي ذات القيادة، وقد استقرت في حجر البعث العربي الاشتراكي، تفصل حلفاء الحد الأدنى في قوى الاجماع الوطني بدعوى مجاراتهم للخطة الدولية فماذا حققت؟ انفصلت هي عن غالب القوى المعارضة التي قبلت، بعد لأي أو بغيره، بخارطة الطريق الافريقية، قاعدة التفاوض الجاري، وعزلت نفسها عن الصراع السياسي في صيغته المرعية دبلوماسيا، ورب ضارة نافعة. يمثل هذا التفكك الهزلي لحلف المعارضة، الجبهة الثورية جبهتين، وقوى الاجماع الوطني اجماعين، فرصة لتجاوز تراكيب المعارضة الحالية وقد انقطعت بها السبل. لكن، لم يفتر الناس خارج عالم “زادنا” و”زين” من ابتكار مواعين وطرائق للتعبير عن مناهضتهم للجوهر الرأسمالي لنظام الحكم، تحت قيادة المؤتمر الوطني ورئيسه أو سواهم. كفانا المسطول في النكته السارية تعريف خط الصراع الاجتماعي حين سئل “عايز تعيش وين”، فرد قائلا “في عالم زادنا”، العالم الذي يراه على الشاشات، حلو عامر مبهج نظيف مرطب، وينظر حوله فلا يطيق إليه وصولا. ما قوى سبتمبر ٢٠١٣ التي نهضت للمقاومة وتلكأت الأحزاب إلا مقدمة باكرة للحلف الجماهيري الذي متى استقام وبرز التنظيم السياسي الذي يعبر عن مصالحه الطبقية بقادر على شد ميزان القوى لصالح “فقراء الريف والحضر” في عبارة تقرير مجموعة الأزمات الدولية الساهية. ظلت العقبة التي تلازم عمل المعارضة لعقود التناقض القائم بين القوى الحزبية المدنية والقوى المسلحة، وهو تعبير ملح عن التناقض بين الحضر والريف أو المركز والهامش، ولكل تكنولوجيا خاصة يرجو بها إعادة تركيب السلطة، الانقلاب والحرب الريفية. اجتمعت لشعبنا من التجربة السياسية مع الإثنين ما يزكي الطريق الثالث المهمل، الطريق الذي انقطع مرة وأخرى بجذب الانقلاب بعد ما حاق بقوى اكتوبر تحت قيادة البرجوازية الصغيرة الحضرية، وبجذب العمل المسلح بعد ما برزت ميزاته للبرجوازية الصغيرة الريفية تحت تأثير الحركة الشعبية لتحرير السودان، ذات الطريق الذي بشر به المرحوم عبد الخالق محجوب داعيا إلى العمل الصبور الدؤوب وسط الجماهير ومزاوجة الديمقراطية الليبرالية بالنشاط الثوري للقوى الشعبية.
كما شهدت التجربة بكساد خطة الانقلاب شهدت كذلك بأن الطريق الحربي إلى الخرطوم قد ينتهي عند كراسي القصر القديم والوزارة مرورا بعاصمة أو أخرى لكنه لا يكاد يهدد تركيب السلطة السياسية والاقتصادية القائمة، سلطة “الصفوة البيروقراطية المتبرجزة” بعبارة المرحوم جون قرنق وإن كان الثمن التقسيم. ذلك لنقص في السياسة الجماهيرية، السياسة التي تحشد القوى الشعبية وتنظمها بما يتفوق على التناقضات الإثنية والمناطقية، أصالة عن نفسها وليس بوكيل حربي. لذا، فأن تسوية قصيرة أو متوسطة المدى للنزاعات الحربية في أرياف البلاد المضطهدة تشكل شرطا لانفتاح الطريق الطويل نحو اعادة تركيب السلطة عبر تحول في ميزان القوى الاجتماعية. إذ لا يمكن تحت شرط الحرب الأهلية الدائرة على رحى التناقضات بين الريف والمدينة مد الجسور اللازمة بين الخاسرين من الطرفين، المضطهدين في الريف والحضر، حيث تظل نضالاتهم المشتركة في جوهرها حبيسة التناقضات الإثنية التي لا تملك القوى المحاربة، إن كان قوى الحكم أو المعارضة، سوى تجذيرها لحشد الدعم الشعبي. تصديق ذلك ما أصاب القوى العسكرية للجبهة الثورية من خسائر عندما حاولت توسيع دائرة الحرب خارج حواضنها الإثنية، وطبيعة القوات التي وجهها جهاز الحكم لقمع المتظاهرين في سبتمبر ٢٠١٣ ثم أصبحت قوة الردع متعددة المهام التي يستند إليها. من هذا المنظور تبدو دعوة البعث والشيوعي المتكررة للانتفاضة في الخرطوم صورة كاريكاتورية عن عملية سياسية معقدة لن يكتب لها النجاح إلا بمزاوجة هذه التناقضات الثانوية على مستوى التناقض الأولي الذي تفضل المسطول برسم خطه الفاصل، وذلك حلف المساكين الذي جاءت ساعته وغاب سايسه.
Subscribe to:
Posts (Atom)

